الفهرس

التفسير وعلوم القرآن

الصفحة الرئيسية

 

(106)

 ۞ سورة قريش ۞

مكية وهي أربعة آيات

الفيل وقريش والمبعث الشريف

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

أَ لَمْ تَرَ: كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِـ : (أَصْحابِ الْفِيلِ)؟!

أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ؟!

وَأَرْسَلَ ـ عَلَيْهِمْ ـ طَيْراً أَبابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ)(1).

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

لإِيلافِ: (قُرَيْشٍ)، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ: الشِّتاءِ، وَالصَّيْفِ.

فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ، الَّذِي: أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ، وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)(2).

ـ 1 ـ

لقد كان (إبرهة) مندوباً من قبل (النجاشي) ـ ملك الحبشة ـ على اليمن. وحيث كانت اليمن فقيرة، ليست لها موارد اقتصادية، ترفع مستوى المعيشة فيها إلى مستوى البلاد الغنية، كالشام والحبشة، فكر في إيجاد مورد اقتصادي سهل لبلاده. فوجد (مكة) بلداً ليست لها موارد طبيعية، ولكنه تعيش مستوى أرفع من مستوى بلاد اليمن، بسبب استراتيجية (الكعبة) من ناحيتين:

1ـ أن وفود الحجاج تنفق فيها أموالاً طائلة، هي نفقات الحج الطبيعية.

2ـ أن التقاء الناس ـ من كل البلاد ـ في مكة، جعلها سوقاً رائجة رابحة: فأهل مكة ـ في الشتاء ـ يسافرون إلى اليمن، فيشترون خير ما فيها. وفي الصيف، يسافرون إلى الشام، فيشترون خير ما فيها. ويبيعون ما يشترون ـ من اليمن والشام ـ في رجب: موسم العمر، وفي ذي القعدة وذي الحجة محرم: موسم الحج.

فأراد (أبرهة) أن يوجه الناس إلى اليمن، فبنى ـ في اليمن ـ بيتاً على هندسة الكعبة، حتى يحجه الناس كما يحجون الكعبة في مكة، ولكن الناس ما زاروا بيته في اليمن. فالشرعية التاريخية ـ منذ هبوط آدم (عليه السلام) ـ ، وذكريات الأنبياء (عليهم السلام)، ومقابرهم الكثيرة في المسجد الحرام... هي التي تشد الناس إلى الكعبة، لا هندسة البناء، ولكن (إبرهة) لم يشأ أن يفهم الكعبة إلا بناءاً بهندسة خاصة.

وعندما وجد الناس منصرفين عن بيته إلى الكعبة، أراد أن يهدم الكعبة، ليضطر الناس إلى بيته في اليمن. فجند جيشاً جراراً، اتخذ الفيلة بدلاً عن الخيول ـ والفيل أقوى من الخيل في احتمال الجراح، وكان يستخدم لهدف الأبنية القديمة ـ ، وقاد جيشه إلى مكة. وكانت أخباره تنشر القلق في نفوس أهل مكة، الذين وجدوا أنفسهم غير قادرين على مقاومته. فلما أشرف على مكة، أرسل الله أسراباً من الطيور، ألقت على ذلك الجيش، كميات من حصوات طينية، حطمت الجيش.

وكانت هذه الحادثة ظاهرة معجزية، تكشف عن حماية الله:

للكعبة، ولأهل مكة، فتباشر أهل مكة، لـ :

1ـ نجاتهم من ذلك الجيش القوي، الذي لم يكونوا يحلمون بالانتصار عليه، فاستسلموا له، ولم يتأهبوا لمقاومته.

2ـ إن الحادثة كشفت: أن الله بجانبهم. فارتفعت معنوياتهم، وانخفضت معنويات أعدائهم.

فاتخذوها مداراً للتاريخ، بما يؤرخوا الحوادث. ولولا أن الإسلام أعقب تلك الحادثة بهجرة الرسول لبقية حادثة الفيل مداراً للتاريخ العربي.

وعندما جاء الإسلام، قرر أن تلك الحادثة كانت معجزة سماوية، منّ الله بها على أهل مكة.

(أَ لَمْ تَرَ: كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ؟!)، وهم (أبرهة) وجيشه. وعبر القرآن عنهم بأصحاب الفيل تحقيراً لهم، فهم أصحاب الفيل. أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ؟!)، فجعل سهمهم طائشاً، وكيدهم تخبطاً في ضلال.

(وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ) أي: أسراباً... أسراباً... كانت تأتي الطيور، فتقصفهم، بتكتيك جوي متبع حتى اليوم في المجالات العسكرية. فالقاذفات، تقصف على موجات، لمفاجأة العدو فكل موجة، تنحسر يخرج العدو من ملاجئه، ليهيء نفسه للمقاومة . أو لهجوم معاكس، فتغمره موجة أخرى. وتتوالى الموجات، بفواصل مختلفة، حتى تقضي عليه.

(تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ). فالإنسان عندما يحارب الله، يصبح حقيراً حقيراً... مهما اشتد بأسه في أنظار الناس. فالله لم يحطم ذلك الجيش المزود بالفيلة، لا بالصواعق، ولا بالعواصف، وإنما حطمها بأحجار صغيرة من الطين اليابس، كانت الطيور تحملها بمناقيرها وأرجلها، فتلقيها على أصحاب الفيل.

(وسجيل) كلمة معربة من كلمتين فارسيتين، هما: (سنك پل)، أي: (حجارة الطين)، وهي قطع الطين اليابسة.

(فَجَعَلَهُمْ) الله، بتلك القنابل الصغيرة، (كَعَصْفٍ) وهو: التبن، (مَأْكُولٍ). فأصبح منظر ذلك الجيش الرهيب في الصحراء، أشبه بمنظر التبن الذي يتساقط من أفواه الحيوانات عندما تأكل.

هذه معجزة ـ لا شك ـ ، لأنها ظاهرة غير طبيعية، ولكن كيف تمت تلك المعجزة؟

1ـ يقال: إن ميكروبات أصابت جيش (أبرهة)، فهلك بنوعٍ من الأوباءِ.

وهذا غير صحيح، لأن التعبير عن مكيروبات بـ : (طَيْراً أَبابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ)، تعبير فيه كثير من المبالغة المشوهة. وبعض من شهدوا الحادثة بأعينهم، سمعوا هذا الوصف القرآني بآذانهم. لأن الحادثة كانت قريبة العهد من نزول القرآن، فعام الفيل هو عام ميلاد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، أي: كانت الحادثة قبل بدء نزول القرآن بأربعين سنة.

فلو كانت الميكروبات سبب هلاك أصحاب الفيل، لأنكر الناس على القرآن التعبير بـ : (طَيْراً أَبابِيلَ...)، ولم ينكروا ذلك. فإذن: كان سبب هلاك أصحاب الفيل: (طيراً)، لا ميكروبات.

2ـ يقال: أن طيراً من نوع الجراد، عصفت بهم في موجات، فأكلتهم، وتركت بقاياهم كعصف مأكول.

وهذا غير صحيح أيضاً. فالقرآن يقول: (تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ)، ولو تم هلاكهم بواسطة طيور تأكلهم، لكذّب القرآن من عاصر الحادثة ونزول القرآن.

فلعل أسراباً من الطيور، كانت قد حطت على شواطئ البحر الأحمر، وحملت بأرجلها كميات من رمال الشواطئ، فلما حلقت على جيش (أبرهة)، رمتها بتلك الرمال. وربما كانت تلك الرمال، موبوءة بميكروبات فتاكة، فتسمم الجيش، وتفرقت أعضاء الجنود والفيلة بشكل سريع.

فالله تعالى، أهلك جيش (أبرهة)، ليحفظ: الكعبة، وأهل مكة.

و(لـ) يحفظ لهم (إِيلافِ قُرَيْشٍ: إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ) إلى اليمن، (وَالصَّيْفِ) إلى الشام. (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ): البيت الحرام، وهو المسجد الذي تعلو فيه الكعبة. (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ)، فلم يدع (إبرهة) يقطع عليهم مورد ارتزاقهم، (وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) فلم يترك (إبرهة، يبيدهم كما كان ينوي.

وهذه اللام في: (لإِيلافِ قُرَيْشٍ) لام التعليل، أي: إن الله أباد جيش (أبرهة) لإِيلافِ قُرَيْشٍ.

فلماذا حفظ الله أهل مكة، وكثير من الحروب تشن على كثير من البلاد، فلا يحفظ الله أهلها بالطرق المعجزية؟

لأن الله كان يريد إبقاء أهل مكة، ليحملوا ـ بعد سنوات ـ أشعة الإسلام، ويتجاوزوا بها الفيافي إلى كل بعد.

صحيح: أن أهل مكة وقفوا ـ في بادئ الأمر ـ ضد الإسلام، ولكنهم اندمجوا ـ أخيراً ـ فيه، وخدموه خدمات جليلة، وكانت لهم مواصفات عديدة ساعدت على انتشار الإسلام، وربما كانت السبب في أن الله اختار نبيه من بينهم.

وبعض الأحاديث تدل على أن هاتين السورتين: (سورة الفيل و سورة قريش) سورة واحدة، وإن فصل بينهما ببسم الله، وفقهائنا يعتبرونهما واحدة. فروح السورتين واحدة، والسورة الثانية تعلل السورة الأولى.

ـ 2 ـ

هل هذه الطير كانت:

1ـ حيوانات سامة، وجدت في تربة سامة، نتيجة لتفاعلات. فنهضت من الأرض، ووجهها الله للانقضاض على (أبرهة) وجيشه؟

2ـ أو طيور معروفة باسم: (بنات الهند والسند)، التقطت قطعاً من تربة سامة، وألقتها على جيش (إبرهة)؟

3ـ أو أن العملية ـ كلها ـ كانت معجزية؟

يمكن أن يكون أي من ذلك. ولكن يأتي هذا السؤال:

إن الله أرسل جيشاً أبابيل، يبيد جيش (أبرهة)، عندما أراد أن يهدم الكعبة، فلماذا لم يرسل مثل ذلك الجيش عندما ضرب (الحجاج) الكعبة؟

الجواب: إن الله ـ تعالى ـ غالب على أمره، ويحفظ دينه في كل وقت بشكل: ففي الوقت الذي يوجد المؤمنون يحفظه بالمؤمنين، وعندما لا يوجد المؤمنون يحفظهم بجيش أبابيل ـ مثلاً ـ . وعندما ضرب الحجاج الكعبة، كان المؤمنون، الذين حفظوا الكعبة ولو بعد حين.

ثانياً: في مجال الامتحان الإلهي قد يكون ما يلي:

عندما يوجد المسؤول عن شيءٍ، يترك الله الأمر له، وإن لم يؤد مسؤوليته فالله أرسل ذئبة ترضع نمرود، عندما كان طفلاً رمته الأمواج على الساحل. ولكن إذا مات طفل ـ إلى جانب أمه ـ جوعاً، فإن الله لا يرسل عادة، ذئبة ترضعه، لوجود أمه المسؤولة عنه. وهكذا... في كل مجال، ومنه مجال حفظ الكعبة.

سؤال آخر: إن الله حفظ الكعبة عندما كانت قاعدة الأصنام، ولم يحفظها وقد طهرها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من الأصنام؟

الجواب: إن الكعبة مقدسة، وجدت الأصنام على ظهرها ولم توجد، فقداستها لا تذهب بتعليق الأصنام حولها.

ثانياً: إن فترة الأصنام محدودة، والكعبة مستمرة، ولا تهمل الكعبة المستمرة للأصنام المحدودة الزمان.

ـ 3 ـ

قصة: (الفيل) وردت في القرآن والسنة، مثالاً على أن الله قد يؤاخذ في الدنيا. فصارت مثلاً من جملة الأمثال القرآنية، التي تتظافر على أن الله يمهل ولا يهمل، حتى إذا أحاطت بقوم سيئاتهم، جاءت ضرباته عارمة ماحقة. كقصص: قوم عاد، وقوم ثمود، وأصحاب الرّس، وقوم نوح، وقوم سبأ، وقروناً بين ذلك كثيراً...

وقد تذكر قصة الفيل، مثالاً على أن الله ـ تعالى ـ يحمي بيته الحرام، وسائر مقدساته، ولو بالطرق المعجزية.

وقد تذكر دليلاً على علم عبد المطلب، بأن الله سيهلك جيش (أبرهة)، فلم يكلف نفسه الدفاع عن الكعبة، واكتفى بالدفاع عن إبله.

وقد تذكر دليلاً على عظمة عبد المطلب عند الله، عندما لم يخيب أمله، فلم يهمل كلامه الذي كان كالدعاء، رغم أنه لم يكن دعاءاً بالمعنى الدقيق.

وسواء أكان كل ذلك ـ أو بعضه ـ صحيحاً أو لم يكن، فإني أتصور:أن أصل القضاء على جيش (أبرهة) كان إرهاصاً لميلاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في جملة الإرهاصات التي سبقت ميلاده الكريم ـ لإشعار الناس بأن الله يستوعب حوادث الأرض، ويهيمن عليها: فيترك ما يشاء انتهاءه إلى أجله، ويقضي على ما يشاء القضاء عليه. وليس الإرهاص إلا تذكيراً بأن الإرادة الإلهية، التي جعلت للكون نظاماً شاملاً، لم تفقد سيادتها على الكون ونظامه، ولم يأخذ النظام السلطة منها، وإنما هي ـ لا تزال ـ صاحبة السيطرة المطلقة، من تمرير النظام واختراقه.

فلم يكن صدفة ميلاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في عام الفيل، وإنما كان إرهاصاً بميلاد الميمون. ولولاه: فكم من قوم طغوا وبغوا، ولم يعجل الله عليهم بالعذاب؟! وكم من مرة تهدمت الكعبة بفعل السيول، أو هدمها الملحدون أو المسلمون، ولم يحم الله بيته الحرام؟! وكم من دعاء انفجرت به أعماق نفس عبد المطلب، فما استجاب الله له؟! ولكن تحقق كل ذلك، عندما اقتضت الحكمة الإلهية، أن تجدد عهد الناس، وتذكرهم بأن الإرادة الإلهية ـ لا زالت ـ تمارس سيادتها وعنايتها على الأرض. حتى لا يفاجأ الرأي العام. بنبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي سيبعث بعد فترة من الرسل، بل يبقى متوقعاً لمفاجآت السماء، وفي أي وقت... وفي أية مناسبة.

(1) ـ سورة الفيل: الآية 1 ـ 5.

(2) ـ سورة قريش، آية 1 ـ 4.