الفهرس

التفسير وعلوم القرآن

الصفحة الرئيسية

 

(47)

 ۞ سورة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)  ۞

مدنية وهي ثمانية وثلاثون آية

تضحية الكبار من أجل الصغار

(...الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ:

فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ

سسَيَهْدِيهِمْ،

وَيُصْلِحُ بالَهُمْ

وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ)(1).

ـ 1 ـ

هل يوجد معنى لتضحية الكبار من أجل الصغار؟

يقول: المسيح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ضحى للمخطئين، الإمام الحسين (عليه السلام) ضحى ليتفدي العصاة من أمة جده...

هل المسيح كان يحترم المخطئين حتى يضحي لهم؟!

وهل الحسين (عليه السلام) كان يحترم العصاة من أمة جده حتى يضحي لهم؟! وهل قتل إلا بأدي العصاة من أمة جده؟! أو ليس هذا يساوي: أن الحسين (عليه السلام) ضحى لمن قتلوه، وسبوا نساءه؟!

كل الأنبياء... والأوصياء... والمصلحين... ضحوا في سبيل القضاء على العصاة... والخاطئين... فكيف يمكن أن يقال انهم ضحوا لهم؟!

إن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يعلن معادل، نستطيع أن نقرأها خلف كلمات كل المضحين الكار. فيضع الإمام مصلحته الحقيقية في كفة، ويضع المصلحة العامة للأمة الإسلامية ـ بأسرها ـ في كفة، ثم يتخذ قراره الواضح الصريح، بأنه لو تأرجحت الكفتان، فإنه لا يتردد في ترجيح الكفة التي تمثل مصلحته الخاصة، فيقول: (وإني لعالم بما يصلحكم... ولكني لا أرى إصلاحهم بإفساد نفسي)(2).

فالإمام يستطيع أن يؤمن الأمن والاستقرار... والقيادة الرشيدة... للأمة الإسلامية، ويزيح ظلام الحكام الطواغيت عن الأفق الإسلامي، إذا لم يستبد بالعدل الصارم، ورضي أن يساوم ـ بعض الشيء ـ على حقوق الضعفاء، يشتري بها الأقوياء، ويدرأ بها عن الأمة كيدهم... وبأسهم... ولكن هذا يعني انحراف الإمام بعض الشيء، والإمام يفضل أن يجتاح الأقوياء أمة بأسرها، ويربكوا مفاهيم السماء، ولا يرضى بأن ينحرف ـ هو قليلاً، حتى ولو كان انحرافه في سبيل إنقاذ الأمة من طواغيتها، وإنقاذ الطواغيت من شرور أنفسهم.

وكما لا يقبل الإمام أن يجير آخرته لأمته، هكذا... لا يرضى الإمام أن يجير دنياه، لأمته، فلا يضحي بحياته في سبيل أحد.

والإمام الذي منع الناس أن يضحوا بشيء من جهدهم... أو وقتهم... في سبيله، فردهم عندما تظاهروا لتأييده، وإعادتهم إلى بيوتهم حينما خرجوا لحراسته ـ وهو يعرف: من هو؟ ومن هم؟ وماذا تعني تضحيتهم في سبيله؟ ـ كيف يضحي بحياته... أو جهده... أو وقته... في سبيل الآخرين؟!

إن من أكبر الأخطاء العامة، تصور تضحية الكبار من أجل الصغار. وأكبر من هذا الخطأ، تصور تضحية المعصومين الكبار في سبيل المجرمين الصغار، كتضحية الأنبياء... والأوصياء... في سبيل العصاة... والمخطئين...

وهل يصح التضحية بالكثير في سبيل القليل؟!

وهل الله ـ تبارك وتعالى ـ يقر تضحية صفوته من الخلق في سبيل التافهين منهم، فكيف بالمجرمين الذين أمربمحاربتهم في الدنيا... وعذابهم في الآخرة...؟!

وهل أنت تضحي بحبّة الماس في سبيل حبّة رمل؟! أو تقرّ التضحية بابنك الوحيد في سبيل حشرة سامة؟!

إذن: لماذا ضحى الكبار... الكبار... الذي كانوا يستوعبون واقعهم، وواقع الآخرين ـ بلا ترجرج ـ ، والذين كانوا متصلين بالسماء؟

يمكن تفسير تضحياتهم بما يلي:

1ـ إنهم ما كانوا يضحون بشيء، وإنما كانوا يقومون بممارسة الذات:

فالشمس حينما تضيء، لا تضحي بذاتها لتربية الكائنات التي في محيط شعاعها، وإنما تمارس ذاتها.

والسحاب حينما يمطر، لا يضحي بذاته ليخصب التراب، وإنما يمارس ذاته.

والأرض عندما تتنفس الربيع، والوردة عندما تنضح العبير، والبلبل عندما يغرد، والنسيم عندما يفحص البيادر... ليس شيء من ذلك يضحي، وإنما يمارس ذاته.

وأنا عندما ترجل شعرك، وتحدب على حديقتك، وتنسق مكتبك، وتقبل ابنك، وترتب مائدتك، وتتبسم للثلوج التي تكفن الجبال.... والوديان... بالخريف، وتضحك للنكتة المرحة، وتبكي لموت صديق، وتصفق للكلمة العادلة، وتنظم الشعر، وتكافح عدوك... لا تضحي، وإنما تمارس ذاتك.

هكذا... الأنبياء والمصلحون حينما يضحون، فإنهم لا يحاولون أن يخسروا الحياة أنبيائها للتوفير على طفيلياتها، ولا يريدون التصدق على أحد، وإنما يمارسون ذواتهم، المجبولة على الخير، فيطفح منهم الحق... والخير... كما يطفح المنبع الثر بالنمير.

أ رأيت العقل الذي يستوعب كل شيء، ويصرح بكل شيء، ولكن لا يجد ـ في الأرض ـ من يستقبل شعوره، فيتجه بمشاعره إلى السماء مناجياً:

(إلهي! ما عبدتك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنتك، بل وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك)(3)، إنه يخاف من النار، ويطمح في الجنة؟1 ولكنه لا يعبد الله طمعاً في هذه... أو خوفاً من تلك... وإنما يعبر عن هويته ـ بعفوية بالغة ـ حينما يعبد الله. كما يعبر عن ذاته حينما يحترم العبقرية، ويتحنن على اليتيم، ويشجع الحق، ويكافح الباطل.

وهو ـ كذلك ـ يمارس الذات، عندما يشهر السيف للدفاع عن المظلومين بلا هوادة... وللقضاء على الظالمين بلا رحمة...

ولأنه يمارس ذاته، لا يبالي: إن وقع على الموت، أو وقع الموت عليه.

ولأنه يمارس ذاته، فهو شجاع، لو تظافرت العرب على قتاله لما ولى عنها.

ولأنه يمارس ذاته، لا يستقبل خلافة المسلمين بكذبة وقتية.

ولأنه يمارس ذاته، لا تختلف عنده إمارة المسلمين عن خصف نعله.

ولأنه يمارس ذاته، لا تنفصل لديه الصلاة لله عن التصدق على الفقير.

ولأنه يمارس ذاته، لا يغريه شيء... ولا يرهبه شيء...

وأنت عندما ترعى حديقتك، فتشذب الشجر من العناصر الميتة، وتنقذ طاقة وردة، من المتسلقات، وتكافح الأشواك المستغلة للمناخ الملائم... قد تهدر عطلة أسبوعك في حديقتك، ولا تبالي إذا ثأرت منك الأشواك فجرحت يديك ورجليك... وقد لا تثمن الحديقة بساعة من وقتك، وربما لا تبيع قطرة من دمك بكل ما يمكن أن تقدم لك الحديقة من ورود وثمار... ولكنك تفعل ذلك كله، لأنك تمارس ذاتك من خلالها.

وأنت قد ترى طفلاً يعترض آلية متحركة، فتقفز لإنقاذه من عجلاتها، وربما دون أن تفكر في ذيول الحادث... وقد ترى رجلاً يشهر سلاحه إلى بريء، فتمسك بيد المجرم، وربما مع العلم بأنك ستتعرض للكماته وكلماته الحاقدة... وقد ترى مسكيناً يقاسي، فتجود عليه ببعض ما تملك، وربما مع الترحيب بملامسة قريب أو صديق...

مع أن حصتك من نزعة الخير محدودة. فإذا ارتفعت حصتك من نزعة الخير حتى استوعبت كل نشاطاتك، فستنطلق ـ بكلك... وبأقصى طاقاتك... ـ لتحقيق الخير، ولو تعرضت لأبشع أنواع التقريع، ولأفظع ألوان التنكيل... لا بحثاً عن مكسب مادي أو معنوي، وإنما انسجاماً مع المحركات الفاعلة في داخلك. تماماً... كما تمارس سائر الغرائز المتحركة في داخلك... تماماً... كما تمارس غرائز: الطعام، والشراب، والنوم، والجنس، والسكن، والكساء، وسائر الضرورات... والكمالات...

هكذا... الأنبياء والأوصياء، كانوا يؤدون عملية ممارسة الذات من خلال تضحياتهم، كما كانوا يقومون بممارسة الذات في عباداتهم... ومعطياتهم... دون أن يفرقوا بين: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وتمكين الحق، وتعليم الجاهل، وتتبيب الأمن، وقتال أعداء الإنسانية، والتعاطف مع الأرملة، وتزويد اليتيم بشحنة روحية تمده للتغلب على مشاكل الحياة... ودون أن يفرقوا بين العمل الكبير والعمل الصغير. وبين العطاء الوقتي والعطاء المستمر... طالما المنطلق للجميع واحد، وهو: ممارسة الذات، التي لا مفهوم معها للتضحية.

2ـ إنهم كانوا مقتنعين إلى درجة (حق اليقين) ـ وهو: الوجدان الكامل ـ بالحقائق التالية:

إن الدنيا (بكل أبعادها... وعقدها...) مجال مناسب لتمرين الإنسان، وتفتيح طاقاته، إعداداً للآخرة فقط.

إن جسم الإنسان مركب مناسب، لنقل الإنسان من (عالم الذرّ) إلى (عالم البرزخ)، عبر الدنيا. ليس أكثر.

إن حقيقة الإنسان، روحه. وروحه، قابل للتقوية... والتوسيع... بشكل سريع... ومتين... حتى تضيق به رحاب الدنيا، كما هو قابل للتضييق... والتحجيم... حتى ترهقه كلمة... أو نظرة.

إن أعمال الخير هي الوسائل المناسبة لتقوية الروح... وتوسيعه... وإن أعمال الشر هي: الوسائل المناسبة لتضعيف الروح... وتحجيمه...

والقناعة بهذه الحقائق الأربع، كانت تدفعهم إلى ممارسة أعمال الخير... وإلى مجانبة أعمال الشر... حتى يؤهلوا للآخرة تماماً كالرياضي الذي يمارس التمارين القاسية ـ باندفاع ـ وبجانب الأشياء المضرة بالصحة ـ بقوة ـ حتى يؤهل للحلبة.

تماماً... كالطالب الذي يتلقى الدروس الصعبة ـ بانتباه ـ ، ويضن بنفسه على المسليات ـ بجد ـ ، حتى يؤهل لشهادة تؤمن مستقبله.

ولعل هذه القناعة، هي التي كانت تدفعهم إلى استهلاك كامل نشاطاتهم لتحقيق أكبر قدر من الخير، غير مبالين بالنتائج المترتبة عليه.

ولعل هذه القناعة ـ ذاتها ـ هي التي كانت وراء إكثارهم من العبادات، بشكل يبدو ـ في معادلاتنا ـ أكثر مما ينبغي.

وإذا صح: إنهم كانوا ينطلقون من هذه القناعة في أعمالهم ـ ولعله صحيح ـ ، فمن الواضح: أنهم ما كانوا يتحركون من منطق التضحية.

3ـ إنهم (جميعاً) كانوا مؤمنين بالله... وبكلماته... إيمانناً بالمعادلات المحسوسة، التي نؤسس عليها تصرفاتنا اليومية. وهذا الإيمان الواضح الشامل، الذي لا غموض فيه ولا قصور، كافٍ لتركيز كامل نشاطاتهم في اتجاه التعامل مع الله ـ تبارك وتعالى ـ .

ولعل الأحاديث الواردة في أبواب (ثواب الأعمال) و(عقاب الأعمال) تحاول مثل هذا التركيز.

فإذا آمن الفرد ـ إيمانه بمعادلاته الحياتية ـ بأنه لو (قال ـ حين يأوي إلى فراشه: (لا إله إلا الله) ـ مائة مرة ـ بنى الله له بيتاً في الجنة)(4)، ولو (دخل الحمام، فغض طرفه عن النظر إلى عورة أخيه، آمنة الله من الحميم يوم القيامة)(5)، ولو (أتمَّ ركوعه، لم تدخله وحشة في قبره)(6)، ولو (سجد سجدة: حط عنه بها خطيئة، ورفع لها بها درجة)(7)، و ـ أخيراً ـ لو (أسبغ وضوءه)، وأحسن صلاته وأدى زكاة ماله، وكف غضبه، وسجن لسانه، واستغفر لذنبه، وأدى النصيحة لأهل بيت نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم): فقد استكمل حقائق الإيمان، وأبواب الجنة مفتحة له(8).

وإذا آمن ـ إيمانه بالعقوبات القانونية ـ بأنه لو (تهاون بأمر الله، أهانه الله يوم القيامة)(9)، ولو (تعصب، حشره الله ـ يوم القيامة ـ مع أعراب الجاهلية(10)، ولو (أذنب ذنباً هو ضاحك، دخل النار وهو باك)(11). ولو (حبس حق المؤمن، أقامه الله ـ يوم القيامة ـ خمسمائة عام على رجليه حتى يسيل من عرقه أودية، وينادي منادٍ من عند الله: هذا الظالم، الذي حبس عن المؤمن حقه. فيوبخ أربعين يوماً، ثم: يؤمر به إلى النار)(12)، و ـ أخيراً ـ (لو أن عبداً عبد الله، مائة مرة، بين الركن والمقام، يصوم النهار، ويقوم الليل ـ حتى يسقط حاجباه على عينيه، وتلتقي تراقيه هرماً، جاهلاً لحقنا، لم يكن له ثواب)(13).

فلا شك:أن مثل هذا الفرد، سيوظف كل نبضة من نبضات فكره، وكل لحظة من لحظات وقته، وكل عصب من أعصاب جسمه... في أعمال الخير، مهما كانت الظروف. وسيتهرب من أعمال الشر، مهما ألحت المغريات.

وإذا صح: إنهم كانوا ينزعون من هذا الإيمان في أعمالهم ـ ولعله صحيح ـ فمعنى ذلك: أنهم كانوا يتعاملون مع الله. ومعنى تعاملهم مع الله: أنهم ـ في كل ما كانوا يعملون... ويبذلون... ـ كانوا يعطون أقل، ويأخذون أكثر. والذي يعطي أقل ويأخذ أكثر، لا يضحي بشيء.

وإذا صح ـ ولعله صحيح: أن الأنبياء... والأوصياء... (الذين كانوا يستوعبون جميع شؤون الإنسان في الدنيا والآخرة، بدقة... ووضوح...) كانوا ينطلقون من إحدى هذه المنطلقات، أو منها جميعاً، فهم ما كانوا يضحون ـ بالمفهوم الشائع للتضحية ـ وإنما كانوا يضحون بمعنى: أنهم كانوا يبذلون كل طاقاتهم... وحتى دماءهم... دون أن يريدوا من الناس جزاءً... أو شكوراً.

والذين يسيرون في خط الأنبياء... والأوصياء... قد يتصورون: أنهم يضحون بشيء من طاقاتهم منطلقاتهم أو دماءهم، لأنهم لا يستوعبون شؤون الإنسان في الدنيا والآخرة بدقة ووضوح. وإذا استوعبوها ـ كما استوعبها الأنبياء... والأوصياء... ـ لظهر لهم: أنهم لا يضحون، وإنما ينطلقون من: منطلق ممارسة الذات، أو منطلق التهيؤ للآخرة، أو منطلق التعامل مع الله. أو من كل هذه المنطلقات معاً: فيمارسون الذات، ويتهيأون للآخرة، ويتعاملون مع الله.

ـ 2 ـ

ومن الخطأ الفاضح: تضحية الصغار في سبيل الكبار، فتضحية الإنسان في سبيل الإنسان غير وارد، فكيف بتضحية الإنسان في سبيل الأشياء...

(1) ـ سورة محمّد آية 4 ـ 6.

(2) ـ الخطأ ـ في كثير من التعبيرات الدينية ـ يشمل المخالفة عن عمد... وإصرار... ففي القرآن الكريم: (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ) (سورة القصص: 8) وفي الإنجيل: (كلكم خطاؤون...) وإذا لم نقل أن المارد هو: الخطأ في تقدير أن شراء الدين بالدين في مصلحتهم . م.

(3) ـ العروى الوثقى، للإمام الطباطبائي اليزدي ـ الجزء الأول/ 614.

(4) ـ ثواب الأعمال للشيخ الصدوق ـ 18.

(5) ـ ثواب الأعمال للشيخ الصدوق ـ36.

(6) ـ ثواب الأعمال للشيخ الصدوق ـ 55.

(7) ـ ثواب الأعمال للشيخ الصدوق ـ 55.

(8) ـ ثواب الأعمال للشيخ الصدوق ـ 45.

(9) ـ ثواب الأعمال للشيخ الصدوق ـ 242.

(10) ـ عقاب الأعمال للشيخ الصدوق ـ 263

(11) ـ عقاب الأعمال للشيخ الصدوق ـ 266.

(12) ـ عقاب الأعمال للشيخ الصدوق ـ 286.

(13) ـ عقاب الأعمال للشيخ الصدوق ـ 243.