الفهرس

التفسير وعلوم القرآن

الصفحة الرئيسية

 

(104)

 ۞ سورة الهمزة  ۞

 مكية وهي تسعة آيات

نار الدنيا ونار الآخرة

(نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ، الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ)(1).

النار ـ المتداولة بأيدينا ـ تتقدم تدريجاً: فتشعل الأقرب إليها، ثم تتقدم نحو الأبعد عنها. فإذا سقط إنسان في النار، يشتغل ظاهر جسمه، أولاً، ثم تتسرب النار إلى جوفه. وقياساً على ذلك، تبرز علامتا استفهام:

الأولى: كيف تصل نار جهنم ـ مباشرة ـ إلى القلوب الموجودة في أجواف أهل النار؟

الجواب: إن النيران على قسمين، لكل قسم منهما خواصّه.

القسم الأول: النار العفوية التي تترك على سجيّتها، كالنار الملتهبة في الهواء الطلق. وهذه تحرق كل ما تمسه ـ تدريجياً ـ بعفوية وبراءة.

القسم الثاني: النار الموجهة إلى نقطة خاصة. وهذه لا تحرق كل ما تمسه تدريجياً، وإنما تحرق النقطة التي توجه إليها، وتتجاوز الأجسام التي تمر بها فلا تحرقها. كأشعة (لايزر) التي تستخدم ـ طبياً ـ لاستئصال أو إحراق الزوائد التي تتواجد داخل الجسم، فتغني عن إجراء عمليات جراحية.

والله ـ تعالى ـ أوجد نيران الدنيا، وسخرها للبشر، ليستخدمها في أغراضه. فهي بريئة، مطواعة، تتحرك بإرادة البشر. فكلها من القسم الأول. فيما أوجد الله ـ سبحانه ـ نيران جهنم، وسلطها على البشر. فهي موجهة، تتحرك بإرادة خزنتها (من الملائكة) حسب الذنوب. وحسب تعبير الحديث، هي نار (مسجّرة)، أي: موجهة. كما ورد في قول الإمام علي (عليه السلام) لأخيه عقيل في القياس بين النارين: (أتئِنّ من حديدة أحماها إنسانها للعبه، ولا أتِنّ من نار سجرها جبارها لغضبه)(2).

الثانية: لماذا تخصيص القلوب بالاحتراق دون سائر الأعضاء؟

الجواب: يمكن تعليل هذا التخصيص بوجوه.

أ: لعل المقصود بيان: أن نار جهنم تختلف عن نار الدنيا، بأنها لا تحرق ظاهر الجسم أولاً ثم تتسرب إلى باطنه، وإنما هي تحرق الظاهر والباطن، وفي وقت واحد، وعلى حد سواء. وقد ذكر (القلب) لا لتسرب النار إليه فقط، وإنما رمزاً إلى الأحشاء.

واختياره رمزاً للأحشاء: ربما لأنه أهم الأحشاء. وربما لأنه أرهف الأحشاء، فتألمه بالنار أكثر. وربما لأنه عضو رئيسي، يحرص الإنسان على سلامته أكثر من حرصه على صيانة بقية أحشاءه.

ب ـ لعل نار جهنم توجه إلى (القلب) بصورة مركزة، لأن القلب قائد الجسد، ولا يتحرك أي عضو من الجسد إلا بوحي منه، وإن كانت الأعضاء تساهم معه في أداء المعاصي، إلا أن دوره في مخالفة الله دور رئيس، فيقدر عذابه بقدر دوره، فلا ينجو من النار بكونه في باطن الجسد، وإنما تركز عليه النار حتى ينال عقابه العادل.

ج ـ بما أن (القلب) مركز النوايا، ومجمع العواطف والشهوات، وتقتضي العدالة أن لا يعذب المجرم إلا بمقدار ما انطوى عليه من شر، ونار جهنم عاقلة تتحرك في اتجاه كل مجرم بقدر استحقاقه، فلعل المقصود من (إطلاع نار جهنم على الأفئدة): أن النار تفحص قلب كل من يدخلها، فتعذبه بمقدار ما تجد في قلبه من النوايا السوء.

فتفيد الآية تهديد المجرمين بأن كتمان السرائر في القلوب لا ينجي من عذاب جهنم، لأن نارها ليست عشواء تلتهم كل ما يلقى فيها كما تلتهم الهشيم، وإنما تقدر ـ بوعي دقيق ـ مدى استحقاق كل مجرم للعقاب.

كما تفيد الآية سيادة العدالة في جهنم، فلا ينال أي مجرم أكثر من استحقاقه.

(1) ـ سورة الهمزة: آية 6 ـ 7.

(2) ـ نهج البلاغة ـ خطبة(224).