|
(46) ۞ سورة الأحقاف ۞ مكية وهي خمسة وثلاثون آية |
|
(فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ...)(1). عفوية مزاج الإنسان، تدفعه إلى الضرب في كل اتجاه، خلف المغريات. كما أن عفوية مزاج الكون، تدفعه إلى: الزلازل، والبراكين، والصواعق، والفيضانات، والأوباء... فتقنين طاقات الإنسان، يشبه تدجين طاقات الكون. فهو يعني تحديد فضولها، لإخضاعها للسير في مسلكية معينة، تشبه تمرير الطاقة الكونية في قناة معينة. ولا يتم ذلك، إلا باعتراكها والتسلط عليها: فالقدرة الموجهة، التي تتولى تقنين طاقات الإنسان، عليها أن تعاني التمردات وردود الفعل، وتقديم التضحيات بسخاءٍ، حتى تتسلط عليها فتقننها. كما أن القدرة المخترعة، التي تتولى تدجين طاقات الكون، عليها أن تعاني الانفجارات وثأر التجربة، وتقدم التضحيات بسخاءٍ، حتى تتسلط عليها فتدجنها. فكل كلمة حق، محاولة للتسلط على طاقة بشرية هائجة، لتذليلها وفق مقياس معين. وتلك الطاقة لا بد أن تقاوم بقدرها، وعلى مصدر كلمة الحق أن تعركها حتى تتسلط عليها. وكل عراك يصدم الجانبين معاً، وإن كانت خسارة الجانب المنتصر أقل في أكثر الأحيان، إلا أنه يخسر شيئاً، فلا يمكنه الخروج من المعترك بلا خسارة، حتى ولو كان مسلحاً بالأدوات المناسبة للمعركة. وإذا كان الحق هو التحدي مع الرغبات التي هي أعنف ما في البشر، فبمقدار ما يكبر الحق تتسع الجبهة وتعنف المواجهة، وبمقدار ما يستمر الحق يتواصل الصراع وتتوال التضحيات. فعلى صاحب الحق التاريخي الكير، أن يتحلى بالصبر التاريخي الكبير، حتى ينتصر، ولا ينهار بالصدمات الأولية من ردود الفعل، وإلا يفشل قبل أن تتبرعم جهوده. فالانتصار ليس وليد الضربة القاضية بمقدار ما هو وليد الصبر الطويل، لأن الضربة القاضية وإن بدت ـ على المسرح ـ حركة لا تستهلك إلا ثوان من الزمان، إلا أنها هي نتيجة جهود مضنية ـ طوال سنين ـ بعيدة عن الأضواء. ومن هنا كان الظفر حليف الصبر. (فَاصْبِرْ) أنت يا محمّد! لا صبر الأولياء والمصلحين، ولا صبر الأنبياء العاديين، وإنما صبراً بحجم رسالتك، صبراً (كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) وأصحاب الإرادات التي ترفض الحدود (من الرسل)، حتى تنجح رسالتك، فإن حجم النجاح يقدر بحكم الصبر الذي يسبقه ويعدله. الصبر التاريخي الكبير أيضاً (فَاصْبِرْ) يا محمّد! صبراً عظيماً. لا كصبر سائر الناس، ولا كصبر العظماء، ولا كصبر سائر الأنبياء. بل أصبر (كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ) الأربعة القمم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى (عليهم السلام) (مِنَ الرُّسُلِ). فهذا الصبر العظيم، الذي تضيق به صدود الناس، الكبار والصغار على حد سواء، هو الصبر الذي يقود إلى الأهداف الكبار، وهي أهداف أولى العزم، الذين يتحملون مسؤولية البشرية طوال أجيال. |
|
(1) ـ سورة الأحقاق: آية 35. |