الفهرس

التفسير وعلوم القرآن

الصفحة الرئيسية

 

(91)

 ۞ سورة الشمس  ۞

 

مكية وهي خمسة عشر آية

المقصود بـ : (ما)؟

ـ 1 ـ

(وَالسَّماءِ وَما بَناها. وَالأَرْضِ وَما طَحاها. وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها)(1).

المفسرون على أن: (ما) في: (...وَما بَناها... وَما طَحاها ...وَما سَوَّاها) موصول، يرجع إلى الله تعالى، وعندما يصطدمون بالقاعدة اللغوية العامة، التي تقول: (إن (من) يستعمل لذوي العقول، وأن (ما) يستعمل لغير ذوي العقول)، يبررون استعمال (ما) ـ في هذه الآيات ـ لله تعالى، بأن تلك القاعدة ليست عامة، وأن (ما) يستعمل لذوي العقول أيضاً. وأقوى أدلتهم، هذه الآيات.

وأتصور: أن من الممكن إدعاء أن (ما) ـ في هذه الآيات ـ يرجع لغير الله تعالى.

لأن الله ـ تعالى ـ خلق مخلوقاته بواسطة مخلوقات سابقة عليها. كما أنه يخلق الشر بواسطة البشر، ويخلق الحيوان بوساطة الحيوان، ويخلق النبات بواسطة النبات... ثم: إنه وزع إدارة الكون على بعض مخلوقاته، بانتظام دقيق حكيم حسب مجموعة من الأحاديث ـ :

فجبرئيل، موكل بالرسالات، وعقوبة المتمردين عليها.

وميكائيل، موكل بالأرزاق. وهكذا... فلعل: السماء بنيت بواسطة قوى كبرى، والأرض دحيت بواسطة قوى أخرى، والنفس البشرية سويت بواسطة قوة ثالثة... كالنسبية العامة، أو كروح الولاية.

ولعل تلك القوى ـ رغم قدرتها على العمل ـ ليست عاقلة بالمفهوم الخاص للعقل، كالعقول الآلية ـ مثلاً ـ . فصح إطلاق حرف: (ما) عليها.

وأتصور ـ أيضاً ـ : أن من الممكن إدعاء أن (ما) ـ في هذه الآيات ـ ليس موصولاً، وإنما هو للتعجب، لتوجيه الأذهان إلى عظمة هذه الأشياء التي يحلف الله عليها. لأن الناس ـ إذا تعودوا شيئاً ـ غابت عنهم عظمته، مهما كان عظيماً. فكان من المناسب، إلفاتهم إلى عظمة أشياء تعودوها ثم يجدون الله ـ تعالى ـ يحلف بها، ليستوعبوا الحلف بها.

ـ 2 ـ

لعل في التعبير: بـ :(ما) دون: (من)، دلالة على أن الله تعالى لم يخلق السماء ـ مثلاً ـ مباشرة، وإنما خلقها بالنظام المتوالد، الذي يجعل به الكون متوسعاً مستمراً، وفق مقاييس ومعادلات ثابتة، دائمة الحركة والتطوير. فالذي بنى السماء، هو: ذلك النظام ـ بالشكل الكوني ـ الذي نرى به توسع وتوالد الحياة على الأرض.

ولعل إلى ذلك، يشير بقوله:

(وَالسَّماءَ بَنَيْناها ـ بِأَيْدٍ ـ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ)(2).

فالأيد ـ المفسر بالقوة ـ هو: ذلك النظام، الذي ينتج عنه استمرار الحياة وتوسعها، وفق نظام التوالد. فلولا التوالد في العناصر المفردة وفي التشكيلات، لما استمرت. لأن الزمان دائب في أكل العناصر، وتفتيت التشكيلات. ولولاه لما توسعت الحياة، لأن تكاثر العناصر المفردة، وتكاثر وتطور التشكيلات، ناتج عن نظام التوالد الدائب، الذي يسبق الزمان في الإفناء والتفتيت، فينتج نظام التوالد أكثر مما يفني الزمان.

جهاز التفريق بين الفجور والتقوى

(فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها)(3).

(فَأَلْهَمَها) بخلق (الجهاز العقلي) الذي يلتقط الأمواج الكونية الدقيقة، التي ليست لها صراحة (الوحي)، فيحكم: بأن هذا... فجور، وبأن هذه... تقوى، لأن كل شيءٍ، وكل عمل، له اهتزازات من نوعه. وهذه الاهتزازات، تتموج حاملة معها طابع مصدرها، فيلتقطها العقل الباطن ويفسرها، فيميز بين الخير والشرّ، تمييزاً خفيفاً قابلاً للتشكيك، فلا يؤدي إلى القطع الجازم، ليكون حجة كافية، للتغلب على العواطف والعقد الصارخة في عمق الإنسان.

فلذلك: كان العقل ـ بما فيه العقل الباطن ـ إحدى حجتي الله على الإنسان. فهو حجة خفيفة باطنة، ولأنها خفيفة التأثير لا يصح الركون إليها وحدها، ولأنها باطنة تلفت الثقة إليها، لأن الإنسان لا يحجد نداءه في عمقه، ولا يتهم أحد وجدانه. فهو سند للحجة الظاهرة، يصدقها ويؤيدها. وهي مدد له، تزوده بما يعجز عن استيعابه، وتجهر له ـ بوضوح ـ عما يجد همسه الغامض، كما في الحديث: (إن لله على الناس حجتان: رسول باطن هو العقل، وعقل ظاهر هو الرسول)(4).

(1) ـ سورة الشمس: 5 ـ 7.

(2) ـ سورة الذاريات: الآية(47).

(3) ـ سورة الشمس: آية 8.

(4) ـ الأصول من الكافي ـ ج 1 ـ ص16 ـ حديث(12).