|
(79) ۞ سورة النازعات ۞ مكية وهي ستة وأربعون آية |
|
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً فَالْمُدَبِّراتِ أَمْرا)(1). الملائكة: خلق من خلق الله، نؤمن بوجودها، ونعرف أعمالها، ولا نعر حقيقتها، بمعنى: أنه ـ إلى الآن ـ لم نلمس الملائكة بإحدى حواسنا، وإلا فنحن لا نعرف شيئاً من حقائق الأشياء. وقد كان الفلاسفة القدامى يقولون: (معرفة حقائق الأشياء، من المستحيل)، وقال إنيشتاين: (إن معرفتنا بحقائق الأشياء، أقل من معرفة الأطفال بما في أعماق البحار). فنحن لا نعرف حقيقة الروح، ولا نعرف حقيقة الأوكسجين والهيدروجين، ولا نعرف حقيقة الكهرباء... وما دمنا نجهل كل الأشياء، ولا نعرفها إلا بأوصافها ونتائجها، فما ضرّ لو جهلنا الملائكة، والشياطين، والجن...؟! وقال بعض المصابين بالانهزامية المادية: (إن الملائكة، تسند إليها أعمال كونية، في الآيات والأحاديث: فهي التي تحرك الشمس، والأرض، وحتى قطرات المطر، مع كل قطرة ملكان، يضعانها في مكانها على الأرض، إذن: فالملائكة، هي القوى الكونية. والملكان اللذان مع كل قطرة مطر، هما: قوة جاذبية الأرض، التي تجرها نحو الأرض. وقوة ضغط طبقات الجو، التي تشدها ببعضها في صورة كرة، وتمنعها من التلاشي والتبخر). ولكن: لا يمكن القول بذلك، مع الالتزام بالقرآن والحديث. ويمكن ان نقول: إن القوى الكونية هي الملائكة، لا أن الملائكة هي القوى الكونية. بمعنى: أن الملائكة هي التي تنفذ إرادة الله، بإجراء الكون وفق سنة الله، التي قدرها للكون. والعلماء الماديون، حيث رأوا نتائج أعمال الملائكة، ولم يؤمنوا بالملائكة، ادعوا: أن هنالك قوى كونية، تعمل هذه الأعمال. وخلاصة قول أولئك: (إن الملائكة: لا وجود لها، وإنما هي التصور الإيماني للقوى الكونية). كأن الله لو كان يطلق التعبير العلمي، كان ينافي ربوبيته، فأوجد تعبيرات قرآنية، بصيغة ميتافيزيقية خرافية. وخلاصة قولنا: إن القوى الكونية لا وجود لها، وإن كل الأعمال الكونية هي أعمال الملائكة، وأن التعبير بـ( القوى الكونية) تعبير جاهل بالحقيقة. كما يمكن القول: بأن القوى الكونية موجودة، والملائكة موجودة. فبعض الأعمال أعمال الملائكة، وبعض الأعمال أعمال القوى الكونية. (يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ: أَيَّانَ مُرْساها؟ فِيمَ ـ أَنْتَ ـ مِنْ ذِكْراها. إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها)(2). يقال: إن العلوم ـ كلها ـ صادرة من الله إلى الناس، بواسطة أولياءه، فليس للبشر علم إلا وأخذ أولياته من نبي أو وصي نبي. وعادة: تصدر العلوم في خط عمودي، من: الله، إلى المختصين من الملائكة، إلى الأنبياء، إلى الأوصياء، إلى البشرية. وهنالك: علوم مختصة بالله ـ سبحانه وتعالى ـ ، فإذا صدرت من الله لا تصل إلى أحد من خلقه ـ لأنهم ـ لا يتحملونها ـ فتعود إلى الله، وتستقر عنده. فكل علم لا يخرج من الله إلا إليه، علم فوق طاقة الخلق، لا يوجد أحد ـ من: الملائكة، والنبيين، وغيرهم... ـ يستطيع احتماله ، فيبقى مختصاً بالله. لا بخلاً من الله في إفاضته على الخلق، وإنما عجزاً من الخلق عن استيعابه: كما أن آذاننا المجردة، لا تستطيع أن تستوعب الأصوات، إذا كانت فوق درجة معينة، أو تحت درجة معينة. ولا تسمع الأصوات اللاسلكية. لا لأنها غير موجودة حوالينا، وإنما لقصور فينا... وكما أننا لا نستفيد إلا من كمية محدودة من: الهواء، والأشعة، والماء، وسائر عناصر الكون. لا لأن هنالك ما يحجبها عنا، وإنما لأن قدرتنا على استعابها محدودة... ألم يكن أمير المؤمنين (عليه السلام) يضرب بيده على صدره، ويقول: (هنا... سفط العلم، لو وجدت أوعية)(3)؟! فالعلم ـ كله ـ متاح، ولا يوجد ما يضن به علينا إلا عدم استعدادنا لاستيعابه. ولو ألقي علينا أكثر مما نستطيع احتماله، لأدى إلى نتائج سلبية، قد يكون من أقلها: فقدان التوازن. تماماً... كما أن لكل فرد استعداداً محدوداً لاستقبال: الشعاع، والهواء، والطعام... فلو دفع إلى داخله كمية أكبر، أدى إلى مضاعفات خطيرة، أقلها: المرض. ألم يقل أمير المؤمنين (عليه السلام): (... بل انطويت على مكنون علم، لو بحت به، لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطويّ البعيدة)؟!(4). هل النبي والأئمة (عليهم السلام) كانوا يعلمون موعد ظهور الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ولا يعلنونه، أو لم يكونوا يعلمون؟ وهل النبي والأئمة، كانوا يعلمون موعد قيام الساعة ولا يعلنونه، ما كانوا يحيطون به علماً؟ أولاً: الظاهر ـ من مجموعة من الأدلة المتواترة معنىّ عندنا ـ أنهم كانوا يعلمون كلا الأمرين، وإذا شاءوا عرفوا نظائرهما، من: البلايا، والمنايا، والحوادث... فمثلاً، يروى عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (لو لا آية في كتاب الله، لأخبرتكم بـ : ما كان، وما يكون، وما هو كائن إلى يوم القيامة)(5). ومثلاً، ـ ينسب إلى الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: (إن الله ليستحيي من عباده، أن يأمرهم بطاعة أحد منهم، ثم: يحجب عنه الغيب... وإن الإمام يعلم، حتى عدد خفقات جناح البعوض في الهواء)(6). ومثلاً: المعروف: أن الملائكة كانت تحدث فاطمة الزهراء بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لتسليتها عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ ، فتخبرها بكثير من: ما كان، وما يكون، وما هو كائن إلى يوم القيامة. فكانت تملي ذلك على الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ويكتبه الإمام في كتاب، عرف ـ فيما بعد ـ بـ : (صحيفة فاطمة)(7). والمعروف: أن أهل البيت (عليهم السلام) أعطوا لسلمان الفارسي (رضوان الله عليه) علم: (المنايا، والبلايا)، وأنهم أخبروا كثيراً من مواليهم بما يجري عليهم، ثم: جرى كل شيء كما أخبروا. وليس موعد ظهور الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ولا موعد قيام الساعة، إلا من جملة الأحداث المستقبلية، الداخلة في نطاق الغيب. والله يطلع بعض رسله على الغيب، وقد يسمح لبعضهم أن يطلعوا آخرين على أشياء من الغيب، بمقتضى قوله تعالى: (عالِمُ الْغَيْبِ، فَلا يُظْهِرُ ـ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ـ إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ، فَإِنَّهُ يَسْلُكُ ـ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ ـ رَصَداً)(8). وبمقتضى قوله عزَّ وجلَّ: (ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ، حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ. وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ. وَلكِنَّ: اللهَ يَجْتَبِي ـ مِنْ رُسُلِهِ ـ مَنْ يَشاءُ. فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ، وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ)(9). والثابت: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان أعظم رسل الله، فأطلع على كل غيب أطلع عليه رسول، ولا شك: أنه أطلع على كثير من الغيب، لم يطلع عليه سواه من الرسل، لمكان الأفضلية. وقد ورد في: (الزيارة الجامعة) ما يشير إلى الآيتين السابقتين: (ارتضاكم لغيبه، واختاركم لسره)(10). ولا يوجد ما يدل على أن موعد ظهور الإمام المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وقيام الساعة، من العلوم المختصة بالله، فهما من جملة الحوادث، التي تختلف على هذه الأرض. وفي بعض الحديث: (إن الأرض للإمام، كالدرهم في كف أحدكم: يقلبه كيف يشاء)(11). فمن الطبيعي: أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عالماً بهما. وإذا علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بهما، علمهما للوصي، بمقتضى ما ينسب إليه: (ما من علم علمنيه ربي، إلا وعلمته علياً...)(12). ثانياً: لا شك أن النبي كان يعلم كثيراً من المستقبل، كـ : شهادة الإمام علي، وفاطمة، ومقتل الحسين... وغيبة المهدي (عليهم السلام)، وظهور الخلفاء ثم الأمراء ثم الملوك ثم الجبارين... وإلى هذا الحد، كان يعلم بعدم ظهور المهدي حتماً. ثم: يأتي وقت ـ كسنة ألفين مثلاً ـ لا تكون له أحداث ثابتة، فكل شيء ـ في علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ إما أن يجري بهذا الشكل أو بذاك الشكل، لأن المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) إذا ظهر تجري الأحداث بشكل وإذا لم يظهر تجري الأحداث بشكل آخر. فإذا وجد الارتباك في العلم بالأحداث، يظهر أنه موعد ظهور المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف). وهكذا... بالنسبة إلى الساعة. ثالثاً: من المسلمات الإسلامية أن روح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ وأرواح عدد من الأنبياء العظام ـ كانت تتصل بـ : (اللوح المحفوظ) للإطلاع على المعلومات المسجلة فيه. ومن المسلمات ـ أيضاً ـ أن المعلومات الواردة في: (اللوح المحفوظ) للتنفيذ، فهي حتمية الوقوع، وليست من نوع المعلومات الواردة في: (لوح المحو والإثبات) التي هي للتجربة، فليست حتمية الوقوع. و(اللوح المحفوظ) يحتوي حتى على الجزئيات، فكيف يغيب عنه أحداث في حجم: ظهور المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وقيام الساعة؟! فالظاهر: أن النبي والأئمة، كانوا على إطلاع بموعد جميع الحوادث، بما فيها: ظهور المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وقيام الساعة. ولا يوجد ما يوحي بخلاف ذلك، إلا بعض الأدلة: من جملتها هذه الآية: (إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها). ولا بد ـ هنا ـ من أن نقول: إن هذه الآية، قد يمكن اعتبارها من الأدلة على علم بعض الخلق بموعد الساعة. لأن هذه الآية، تشير إلى الوازع من حركة هذا العلم، بـ :أن يصدر من الله، ويصل إلى بعض خلقه، ثم يعود إليه. وهذه الحركة لا بد أن تشمل بعض الخلق، وإلا لا يبقى مبرر لها. فمجرد صدوره من الله، دليل على اتجاهه نحو بعض خلقه. أقصى ما هنالك: أنه لا يصدر من الله لينتشر في الخلق، وإنما يصدر منه ليشمل عدداً معيناً من الخلق، يحتفظون به ليعيدوه إليه، فإذا سئلوا عنه، لم يبوحوا به، وإنما اكتفوا ـ في الجواب ـ بقولهم المعروف: (الله أعلم). يبقى ـ هنا ـ مجال لمحاولة التعرف على سبب كتمان هذين الموعدين، وزجهما في دائرة الأسرار الإلهية. ويمكن احتمال ما يلي: بالنسبة إلى موعد قيام الساعة: كان المعاصرون لنزول القرآن، يعتقدون: أن الساعة تكون عندما تبيض عظامهم في ظلام القبور، ومع ذلك: كانوا يتجهون نحو إنكارها، مستغربين حياتهم بعد تساقط لحومهم عن عظامهم، فكانوا يقولون: (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ ـ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ـ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ!؟ أَفْتَرى ـ عَلَى اللهِ ـ كَذِباً؟ أَمْ بِهِ جِنَّةٌ؟ بَلِ: الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ)(13). ويضيفون: (وَقالُوا: أَ إِذا كُنَّا عِظاماً، وَرُفاتاً، أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً؟! قُلْ: كُونُوا: حِجارَةً، أَوْ حَدِيداً، أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ. فَسَيَقُولُونَ: مَنْ يُعِيدُنا؟ قُلِ: الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ. فَسَيُنْغِضُونَ ـ إِلَيْكَ ـ رُؤُسَهُمْ، وَيَقُولُونَ: مَتى هُوَ؟ قُلْ: عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً يَوْمَ يَدْعُوكُمْ، فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ، وَتَظُنُّونَ: إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً)(14). فإذا كان النبي يقول لهم: (إنكم تبعثون بعد مائة مليون من السنين ـ مثلاً ـ ، وبعد أن جرى فيكم ألف تحول من بشر، إلى تراب، إلى نبات، إلى حيوان مأكول، إلى حيوان آكل، إلى أطوار... وأطوار...) فربما كان جميعهم، أو أكثريتهم الساحقة ـ على الأقل ـ تتأصل في عدم القناعة به. بالنسبة إلى موعد ظهور الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف): أصبح بعض الناس يشكون فيه، رغم انهم ـ منذ غيبته الصغرى ـ كانوا يحتملون ظهوره في أي يوم، فلو كان والده الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) يقول لشيعته: (إن ابني المهدي، لا يظهر إلا بعد خمسة آلاف من السنين ـ مثلاً ـ) فلا شك أن أكثرهم كانوا ييئسون من دركه، وينكرون: بقاءه، وجدواه. أو كانوا يجهدون أنفسهم دائرة احتمالاته، فلا يهتمون بأصل فكرة: (المصلح المنتظر)، ولا يحفظونها للأجيال الصاعدة من خلفهم، حتى تتلاشى الفكرة، وتغيب عن قاموس التشيع. |
|
(1) ـ سورة النازعات: آية 1 ـ 5. (2) ـ سورة النازعات: 42 ـ 44. (3) ـ الاحتجاج ـ للطبرسي ـ ج1 ـ ص(358). (4) ـ نهج البلاغة ـ الخطبة(5). (5) ـ الاحتجاج ـ للطبرسي ـ ج1 ـ ص(258). (6) ـ انظر: بحار الأنوار ـ ج26 ـ باب أن عندهم جميع العلوم. (7) ـ الأصول من الكافي ـ ج1 ـ ص240 ـ حديث(2). (8) ـ سورة الجن: آية 26 ـ 27. (9) ـ سورة آل عمران: آية 179. (10) ـ مفاتيح الجنان، للمحدث القمي ـ 545. (11) ـ انظر بحار الأنوار ج25 باب غرائب أفعالهم وأحوالهم ح24 ص374. (12) ـ انظر مسند الرسول الأعظم للدارابي الشيرازي ج7 باب 62 في أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علمه ألف باب من العلم وبحار الأنوار ج26 ص173. (13) ـ سورة سبأ: آية 7 ـ 8. (14) ـ سورة بني اسرائيل: آية 49 ـ 52. |