|
(73) ۞ سورة المزمل (صلى الله عليه وآله وسلم) ۞ مكية وهي عشرون آية |
|
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ! قُمِ اللَّيْلَ، ـ إِلاَّ قَلِيلاً: نِصْفَهُ، أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ ـ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً. إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ: أَشَدُّ وَطْئاً، وَأَقْوَمُ قِيلاً إِنَّ لَكَ ـ فِي النَّهارِ ـ سَبْحاً طَوِيلاً وَاذْكُرِ: اسْمَ رَبِّكَ، وَتَبَتَّلْ ـ إِلَيْهِ ـ تَبْتِيلاً، رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ، فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا)(1). هذه السورة من السور التربوية التي تعنى بتربية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، و ـ من وراءه ـ كل القادة المؤمنين. وكل المؤمنين قادة، كما في الحديث: كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته)(2). (يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) الآوي إلى فراشه! وزع أوقاتك في الليل، فلا تخصصها للنوم، ولا تكرسها للعمل فالليل سبات. ولكن قسمها قسمين: قسماً للنوم، وقسماً للعبادة والتفكير للعمل. فـ(قُمِ اللَّيْلَ ـ إِلاَّ قَلِيلاً: نِصْفَهُ، أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ) فنم حوالي نصف الليل، وانهض من فراشك، وانفض عن جفونك النوم بقية الليل. ويفضل: أن يخصص القسم الأول من الليل للنوم، لأنه ينفض رهق النهار. وأول الليل في اليوم يشبه الخريف في السنة، فالأفضل الهروب منه بالنوم. ويخصص النصف الأخير للعبادة والتفكير، لأن الإنسان بعد نوم نصف الليل لا يشكو رهقاً. وآخر الليل في اليوم يشبه الربيع، فالأفضل إحياؤه للانتعاش به. ونفس الإنسان تتأثر بحركة الظلام والضياء: فمع طغيان الظلام تنقبض، ومع انحسار الظلام تنفتح ـ (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً) خلال النصف الأخير من الليل، لأن: 1ـ تلاوة القرآن توجه الإنسان إلى الله، فتجعله مستقيماً متقياً في تخطيطه للغد. 2ـ تلاوة القرآن تهيئة للارتفاع إلى قمته في تفكيره وتخطيطه، فتجربة معاناة الآخرين تهيئ لمعاناة مشابهة: فالشاعر قبل نظم الشعر ـ مباشرة ـ إذا قرأ رائعة ينظم شعراً رائعاً، وإذا قرأ سخيف الشعر يكتب شعراً سخيفاً. فمع أن الركائز المستقرة في الإنسان هي التي تنتج، إلا أن الوضع الوقتي للإنسان يترك طابعه على إنتاجه. فتلاوة القرآن حين التفكير والتخطيط ـ تبعث على إنتاج أعلى وأرفع ما يمكن. قم الليل، وفكر، وخطط... فـ(إِنَّ لَكَ ـ فِي النَّهارِ ـ سَبْحاً طَوِيلاً) في خضم المجتمع الهائج بكل ما يربك ويجرف، وهو لا يتيح لك مجال التفكير والتخطيط، ولا يمكنك اجتيازه ـ بنجاح ـ إذا خضته بلا تهيؤ مسبق، واعتمدت على الارتجال في مواجهة مسؤولياتك فيه. ولا يمكنك الاتكال على بقايا أفكار اليوم الماضي خطةً لليوم المستقبل، فالانطباعات التي تترسب على ذاكرتك في النهار وأنت مرهق، تحمل آثاراً من رهقك، فهي بدورها فقيرة إلى التنشيط والتمشيط. فأرجع آخر النهار إلى مأواك، وأخلد إلى النوم حتى ترتاح، ثم انهض ـ بأعصاب ريانة ـ آخر الليل، حيث الكون كله قصيدة توحي وتبعث، وأدرس عمل اليوم السابق، وخطط لليوم اللاحق بكل هدوء. فأفكار الليل، أعمق وأقوم. (وَاذْكُرِ: اسْمَ رَبِّكَ) خلال عملك الليلي في التهيؤ، حتى لا تنتج أفكاراً لاهثة خلف الحطام بدون تقييم لأية قيمة. (وَتَبَتَّلْ ـ إِلَيْهِ ـ تَبْتِيلاً) مطلقاً. فمن انقطع عن كل الوسائل لا يمكن أن تنطلي عليه شائبة، هذا الإنسان يعمل عملاً انتحارياً هائلاً، إذ لا يجد ملجأ غير عمله، فيعمل حتى يطمئن إلى أن عمله يعصمه ويؤديه. وربك الذي تتبتل إليه، هو: رب كل ما تعيش، وما تتصور، وكل ما يمتد إليه خيالك من أقصى نقاط الأبعاد. فالمشرق الذي يمثل نقطة البداية، والمغرب الذي يمثل نقطة النهاية، خاضعان لربك: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) وليس هو رب المشرق والمغرب فحسب، بلا لا رب سواه: (لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ) فهو الرب المطلق الوحيد لكل شيءٍ، فاعتمد عليه ـ وحده ـ في كل شؤونك الفكرية والكونية، ولا تحاول أن تعتمد على فكرك وكونك، فأنت لا تسع حاجاتك مهما استنفدت طاقاتك. فإذا لم تعتمد على الله، كان عليك أن تعتمد على زملاءك البشر، القاصرين ـ مثلك ـ عن استيعاب حاجاتهم: فتعتمد على الفيلسوف الذي يبرمج فكرك بأيديولوجيته، والمشرع الذي يضبط عملك بقانونه، والنائب الذي يتصرف بثقتك في مصلحته، والرئيس الذي يكرسك ـ مع مواطنيك ـ في لعبته، والمنظمات التي تستنفذك ـ وزملاءك ـ في انتماءاتها، والوطن الذي يبسمر آمالك في ترابه، ويحصر إمداداتك في حدوده... فتحرر من كل جواذب الأرض، ومشداته، وتوجه إلى المطلق الذي يدفعك إلى الانطلاق: (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً) تعتمد عليه في حاجاتك الفكرية والكونية. فهو: وكيل من توكل عليه، وولي من انقاد له. في هذه السورة إشارة إلى أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تزمل ذات ليلة ـ لعل ـ ونام، فنزلت هذه السورة. وهذه السورة من السور التربوية، التي يربي الله بها نبيه، ومن خلال نبيه كل القياديين من أمته. (قُمِ اللَّيْلَ ـ إِلاَّ قَلِيلاً...) فالمهم: أن على القادة أن يسهروا قسماً كبيراً من الليل (نصف، أو أكثر، أو أقل) وخاصة: القسم الأخير، بأن يناموا أول الليل، حتى ينفضوا عنهم أتعاب النهار، ويسهروا القسم الأخير من الليل، حيث تهدهدهم أنسام الأسحار في رخاء الليل البهيم وهدوءه الصافي، ليفكروا ويخططوا، ويقرأوا القرآن فيستلهموا منه الصفاء والإخلاص، حتى تصمم خططهم بروح صافية مخلصة، بعيدة عن الجنوح ونقاط الضعف والعقد. ويستلهموا منه الخطط أيضاً، فالقرآن معين لا ينضب. (إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ: أَشَدُّ وَطْئاً، وَأَقْوَمُ قِيلاً) لعل خطة الليل، وتفكير الليل، أقوم وأثبت. (إِنَّ لَكَ ـ فِي النَّهارِ ـ سَبْحاً طَوِيلاً) في خضم المجتمع الهائج الذي لا يهدأ، ولا يمكن ركوبه، وترحيله في اتجاه الخير، وتنزيل الخطط فيه، إلا بالفكر المسبق، والتقييم الدقيق. (...وَتَبَتَّلْ ـ إِلَيْهِ ـ تَبْتِيلاً) انقطع إلى الله، والتجئ إليه، فإنه المصدر الأول والمنتهى الأخير ولا يكون شيء إلا بتقديره، فاستعن به (...فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً) فهو: وكيل من عمل في سبيله، وانقطع إليه. فبدون التبتل إلى الله لا تنجح الأعمال. لأن القفزات القيادية لا توفق إلا بشيء من المغامرة، والمغامرة لا تصدر عن حساب دقيق، وإنما تصدر عن الانقطاع إلى الله، والتوكل عليه، حتى يمكن الإقدام على ما لا يؤمن مصيره، ولا ترى عاقبته. |
|
(1) ـ سورة المزمل: آية 1 ـ 9. (2) ـ مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ـ ج ص207. |