|
(72) ۞ سورة الجن ۞ مكية وهي ثمانية وعشرون آية |
|
1ـ إن مخلوقات الله، أكثر من أن يستطيع العقل البشري، إحصاء أنواعها أو أجناسها. وأما أصنافها، وأقسامها وتفاصيلها... فلا يحصيها غير الله. وكثرة المخلوقات، مقتضى القدرة المطلقة. وقد أشارت أوساط الوحي، إلى كثرة المخلوقات، بتعبيرات متناسبة مع مستوى الوعي المعاصر لصدور الأحاديث: (إن لله ألف عالم وألف آدم، لا يعلمون هل الله خلق عالمكم وآدمكم أم لا)(1). إن لله ألف مدينة بالمشرق، وألف مدينة بالمغرب)(2). وأمثال هذه الأحاديث، تتوارد على حقيقة واحدة، وهي: أن أجناس المخلوقات وأنواعها، أكثر من كل ما يمكن أن يتصوره العقل البشري، مهما امتدّ به المدى. 2ـ إن المخلوقات الموجودة في هذه المجموعة الكونية التي خلق البشر في جانب محدود منها، أكثر من أن يستطيع العقل البشري إحصاء أنواعها أو أجناسها، وأما أصنافها، وأقسامها، وتفاصيلها... فلا يحصيها غير الله. وكثرة المخلوقات في هذه المجموعة الكونية التي خلق البشر في جانب محدود منها، مقتضى القدرة المطلقة. فإذا كان جسم بشري واحد، يعج بأنواع مختلفة من المخلوقات ـ التي يعبر عنها اليوم بالميكرون ـ ، فما ظنك بكل هذه المجموعة الكونية، التي خلق البشر في جانب محدود منها؟! وإذا كانت أنواع الأشعة المختلفة المتفاعلة حولنا، أكثر من أن يحصيها العلم، فما بالك بالمخلوقات المتطورة من الأشعة؟! ومع تقدم العلم، يكتشف أشياء جديدة، لو طرحت اليوم على العلماء لاعتبروها أضغاث أحلام. ولكن لا بد من الاعتراف إجمالاً ـ بأن المخلوقات، حتى في هذه الزاوية الكونية التي نعيشها، أكثر بكثير من كل ما يمكن أن يتصوره العقل البشري، مهما امتد به المدى. 3ـ لا شك أن مصادر الوحي كانت ملمة بكثير من المخلوقات، ولكنها لم تكشف الستار عنها للناس الذي يعيشون مرحلة ما قبل الرجعة، لأسباب أهمها: الأول: أن العقل البشري ـ في مستواه العام ـ لا زال يسلخ فترة الطفولة، فلا يتحمل أكثر مما ألقي عليه. أليس في الحديث: (لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله)(3)؟! أليس في سيرة موسى (عليه السلام)، أنه لما طلب من الله المعرفة لعابد، ورجع إليه من طور سيناء، وجده مبهوتاً لا يستطيع الكلام، فطلب من الله أن يسلبه المعرفة، ليعود إلى وضعه الطبيعي؟!(4). الثاني: أن العقل البشري، في هذه المرحلة، لو أطلع على المخلوقات الموجودة في مجموعته الكونية، لا يستطيع التعامل معها، لأنه لم يبلغ المستوى المناسب لها، فتعريفه بها يدخله في جدل عقيم. مع الأخذ في الاعتبار: أن (الناس أعداء ما جهلوا)(5)، فكيف بما لا يستطيعون تصديقه، والاستفادة منه؟! ولعله لسبب مشابه، لم تنقل إلينا أوساط الوحي، سير جميع الأنبياء، ولا حتى أسماءهم، رغم أن في سيرهم الهدى والحكمة. لأن فيها الكثير مما لا يصدقه العقل البشري، أو لا يستفيد منه. واكتفت برواية قصاصات من سير بعض الأنبياء، عاشوا عصوراً قريبة من عصرنا، وعقليات مشابهة لعقليتنا. الثالث: أن العقل البشري في هذه المرحلة، منفلتة من الضوابط. فلو تعرف على بعض القوى الكونية، واستطاع التعامل معها كان من الطبيعي عدم السيطرة عليها، أو استخدامها في جرائم واسعة النطاق، في الأرض أو خارجها، كما هو الحال بالنسبة إلى: (الذرة)، مع العلم بأنها من أبسط القوى، وأقلها فاعلية وخطورة. فكان من الأفضل، تأجيل التعريف بالموجودات الكونية في مجموعتنا، إلى مرحلة: (الرجعة) التي تبدأ بظهور الإمام المنتظر (عليه السلام)، حيث يتم ضبط العقل البشري تحت قيادة معصومة، ويكمل الفكر البشري بتوجيه المعلم الكامل. |
|
(1) ـ أنظر البحار ج54 ص320 باب العوالم. (2) ـ أنظر البحار ج54 باب العوالم. (3) ـ الاختصاص ـ للمفيد ـ ص(12). (4) ـ انظر حياة الحيوان للدميري ج1 ص203. (5) ـ نهج البلاغة 4 حمة رقم433. |