|
(43) ۞ سورة الزخرف ۞ مكية وهي تسعة وثمانون آية |
|
(وَقالُوا: لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ؟! أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ؟! نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ، لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا. وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)(1). (وقالوا): الماديون الذين تصوروا أن (الاقتصاد) هو العامل الوحيد في تحريك الأحداث، وأن (عنصر المال) هو دينامو (الفعل) في الحياة، وأن بقية الحركات في الحياة هي(ردود الفعل). قالوا: إن (البرجوازيين) هم أصحاب الحظوة في الحياة، لأن بأيديهم الطاقة المحركة التي تتولد بفعلها وبردود فعلها كل مجريات الحياة، فـ(لَوْ لا نُزِّلَ هذا الْقُرْآنُ) الذي هو عنصر (فعل) في الحياة (عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ): مكة والطائف (عَظِيمٍ) له مال كثير؟! كيف لم ينزل الوحي على أكبر المثرين في مكة أو في الطائف: هاتين المدينتين اللتين كانتا مركزي التجارة في الحجاز، ونزل على رجل لا يملك المال، ولم ينحدر من أسرة برجوازية؟!... فكان السؤال تكريساً لفلسفة (الاشتراكية)، و(التفسير المادي) للحياة، من جانبتها الإيجابي. فكان الجواب، رداً على التفسير المادي وفلسفة الاشتراكية: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ) يا محمّد؟! إنهم يستطيعون التصرف في حركة المال، وعنصر المال ليس دينامو (الفعل) في الحياة، وليست بقية الحركات (ردود الفعل) في الحياة. بل العكس من ذلك تماماً، فهنالك ثلاثة عناصر تحرك الحياة: 1ـ عنصر المال. 2ـ عنصر الإمكانة: المعيشة. 3ـ عنصر التوجيه: الرحمة: رحمة ربك. وعنصر المال أضعف العناصر الثلاثة: فالمال يتحرك بقدرة الإمكانية، والمال والإمكانة يتحركان بقدرة التوجيه. ذلك: أن عنصر المال يحرك الماديات، فتباع به وتشترى الضروريات، والكماليات المعيشية. أما الإمكانات الفردية، فإنها لا تعرض بالمال: فرب غني ضحل الإمكانات، ورب فقير وفر الإمكانات. ولكن صاحب الإمكانات، إذا حاول المال كسب الكثير منه. فالمال مسخر للإمكانة. كما أن رحمة الله: (الوحي) تنزل على القلوب الشامخة المتفتحة، ولا يمكن كسب تلك القلوب بالمال ولا بالإمكانات البشرية. ولكن رحمة الله (الوحي): التوجيه السماوي، يولد الإمكانات المعجزة، ويحرك أصحاب المال وأصحاب الإمكانات. فالمال والإمكانة مسخران للرحمة: (الوحي)، كما كان الأنبياء ـ ولا زالوا ـ يحركون أصحاب المال والإمكانة. والمعيشة: ليست المال، وإنما المال وسيلة لتعاطي المعيشة. فهي كل ما يعاش به: فالنبات معيشة، والحيوانات ـ التي يعيش عليها الإنسان بلحومها وأصوافها... ـ معيشة، والطب معيشة، والهندسة والقضاء معيشة... والمعيشة ـ التي هي دون الرحمة ـ لا دخل للناس في تقسيمها، فالله تعالى هو الذي يقسمها بين الناس. وقد وزعها الله تعالى بشكل يحرك الحياة: فلم يهب كل الإمكانات لفرد، ولم يحرم منها فرداً. فلكل فرد إمكانة من هذه الإمكانيات حتى يسخر بها غيره، ولغيره إمكانيات يخسر الآخرين بها: فالطبيب ـ في طبه ـ سيد مطاع يسخر غيره، فالناس ـ عندما يحتاجون إلى الطب ـ يسعون إلى الطبيب، فيأمرهم، وهم ينفذون أوامره بلا نقاش. والطبيب ـ نفسه ـ إذا احتاج إلى بناءِ بيت أو تأسيس معمل، يسعى إلى المهندس، فيأمره المهندس، ويطيعه بلا نقاش. والطبيب والمهندس إذا اختلفا، يسعون إلى القاضي، فيأمرهما، وهما يطيعانه بلا نقاش. والطبيب والمهندس والقاضي، إذا احتاجوا إلى الزراعة، يسعون إلى الخبير الزراعي، فيأمرهم، وهم يطيعونه بلا نقاش. وهكذا... كل صاحب اختصاص، في حقل اختصاصه سيد مطاع يسخّر غيره، وهو ـ بدوره ـ مسخر لأصحاب الاختصاص الآخرين. فالمجتمع ليس دائرة قطبها المال. وإنما المجتمع مجموعة أفراد وإمكانات: كل فرد ـ في حقل إمكانية ـ قطب لغيره، وغيره ـ في حقول سائر الإمكانيات ـ أقطاب له. فالمجتمع كرة متحركة، كل جزء منها قمة ومركز. فكل فرد سيد ومسود. وبالنظرة الجماعية: لا فضل لأحد على أحد فكل فرد لا يستغني عنه المجتمع، ولا يستغني هو عن المجتمع. وهكذا... لا يعيش فرد على حساب الآخرين ـ بمقتضى أصل الإمكانات، وإن كان قد يعيش على حساب الآخرين بمقتضى سوء التصرف بتلك الإمكانات ـ. (نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ) بمقياس جماعي دقيق، يحوج كل فرد إلى الآخرين، ويسخر كل فرد للآخرين، (لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا)، فلا يستعلي فرد، ولا يذوب فرد. ويوجد المجتمع المنتشر الموحد، من أفراد مختلفي الإمكانات، ومتعاوني الحاجات. وإذا كان الناس لا يستطيعون ـ بالمال ـ أن يكرسوا الإمكانات البشرية في صاحب المال، فكيف يريدون أن يكرسوا رحمة الله: (الوحي) في صاحب المال، مع أن رحمة الله فوق المال في التأثير، والمال دونها في التأثير؟ (بل الفاصل ـ في الرتبة ـ بين المال والرحمة كثير): فالمال خارج للإنسان، والإنسان يجمعه ويفرقه. والإنسان مسخرة للمعيشة الإمكانية، والإمكانية مخسرة للتوجيه: الرحمة. ورحمة ربك خير مما يجمعون فكيف يريدون أن يكون المال مقياس الخطوة عند الله؟! ففلسفة (التقصير المادي) للحياة يصي؟؟ ببعد عن الواقع الحياتي. (وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً، لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ، لِبُيُوتِهِمْ: سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ، وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ. وَلِبُيُوتِهِمْ: أَبْواباً، وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ. وَزُخْرُفاً. وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا، وَالآخِرَةُ ـ عِنْدَ رَبِّكَ ـ لِلْمُتَّقِينَ)(2). أصحاب النفوس الكبار يزهدون في كل شيء من الحياة، ويزهدون حتى في الحياة ذاتها، زهداً عفوياً لا تكلف فيه على الإطلاق: للأسباب التالية: 1ـ أن كل إنسان يحب إثبات وجوده، واستمراره ـ بشكل من الأشكال ـ في الخلود، ولو بقدر شيء مفطور عليه الإنسان: فالتافهون يحاولون إثبات ذاتهم، واستمرارها، من خلال التمسك بالحياة ومباهجها. وأما العظماء فهم يعرفون الطرق الفضلى لإثبات ذاتهم واستمرارها من خلال التمسك بتلك الطرق، فيحدث عندهم نوع رفيع من الانصراف عن الحياة وتفاصيلها. 3ـ إن الشعور بالنقص يدفع صاحبه إلى محاولة إزالته، أو إنكاره، بما هو خارج عن الإنسان ذاته، من: التنوع في الطعام، والشراب، والملبس، والمسكن... وتحشيد أكبر قسط ممن من مظاهر الحياة حوله. وأما الذين لا يعانون من مركب النقص، فإنهم لا يشعرون بالحاجة إلى المظاهر الحياتية حولهم، وإنما تعنيهم تحشيد مواد الحياة في داخلهم. 4ـ إن كثيراً من الترف، والإفراط في التزين والتجمل، لا يكون من حب الحياة ـ فالكفاية سهلة لا تبلغ الترف ـ ، وإنما يكون إعلامياً لإلفات الأنظار. وأما العظماء الذين يجدون ما هو أقوى إعلامياً، فلا يهتمون بالكماليات لاستجداء اهتمام الآخرين. بل قد يجد بعضهم في الزهد مادة شديدة الإلفات. فالبساطة في العظيم، أشد إلفاتاً من الترف في التافه. ولعل بعضهم لذلك ـ أو لكل ذلك ـ يزهدون. |
|
(1) ـ سورة الزخرف: 31 ـ 32. (2) ـ سورة الزخرف: 33 ـ 35. |