|
(67) ۞ سورة الملك ۞ مكية وهي ثلاثون آية |
|
(تَبارَكَ الَّذِي: بِيَدِهِ الْمُلْكُ: وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ، لِيَبْلُوَكُمْ: أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً؟ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)(1). هاتان الآيتان تعرضان خمسة من الحقائق الكبرى، هي بالتتابع ـ بيده الملك. ـ هو على كل شيء قدير. ـ خلق الموت. ـ خلق الحياة. ـ ليبلوكم. 1ـ (تَبارَكَ): تفاعل من البركة، وهو كثير البركة(2). ومن أكثر بركة من الله، الذي أعطى لكل شيءٍ، فجعل كل شيء نامياً؟! وهل يكون شيء أكثر بركة من الله (الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ)، فيخلق كل ما يشاء خلقاً من عدم؟! فالملك بإرادته ـ والتعبير باليد ورد مجازاً عن الإرادة، للإشعار يتمكن إرادته من الملك كتمكن يد الآخرين من أشيائهم ـ . والفارق بين ملك الله وملك غيره أمور: الأول: الله بيده الملك، فهو يوجد الملك، فيما الآخرون ليس بأيديهم الملك، وإنما قد يملكون بعض الموجودات. والله ينمي الأشياء، بينما الآخرون لا ينمون الأشياء. وإنما قد يساعدون على إجراء سنة من سنن الله في بعض الأشياء. فيضعون الحبة في التربة. ويرطبونها، لتأخذ سنة الله مجراها. وينتهي دورهم، والله هو الذي ينميها: (أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ. أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ؟!)(3). الثاني: ملك الله ملك حقيقي، ناتج من إيجاده للأشياء، وسيطرته الكاملة عليها يتصرف فيها كما يشاء. وقد مارس هذه السيطرة ممارسات مختلفة من جملتها: تولي الناس لبعض تلك الأشياء مؤقتاً وفق نظام معين. فملك الناس لبعض الأشياء، اعتبار موقت ناتج من شمول ذلك النظام لهم. فملكهم ـ في الحقيقة ـ فرع لملك الله، لأنه هو الذي قرر هذا الاعتبار. وحتى فيما هم يمارسون ذلك الاعتبار فيملكون بعض الأشياء لا يستطيعون إخراجها من ملك الله، وإنما يبقى الله هو المالك المطلق الذي يتصرف في تلك الأشياء تصرفاته الكونية وتصرفاته الشرعية: فما يملكه الناس: ينمو، أو يهزل، أو ينخر، أو ينهار... وفق الإرادة الكونية التي يمارسها الله في الأشياء. وما يملكه الناس: يبقى معرضاً للبقاء تحت تصرفهم أو الخروج من تصرفهم، وفق الشرائع التي قررها الله: فتخرج أقسام من ممتلكات الناس ـ وبدن موافقتهم ـ وفق نظام الضرائب الإسلامية. الثالث: إن ملك الله ملك مطلق لا حدود له ولا قيود عليه، وملك غيره محدود بحدود كونية ومقيد بقيود شرعية. فلا يتمكن غير الله من السير بممتلكاته إلا من خلال سنن الكون. فلا يمكنه تجاوزها في: تنمية ممتلكاته، أو نقلها، أو تطويرها، أو إبطالها، أو إحداث أي تغيير فيها. فهو ملك محدود تحت طائلة سنن الكون كلها. ولا يحق لغير الله السير بممتلكاته إلا من خلال سنن الشرع. فلا يسمح له فيها بـ : الإسراف، أو التغيير، أو الكنز، أو الربا، أو صرفها في أي وجه من وجوه الحرام. فهو ملك مقيد تحت طائلة سنن الشرع كلها. فحقيقة ملك الناس لبعض الأشياء، لا تعدو السماح لهم بنوع من التصرفات المنضبطة بسنن الكون وبسنن الشرع. بينما ملك الله مطلق يمارسه في كل شيء، سواء وضع بعضه تحت تصرف الناس أو لم يضع. فسننه سارية المفعول. لا يحددها شخص ولا رأي. فهو ـ وحده ـ الذي بيده الملك، كل الملك ومطلق الملك، دون سواه. 2ـ (وَهُوَ) ـ الله وحده ـ (عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). فيخلق ما يشاء من الماديات والمعنويات: ما يدخل في ملك الإنسان، كالممتلكات المنقولة وغير المنقولة. وما لا يدخل في ملك الإنسان، كالطاقات والمفاهيم والملك والجن. واما يستوعبه الإنسان. وما لا يستوعبه. وهو يتصرف في كل شيءٍ بنقله: من الموت إلى الحياة، ومن الحياة إلى الموت، ومن الوجود إلى العدم، ومن الهيولى إلى الصورة. وأما المستحيلات ـ من مصاديق الجمع بين النقيضين ـ فهي ليست أشياء، وإن وضعت ألفاظ للإشارة إلى صور ذهنية تحسب صور مصاديق الجمع بين النقيضين، إلا أنها ـ في الحقيقة ـ ليست من مصاديق الجمع بين النقيضين، وإنما افتراضات ليست لها صور ذهنية حقيقية. وحتى إذا كانت تلك الصور الذهنية صوراً حقيقية لمصاديق الجميع بين النقيضين، فتلك خارجة عن المستحيلات وداخلة في الممكنات. والله يخلقها ـ في الأذهان ـ كما يشاء، ويتصرف بها: إيجاداً، وإفناءٍ، وتطويراً... كما يريد. (تَبارَكَ الَّذِي: بِيَدِهِ الْمُلْكُ: وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ، لِيَبْلُوَكُمْ: أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً؟ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)(4). ـ 1 ـ (تَبارَكَ) تنزه عن النقص والعجز، (الَّذِي) انفرد بالسيطرة على كل شيء. فهو أعلى من كل شيء. ولا يد أعلى منه. و( بِيَدِهِ الْمُلْكُ) كل الملك: المنظور وغير المنظور، ما هو موجود بالفعل وما يمكن أن يوجد. فملك الله ملك كامل وذاتي، وملك غيره ـ مهما توسع وتعمق ـ فهو ملك ناقص وعرضي. (وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ): فقدرة الله قدرة مطلقة وأولية، فلا إرادة تتحكم فيها ولا قدرة تعترضها. وقدرة غيره ـ مهما شملت وامتدت ـ فهي قدرة محدودة وثانوية، فإرادة الله تتحكم فيها وقدرة الله تعترضها. وهاتان الجملتان: (تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ)، (وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، تمهدان لمفاجأة كبرى، هي أن الله خلق أشياء غير محسوسة كما أنه خلق الأشياء المحسوسة. وإدعاء أن الله ـ تعالى ـ خلق أشياء غير محسوسة إدعاء صعب، فيحتاج إلى التمهيد لسببين: 1ـ إن الذهنية البشرية لا تستطيع تصور غير المحسوسات، وإنما قد تؤمن ببعضها على أثر الحس بآثاره. فغير المحسوسات تبقى بعيدة عن مجال التصور. 2ـ إن الذهنية العامة تعترف ـ بسهولة ـ بأن الله خلق المحسوسات: لأنها أشاء قائمة لم تكن ثم كانت، فلا بد أن الله خلقها، إذ لا خالق غير الله. ولأن المحسوسات مركبة من المواد الكونية، وخلقها ليس أكثر من تركيب تلك المواد تراكيباً خاصاً يمنحها مميزات معينة. وهذا... ما يمكن قبوله بسهولة. وإن كان إنشاء تلك المواد الكونية المحسوسة لا يختلف ـ في مجال الخلق ـ عن إنشاء الأشياء غير المحسوسة، إلا أن الذهنية العامة لا ترقى إلى هذا التأمل. فتعترف بأن الله خلق المحسوسات ـ بسهولة ـ ، بينما يصعب على الذهنية العامة الاعتراف بأن الله خلق غير المحسوسات: لأنها ليست أشياء قائمة، ولأنها لا تعرف شيئاً عما إذا كانت مركبة من عناصر كونية أو أنها بسائط غير مركبة؟ ومن هنا... كانت الحاجة ماسة إلى التمهيد. فالذي بيده كامل الملك، وله القدرة المطلقة، هو (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ)، وهذه... مفاجأة للذهنية البشرية من ناحيتين: الأولى: رغم أن الحياة مسيرة البشر والموت مصير البشر، إلا أن البشر قلما وقف لتحليل حقيقة الحياة أو حقيقة الموت، وإنما يكتفى باستغلال أكبر قدر ممكن من حصائل الحياة، والهروب ـ مهما أمكنه ـ من الموت. الثانية: أن البشر: لا يتصور الحياة شيئاً منفصلاً عن وجوده المركب من الجسد والروح، فيفاجأ عندما يقال له: (إن الحياة شيء منفصل عن الجسد والروح، ومستقل عنهما، بل إنه خلق من خلق الله: (خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ). ويتصور الموت مجرد فصل للروح عن الجسد ـ عند القائلين بالروح ـ ، ومجرد توقف القلب لطارئ من الطوارئ ـ عند غير القائلين بالروح، تمهيداً لفناء الإنسان ـ . فالموت عملية سلبية تعني الفناء والزوال والانتهاء، فيفاجأ عندما يقال له: (إن الموت ليس ـ فقط ـ مجرد عملية إيجابية تعني الانتقال والنمو والتطور، وإنما هو أكثر من ذلك. إنما هو شيءٌ منفصل عن وجوده البشري المركب من الروح والجسد، ومستقل عنهما. إنما هو خلق من خلق الله . وليس مجرد خلق من خلق الله، بل أكثر من ذلك. فهو خلق سابق على خلق الحياة: (خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ) فلا حياة إلا بعدها موت، ولا موت إلا بعده حياة، بل الحياة نتيجة طبيعية للموت. فالموت ـ إذن ـ خلق، والحياة ـ إذن ـ خلق آخر مترتب على الموت). ومهمة الحياة أنها تربي الكائن الحيّ، وتسير به نحو التكامل استعداداً للموت، ومهمة الموت أنه يقفز بالكائن الحيّ من مرحلة دانية إلى مرحلة عالية. فالحياة تنمية رتيبة، بينما الموت في داخل الكائن الحيّ. فالموت نقلة ثورية من قلق التجربة إلى قرار المصير، فهو حركة متكرسة الحيوية. ـ 2 ـ الموت قفزة رائعة من قلق التجربة إلى قرار المصير، قفزة من مرحلة دنيا إلى مرحلة عليا. فلا بد من الموت، إذ بدونه يبقى الكائن الحيّ في المرحلة التي هو فيها، لأن حقيقة الموت هو الانتقال. يقول أبو علاء المعري: خلق الناس للبقاء، فظلت *** أمة يحسبونهم للنفادِ إنما ينقلون من دار أعما *** لٍ إلى دار شقوة أو رشادِ وعندما علمتنا مصادر الوحي أن نقول: (الموت حق) فإنما كانت تحاول أن تغرس في مشاعرنا أن الموت لا بد منه لتصعيد الإنسان من مرحلة هذه الحياة إلى مرحلة ما بعد الموت. فالديالكيك وكل الفلسفات المادية، قوقعت الإنسان وظلمته أكبر ظلم، عندما قالت له ـ حسب تعبير القرآن: (وَقالُوا: (ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا، نَمُوتُ وَنَحْيا، وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ) وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ، إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ)(5)، فغرست فيه أنه تافه محدود ليس له منفذ إلى الخلود. فالإنسان، ذلك الخلق المستمر، الذي كان منذ أمد لا نعلم أوله بالضبط. وإن وردت إشارات رمزية في بعض الحديث، بمقدار ما كانت تحتمل العقول المعاصرة لمصادر الوحي، من: (إن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام)(6). وما يكشف عنه (عالم الأشهاد) الذي تشير الآية الكريمة: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ـ مِنْ ظُهُورِهِمْ ـ ذُرِّيَّتَهُمْ، وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ: (أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ)؟! قالُوا:( بَلى شَهِدْنا)...)(7). وهذا العالم يعبر عنه بـ( عالم الذر)، كما يعبر عنه بـ(عالم الأشباح). ورغم أن العقول المعاصرة لمصادر الوحي، لم تكن تسمح بالتوسع في هذه الحقائق، فلم يصل إلينا تاريخنا، إلا أن مجموع ما وصل إلينا ـ رغم رمزيته ورغم فقدان الكثير منه ـ يكشف بوضوح: أن الإنسان لم يتكون يوم ولادته في هذه الحياة، ولا ينتهي يوم موته من هذه الحياة، وإنما كان قبل أن تتكون هذه الحياة، ويبقى حتى بعد انتهاء هذه الحياة. لا نعرف ـ بالضبط ـ : كيف كان؟ وكم كان؟ ولا نعرف: أنه كان في عالم واحد أو في عوالم عديدة؟ ولكننا نعرف: أنه كان بشكل من الأشكال. ونعرف: أنه كان في دورة تكاملية، ثم جيء به إلى هذه الحياة مكرهاً، وأدرج في الجسم البشري الثقيل مضغوطاً، ليمر بدورة تكاملية أخرى عبر هذه الحياة، ويخرج من هذا الجسم البشري ومن هذه الحياة ـ بعد أن ألفهما ـ مكرهاً أيضاً، ليمر بدورة ثالثة هي دورة (البرزج)، التي تتلوها دورة (القيامة) ثم المصير: (الجنة) أو (النار). وقد أشار (أبو علي ابن سينا) إلى الرحلة الإنسانية عبر هذه الدورات، في قصيدته العينية: هبطت عليك من المحل الأرفع *** ورقاء ذات تعزز وتمنع هبط ـ على كرهِ ـ عليك، وربما *** كرهت فراقك فهي ذات تفجع فالإنسان (ممكن)، وجد بعد أن لم يكن، فليس (أزلياً). ولكنه وجد ليبقى، فهو (أبدي). وليس (سرمدياً)، لأنه مبتور الأول. وهذا... هو الفارق بينه وبين (الواجب): لأن (الواجب) هو (السرمدي) الذي يكون (أزلي) الماضي (وأبدي) المستقبل، وبتعبير أبسط (الواجب) ما لا أول لأوله ولا آخر لآخره. والإنسان يوجد الأول لأوله، وإن كان يشترك مع (الواجب) في أنه لا آخر لآخره. ويدل على (أبدية) الإنسان، الآيات والأحاديث التي تؤدي: خلود أهل الجنة في الجنة، وخلود أهل النار في النار. س: وما دام الإنسان لا ينتهي بالموت، فلماذا يخاف الموت؟ ج : غير المؤمن يخاف الموت، لأنه لم يفعل ما يطمئنه إلى سعادته في العالم الذي يجد نفسه على أبوابه، وربما تساوره المخاوف من العذاب الذي أنذر به الأنبياء غير المؤمنين، فيجد نفسه على مدخل الشقاء الدائم. والمؤمن الذي هيأ نفسه للعالم الجديد الذي يقبل عليه، وهيأه لنفسه، فإنه لا يخاف ـ بمعنى الخوف ـ ، وإنما يكره الموت لسببين: 1ـ يتهيب العالم الجديد الرهيب الذي سمع الكثير من عقباته ومتاعبه، ولم يرجع عنه من يطمئن إليه. 2ـ يتبخل بالعالم القديم الذي ألف الكثير ممن فيه وما فيه، وعمل الكثير مما يسعده ويرفه عنه، أن يغادره إلى الأبد، وبدون عودة إليه، أو صلة تربطه به. وقد لخص الإمام الحسن (عليه السلام) أسباب كراهية الموت في هذين السببين، عندما لوحظ عليه أنه يبكي(8). ـ 3 ـ 1ـ الموت هو أهم ما يقلق الإنسان، فكل ما يمكن أن يقلق عليه الإنسان يجتمع في الموت، لأنه ـ في المفهوم المادي ـ يعني الفناء المطلق أو المجهول المطلق، وكلاهما أشد ما يقلق الإنسان. فالموت مصير المصائر كلها، وكل إنسان يحاول أن يعرف الموت محاولته لمعرفة مصيره. 2ـ إن القرآن الكريم هو المجال الصالح لدراسة الحقائق الكونية التي منها الموت، وهو المجال الأمين لهذه الدراسة، لأنه يستقي من الله الذي خلق كل شيء، فهو أعرف بحقائق الأشياء بدقة أكثر ووضوح أشد. 3ـ إن الفيلسوف عندما يتناول دراسة شيء يحاول دراسة ذاته، فمثلآً يقول: (ما هو الموت)؟ والطبيب عندما يدرس شيئاً يحاول أن يعرف أسبابه ونتائجه، فيقول: (عم اذا يتولد الموت؟ وما هي نتائجه؟). ولكن القرآن عندما يتناول شيئاً إنما يتناوله من جانبه التربوي، فيعالج ـ مثلاً ـ القلق من الموت. وفي هذا المجال، يشير القرآن إلى: 1ـ إن الموت خلق، فليس فناءً يقلق منه الإنسان على نفسه. 2ـ الموت مقدم على الحياة في الترتيب اللفظي، والتقدم اللفظي يرمز إلى نوع من التقدم الواقعي، إذن: لا بد أن يكون الموت أسبق من الحياة. وإذا كانت الحياة بعد الموت، فالموت مهما كان صعباً وطويلاً، فإنه محدود يخرج منه الإنسان إلى الحياة، فلا يقلق منه قلقه لو كان الموت فناءً مطلقاً. 3ـ إن الموت الذي يكون بعد حياتنا الدنيا هو موت من هذه الحياة، والحياة التي بعدها هي حياة الآخرة. وأخذ الموت والحياة في ما بعد هذه الحياة، دون الموت والحياة بصفة موضوعية عامة، إنما يوجه إلى الإعداد الديني أولاً، ومعالجة ما يقلق منه البشر في هذه المرحلة، لأن الموت الذي كان قبله هذه الحياة قد انتهى ولا قلق منه. 4ـ تعليل الموت بالاختبار والابتلاء، أولاً: يخفف من القلق منه، ويوجه إلى الاستعداد له، لا القلق منه، فهو امتحان يسهل بالاستعداد، لأنه ـ كأي امتحان ـ يحفز إلى التأهب فقط، وثانياً: يحول سلبيات الفرد إلى إيجابيات في سبيل استكمال الاستعداد، فهو ليس ضربة طائشة تحطم وتدمر، وإنما تجربة خبير تبنى وتعمر. 5ـ اختبار هاتين الصفتين ـ من صفات الله ـ لتأطير الآية: (الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)، يساهم في معالجة القلق من الموت، فالله عزيز: لا يحتاج ـ في تمكين سلطانه ـ إلى عقاب أحد أو الانتقام من أحد، وإنما له السلطان الكامل كيفما تصرف. وهو غفور: يعفو، ويصفح كثيراً. 6ـ ومن هنا يبدو: لماذا افتتحت السورة بصفتين ـ وإن صيغتا صياغة الافتتاح ـ وهما: بركة الله (تَبارَكَ): فالله مصدر النمو، ولا يكون منه الضمور والفناء، فليس من الله سوى التوسع والانتشار، فلا موت من الله فهو ليس فناءً. وملك الله (بِيَدِهِ الْمُلْكُ): فالإنسان يتقلب في ملكه ـ ميتاً كان الإنسان أو حياً، وما دام الإنسان تحت رعاية الله وفي ملكه فليس له أن يقلق، لأنه ليس مهملاً أو متروكاً حتى يخاف أو يقلق. إذن: فالموت، وجود. وإذا شئنا أن نتوقع ـ أو نتعمق ـ يصح أن نقول: إن الموت قفزة من قلق التجربة إلى استقرار المصير، فلا مبرر للقلق، منه بل لا بد من التأهب له لتأتي القفزة رائعة. ومن ثم نجد تشبيه الموت بالزينة في كلام الإمام الحسين (عليه السلام): (خط الموت على ولد آدم كخط القلادة على جيد الفتاة)(9). (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً، فَامْشُوا فِي مَناكِبِها، وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ. وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)(10). لعل حجم عجائب الأرض أكبر من حجمها الطبيعي ككرة منتظمة في الفضاء، فهي مجموعة من العجائب: 1ـ إنها زاخرة بكل ما يؤمن حاجات الإنسان، وحافلة بكل ما يتجاوب مع: كمالياته، ونموه العلمي، والتكنولوجي... فهي تقدم للإنسان كل ما يمكن أن يشعر الإنسان بحاجته إليه، حتى نهاية التصاعد العلمي وحتى نهاية الإنسان. 2ـ إنها تعطي للإنسان مواهبها جديدة: فهي تقدم المعادن، والمجوهرات، والبترول... جديدة غضة وكأنها خلقت لتوها. كما تقدم الفواكه، والحبوب والورود... طرية يانعة. ثم تستخرجها من ـ الإنسان ـ زوائد وفضلات ضارة مؤذية، فتبدأ بتحليلها وتركيبها، وتعيد بنائها أجد وأغض. وتعمل الأرض هذه العملية في شقيها التراب والماء، فالبحار ـ أيضاً ـ تواصل عمليات التجديد الهائلة. ولعل هذه الحركة الذائبة الدينامية في الأرض، التي تبدو جامدة من الصخور والتراب، أعجب عجائب الدنيا وأم عجائب الدنيا. |
|
(1) ـ سورة الملك: 1 ـ 2. (2) ـ الذي أراه ـ من تتبع موارد استعمال صيغة التفاعل ـ : أنه لو استعمل فيما له طرفان، يدل على صدور الفعل من طرفيه ـ كالتضارب ـ . وإذا استعمل فيما ليس له طرفان، يدل على المبالغة، مثل: تبارك، وتعالى... وذلك: إسراءً من التفاعل الذي له طرفان. لأن الفعل الذي كان يصدر من جانبين يكون قوياً ومتتابعاً ـ كالتضارب ـ ، بينما الفعل الذي يصدر من جانب واحد لا يبلغ ذلك المستوى من القوة والتتابع ـ كالضرب ـ ،فأسريت صيغة التفاعل من الفعل الصادر من جانبين إلى الفعل الصادر من جانب واحد، للدلالة على أنه في مستوى الفعل الجماعي في القوة والتتابع والاستمرار، كما هي أفعال الله سبحانه، فإنها قوية متتابعة مستمرة، كالأفعال الجماعية وفوق الأفعال الجماعية. (3) ـ سورة الواقعة: آية 62 ـ 63. (4) ـ سورة الملك: 1 ـ 2. (5) ـ سورة الجاثية: آية 24. (6) ـ بحار الأنوار ـ ج58 ـ باب(43) ـ حديث(4) ـ ص 132. (7) ـ سورة الأعراف: آية 172. (8) ـ بحار الأنوار ج44 ص151 و140. (9) ـ عوالم العلوم والمعارف والأحوال للمحدث البحراني الاصفهاني ج17 ص216 والبحار ج44 ص366. (10) ـ سورة الملك: آية 15. |