الفهرس

التفسير وعلوم القران

الصفحة الرئيسية

 

(66)

۞  سورة التحريم  ۞

مدنية وهي إثنتا عشرة آية

المرأتان المتظاهرتان

(إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ، فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما. وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ، فَإِنَّ اللهَ ـ هُوَ ـ مَوْلاهُ، وَجِبْرِيلُ، وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ. وَالْمَلائِكَةُ ـ بَعْدَ ذلِكَ ـ ظَهِيرٌ)(1).

(إِنْ تَتُوبا) أيتها المرأتان عما اقترفتما بشأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) توبة صادقة، وتطوقا ذيول تآمركما عليه، فتعودا (إِلَى اللهِ)، تنجوا من نتائج مآمرتكما. وإلا (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما)، وانحرفت عن الله ورسوله، بشكل واضح يرفض الإنكار. فأنتما ـ الآن ـ في قبضة مآمرتكما، فقد ارتدت إليكما، وأحاطت بكما، بعدما انتشر عليها النور، رغم ما حاولتما من إبقائها في الظلام.

فأنتما ـ الآن ـ أمام خيارين: إما التراجع، وإما الاستمرار. فإن تتراجعا إلى الله ورسوله، تنجوا من العقاب. (وَإِنْ) تستمرا، و(تَظاهَرا عَلَيْهِ)، وتتناصرا ضده، فسينالكما العقاب، ولا تنالان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بسوء، فهو في مأمن لا يخترقه شيء، فله موالي أقوياء، وله ظهير شديد. (فَإِنَّ اللهَ ـ هُوَ ـ): بذاته ومباشرة (مَوْلاهُ)، يتولى صيانته، ولا يكله إلى غيره. والله مصدر كل القوى الكونية. و(وَجِبْرِيلُ) مولاه، وهو يمثل القوة السماوية. (وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) مولاه، وهو الإمام علي (عليه السلام) على ما هو المشهور بين المفسرين ـ ، وهو يمثل القوة الأرضية. وبعد أوليائه، يأتي دور ظهيره وجيشه. فله جيش شديد، يحرسه من كل من يريد به سوءً. (وَ) هو جيش (الْمَلائِكَةُ). ورغم شدة الملائكة، وقدرتها على حراسته، فلا يعطي لها دور قريب، لأن أوليائه يكفونه كل مكروه. والفاصل بين قوة أوليائه وقوة الملائكة، فاصل كبير. وإنما الدور الذي يعطى للملائكة، أشبه بدور حرس الشرف، الذي يعبأ ولا يؤمر. أو أشبه بدور الصفوف الخلفية، التي يستغنى عنها في المواجهة عادة. فالملائكة (بعد ذلك) كله (ظهير) ومعين.فللنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) موالي أقوياء، وظهير شديد، قادرون على الحماية والردع معاً، فلا ينجو منهم من يكيد للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

والذي يلفت الانتباه بشدة، أن الآية أعطت لثلاثة لقب: (مولى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)) في إطلاقة واحدة، وهم الله وجبرائيل والإمام علي (عليه السلام): (فَإِنَّ اللهَ ـ هُوَ مَوْلاهُ، وَجِبْرِيلُ، وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ). فللنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاثة موالي، يكفونه كل سوءٍ. وللمولى معانٍ عديدة كالناصر، والمعين، وغيرهما... ولكن هل يسمح سير الآية بتفسير المولى ـ فيها ـ بالناصر والمعين؟ فـ :

1ـ أطلقت صفة المولى على هؤلاء الثلاثة، في مقام التحدي وتخويف من تآمر على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالفعل، فلا يكون المراد من المولى مجرد النصير والمعين.

2ـ أطلقت على الملائكة صفة الظهير، وبفاصلة (بَعْدَ ذلِكَ)، ولو كان المراد من المولى مجرد النصير والظهير لتوحد التعبيران.

3ـ يلزم أن ننتبه إلى أن صفة المولى أطلقت على الله أيضاً، فلا بد من تفسيره بشكل يتناسب مع مقام الربوبية، لا أن نراعي مقام جبريل والإمام علي (عليه السلام) وننسى مقام الله في التفسير. خاصة: ونحن نحاول فهم القرآن، الذي لا يختار كلمة إلا بدقة معجزة.

ومهما كان المراد من صفة المولى، فالآية تهدف:

1ـ تصعيداً واقعياً بمقام جبريل والإمام علي (عليه السلام)، حيث أعطتهما صفة مولى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

2ـ تشريفاً واقعياً لمقام جبريل والإمام علي (عليه السلام)، حيث أعطتهما نفس الصفة التي أعطتها لله، وفي إطلاقة واحدة، رغم أنهما بعض عبيده. وهذا... مما يشد الانتباه بشدة.

المرأتان المتظاهرتان أيضاً

صغا ـُـَ صغوا إليه: مال بسمعه إليه. صَغِيَ يَصغَى صَغىً وصُغِيَّاً إليه: مال بسمعه إليه.

(إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ).والتوبة في محلها، (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) أي: استمعت قلوبكما إلى نداء الأحقاد الجاهلية، العالي في نفوسكما، فوقفتما موقفاً سلبياً من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

(1) ـ سورة التحريم: آية 4.