الفهرس

التفسير وعلوم القران

الصفحة الرئيسية

 

 

(65)

۞ سورة الطلاق  ۞

مدنية وهي إثنتا عشرة آية

التوكل على الله

(...وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ، فَهُوَ حَسْبُهُ. إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ. قَدْ جَعَلَ اللهُ ـ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ ـ قَدْراً)(1).

(التوكل على الله) من مستلزمات الإيمان، وهو من سنن المرسلين، وعليه سيرة المؤمنين، وورد الأمر به في العديد من الآيات وكثير من الروايات، كما وردت آيات وروايات تؤكد أن الله لا يضيع المتوكلين عليه، وهو حسبهم، وهو نعم الوكيل.

فما هو معنى التوكل على الله؟

وما فائدته؟

معنى التوكل

يمكن تفسير (التوكل) بما يلي:

1ـ أن الله هو مصدر الكون ومقنن قوانين الكون. فالله رمز القوانين التي تشد الكون. فالتوكل على الله يساوي التوكل على تلك القوانين، بالاندماج فيها، والإنطلاق منها في اتخاذ المواقف والقرارات، وعدم الاسترسال مع الهوى. وعلى هذا: فاعتماد تلك القوانين، كفيل بالوصول إلى النتائج المتوخاة.

فمفهوم التوكل إيجابي وقائي، يتوقف على استيعاب قوانين الكون، والدقة في التطابق معها.

2ـ بما أن الإنسان طموح ومحدود القدرة، كثيراً يحاول ما لا يستطيع فيفشل. والفشل يصدمه، ويجرح طموحه. وفي الحالة، يواجه أمرين:

الأول: أن يركب عنفوانه، فيبقى متأثراً بالصدمة، ويترك جرحه مفتوحاً. وفي هذا... ما يثبطه عن تطوير المحاولة.

الثاني: أن يتواضع عن عنفوانه، ويعترف بالواقع، ويستخلص من تجربة درساً. وفي هذا... ما يمكنه من تطوير المحاولة فمفهوم التوكل إيجابي علاجي، يتوقف على درس التجربة الفاشلة، والنهوض منها إلى تجربة أخرى. وهذا... يساوي الاستسلام لقوانين الكون، أي: لإرادة الله.

وإذا عرضنا هذين التفسيرين عل موارد استعمال كلمة (التوكل):

نجد التفسير الأول ينسجم مع بعضها، كقوله تعالى:

(...فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ. إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)(2). فقد اقترن التوكل بالعزيمة، والعزيمة تكون قبل البدء بالعمل لا بعد الانتهاء بالفشل.

ونجد التفسير الثاني ينسجم مع بعضها الآخر، كقوله تعالى:

(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ: (حَسْبِيَ اللهُ، لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ)(3)، فقد اختتم التوكل تجربة عرض الإسلام، وأعراض قشرة من الناس عنه.

فلعل للتوكل معنيان، ولعل له موردان: فينفع قبل البدء وقاية، وبعد النهاية علاجاً، وإن كانت الكلمة تستخدم ـ غالباً ـ في المورد الثاني، ولذلك: نبحث عن فائدة التوكل على أساس التفسير الثاني.

فائدة التوكل

1ـ إن أصل الانقطاع عن عالم المادة والالتجاء إلى الله، يؤدي إلى التسامي على عالم المادة وتناقضاته الرخيصة، والارتفاع عن التعرض للاستهلاك في عجلات الحياة لأسباب وقتية تافهة. والتعالي على مقتضيات المصالح الآنية، يخلق في الإنسان ـ مع الممارسة ـ نوعاً من النبل النادر الذي يقيم الإنسان.

2ـ إن كل من يتعرض لله يناله شيء من رحمته، كما أن كل من يتعرض لآية من آيات الله يناله شيء منها. فمن يظهر للشمس، أو للريح، أو للسحاب... يأخذ منها بقدره على الأخذ، فيكف بمن يتعرض لله؟! فإنه سيأخذ من فيضه بمقدار ظرفيته. والتوجه إلى الله تعرّض له، فكيف الانقطاع إليه والتوكل عليه؟! فإنه تعرض لمدده المباشر.

3ـ عندما يتورط الإنسان في أزمة لا يجد عنها مخرجاً، ترتبك مشاعره وكلما ضغط على دماغه للبحث عن مخرج، أزداد الدماغ رهقاً وعجزاً. فإذا انقطع عن التفكير بالتوكل على الله، زال تعبه، ونشط للعودة إلى التفكير وكأنه شخص آخر. فإذا استعصى عليه، أعاد التوكل علي الله، ليعاود التفكير وكأنه يقوم بدور شخص ثالث. وهكذا... تتعدد شخصيته التفكيرية كلما توكل على الله، حتى كأن مجموعة من الأشخاص يتفاكرون.

4ـ إذا واجه الإنسان ـ وحده ـ الحياة، ولم تكن له قوة في انتزاع نفسه من ملحمة الوجود سوى طاقاته المحدودة، فسرعان ما تصيبه النكسات باليأس، لأنه لا يمثل القوة المطلقة. ولكن إذا اعتمد القوة المطلقة، فإنه لا ينهزم مهما توالت عليه النكسات، لأن الظروف ـ وإن عاكسته حتى الفشل ـ فإنها لن تعاكس إرادة الله الذي يتوكل عليه، فيبقى الأمل متوهجاً في ضميره ليدفعه إلى متابعة المحاولة. والذي يعلو على اليأس، قلما يمنى بالفشل، لأن المتغيرات مهما جابهته، فإنها ستأتي ـ ولو بعد حين ـ بفرصة مناسبة يكون متهيئاً لاقتناصها، فلا يفقد الأمل، ولا يكف عن المحاولة.

5ـ عندما يصاب الإنسان بالمعاكسات، يحرق الفشل أعصابه، ويعتصر طموحه، ويشككه في مواهبه، وفي قدرته على مواجهة التحديات. فينعكس عليه الفشل بأكبر من حجمه، وتنسحب الخسارة على مستقبله بأكثر من الخسارة التي أصيب بها، نتيجة لعدم نجاح محاولته. والتوكل على الله، يطوق ذيول الفشل وانعكاساته.

6ـ كما أن الفشل يلقي ظلاله السوداء على الفكر والأعصاب، وتهيج به حتى تفقده توازنه، فتصدمه صدمة تسفر عن أمراض نفسية معقدة، منها: الجنون، والتشاؤم... أو تورطه في جرائم تجاه نفسه أو تجاه الآخرين، والتوكل على الله، ينفس الفشل، ويطيش الصدمة.

و(النذر) من نوع التوكل، لأن الناذر هو الذي حاول وفشل، فنذر إن تم له ما أراد، أن يقوم بعمل مستحب. فكأنه يعاني: ضغط الوازع الداخلي الذي يدفعه في اتجاه ما حاول، وضغط الفشل. فلم يكبت الوازع باليأس، ولا تحطم تحت الفشل. وإنما وجه الوازع إلى الله، وعلق الفشل إلى حيث يأذن الله بما أراد أو لا يأذن. فتخلص من كماشة الضغطين، وأبقى على أمله بالنجاح.

التوكل على الله، والتوكل على الناس

(...وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ، إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ، قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدْراً)(4).

1ـ التوكل على الله

وكله: جعله وكيلاً ـ والتوكيل يكون بالاتفاق ـ . وتوكل عليه: أراده وكيلاً ـ والتوكل يكون من جانب واحد، أي: بلا اتفاق ـ . والتوكل على الناس: يساوي الإهمال، لأن المتوكل يترك القيام بالأمر اعتماداً على المتوكل عليه، والمتوكل عليه لا ينهض به إذ لم تؤخذ موافقته على النهوض به حتى يعتبر نفسه ملزماً به. ولكن التوكل على الله: يساوي الاهتمام، لأن الله عندما خلق الكون جعل حركة الكون ـ من الجزيئة حتى الكرة ـ نتائج تنتهي إليها مقدمات، وفق مقاييس لا يخرقها إلا للأنبياء والأوصياء في مجال التحدي ـ وهو ما يسمى بالمعجز ـ . وفي غير مجال التحدي، تبقى مقاييس الكون سائدة: فلا تتولد الطاقة بدون حركة، ولا تبتسم الخضرة بدون خلية نباتية، ولا تنعقد النطفة بدون بويضة... فمن اكتشف تلك المقاييس، وانسجم معها، جرى في مجاري الكون، فانتهى إلى النتيجة التي رتب مقدماتها. ومن لم ينسجم معها ـ جهلاً بها، أو استعلاء عليها ـ ناقض مجاري الكون، فاصطدم بغيره، فانفجر وفجّر. لأن الأمل بدون عمل لا يعطي غير الخيبة:

(لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ، وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ)(5).

وإن الله لا يعطل تلك المقاييس ـ في غير مجال التحدي ـ :

(إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ)(6).

فالطريق إلى أي هدف، منحصر من خلال المقاييس الذي قرره الله طريقاً إليه.

وهذه المقاييس تجسد إرادة الله في الكون، وتجسد إشاءة الله في الكون. سواء في مجال المعنى والروح، أو في مجال المادة والجسد: فلا يهتدي أي إنسان إلا بالمقياس المقرر للهداية، وهو: الانفتاح الشخصي على الإيمان، وهذا الانفتاح هو إرادة الله في الهداية، لأن الله عين الانفتاح الشخصي على الإيمان طريقاً إلى الهداية. ولا يضل إنسان إلا بالانغلاق الشخصي على الإيمان، وهذا الانغلاق هو إرادة الله في الضلال، لأن الله عين الانغلاق الشخصي على الإيمان طريقاً إلى الضلال:

(فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ، وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً...)(7). وكان الله يستطيع أن يوزع الهداية والضلال عبثاً، ويجعل كل شيءٍ ارتجالاً، ولكنه أبى إلا أن يجعل لكل شيء سبباً.

واضطهد كل أولياء الله في الأرض، وسالت دماء الشهداء تحت كل كوكب، وهم أحب الناس إلى الله، ولكن الله شاء أن يضطهد أولئك... ويقتل هؤلاء... لأن الله قرر ـ لتنمية ذاتيات المستقيمين والمنحرفين ـ مقياساً هو: (التدافع الاجتماعي) الذي بدونه لا تصحو ولا تتبلوز كوامن البشر:

(...وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)(8).

والتدافع الاجتماعي عندما يتصاعد لتسريع التنمية، يكون الصراع الذي يتصادم فيه الحق بالباطل، وينكشف عن ضحية وجلاد. أولم يرو الحسين (عليه السلام) عن جده الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: يا حسين! أخرج إلى العراق، فإن الله شاء أن يراك قتيلاً)(9)؟!.

تلك هي إرادة الله... وهذه هي إشاءة الله... فالله قرر للكون مقاييس، ثم أراد وشاء أن يتفرع كل شيءٍ ـ في عالم المعنى والروح، وفي عالم المادة والجسد ـ عن تلك المقاييس.

وبهذا العرض لإرادة الله وإشاءته، يمكن أن نفهم كل الآيات والروايات التي يستدل بها (الجبريون) مثل:

(...يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ...)(10).

(إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ...)(11).

(...مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ...)(12)...

فالله أراد مقتضيات تلك المقاييس، وشاء معطياتها. وأقدر كل إنسان: على الانسجام معها ليتصاعد، وعلى الاصطدام بها لينهار.

كذلك: يلزم أن نفهم معنى: (التوكل على الله) فالاتكال على الله هو: اعتماد تلك المقاييس. وأما إغفال تلك المقاييس، فليس اتكالاً على الله الذي أبى إلا هذه المقاييس، وإنما هو اصطدام بإرادة الله، واتكال على الانهزامية في مواجهة الواقع الذي فرضه الله.

(وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) بالانطلاق في مجاري الكون التي لم يقدر سواها (فَهُوَ حَسْبُهُ) وضمين له بنجاحه، فتلك المقاييس دقيقة دقة أجهزة جسم الإنسان، وحركة الكواكب. وهي تؤدي نتائجها بنفس الدقة: فبقدر ما يكون الإنسان دقيقاً في توظيفها، يكون دقيقاً، في استثمارها. وبقدر ما يكون الإنسان عفوياً في استخدامها، عليه أن يكون عفوياً في استقبال نتائجها. فالنبي عندما قال: (إعقل وتوكل)(13)، إنما كان يعني: أن الإعقال هو الإتكال، وليس الإتكال في الإرسال بلا عقال. فـ(إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ)، ومسيطر على تقديره، فلا يفلت منه أحد و(قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدْراً)، وليس لديه شيء إلا بحساب، فلا يؤخذ في شيء بالعفوية والارتجال.

وهذان البندان:

أـ إن الله بالغ أمره.

ب ـ قد جعل الله كل شيء قدراً، يساعدان على تفسير البند السابق: ومن يتوكل على الله فهو حسبه.

2ـ التوكل على الله غير التوكل على الناس

فالتوكل على الله: مزيد من الواقعية، ومزيد من الدقة والإتقان.

بينما التوكل على الناس: مزيد من العفوية والإهمال. فتوكيل الناس بالاتفاق معهم تعريض للإهمال: لأن إرادة الوكيل تفصل بين الموكل والعمل، فكيف بالاتكال! والإتكالية المكروهة، هي في الاتكال على الناس.

3ـ فائدة التوكل على الله:

إن الإنسان ـ في كثير من الأحيان ـ يتردد في اتخاذ القرار، رغم استعداده للإتقان، وقدرته على السيطرة على أمره. وكثيرون هم الذين يجدون هذه القدرة، ولكنهم لا يجدون الإرادة التي تمكنهم من متابعة الخطوة. وهنا: يأتي دور (التوكل على الله) لاتخاذ القرار. فإذا دلت الدراسات على نجاح أمر، وتوفرت إمكانية الإحاطة به، كان على الإنسان (التوكل على الله) لتنفيذه.

فالتوكل يقضي على التردد الذي يضيع كثيراً من الفرص الذهبية، فلا يأمر الله بالتوكل إلا بعد العزم الذي يتم بأمرين:

1ـ كون الدراسة موحية بجدوى العمل المدروس.

2ـ إمكانية استيعابه حتى لا يتبعثر ولا ينفلت.

ويقول القرآن الكريم: (...فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)(14).

السماوات السبع، والأرضون السبع

((اللهُ) الَّذِي: خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ، وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً)(15).

لعل المقصود من (الأرض) مجمل الأجرام الفضائية، ولعل المقصود من (السماء) مجمل الأجرام المحيطة بالفضاء.

وعلى هذا: فكل الأجرام الفضائية أرض واحدة، وكل الأجرام المحيطة بالفضاء سماء واحدة. فيكون المقصود من (الأرضين السبع) سبعة أفضية، كل فضاء منها مليء بمليارات الأجرام الفضائية، أحدها هذا الفضاء الذي نعيش فيه. وإلى جانب هذا الفضاء ستة أفضية، كل واحد منه مثل فضائنا أو أوسع منها، ومليء بالأجرام الفضائية مثل فضائنا أو أكثر. وتحيط بكل فضاء مجموعة من أجرام سماوية، كالسماوات المحيطة بفضائنا أو أكثر.

ولعلها اعتبرت سبع مجموعات، لأن كل فضاء ـ منها ـ يخضع لنوع من المعادلات والقوانين، وكل سماء ـ منها ـ تتميز بجنس من المخلوقات والأنظمة، يختلف ـ كلياً، ومن جميع الجهات ـ عن جميع ما هو موجود في كل فضاء... وكل سماء... ولا يحيط بخلق الله، إلا هو.

الإنسان والكون

(اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ، وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ. يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ. لِتَعْلَمُوا: أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً)(16).

هل الإنسان هدف الوجود، وقمة الكون؟

هذا الإنسان الضيق المحدود، الذي تجده ـ أينما أردت أن تجده ـ ضيقاً محدوداً.

هذا الإنسان الذي تجده، في قبضة الكون، هشاً رخيصاً: لا يكاد يلبي له حاجة، ولا يضيع له التفاتة.

هذا الإنسان الذي يقف دائماً في حرم الكون متملقاً مستعطياً، وفق سنن الكون، لا وفق رغبات الإنسان. فإذا شاء أن يخرج على إحدى سنن الكون حطمه بلا مبالاة، ولا احترام، ولا اهتمام... والكون سائر في سننه بعنفوان، وكأنه: ليس شاعراً بوجود الإنسان، ولا يدري هل هنالك شيء اسمه (إنسان)؟

وفي الجانب الآخر هذا الكون

هذا الكون بأبعاده الشاسعة، وأجرامه الهائلة، وأسراره العجيبة... التي ليست في متناول الإنسان، ولا في مدى حاجاته، ولا مدى استيعابه، ولا في مدى خبراته العضلية والفكرية.

هذا الكون بمجاهله النائية المدوخة...

هل هذا الكون الرحيب، مقدمة لذلك الإنسان المحدود؟

من الصعب فلسفة الكون بمثل هذه البساطة.

ولو لا الآيات والروايات التي ترمز، وتلوح، وتصرح، وتؤكد... هذا المعنى، لكان الاعتراف به ـ إيمانياً ـ من أصعب الأمور. لأن تقليص حكمة الكون في هذا الإنسان شيء مخيف: إما من جانب الإنسان بتصعيده حتى يكون قمة الكون، وإما من جانب الكون بتخفيضه حتى يكون قمته الإنسان.

ولكن هنالك آيات وروايات صريحة واضحة تؤكد: الإنسان هو الهدف من الكون. وليس الهدف فقط، وإنما الهدف والوسيلة.

فتطور الإنسان، هو الغاية من الكون. والإنسان ـ هو نفسه ـ الوسيلة لتطوير نفسه بالعلم ـ وتطوير الكون معه بإثارة الأرض واستنتاجها، والتعاون مع الآخرين، فهو: الهدف، والوسيلة.

(1) ـ سورة الطلاق: آية 3.

(2) ـ سورة آل عمران: آية 159.

(3) ـ سورة التوبة: آية 129.

(4) ـ سورة الطلاق: آية 3.

(5) ـ سورة النساء: آية 123.

(6) ـ سورة الرعد: آية 11.

(7) ـ سورة الأنعام: آية 125.

(8) ـ سورة الحج: آية 40.

(9) ـ بحار الأنوار ـ ج45 ـ ص3 ط مؤسسة الوفاء.

(10) ـ سورة النحل: آية 93.

(11) ـ سورة القصص: آية 56.

(12) ـ سورة الزمر: آية 36 ـ 37.

(13) ـ عوالي اللئالي ج1 ص75 ح149.

(14) ـ سورة آل عمران: آية 159.

(15) ـ سورة الطلاق: آية 12.

(16) ـ سورة الطلاق: آية 12.