الفهرس

التفسير وعلوم القرآن

الصفحة الرئيسية

 

(42)

۞ سورة الشورى ۞

 حمعسق

مكية وهي ثلاث وخمسون آية

أصحاب الجنة، وأصحاب النار

(...فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ...)(1).

س: من هم أهل الجنة، ومن هم أهل النار؟

ج: لو استعرضنا البشر ـ من بعد نزول الإسلام حتى الظهور ـ فإن أهل الجنة ينحصرون في: المسلمين الإثني عشريين، العدول، الذين ما حاصوا إلا وغسلوها بالتوبة. وأهل النار هم كل من عدا هؤلاء.

وهذا القول ـ بهذا الشمول ـ ينافي قوله تعالى: (...وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)(2). ولعلنا نقسم الناس إلى أربعة أقسام:

1ـ المعاندون، الذين يخالفون الله عن سابق عمد وإصرار. وهم مخلدون في النار.

2ـ المنحرفون عقيدياً ـ عن قصور. وهم يعرضون للامتحان يوم القيامة: فإن استقاموا دخلوا الجنة. وإن أصروا على انحرافهم، أصبحوا معاندين، فدخلوا النار خالدين.

3ـ المستقيمون عقيدياً والمنحرفون عملياً، وهم الفساق. إن تابوا، وأصلحوا ما أفسدوه بسلبيات ذنوبهم، فأدوا حقوق الله والناس عليهم، تاب الله عليهم، فدخلوا الجنة. وإلا دخلوا النار حتى تنتهي مدتهم ـ إن لم تشملهم الشفاعة والمغفرة ـ ثم دخلوا الجنة.

4ـ الصالحون المستقيمون عقيدياً وعملياً. وهم أصحاب الجنة.

س: هل العباقرة والمصلحون غير المسلمون، يدخلون النار؟

والصالحون يدخلون الجنة ـ وإن كانوا عجزة تافهين؟

ج:

1ـ لم يثبت أن العباقرة والمصلحين من غير المسلمين، معاندون. فلعلهم، أو أكثرهم، منحرفون ـ عن قصور، أو تقصير ـ فيعرضون للامتحان يوم القيامة، ولعلهم يكشفون ـ في ذلك الامتحان ـ عن خيار صالحين.

2ـ إن الصالح العاجز، لا يستحق سوى الجنة، وإن كانت درجته دون درجة الصالح المصلح. بينما العبقرية لا تغفر الأخطاء الدينية، كما أنها لا تغفر الأخطاء الصحية والجنائية. تماماً... كالمواطن العادي البسيط، الذي يستحق حقوق المواطنية، رغم ضعفه وعجزه. والمجرم الذكي الرهيب، الذي يستحق العقاب، رغم مواهبه وقدراته.

إقامة الدين، وعدم التفريق

(شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ: ما وَصَّى بِهِ نُوحاً، وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ، وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ. كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ. اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ، وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ.

وَما تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ، بَغْياً بَيْنَهُمْ. وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ. وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ ـ مِنْ بَعْدِهِمْ ـ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ.

فَلِذلِكَ: فَادْعُ، وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ، وَقُلْ:

آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ، وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ، اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ، لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ، لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ، اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ.

وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ ـ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ ـ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ، وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيد.(3).

(...أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ)، فاعملوا ـ جميعاً ـ لإقامة كيان الدين الحر المستقل، حتى يكون للدين في المجتمع الإسلامي:

أ ـ كيان قائم، يشعر كل من يدخل المجتمع الإسلامي بأن كيان الدين قائم، فأرض هيمنته وسلطانه على المجتمع من القمة إلى القاعدة، وناشر ظله وإرادته على كل منطلقات المجتمع الفكرية ومؤسساته النظامية، وخالع طابعه على جميع الأفراد والأعمال... تماماً... كما يشعر من يدخل المجتمع الاشتراكي بكيان الاشتراكية، وتماماً... كما يشعر من يدخل المجتمع الديمقراطي بالديمقراطية، وتماماً... كما يشعر من يدخل المجتمع الإقطاعي أو الديكتاتوري أو الأرستقراطي... بالمبدء الحاكم فيه. بل بصورة أعمق وأشمل، إذ ليس لسائر المبادئ ما للدين ـ وخاصة: ما للدين الإسلامي ـ من عمق وشمول.

ب ـ حر، لم تكبّله التقاليد والروافد الفكرية والاجتماعية، والوافدة من وراء التاريخ، أو من المجتمعات المتعايشة مع المجتمع الإسلامي، عن إعلان آرائه ومواقفه، بلا تحفظ أو تحذر، وممارسته حق الفرض، والرفض، بلا تقية أو مجاملة.

ج ـ مستقل، عن الآراء والأفكار الشخصية، والتناقضات والتجاذبات التي يجيش بها المجتمع البشري مهما كان مبدأه وطابعه. وهذه العوامل المتفاعلة في المجتمع، من حقها أن تتناول كل شيءٍ في المجتمع بالنقض والتأكيد، ومن حقها أن تطال أصل المبدأ الحاكم ذاته، طالما هو ـ وكل روافده ـ من صنع الفكر البشري، وما دام الفكر البشري فاعلاً ومتقدماً، من الطبيعي أن يفسح المجال أمامه لممارسة التطوير والتقديم، وإلا يعني تحجير المجتمع، وتجميد الفكر. فيما ليس من حق العوامل المتفاعلة في المجتمع الإسلامي. أن تتناول أي حكم إسلامي، أو أن تطال الدين، لأنه ليس من صنع الفكر البشري، وإنما هو من مصدر البشر ذاته، فهو يبقى ـ فوق مسرح البشر ـ مقدساً لا يتناول ولا يطال.

فيلزم إبعاد كل المحركات والمتغيرات عنه، وتفريغ الفكر البشري للإبداع والتطوير في مجالين، يكون في مقدور الفكر البشري الإبداع والتطوير فيهما، وهما:

1ـ مجال التنفيذ، فهو مجال رحب يستحق اهتماماً كبيراً، لأن النظام ـ إذا استتب بأحكام، وشمول ـ ينقذ البشر من القلق والاحتيال، ويطمئنه من شرور الآخرين. وتطمين الفرد والمجتمع من شرور غيره، من أهم وسائل السعادة.

2ـ مجال استيعاب الكون، ابتداءً من الإنسان نفسه، وانتهاءً بالطاقات والمجرات، العاملة في الفضاء الرحيب، وهذا... مجال أرحب، يمكّن البشر من الاستفادة من أكبر قدر ممكن من الكون، في سبيل تصعيد نوعية الحياة، وتسهيل الحياة. وأما إذا حاول الفكر البشري أن يتحرك في مجال التشريع، فإنه يصاب بنكستين:

الأولى: أنه لا يتقن التشريع بحيث يستغني عن السماء، كما أنه لا يتقن التكوين بحيث يستغني عن السماء. فكما أنه أسلم ـ بعجزه ـ في مجال التكوين، وتفرغ لاستيعاب الكون، عليه أن يسلم ـ بعجزه ـ في مجال التشريع، ويتفرغ للتنفيذ. لأن هذين الأمرين، خارجان عن نطاق قدراته، غير أنه أسلم ـ بعجزه ـ عن التكوين، لأن فشله في هذا المجال بينّ، ولم يسلم ـ بعجزه ـ عن التشريع، لأن فشله في هذا المجال غير بينّ.

الثانية: إن إكثار المجالات أمام الفكر البشري، وزجّه في المحاولات الصعبة التي لم يخلق لها، تربكه، وتورطه في أنانية يصعب الخلاص منها. فالإنسان ـ إذا وقف عند حده ـ ينتج بلا رهق، وإذا حاول اجتياز حده، فإنه يرهق بلا إنتاج، ويهدر الكثير من مواهبه، وطاقات الكون، في سلسلة طويلة من التجارب الفاشلة.

فلا بد من إقامة الدين كياناً حراً مستقلاً لا يطال، كما لا يطال الإنسان هكذا... اختلفوا حول: الحج، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والولاء والبراء... وحول كل ما في الإسلام من: عقيدة، وعبادة، ونظام... رغم أنهم عايشوا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاثة وعشرين عاماً، والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يمارس الإسلام فيهم، ويأمرهم بأخذ مناسكهم وعباداتهم منه، وكتابه حديثه... ثم بعد ذلك كله، بعد أن عايشوا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاثة وعشرين عاماً، اختلفوا: هل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يصلي متكتفاً أو مسبلاً؟ وهل كان يتوضأ مرسلاً أو منكوساً؟ وهل كان يأخذ الخمس من غنائم الحرب فقط، أو من أرباح المكاسب أيضاً؟

وحتى القرآن الذي هو دستورهم: رغم أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يرتله عليهم، ويحفظهم إياه، ويأمرهم بكتابته، ويتفاخر الكتبة وأتباعهم ـ إلى اليوم ـ بكتابة الوحي... حتى القرآن لم يحفظوه وإنما الله تعالى هو الذي تولى حفظه حيث قال:

(...إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ)(4).

إن أمة عايشت نبيها ثلاثة وعشرين عاماً، عايشته وهو رسول مطارد، إلى أن أسس دولة استقر على قمتها، ليقيم معالم الحق والإنسانية، ثم لم تعرف هذه الأمة من نبيها شيئاً واحد تجمع عليه، ليست أمة لذلك النبي. وإن أمة لا تجد في دينها شيئاً إلا وتختلف عليه، حرام أن تنتمي إلى ذلك الدين.

لقد وجدوا الدين مادة رائحة رابحة، فاستغلوها: حكاماً، وعلماء، وأفراداً، وجماعات... وتاجر بها كل حسب ظروفه ومؤهلاته وحاجاته، وشوهوه تشويهاً لم ينج منه إلا آثار تصلح للذكرى، ولو لا حفظ الله القرآن، ولو لا استمرار النبي في الأئمة (عليه وعليهم السلام) لما كان الإسلام يختلف عن المسيحية، أو اليهودية، أو البوذية، وسائر الديانات... التي لم يبق منها إلا بمقدار ما يبقى الربيع في الخريف، وإلا بمقدار ما يحكي الرميم صاحبه.

مودة القربى

(...قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى...)(5).

(قُلْ) يا محمّد! هذا القول، قرآناً نزل من عند الله، لا قولاً صادراً منك، حتى يمكن لغبيّ أو متغابي التشكيك فيه، بأنه قول صادر عن فورة عاطفية، مندفعة بالدوافع العائلية.

وثبتت كلمة: (قُلْ) لتثبت ؟أنه تشريع صادر من عند الله، الذي لم يرتبط بأحد ارتباطاً عائلياً أو عاطفياً، وإنما يصدر تشريعاته استناداً إلى الواقع المجرد، حسب تقييماته الدقيقة المجردة. فقل ـ يا محمّد!: (لا أَسْئَلُكُمْ) أيها المسلمون! (عَلَيْهِ): على جهدي الطويل المضني لتوجيهكم، (أَجْراً) مادياً أو معنوياً يرجع إليّ. وإنما أنا رسول، خدمت نفسي في كل ما فعلت لكم أو تحمل عنكم وعن غيركم، فليس لي أجر، ولن يكون لي أجر منكم ولا من غيركم. وإنما أجري الحقيقي على رسالتي، هو المزيد من التمسك برسالتي. ولا يمكن المزيد من التمسك برسالتي، (إِلاَّ) بشيءٍ واحد فقط، هو: (الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى). فأقربائي: هم فروعي التي تجسدني، وأجري فيها، فأستمر من خلالها، فمودتكم لأقربائي مزيد من تمسككم برسالتي عبرهم:

1ـ فأقربائي: ولدوا مني، فهم أجزاء مني وبمثابة أعضائي، فهم روافدي الطبيعية فيكم، إنهم كأصابع يدي لا يمكن إلا أن يعبروا عني.

2ـ أقربائي: فتحوا أعينهم على الحياة من خلال قسمات وجهي، ورنّت أصداء الحياة في عروقهم من خلال صوتي، وارتضعوا ألبان الحنان من قبلاتي، وعرفوا رحاب الحياة في أحضاني وعلى مناكبي. أنا ربيتهم على يدي وعلى عيني كما أريد، حتى لا يتحرك فيهم فكر غير فكري، ولا ينبض فيهم هاجس غير هاجسي. فأنا منهم، وهم مني. لا تطفئني ـ فيهم ـ سافيات الزمان، حتى يردوا علي الحوض. فمودتهم مودتي، ومودتي أتباعي، فمودتهم، هي المزيد من التمسك برسالتي.

3ـ أقربائي: هم الأكثر استيعاباً لرسالتي، وأكثر انسجاماً مع سيرتي، فيستطيعون الاستمرار في: توسيع مفاهيمي، وتعميق رسالتي، فلا بد من دورهم، لإكمال نشر الإسلام في الذهنية العامة، وبيان الدورة الكاملة للعقائد والأحكام، التي لم أستطع بيانها. لأن دوري ـ كمؤسس ـ لم يكن يسمح لي إلا بتركيز الأسس العامة، وترك التفاصيل والتجارب والمحاورات لهمت كما فعلوا بعده (صلى الله عليه وآله وسلم) بالفعل ـ .

4ـ أقربائي: باعتبارهم أقرباء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ لا يجدون مبرراً لوجودهم إلا بإرساء رسالتي، ولا يعترفون بمفهوم للحياة إلا من خلالي لأنهم يجدونني وجودهم العام الذي لا بقاء لهم إلا في ظله، فلا تصعب عليهم التضحيات من أجل تمديد حياتي وحياة رسالتي، فهم وقف عليّ وعلي رسالتي من بعدي ـ ما كانوا بعده (صلى الله عليه وآله وسلم) بالفعل ـ .

وهذه... خصائص لم تتوفر في غيرهم، فالآخرون ـ مهما حسن إسلامهم، وارتفعت درجته ـ لا يزيدون على كونهم مسلمين فحسب، لأن الآخرين ليسوا فصائلي، مثلهم، ولم يتلقوا تربيتهم الكاملة مني مثلهم، ولم يستوعبوا رسالتي مثلهم، ولم يرتبطوا بي وبرسالتي مثلهم، فلا يستطيعون القيام بدورهم، مهما كانوا... ومهما جهدوا...

ارتباط الخالق بالمخلوق

(وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ)(6).

(وما كان)، ولا أمكن أن يكون بالماضي، ولا يمكن أن يكون بالمستقبل، ولا يمكن (لبشر) ـ مهما تعالت معنوياته، وتسامى عن جواذب الأرض، وارتفع على واقعه: (أن يكلمه الله) شفاهةً. فالله منزهٌ عن التركيبة البشرية، التي تؤدي إلى إيجاد الكلام، بضغط الحنجرة على الهواء وتقاطيع الفم، بالشكل المتداول لدى البشر في المقابلة. فلا يمكن أن يتلقى البشر كلام الله (إلا) بإحدى الطرق الثلاث:

1ـ (وحياً) وهو: وجود نوع خاص من اتصال الله ـ سبحانه وتعالى ـ بخلق من خلقه، يحدث ـ هذا الاتصال ـ في ذلك الخلق، حالة هي من ألمع وأذكى درجات الوعي الموجه إلى الله، بينما يتصور الآخرون أن الموحى إليه في حالة شبيهة بالغيبوبة. وهي حالة مرهقة جسدياً: فما كان الوحي ينزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا ويتغير لونه، ويتصبب عرقاً، ويبدو في ذهول عن كل ما حوله، ويثقل جسده الشريف، حتى لو كان على ظهر دابة لعجزت عن السير. وهذه هي حالة الوحي، التي ما يتم فيها اتصال الهي، إلا ويجد ذلك الخلق الموحى إليه شيئاً معيناً في ذهنه. وذلك الشيء هو نتيجة الوحي: آيةً، أو تعليماً.

أما كيف يتم هذا الاتصال؟ فذلك ما لا نعرفه، ولا تعنينا معرفته.

وقد يكون من أنواع اتصال مولد الكهرباء بالمصباح، أو من نوع اتصال مصدر الإشارات اللاسلكية بمحطة الاستقبال، أو من نوع اتصال محطات البث الإذاعية بأجهزة الراديو... مع فارق: أن اتصال الله بخلقه ليس اتصالاً مادياً، كما نجده في هذه النظائر، وإنما هو اتصال المجرد بالمادة، وليس من اتصال المادة بالمادة.

والوحي لا يختص بالأنبياء، وإنما قد يتم الوحي إلى الملائكة، كما في قوله تعالى:

(إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ...)(7)، وكما في بعض الحديث، من أن الله أوحى إلى جبرائيل، أو إلى ميكائيل، أو إلى غيرهما، بكذا... وكذا...

وقد يتم الوحي إلى غير الأنبياء من البشر، كأم موسى في قوله تعالى:

(وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى...)(8).

وقد يتم الوحي إلى الحيوان، كالنحل في قول الله تعالى:

(وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ...)(9).

وقد يكون الوحي إلى الجماد، كالسماء بقوله تعالى:

(فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها)(10).

وقد يستفاد الوحي إلى السماء والأرض من قوله تعالى:

(...فَقالَ لَها وَلِلأَرْضِ: ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً، قالَتا: أَتَيْنا طائِعِينَ)(11)، وقوله تعالى:

(إِنَّا عَرَضْنَا الأَمانَةَ عَلَى: السَّماواتِ، وَالأَرْضِ، وَالْجِبالِ...)(12).

وقد يكون من غير الله، الشياطين في قوله تعالى:

(...وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ...)(13).

فالوحي نوع من الاتصال المباشر بين مصدر اتصال ومحطة استقبال، ومصدر الاتصال يلزم أن يكون غيبياً حتى يطلق: (الوحي) على اتصاله. وذلك المصدر قد يكون كـ : (الله) ـ سبحانه وتعالى ـ ، وربما يكون مادياً كـ : (الملاك)، و: (الشيطان)، و: (الجن)، و: (الروح). ومحطة الاتصال ربما تكون غيبياً كـ : (الملاك)، و: (الشيطان)، و: (الجن)، و: (الروح). وقد تكون مادياً كـ : (النبي)، و: (البشر غير النبي)، و: (الحيوان)، و: (الجماد).

وأما حقيقة هذا الاتصال، فقد لا نستطيع هضمه بوضوح، وخاصة: إذا كان من المصدر المجرد ولكن قد يمكن تنظيره بنوع من الاتصال اللاسلكي، فالذي يستقبل الاتصال اللاسلكي، إنما يستقبل اتصالاً شخصياً ومباشراً، مع أنه لم تجر معه مقابلة.

ثم: إن الإنسان قد يتأثر بمصدر مجهول له، فتنفتح في ذهنه فكرة لم تتولد نتيجة إجراء عملية استنتاج، ولم تتوفر لديه أولياته، بينما قد يتهيأ لاستنتاج فكرة، ويستعرض كل مقدماتها، ويعتصر كل مولدات دماغه، فلا يرشح منها شيء. وربما يمضي الشاعر في سوق مزدحم، يعج بالباعة والزبائن، وهو يجهد للتخلص من جوه، الذي يعكر الفكر والذوق، ويبلد المشاعر، ثم يجد الكلمات الواعية، متراصفة في ذهنه، أبيات لا أروع، ونفس الشاعر قد تغمره مناسبة، تفرض عليه تظهيرها في قطعة شعرية، فيخلي بمواهبه، ويسدد القلم على الورق، ويرقش به خطوطاً بلهاء لاستمالته، ويحرك كل الصور والكلمات المختزنة في ذاكرته، ثم لا يفتح الله عليه حرفاً.

أليس ذلك؟! دليلاً على أن أجهزة الاستقبال في دماغ الإنسان، قد تلتقط موجة يتصورها موجة تائهة، ولكنا إذا عرفنا أن لا وجود لصدفة واحدة في الكون كله، نعلم: أنها موجة موجهة، من مصدر معين، إلى دماغ معين، نتيجة لعوامل وتفاعلات متوالدة دقيقة، لا نعرفها بالضبط، فنفسرها صدفة، وليست صدفة، واعتقدها الجاهليون من كلام الجن(14)، وليس كلام الجن.

فالفضاء العميق، هائج بذبذبات الأمواج الواعية، التي يبثها الملائكة والشياطين، ويبثها حتى البشر والحيوان والنبات والجماد. ولكن أدمغة البشر ليس منفتحة على هذه الأمواج، ولا قادرة على استيعابها. وقد يصبح أحد الأدمغة مهيئاً لاستقبال إحدى هذه الأمواج، فيلتقطها بينما بقية الأدمغة منصرفة عنها، أو ليست مهيأة لاستقبالها.

وقد يمكن تنظير هذه الأمواج الإذاعية، التي هي منتشرة حول الأرض، وليس كل جهاز (ترانزيستور) مهيئاً لاستقبالها. ويمكن تنظيرها في الماديات بالأمواج (الكهرطيسية)، التي تبثها أدمغة البشر، واعتمد عليها (الأشراقيون) كأنجح وسيلة لتلقي العلوم، من (إرسطوطاليس) حتى بعد موته(15).

وهذه... قد تكون من الإلهام.

2ـ (أو) يتكلم الله مع البشر (مِنْ وَراءِ حِجابٍ)، بأن يخلق الصوت منطلقاً من مصدر معين، كالشجرة التي كلم الله بها موسى (عليه السلام)، وكحجب النور التي كلم الله من وراءها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة المعراج.

ارتباط الخالق بالمخلوق أيضاً

(وما كان)، ولا يكون (لبشر) ـ مهما ارتفعت إنسانيته ـ (أن يكلمه الله) كلام المشافهة والمقابلة، كما يكلم بشرٌ بشراً. فذلك محال:

1ـ لأن البشر لا يستطع التكلم مع الله، فله ـ بمقتضى تركيبته البشرية ـ دائرة كمال معينة، فهو يستطيع أن يتصاعد في الكمال حتى يبلغ قمته، ولكنه لا يستطيع أن يتجاوز قمته، وإلا لم يكن بشراً. كما أن للحيوان ـ بمقتضى تركيبته الحيوانية ـ دائرة كما ل معينة، فهو يستطيع أن يتصاعد في الكمال حتى يبلغ قمته، فيتعلم بعضاً من لغة وينفذ بعضاً من أوامره، ولكنه لا يستطيع أن يتجاوز قمته فيصبح إنساناً، وإلا لم يكن ـ في الأصل ـ حيواناً. وهكذا... الإنسان ـ مهما ارتفع ـ فإنه يرتفع في دائرة الإنسانية، ولا يصبح إلهاً. مع العلم: بأن الفارق بين الإنسان والإله أكثر من الفارق بين الحيوان والإنسان، لأن الحيوان والإنسان نوعان في مجال: (الممكن)، بينما الإنسان والإله ليسا نوعين في مجال واحد، وإنما كل منهما من مجال معين: فالإنسان من مجال: (الممكن)، والإله من مجال: (الواجب)، وإذا لزم المثال، فلا بد أن نقول: كما أن المستحيل لا يصبح: (ممكناً)، كذلك: (الممكن) لا يصبح: (واجباً). وكما أن: (المستحيل) لا يمكن أن يتعاطى مع: (الممكن)، كذلك: (الممكن) لا يمكن أن يتعاطى مع: (الواجب). وتكلم البشر مع الله ـ تكلماً حقيقياً ـ نوع من هذا التعاطي المستحيل بين: (الممكن)، و: (الواجب).

2ـ لأن التكلم الشفهي ـ بمعناه المعتاد لدى البشر مستحيل بالنسبة إلى الله، فهو يحتاج.

(1) ـ سورة الشورى: أية 7.

(2) ـ سورة الإسراء: أية 15.

(3) ـ سورة الشورى: 13 ـ 16.

(4) ـ سورة الحجر: أية 9.

(5) ـ سورة الشورى: أية 23.

(6) ـ سورة الشورى: الآية 51.

(7) ـ سورة الأنفال: أية 12.

(8) ـ سورة القصص: آية 7.

(9) ـ سورة النحل: آية 68.

(10) ـ سورة فصلت: آية 12.

(11) ـ سورة فصلت: آية 11.

(12) ـ سورة الأحزاب: آية 72.

(13) ـ سورة الأنعام: آية 121.

(14) ـ اعتقد الجاهليون أن لكل شاعر جنياً يرافقه وان شعره ليس من نظمه، وإنما هو كلام ذلك المرافق الذي يهمس في أذن رفيقه الشاعر، وأن شذوذ الشعراء من مس الجن وكان لديهم بئر معطلة في وادٍ موحش، اسمها عبقر، يعتقدون أنها عاصمة الجن، وأن كل من تفوق فقد نجح في مد الجسور بينه وبين كبار الجن من عبقر، فيطلقون عليه لقب العبقري. م.

(15) ـ وهذه الأمواج أغرت أحد كتاب الوحي بإدعاء النبوة، لأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا بدأ بتلاوة آية أتمها، فظن أنه أصبح في مستوى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلما ابتعد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يستطع أن يعمل آية واحدة، ولما تاب وعاد إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، عاد إلى ما كان عليه، لأن دماغه كان بشكل يمكنه من التقاف موجة الوحي وهي تهبط على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وقد يشعر المرء بالانقباض دون معرفة سببه، ثم يبلغ موت قريب أو حبيب، أو خسارة في ذلك الوقت. م.