الفهرس

التفسير وعلوم القران

الصفحة الرئيسية

 

(58)

۞ سورة المجادلة  ۞

مدنية وهي اثنان وعشرون آية

الإيمان، والعلم

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا!

إِذا قِيلَ ـ لَكُمْ ـ : تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ. فَافْسَحُوا، يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ.

وَإِذا قِيلَ: انْشُزُوا. فَانْشُزُوا.

يَرْفَعِ اللهُ: الَّذِينَ آمَنُوا ـ مِنْكُمْ ـ ، وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ، دَرَجاتٍ.

وَاللهُ ـ بِما تَعْمَلُونَ ـ خَبِيرٌ)(1).

ـ 1 ـ

الإنسان محدود بتكوينه المادي، ومحصور بنطاقه الكوني. والناس سواء في هاتين المحدودية والمحصورية، ولا يرتفع إنسان ـ فوق هذا المستوى ـ إلا بأحد أمرين:

1ـ الإيمان، لأنه يربط الإنسان المحدود والمحصور، بما وراء تكوينه المادي وما وراء نطاقه الكوني، فيتجاوز حده التكويني وحصاره الكوني، ويغدو قوياً بقوة الله، الذي لا يوجد ـ أمامه ـ حد ولا حصار.

2ـ العلم، لأنه يربط الإنسان المحدود والمحصور، بعمق تكوينه المادي وعمق نطاقه الكوني، فلا يتجاوز حده التكويني وحصاره الكوني، وإنما يتجاوز جانبه الفكري، ويبقى جانبه المادي محدوداً ومحصوراً.

ومن هنا، تظهر أسبقية الإيمان: لأنه يجتاز بالإنسان حد الشخص وحصار الكون، فيعيش ـ بكله ـ مطلقاً في المطلق. بينما العلم لا يجتاز بالإنسان حداً ولا حصاراً، وإنما يتلقى بعض ذاته... وبعض الكون... تلقياً صحيحاً. وهناك فارق كبير: بين أن يتسع الإنسان حتى يستوعب الإنسان ـ ذاته ـ والكون، وبين أن يكون قادراً على استقبال ما يتساقط من ذاته... ومن الكون... استقبالاً صحيحاً.

وبما أن للإيمان والعلم درجات، ينقسم الناس إلى خمسة أصناف:

1ـ الذين بلغوا القمة في الإيمان والعلم. وهم: الأنبياء، والأوصياء.

2ـ الذين ارتفعوا عن المستوى العام ـ في: الإيمان، والعلم ـ ولكنهم لم يبلغوا القمة، فهم فوق سائر الناس، ودون الأنبياء والأوصياء. وهم: الأولياء.

3ـ الذين ارتفعوا عن المستوى العام، في العلم فقط. وهم: العلماء، الذين نالوا هواية العلم، ولن لم تتوفر لهم الشروط التي تؤهلهم لنور الإيمان ـ فوق المستوى العام ـ فهم يضربون في ظلمات الحياة بعكازة العلم، ولا ينطلقون فيها بإشراقة السماء.

5ـ الذين لم يرتفعوا ـ في: الإيمان، والعلم ـ فوق المستوى العام. وهم: الناس العاديون، الذين يشكَّلون السواد والجمهور.

ولكل صنف ـ من هذه الأصناف ـ درجات:

فللأنبياء درجات: (تِلْكَ الرُّسُلُ، فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ: مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ، وَآتَيْنا: (عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) الْبَيِّناتِ، وَأَيَّدْناهُ بِـ : (رُوحِ الْقُدُسِ)...)(2).وللأوصياء درجات... وللأولياء درجات... وللعباد وللعلماء وللجمهور، درجات... باختلاف درجات الإيمان والعلم فيهم.

وكما أن الإيمان والعلم يرتفعان بالإنسان إيجابياً، هكذا... ينحدران به سلبياً. وكما أنهما يصنفان الناس ـ إيجابياً ـ خمسة أصناف، كذلك: يصنفان الناس ـ سلبياً ـ خمسة أصناف:

1ـ الذين بلغوا الحضيض في الكفر والجهل. كـ : (الفراعنة والطواغيت.

2ـ الذين انحدروا في الكفر والجهل، ولكنهم لم يبلغوا الحضيض.

3ـ الذين هم دون المستوى العام، في الإيمان فقط.

4ـ الذين هم دون المستوى العام، في العلم فقط.

5ـ المستوى العام. وهم: السواد والجمهور.

فيكون المجموع: تسعة أصناف، لأن المستوى العام ـ بمثابة الصفر ـ يشكل القاعدة للجانب الإيجابي والجانب السلبي معاً.

وكما أن الإيمان والعلم ـ في الجانب السلبي ـ ينعكسان على سلوك الإنسان، كذلك: الإيمان والعلم ـ في الجانب الإيجابي ينعكسان على سلوك الإنسان.

وكما أن إدعاء العلم ـ بدون المعرفة ـ مفضوح، كذلك: إدعاء الإيمان ـ بدون العمل ـ مفضوح.

فكل من يقول: (إيماني في قلبي)، أو: (صفِّ قلبك)، أو: (قلبه نظيف)... فإنما يريد أن يخدع نفسه، ويخدع الآخرين.

فالإيمان والعلم طاقتان تتضاءلان بعدم الممارسة، كما... أن الطاقات الجسدية تتضائل بعدم الممارسة، فلا إيمان مع المخالفات الإيمانية، كما... لا صحة مع المخالفات الصحية.

ـ 2 ـ

1ـ الإيمان، ليس مفهوماً ميتافيزيقياً مجرداً غامضاً، وإنما هو: استيعاب فلسفة الكون والحياة والإنسان ـ بشكلها الواقعي المترابط ـ ، ومعرفة خالق الكون والحياة والإنسان، ثم: الانقياد لتلك الفلسفة... وهذه المعرفة... فالمؤمن، ليس مطلق من تعوَّد ترديد كلمة: (الله) ـ بمناسبة وبلا مناسبة ـ ، وإنما هو: الإنسان الواعي، الذي استطاع استيعاب تلك الفلسفة... وهذه المعرفة... بوضوح، ثم: انقاد لمقتضياتهما.

2ـ العلم، ليس مجرد نصوص ـ أو مفردات ـ معينة، وإنما هو: استيعاب الحياة ـ أو بعض جوانبها ـ ، ومعرفة ممارستها بالشكل السليم. فالعالم، ليس مطلق من حفظ نصوصاً ـ أو مفردات ـ ، وإنما هو: الإنسان الواعي، الذي استطاع استيعاب الحياة ـ أو بعض جوانبها ـ بوضوح، وعرف كيف يمارسها.

فالذين استوعبوا فلسفة الكون والحياة والإنسان، وعرفوا خالقها، وانسجموا مع ما استوعبوا ومع ما عرفوا... واستوعبوا الحياة، وعرفوا ممارستها... هم الذين يستطيعون تحديد: موقع كل فرد، ومنطلقه، والأسلوب الذي يوفق به للتحرك المنسجم مع إرادة الحياة.

وهؤلاء هم الذين تضعهم مؤهلاتهم فوق الآخرين، درجة أو درجات، هي درجة أو درجات وعيهم، المتفوق على الوعي العام. فهم: القادة الطبيعيون للبشر.

وهؤلاء هم الذي يرفعهم الله فوق الآخرين، في الدنيا، بحاجة الناس إليهم... وفي الآخرة، بانسجامهم مع إرادة الحياة، المنبثقة من إرادة الله...

(1) ـ سورة المجادلة: آية 11.

(2) ـ سورة البقرة: آية 253.