الفهرس

التفسير وعلوم القران

الصفحة الرئيسية

 

(57)

 ۞ سورة الحديد ۞

 مدنية وهي تسعة وعشرون آية

الحياة الدنيا

(اعْلَمُوا:

أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا: لَعِبٌ، وَلَهْوٌ، وَزِينَةٌ، وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ، وَتَكاثُرٌ فِي الأَمْوالِ وَالأَوْلادِ.

كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا، ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً، وَفِي الآخِرَةِ: عَذابٌ شَدِيدٌ، وَمَغْفِرَةٌ ـ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ.

وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ)(1).

1ـ الحياة، لعلها من الوضوح بحيث يصعب تعريفها، ويمكن أن نقول: (أنها القدرة الواعية على الحركة والتفكير).

2ـ والدنيا، من الدنو، وهو: القرب. فالدنيا صفة لموصوف، قد يستغنى عن ذكره لوضوحه، وهو: (الحياة). فعندما يقال: الدنيا، إنما يقصد: (الحياة الدنيا).

ومع إطلاق كلمة: (الدنيا) مجردة عن موصوفها أصبحت تنصرف إلى مجموعة المخلوقات المادية والطاقية، التي منها الفضاء وما فيه.

كما أن كلمة: (الآخرة)، أصبحت تنصرف إلى مجموعة الخلائق الروحية، التي منها الجنة والنار. مع العلم: بأن الانصراف الذي لا يستند إلى مبدء علمي، يعتبر (انصرافاً بدوياً) لا يصح الاعتماد على دلالته.

3ـ والحياة الدنيا، تقابل بالحياة الآخرة، ولا شك أن الحياة الدنيا تشمل الفضاء، بكل ما فيه من منظومات ومجرات. ولا شك أن الحياة الآخرة تشمل عالم البرزخ، وما وراءه، حتى عالمي الجنة والنار. ولكن هل السماوات وما فيها وما وراءها، من الحياة الدنيا أو من الحياة الآخرة؟ هذا... ما لا ينبغي التسرع في البت فيه.

ففي بعض الأحاديث، ما يمكن الاستلال به على أنها من الحياة الآخرة، كأحاديث المعراج التي كشفت عن وجود الأنبياء الماضين فيها.

ويمكن نقض هذا الاستدلال، بأن العوالم قد تكون متداخلة، فأرواح أكثر الناس ـ بعد موتهم ـ لا تخرج من حدود فضاء الأرض. وفي أحاديث المعراج، ما يدل على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صلى بالأنبياء الماضين في (بيت المقدس). وفي بعض الحديث: أن (قابيل) معذب ـ الآن ـ في كرة الشمس...

وفي المقابل، توجد نصوص يمكن الاستدلال بها على أن السماوات من الحياة الدنيا، فظواهر كل الآيات والروايات، التي تتحدث عن ابتداء الخليقة، تدل على أن السماوات والأرض مجموعة كونية واحدة.

وبما أن النصوص الدينية، صدرت في الوقت الذي لم تكن العقلية العامة مهيأة لاستقبال مثل هذه البحوث، لا نجد نصاً واضحاً يوضح هذا الموضوع.

4ـ ومهما كان أمر السماوات، فالفضاء من الحياة الدنيا. وبقدر ما استطاع البشر أن يدرك ـ حتى الآن ـ : أن في الفضاء مائة مليون نجمة، وكل نجمة شمس، وحولها عدة كواكب، فتؤلف معها منظومة شمسية. أقرب منظومة شمسية إلينا، تبعد عن الأرض أربعة آلاف سنة ضوئية. وبعض تلك النجوم ـ من الضخامة ـ بحيث لو كان مركزها مركز الشمس كان سطحها بعد الأرض، وهذا... يعني: أنها أكبر من الشمس بمليارات المرات. كما أن جرمها أثقل من جرم الشمس، وضوئها وحرارتها أقوى وأشد.

5ـ يلاحظ ـ بحدّة ـ أن الحياة الدنيا، بسعتها المخيفة، وأجرامها الهائلة، ومخلوقاتها الكثيرة... الكثيرة... مكروهة ومحقرة من قبل مصادر الوحي بشكل عجيب، ولعله لم يرد ذمّ شيءٍ كما ورد ذم الدنيا. حتى جاء في حديث: (... إن الله ما نظر إليها ـ برحمة ـ منذ خلقها)(2). وما دام الله لم ينظر إليها برحمة منذ خلقها، فلن ينظر إليها برحمة ما دامت، لأن عدم النظر إليها برحمة سابقاً، يكشف عن عدم استعدادها لقبول نظرة رحمة من الله. وما لم يكن هذا الاستعداد موجوداً، لا يمكن ترتب آثاره عليه، لأن الله فيض مطلق، ولا يجد فيض الله إلا عدم استعداد الطرف الآخر للقبول.

فلماذا الحياة الدنيا منبوذة إلى هذا الحد؟.

لأنها صغيرة ورخيصة، أم لسبب آخر؟؟

لا شك أن الدنيا صغيرة ورخيصة ـ جداً ـ بالقياس إلى الآخرة، فقد ورد في وصف الآخرة: (... ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)(3). ومما يدل على سعة الآخرة الحديث المعروف: (من مشى إلى العالم خطوتين، وجلس عنده لحظتين، وتعلم منه مسئلتين، بنى الله له جنتين، كل جنة أكبر من الدنيا مرتين)(4).

فإذا كان ثواب تعلم مسئلتين أربعة أضعاف الدنيا، فكم ذا سيكون ثواب العالم نفسه؟ ثم كم ذا ستكون الآخرة كلها؟ حقاً... ما خطرت على قلب بشر.

ولا شك: أن الدنيا رخيصة، فنحن ـ جميعاً ـ نجد أنها متعة: تافهة النوعية، محدودة المدة، مشوبة بالمكاره... فليست قيمة يحرص عليها.

ولكن: ليس الصغر والرخص مما يبعد رحمة الله عنها، إذن: فما هو السبب.

لعل السبب: أن الدنيا هي المنطقة المتمردة في ملك الله، فإن الله لا يعصى إلا في الدنيا. فكان من المنطقي أن لا ينظر إليها برحمة.

ولسرِّ كبير جعل الله الصراع بين الخير والشرّ، ولكن لم ينسجم مع هذا الصراع غير الدنيا، فكشف عن ذاتيتها المتجاوبة مع جبهتي هذا الصراع.

ويبدو أن نوعية الدنيا تختلف عن نوعية بقية خلق الله، أو ليست نوعيتها هي التي تؤدي إلى: الغرور، والمزايدة، والتناحر....؟! وقد صدق أمير المؤمنين (عليه السلام) إذ قال: (الدنيا، تغرّ، وتضرّ، وتمرّ)(5).

فتركيبتها الخاصة، هي التي جعلتها خلابة تلهي الإنسان، فهي (لهو).

ولحركتها وتقلبها نوع آخر من الجاذبية، التي تدفع الإنسان إلى اللعب بأشياءها، لإثارة تلك الجاذبية، فهي: (لعب).

ولمفرداتها جمال مغرٍ، يحب الإنسان أن يظهر به، فيثقل جسمه بأنواع من اللباس والحلي، فهي: (زينة).

وتفاضلاتها محدودة، يتنافس الناس عليها. فمن نال فضلاً منها يزايد غيره به، فهي: (تفاخر بينكم)ـ يا أبناء الدنيا!

وهي ـ في حدّ ذاتها ـ شحيحة على الإنسان. فمعطياتها ناقصة، تدفع الناس إلى السعي للكمال ولا تكملهم، فيظلون بين السعي المتعب والشعور بالنقص، فيحاولون التكميل بغيرهم، فهي: (تكاثر في الأموال والأولاد).

***

والدنيا تترائى ـ من خلال أي شيء منها ـ وكأنها تؤدي إلى كمال، ولكن لا تؤدي إليه بالفعل، وإنما تزيد في النقص، فلا ينال الإنسان منها إلا ويزداد شعوراً بالنقص، فهي غرور تخدع ولا تلبي. فهي أشبه بالماء الأجاج ينفخ العروق ولا يبرد الغليل، وكالثفال يملأ المعدة ولا يغذي.

وحيث أنها كذلك، لا تلبي حاجات الإنسان وإنما تخدعه، وتحرك رغبته في التوسع والامتداد ولا تستوعبه.

المصائب

(ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ ـ فِي الأَرْضِ، وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ ـ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها، إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ. لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ، وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ. وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ)(6).

في تفصيل دلالات هاتين الآيتين، نوزع الحديث إلى مباحث:

المبحث الأول

في أنواع المصاعب، وهي كثيرة. ولكن المصائب التي تشير إليها الآية الأولى نوعان:

1ـ المصائب العامة التي تتجاوز الأفراد، حتى يصح اعتبارها مصائب الأرض: كالزلازل، والسيول، والبراكين، والحروب... وإن كانت هذه الكوارث لا تصيب الأرض ـ فيما نفهم ـ ، وإنما هي تغيرات طبيعية لها، وتستهدف الإنسان بويلاتها، حتى من خلال تأثيرها على الأرض، والحيوان، والنبات... ولكنها تقاس بالأرض، لسعة رقعة المنطقة المنكوبة بها، فيقال ـ مثلاً ـ الزلزال ضرب اليابان، والبركان دمر مدينة... والسيول اجتاحت غرب... وحرب الشرق الأوسط... وكل هذه... من المصيبة في الأرض.

2ـ المصائب الخاصة التي تخص فرداً دون آخر.

والمصائب الخاصة قسمان:

القسم الأول: المصائب النفسية، التي تصيب داخل الإنسان: كالعقد، والهزات النفسية التي تحدث نتيجة لتفاعلات وتحولات داخلية بالغة الدقة والغموض.

القسم الثاني: المصائب التي لا تستهدف النفس مباشرة، وإنما تستهدف غير النفس وتتسرب إلى النفس من خلال تعلقاتها. كالبلايا التي تقع على: جسم الإنسان، أو في ماله، وأهله، وأصدقاءه، واعتباراته... وكل هذين القسمين من المصيبة في الأنفس.

المبحث الثاني

إن الإنسان، بطبعه، متفائل، فيتوقع الحصاد الحسن حتى وهو يزرع السيئات. وليس متشائماً على الإطلاق، فلا يتوقع الشر حتى وهو يعد له كل المقدمات. فيرتكب الخطيئة ـ التي لو ارتكب غيره أدنى منها لحكم عليه بأقسى العقوبات ـ ثم يتسامح مع نفسه في الحساب، ويعدها بالانفلات من العقاب، وكأن الكون ينظر إليه من الزاوية التي ينظر هو منها إلى نفسه، فيدلله على حساب غيره، ويؤدب غيره لحسابه.

ومن هذا المنطلق المتفائل، لا يفاجأ الإنسان بالخير وإن لم يهيئ له، ويفاجأ بالشرّ وإن هيأ له.

بينما الواقع يحاسب كل إنسان بمقتضى عمله، بلا محاباة ولا معاداة: فزارع الشوك يحصد الشوك، وناسج الحرير ينعم بالحرير.

المبحث الثالث

كل ما يصيب الإنسان من خير أو شر، لا يرتجل ارتجالاً، وإنما ينتج نتاجاً طبيعياً من مقدماته الطبيعية. ولكن الإنسان: إما لا يعرف علاقة المقدمات بالنتائج، وإما لا يحسن مراقبة المقدمات وهي تتجمع وتتفاعل حتى تبلغ النتائج، فيفاجأ بالنتائج، ويتصور أنها انقضت عليه من وراء الغيب. ولو عرف مقدماتها، وأحسن مراقبتها، لما فوجئ بها.

ففي بعض الحديث: (إن إبراهيم (عليه السلام) مر في أرض كربلاء، وهو راكب فرساً، فتعثر به، وسقط إبراهيم، وشج رأسه، وسال دمه. فأخذ في الاستغفار، وقال: (يا إلهي أي شيء حدث مني؟) فنزل إليه جبرئيل، وقال: (يا إبراهيم! ما حدث منك ذنب، ولكن هنا... يقتل سبط خاتم الأنبياء، وابن خاتم الأوصياء، فسال دمك موافقة لدمه...)(7).

وهذا الحديث يدل على أن إبراهيم (عليه السلام) كان يعرف المقدمات ونتائجها ويحسن مراقبتها. فلما أصيب ـ مواساة ـ أصيب بهزة في مقاييسه، فسأل الله، فأجيب بصحة مقاييسه، وخروج هذه الإصابة عن المقاييس التي كان يتعهدها، لمقياس آخر ه: مواساة ولي الله الذي يستشهد بكربلاء. كما نقرء ـ في جملة من الأحاديث ـ حوادث مماثلة وقعت لآدم، ونوح، وعيسى...(عليهم السلام))(8).

وكل هذا... يعني أن الحوادث التي تصيب الإنسان ـ فردية كانت أم جماعية لا تنبجس من العدم، وإنما من أساب متفاعلة تتكامل خلف الستار. تماماً... كالماء الذي ينفجر في الصخر، لا يتدفق من لا شيء، وإنما تتكاثف ذراته من رطوبات تتسرب من أعالي القمم، وإن بدا ـ للنظرة الساذجة ـ أنه يتفجر من ذات الصخرة التي يخرج منها إلى النور.

فكل ما يصيب الإنسان ـ من خير وشر ـ طبيعي. والأمور الطبيعية، مقدرة ومكتوبة، من قبل وقوعها:

(ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ). والكتاب ـ هنا ـ قد يكون: (اللوح المحفوظ). وربما يكون كتاب: (الكون) الذي لا يهمل شيئاً، ولا يضيع فيه شيء، وإنما يأخذ كل شيء مجراه المرسوم له، وتتواصل تفاعلاته المقدرة له:

(وَوُضِعَ الْكِتابُ. فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ، وَيَقُولُونَ: (يا وَيْلَتَنا! ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها؟!) وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً)(9).

المبحث الرابع

إن للإنسان قدرة محدودة على استيعاب ومراقبة الأشياء التي تتحرك حوله، فيتمكن من متابعة المقدمات المادية القريبة، ولا يتمن من متابعة المقدمات المادية البعيدة، ولا يتمكن من متابعة المقدمات المعنوية.

مثلاً: إن الحبة الصالحة لو وضعت في المناخ الصالح تتفتق عن نبتة، ويتصور أن جميع المقدمات تتلخص في: الحبة، والتربة، والماء والشعاع، والهواء... ولكنه لا يستطع تصور تلك المقدمات التي أدت إلى: وجود الحبة، ووجود التربة، ووجود الماء، والشعاع، والهواء... كما لا يستطيع تصور المقدمات المعنوية التي جمعت. هذه الحبة بالذات، إلى تلك التربة بالذات، إلى هذا الماء، وذاك الشعاع، وذلك الهواء... بينما اللوح المحفوظ، أو كتاب الكون، يحتفظ بكامل سلسلة المقدمات المادية والمعنوية منذ الأزل، وفيه، تكون المقدمات البعيدة واضحة ومعروفة، لكل ما يصيب الإنسان في أرضه أو في نفسه، من قبل أن تظهر المقدمات القريبة للوجود، وتتفاعل، وتبدأ المخاض.

فكل إصابة، بينة وواضحة: (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها) بملايين، أو بمليارات السنين.

ومن هنا... نجد الذي عنده علم الكتاب يقول: لو لا آية في كتاب الله، لأخبرتكم بـ : ما كان، وما يكون، وما هو كائن إلى يوم القيامة)(10) ويقصد بـ: (أنه في كتاب الله) قوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب).

لأن اندفاع الأشياء للسير في مجاريها المرسومة لها، لا يعني أنها ستبقى سائرة في تلك المجاري حتى نهاية الدهر، وإنما تسير فيها ما دام الله يأذن لها، فإذا بدا لله أن يوجهها إلى مجاري جديدة، سارت فيها بذات الاندفاع.

المبحث الخامس

إن عقول البشر، حيث فرض عليها أن تمر بتجربة الدنيا، تقولبت بهيكل من التراب، فحجمها التراب بحجم الدنيا.

(1) ـ سورة الحديد آية 20.

(2) ـ انظر المحجة البيضاء ج5 كتاب ذم الدنيا ص355.

(3) ـ الأحادث القدسية ـ ص69 ـ حيث(60) ط دار الكتب العلمية ـ بيروت.

(4) ـ أنظر بحار الأنوار ـ ج1 ـ أبواب العلم ـ باب(1).

(5) ـ بحار الأنوار: للعلامة المجلسيت ج44/ 242.

(6) ـ سورة الحديد: آية 22 ـ 23.

(7) ـ بحار الأنوار للعلامة المجلس ـ ج44/ باب 30.

(8) ـ بحار الأنوار للعلامة المجلس ـ ج44/ باب 30.

(9) ـ سورة الكهف: آية 49.

(10) ـ سورة الرعد: آية 39.