الفهرس

التفسير وعلوم القران

الصفحة الرئيسية

 

(55)

۞ سورة الرحمن  ۞

مدنية وهي ثمانية وسبعون آية

النعم الكبرى

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ:

الرَّحْمنُ

عَلَّمَ الْقُرْآنَ

خَلَقَ الإِنْسانَ

عَلَّمَهُ الْبَيانَ)(1).

ـ 1 ـ

هذه السورة تتخصص بظاهرة تحبيب الله إلى الناس في استعراض نعم الله على الإنسان، وتفصيل تلك النعم فصولاً تختتم بالسؤال الاستنكاري الشامخ: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟!). ويختلف تقاطع عرض النعم بهذا السؤال بمقدار يمكن فكرة السورة في النفوس: فالفصل الأول طويل، أعطته السورة مدىً كافياً ليتحكم في إيحاءه برهاوة، ثم يتدرج الفصل إلى أقصر... فأقصر... ويتوالى السؤال، حتى يصل الفصل الواحد إلى كلمة واحدة: (مُدْهامَّتانِ). وهذه الطريق العلمية في استثمار الإيحاء الموجّه.

والفكرة الجامعة بهذه السورة هي: تحبيب الله إلى العباد ابتداءً من افتتاحها: فبعد: (بِسْمِ اللهِ) تأتي الكلمات: (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الرَّحْمنِ رحيم). بين: (الرَّحْمنِ) و: (الرَّحْمنِ).

وفكرة تحبيب الله إلى العباد، إحدى القواعد الإيمانية الثلاث التي يرتكز عليها القرآن، وهي:

1ـ قناعة العقل.

2ـ قناعة القلب.

3ـ قناعة الجسد.

لأن الإيمان ليس قناعة العقل نتيجة الأدلة المنطقية فحسب، وإنما هو: جماع الإذعان بالعقل والقلب والجسد. لأن الإنسان ليس هو المخ فقط، وإنما هو: المجموع الإجمالي المتداخل للمخ والقلب والأعضاءِ. فإيمانه هو: إيمان كله، لا إيمان بعضه.

وإيمان القلب ـ بتكريس العاطفة الله ـ لا يتم إلا بـ :

1ـ بيان صفات الله المثيرة للعاطفة، كـ(الرَّحْمنِ) و: (الرَّحِيمِ).

2ـ عرض نعم الله على العباد.

فترى الكثير من آيات القرآن مكرسة لهذا العرض، ونجد تخصيص بعض سورة، أو كل سورة، لهذا العَرض: كسورة الفاتحة، وهذه السورة، وسورة قريش.

فكان افتتاح هذه السورة بـ : (الرَّحْمنِ) للتدليل على أن هذه السورة عرض لمظاهر رحمة الله على العباد.

ثم ابتدأ العرض ببيان النعم الكبرى:

1ـ (عَلَّمَ الْقُرْآنَ): والقرآن مظهر دستوري لجانب من نظام الكون، هو: الجانب الذي يتناول الجزء الاختياري من عمل الإنسان.

لأن الله ـ تعالى ـ وضع للكون نظاماً دقيقاً قوياً، شد كل الكون ـ بما فيه الإنسان ـ شداً محكماً، نجد مظهره في كل ما استطعنا استيعابه من الموجودات الكونية:

(وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ، صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ، إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ)(2).

ولعمل الإنسان ـ كموجود كوني ـ جانبان:

جانب إجباري يتم بدون إرادته، فيولد في يوم، ويموت في يوم، وتتحرك الدورة الدموية في جسمه بشكل، وتتفاعل خلاياه بشكل... ويأخذ هذا النظام مجراه إلى كون الإنسان، بإرادة الله الذي أحكم فيه نظامه، رضي الإنسان أم أبى.

وجانب اختياري أتاحه الله للإنسان، وخيّره بين الفعل والترك، وبين الأضداد والمتناقضات... ليمارس الإنسان ذاتياته ـ من خلال إرادته الحرة ـ فيكشف هويته الغامضة على عمقها، ويبلغ قمته (على أي خط كان) فيرتفع في سلم الخير إلى الجنة، أو ينحدر في مزلق الشر إلى النار.

ولعل الإمام الصادق (عليه السلام) أشار إلى هذا الواقع يوم قال: (لا جبر ولا تفويض، ولكن منزلة بين المنزلتين، وهي: صحة الخلقة، وتخليه السرب، والمهلة في الوقت، والزاد مثل الراحلة، والسبب المهيج للفاعل على فعله)(3).

وعندما أتاح الله للإنسان الجانب الاختياري من عمله، أوحى إليه ـ بواسطة الأنبياء ـ بذلك الجزء من نظام الكون، الذي كان المفروض أن ينفذ فيه بدون إرادته لو كان الإنسان مجبراً. وهذا الجزء من نظام الكون، الذي لم ينفذ في الإنسان، وتركت له حرية ممارسته، والذي نزل على الإنسان بواسطة الأنبياء، هو: الدين الحق في كل زمان. وربما أن أكمل الأديان: هو الإسلام، كان القرآن الجامع الكامل لذلك الجزءِ من نظام الكون.

فالقرآن هو، مجموع من الضوابط الكونية الحرة، التي تحاول دمج الجزء الاختياري من الإنسان في الجزءِ الإجباري من الإنسان وفي بقية الكون.

وبما أن الإنسان لا يمكن أن ينمو إلا بالقرآن، كما لا تنمو البذرة إلا بالنور والهواء والماء والتراب، كان القرآن للإنسان أغلى حتى من حياته، لأن حياته مقدمه لنموه، وحياته عبء لو لا إمكانية نموه. وهذا... يوجب تقديم تعليم القرآن على خلقة الإنسان رتبة.

وبما أن تصميم كل نظام يكون قبل إنشاءِ المنظم: فتصميم نظام المعمل يوضع قبل إنشاء قطع غياره، وهندسة البناءِ تكون قبل تجميع مواده... كان القرآن قبل الإنسان، لأن الإنسان من دون القرآن حيوان تائه لا يهديه حتى الغريزة الموجهة للحيوانات، وهذا... يوجب تقديم تعليم القرآن وجوداً.

لهذين السببين، قدمت نعمة تعليم القرآن على نعمة خلق الإنسان.

2ـ (خَلَقَ الإِنْسانَ): وهذه نعمة يثمنها كل إنسان، ما عدا المنتحر عندما تضر به هيجة الارتباك. فيعجز عن تحمل نعمة الخلق.

3ـ (عَلَّمَهُ الْبَيانَ): والبيان هو: تظهير ما في عمق الإنسان، عن طريق الكلام بواسطة جهاز الفم، أو الإشارة بواسطة سائر الأعضاء.

والبيان ـ بما انه جسر بين الفرد وبين نوعه، والقناعة الموصلة التي تكشف غموض الإنسان خلف جدران الجسم، وتعبير يعكس خواطر الإنسان على غيره ـ هو: الوسيلة الوحيدة لإخراج الإنسان من وحدته الخلقية إلى جماعيته الحيوية.

والبيان هو: العامل الوحيد لإخراج الإنسان من عزلته، وسبب لتكوين الحضارة، وتأمين كل الحاجات الضرورية والكمالية التي لا يمكن أن يؤمنها الفرد مهما قوى ونشط. فهو: ثالثة نعم الله الكبار على الإنسان، رتبة... ووجوداً.

فإذا التزم البيان بمسؤوليته، فعكس خواطر الإنسان الأصيلة كما هي ـ بلا تزييف... وبلا تكلف... ـ يأخذ كل شيءٍ حجمه الواقع، فيتناسق الإنسان مع الإنسان، وتتناغم عوامل الحضارة، فتكون حضارة واقعة يمتد بها الإنسان خارج أبعاده الجسمانية، وإذا ألغى البيان مسؤوليته، فشوه خواطر الإنسان ـ تكبيراً أوتصغيراً... أو تبايناً... ـ يفقد كل شيء حجمه الواقع، فيتنافر الإنسان والإنسان، وتتناقض عوامل الحضارة، فتكون حضارة مزيفة، أو متكلفة، تربك امتداد الإنسان، وترد تطلعاته، وتوجّساته، إلى تصادمات وتوترات، حتى ينفجر ويفجر.

ـ 2 ـ

هذه السورة تعرض نعم الله على الإنسان، وتكرر الاستفهام الإنكاري بين نعم ونعم، وربما بين نعمة ونعمة:

(فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟!).

فلماذا يعرض القرآن نعم الله على الإنسان؟ هل هو في مقام الامتنان؟ والله أغنى عن أن يعزِّز مكانته عند الإنسان بالامتنان.

والجواب: أن القرآن ـ ربما ـ يحاول إشاعة الإيمان في الإنسان. والإيمان ليس فكرة تكتمل بالأدلة العلمية... والمناقشات المخلصة... فحسب، وإنما الإيمان نشاط الإنسان نحو الله، أو هو: اتجاه الإنسان إلى الله.

والاتجاه إلى الله لا يتم بمجرد ارتكاز فكرة في العقل، وإنما هو: جميع فكرة العقل وعاطفة القلب وممارسة الجوارح، فهو: نشاط العقل ونشاط القلب ونشاط الجوارح.

فالإيمان ليس في العقل والقلب فقط، وإنما هو في الجوارح أيضاً، فكما أن العقل وعاء للأفكار... وكما أن القلب وعاء للعواطف... كذلك: الجوارح أوعية للعمل.

والإنسان ليس هو العقل والقلب، وإنما هو العقل والقلب والجوارح جميعاً. فلا بد أن يمارس كل كفاءته، حتى يكون الإنسان قد مارس نشاطه، وتكرس في الاتجاه إلى الله.

ولذلك: أمرنا ـ في كل الأديان ـ بالعبادات الجوارحية، إلى جنب العبادات العقلية والقلبية.

فعرض نعم الله على الإنسان يحبب الله إلى الإنسان، وهذه المحبة هي: إيمان القلب، الذي لا بد منه لاكتمال إيمان الإنسان.

فهذه السورة سورة المحبة، التي تكرست لإيجاد إيمان القلب الذي هو ثلث الإيمان.

وافتتحت بكلمة (الرَّحْمنُ) لتذكير الإنسان ـ منذ البداية ـ برحمة الله على الإنسان، ليتفتح قلبه في اتجاه الخير المطلق الذي يبشر به افتتاح السورة بكلمة الرحمن، فتسهل إثارة محبته وتعبئته بالحب لله.

(عَلَّمَ الْقُرْآنَ): وجاءت نعمة تعليم القرآن قبل خلق الإنسان، رغم أن الإنسان ما لم يخلق لا يعلم، فالإنسان أسبق من العلم.

والجواب: أن القرآن أسبق من الإنسان، لأن الله هو: أكمل كتاب دين، والدين ليس مجرد طقوس تمارس... وشعارات ترفع... وإنما هو: شريعة الإنسان مع نفسه، ومع غيره، ومع الله، ومع الكون. وشريعة الإنسان قبل الإنسان.

ولتقريب ذلك: لو شبهنا الكون ـ بما فيه الإنسان ـ بمعمل كبير، مؤلف من ملايين الأدوات المختلفة الأحجام والتراكيب، فالنظام الدقيق الذي يربط هذه الأدوات ببعضها بشكل قابل للحركة والإنتاج، لا بد أن يسبق إنتاج أدوات المعمل، حتى تنتج كل أداة وفق الهندسة الدقيقة التي تجعلها قابلة للانسجام مع بقية أدوات المعمل، وقادرة على العمل مع بقية أدوات المعمل لإنتاج ما يقصد من المعمل من خلالها.

وإذا كانت هندسة المعمل قبل أدوات المعمل، وقبل المعمل ككل، فإن هندسة الكون ـ بما فيه الإنسان ـ كانت قبل إيجاد الكون.

وهندسة الكون ـ يخص صلاحيات الإنسان، أي: بالمقدار الذي أعطي حرية العمل ـ هذه الهندسة تسمى بالدين وبالشريعة، والقرآن يحتوي هذا الدين وهذه الشريعة.

فالقرآن هو: الصورة المكتوبة من هندسة الكون، فيما يخص صلاحيات الإنسان.

فالقرآن ـ كجزء من نظام الكون ـ كان قبل إيجاد الكون، وقبل إيجاد الإنسان.

فالقرآن الكوني، قبل الإنسان. وتعليم القرآن الكوني للإنسان ـ أي: إيجاد الإنسان بشكل ملائم لبقية أجزاء الكون ـ أيضاً سابق على خلق الإنسان. فالله علّم القرآن للإنسان قبل خلق الإنسان بشكله المتكامل. أي: فطر الإنسان، وهيأه، في عالم الأرواح... وفي عوالم الجزئيات... ـ التي سبق إعطاءها صورة الإنسان ـ قبل إعطاء الإنسان خلقه الفعلي الكامل.

ثم: (خَلَقَ الإِنْسانَ) فخلع على مجموعة متآلفة من الأرواح... والمواد... صورة الإنسان، فأعطاها خلق الإنسان.

ثم: بعد هاتين المرحلتين، وبعد هاتين النعمتين ـ (عَلَّمَهُ الْبَيانَ). والبيان هو: التعبير ـ اللفظي، والخطي، والعضلي ـ الذي يتم بحركة اليدين، والعينين، وسائر عضلات الوجه.

ونعمة البيان تعبر عن انطلاق الفرد ـ من واقعه المحدود ـ إلى المجموع، فتربط الفرد بالمجموع، وبالشكل الطبيعي المنسجم مع المجموع. لأن واقع كل فرد منسجم مع واقع المجموع البشري والكوني، لأن الفرد جزء منسجم من المجموع البشري والكوني. والبيان يعبر عن نوع الارتباط المناسب معه.

ولذلك: حرِّم الكذب، لأنه يشوه إرادة واقع الفرد، فيربك ارتباطه مع غيره، ويأتي غير منسجم مع المجموع البشري والمجموع الكوني.

وفي المثال السابق: لو كان لكل أداة في المعمل بيان يعبر عن هوية تلك الأداة... وعن مكانها المناسب والمنسجم. وإذا كذبت الأداة، فأنها تأتي في مكان يشلها، وربما يشل قسماً كبيراً من المعمل.

هكذا... الكاذب ـ عندما لا يعبر عن واقعه ـ يشل نفسه، ويشل معه الآخرين، لأنه يترك مكانه المناسب إلى مكان غير مناسب له.

الكون مقاييس دقيقة

(الشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ، بِحُسْبانٍ.

وَالنَّجْمُ، وَالشَّجَرُ، يَسْجُدانِ.

وَالسَّماءَ رَفَعَها، وَوَضَعَ الْمِيزانَ، أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ. وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ، وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ)(4).

(الشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ، بِحُسْبانٍ): هاتان الظاهرتان الكونيتان، الباديتان لكل إنسان... في كل مستوى... باعتبارهما ظاهرتين مستعليتين على كل قدرة، هاتان الظاهرتان مسخرتان بحساب دقيق، فكيف بسائر الأشياء.

(وَالنَّجْمُ) هو: النبات الذي ليس له ساق، (وَالشَّجَرُ) وهو: النبات الذي له ساق، كلاهما (يَسْجُدانِ) لله ـ باستمرار ـ في محراب الكون الكبير، لأنهما في غاية الخضوع للنظام الذي عهد إليهما بتنفيذه.

(وَالسَّماءَ رَفَعَها، وَوَضَعَ الْمِيزانَ) فرفع السماءِ بمقياس دقيق حكيم. وقد وضع الميزان لكل شيءٍ، فلكل شيءٍ ـ مهما كان كبيراً... أو صغيراً... ـ ميزان ملتزم به.

كل ذلك: الرحمن علم القرآن وخلق الإنسان، وعلمه البيان وجعل الشمس والقمر بحسبان، وجعل النجم والشجر يسجدان، ورفع السماء ووضع الميزان، كل ذلك: (أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ): حتى لا تتلاعبوا بالميزان، ولا تغيروا المقاييس التي قدّر بها كل شيءٍ.

(وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ): فأقيموا كل وزن بالعدل، و(وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ): فالكون كله ـ بظواهره الضخمة... والصغيرة... ـ سخر بدقة وحساب، لينمو بينه الإنسان نموه التكاملي بالحساب والعدل، وأن يخضع للحساب والعدل.

فائدة التكرار

(فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ)(5).

ما فائدة التكرار؟ وخاصة للكلمة المكتوبة التي يمكن مراجعتها، والوقوف عليها طويلاً، إن تعززت على القارئ، فلم يقدر على استيعابها بالنظرة الأولى؟ وخاصة في هذا المستوى الرفيع، حيث الكلام وحي من مصدر الوجود لكل الأجيال إلى الأبد؟

1ـ إن الكلمة (وصلة) بين مصدرها وموردها، والنفس البشرية زاخرة في مورد العطاء... وواسعة في مورد القبول... فالكلمة الواحدة ـ إذا تكررت ـ تعطي في الإلقاءة الثانية شيئاً غير ما أعطت في الإلقاءة الأولى، وتعطي في المرة الثالثة عطاءاً ثالثاً. كما أن النظرة إذا تكررت تتنوع إلهامها، وكما أن حركة الأصابع إذا تكررت ـ في الأعمال المغناطيسية ـ تتطور تأثيراتها.

2ـ إن الكلمة (وصلة) بين المعنى والنفس المتلقية. والمعنى ـ أي معنى ـ منبع لا يسهل تحديده، والنفس ـ أية نفس ـ مصب لا يسهل تحديده. والكلمة ـ في كل إلقاءة ـ تنقل كمية من المعنى إلى النفس المستقبلة، تماماً... كالمضخة التي تحوّل في كل ضخة دفقة ـ بقدر كيلها ـ من المنبع إلى المصب، وكالربيع الذي يفجر ـ كل عام ـ دفعة جديدة من مواهب الكون، وكالليل الذي ينهي عالماً ويفتح عالماً آخر، وكالنهار الذي يبني دوراً أعلى فوق الدور الذي شيده النهار الماضي.

ومن البساطة بمكان قول النحاة: أن التكرار لا يفيد سوى التأكيد. صحيح: أن الإلقاءة الثانية تثبت عطاء الإلقاءة الأولى، ولكنها تثبته نوعاً لا شخصاً، فعطاء المرة الثانية من نوع عطاء المرة الأولى لا ذاته.

فالتكرار يشحن النفس المستلهمة بالمزيد من المعنى والأثر، ولذلك: يقدَّ التكرار بقدر حاجة النفس المستلهمة إلى المادة التي تحملها الكلمة المتكررة.

وجميع البشر، وحتى الطبيعة ـ في جميع مظاهرها: الحيوانية والنباتية، والطاقوية، والماورائية... تستخدم التكرار، ليس في الكلمة والموجة الصوتية فحسب، وإنما في العمل أيضاً.

أما ترى أجيال البشر كيف تتوالى، ولا يكتفى ببشر واحد، أو جيل واحد؟ وأما تجد: الموجات الكونية كيف تتعاقب؟! وأشعة الشمس كيف تتدافع؟! وحبات المطر كيف تتنزل؟!

فالتكرار للمزيد، لا للتأكيد فقط.

الخوف المقدس، وتكريسه عملياً

(وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ)(6).

ـ 1 ـ

س: هل الخوف صفة حميدة، حتى يثاب عليه الإنسان بالجنة متكررة؟

ج: الخوف على قسمين:

الأول: خوف كاذب لا يجدي وعلى ما لا يستحق، وهو: الخوف المادي، كالخوف على: النفس، والمال، والجاه، والولد، وسائر ما يحرص عليه الإنسان في الحياة. وهذا الخوف:

أـ ليس خوفاً حقيقياً، وإنما ارتباكاً للأعصاب.

ب ـ ليس مجدياً، وإنما المجدي هو الحذر. وليس مجدياً دائِماً، وإنما بقدر.

ج ـ ليس حميداً، لأنه ناتج: إما من الحرص على ماله مدى، لاستمراره إلى أكثر من مداه. وإما من الجهل بحقائق الأمور، وقوانين الحياة. وإما في عبادة الذات، فيما لا معنى لعبادة الذات.

د ـ ليس على ما يستحق، لأن الجسد ـ وعالمه ـ وكل توابعه ـ ليس شيئاً قيّماً: ذاتاً حتى يخاف عليه، وإنما قيمته من مدى خدمته للروح، فيحرز لهذه الغاية، ويدرج في التراب فور مغادرة الروح إياه.

الثاني: خوف صادق، يجدي وعلى ما يستحق. وهو: الخوف المعنوي، كالخوف على الروح من: ترك الواجبات، وارتكاب المحرمات، وسائر ما يتعلق بما وراء الحياة. وهذا الخوف:

أ ـ خوف حقيقي، وليس ارتباكاً للأعصاب... فيكمن تقييمه وفق مقاييس واضحة محددة، فيشبه الخوف من المخالفات القانونية، أو الصحية، أو الكونية... فإن هذه المخاوف لا تساوي ارتباكاً، وإنما تساوي رؤية نتائج سيئة صعبة الاحتمال، أو غير قابلة للاحتمال.

ب ـ خوف مجدي، لأنه يولد التقوى، والتقوى ينقذ من المخاوف المعنوية. فمن قيَّم الأمور تقييماً صحيحاً واجتنب الضار منها، نجا من مغبتها.

ج ـ خوف حميد، لأنه ناتج من تقييم الأمور. وتقييم الأمور قبل اقتحامها، من التعقل الذي يحمد عليه الإنسان.

د ـ وهو: خوف على ما يستحق الخوف عليه، وهو: (الروح) الذي هو الشق الأهم من الإنسان، بخلاف (الجسد) الذي ليس أكثر من وعاء ـ أو أداة ـ للروح. فالعصيان يؤدي إلى عطل ـ أو تخلف ـ في الروح الذي هو قوام الإنسان، عبر عوالم لا نستطيع تحديد مداواتها بثقافتنا المعاصرة.

2ـ ما دام العصيان يؤدي إلى عطل ـ أو تخلف ـ في الروح، فالخوف عليه من العصيان ذاته، لا من الله. لأن الله لا يوجد في الروح عطلاً ـ أو تخلفاً ـ بلا سبب، حتى يخاف منه ذاته.

وعندما يقال: (الخوف من الله)، إنما يعني الخوف من تحدي نظامه، الذي جعله فوق قدرات الإنسان، فلا يتحداه إلا ويصطدم به، فيتحطم. فيكون من نوع التعبيرات القائلة: الخوف من الطبيب، أو من الأستاذ أو من النظام، أو من الشرطة، أو من الشعب... ويعني الخوف من النظام الذي يدعو إليه هؤلاء، لا منهم أنفسهم.

ولذلك: نجد التعبير القرآني هنا:

(وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ)، فالخوف لم يرد من الله، وإنما من مقامه.

وبذلك: ورد في المأثورة في مقام المناجاة مع الله: (جللت أن يخاف منك إلا العدل)(7).

3ـ ومقام الله ليس مكاناً معيناً يخاف منه، فليس ـ كالمحكمة ـ مكاناً رهيباً تخلع لهوله القلوب، وإنما هو: حيث ينصب الله الموازين لمحاسبة الناس، حتى كأنه قام ليحاسبهم، أو حتى كأنهم قاموا ليحاسبوا، لا فرق. ومن هنا: كانت التعبيرات القرآنية بشكلين:

(يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ)(8).

(يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ، وَالْمَلائِكَةُ، صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ: أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ، وَقالَ صَواباً)(9)...

وإلى جانبه

(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ: تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ، أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ، أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ؟! يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ: لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً. قُلِ: انْتَظِرُوا، إِنَّا مُنْتَظِرُونَ)(10).

(وَجاءَ رَبُّكَ، وَالْمَلَكُ، صَفًّا... صَفًّا...)(11)...

والمكان الذي نصب الله فيه الموازين، كل مكان من الدنيا والآخرة، فعمل الإنسان متصل به، والإنسان مقترن به، لا ينفصلان، فبمجرد صدوره ينعكس عليه. وإن كان انعكاسه في الدنيا بشكل وفي الآخرة بشكل آخر، فلا يعني أنه ينفصل عنه ويجمَّد إلى يوم القيامة.

وإنما كان التحذير من انعكاسه في الآخرة أشد، لأن ذات الانعكاس في الآخرة أقوى، حيث يسقط غطاء المادة، ويتحرر الروح، فيظهر بكل تفاصيله ودقائقه.

4ـ وموازين الله، هي: (سلسلة الأسباب والمسبَّبات) التي رتَّبها الله حسب الخواص التي ركَّزها في الأشياء.

فلكل عمل أثر ينعكس على من يعمله، كما أن لكل شيء أثراً ينعكس على من يتناوله. فللحسنات آثار جسمية... وروحية... تؤدي إلى تصعيد الإنسان ذاتياً واجتماعياً، وللسيئات آثار جسمية... وروحية... تؤدي إلى تسفيف الإنسان ذاتياً واجتماعياً.

ولا فرق في أصل الانعكاس بين الدنيا والآخرة، كما لا فرق في أصل خواص الأشياء بين مكان ومكان. فموازين الله قائمة في كل مكان... وزمان... تؤدي نتائجها. كما أن فعل الجاذبية، والشعاع، وكل شيءٍ... قائم في كل مكان، يؤدي نتائجه.

5ـ ومن خاف مقام ربه، ليس كل ملتزم بالدين وإن كان عن تبعية... أو قصور... وإنما هو: الذي عرف الموازين التي نصبها الله، فرتب مسيره بينها، متجنباً حقول الألغام، وهو: المؤمن الملتزم عن وعي، وهو: الذي يستحق جزاءاً مضاعفاً. أما المسترسل بدون إرادة، فحسناته وسيئاته تعد لغيره أكثر مما تعد له، وفي كلا الحالين جزاءه محدود.

6ـ فالمؤمن الواعي، له (جنتان): نعيم الدنيا، ونعيم الآخرة. فهو يعيش دنياه بعيداً عن كل ما يحطم كيانه جسدياً... أو روحياً... وينال منها أروح ما ينال منها إنسان. ويعيش آخرته في مأمن من العذاب، موفور الرخاء.

ولعل الجنتين في الآخرة، لأن التعبيرات الدينية تفرغ كلمة: (الجنّة) ـ التي يبشر بها الصالحين ـ لنعيم الآخرة، ولا تعتبر نعيم الدنيا جنة مهما خلص من المنغصات، وإنما تعتبره: سجناً، وظلاً زائلاً، ومزرعة، وحلماً، وعرق خنزير في يد مجزوم... وأفضل التصويرات لنعيم الدنيا، وما ورد في قوله تعالى:

(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا: كَماءٍ أَنْزَلْناهُ، مِنَ السَّماءِ، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأَرْضِ، فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ. وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْ‏ءٍ مُقْتَدِراً)(12).

فلعل في الآخرة نوعين من الجنان ـ لا نعرف تفاصيلها ـ بشر الله بها المؤمنين الملتزمين عن وعي.

ـ 2 ـ

دخل هارون في حوار مع زبيدة، وانتهى الحوار إلى أن حلف بطلاقها إن لم يكن من أهل الجنة. ثم: حار كيف يعرف أنه من الجنة، فاستدعى العلماء، فلم يجدوا له مخرجاً، حتى جاء آخرهم فقال: هل أنت تخاف الله؟ قال هارون: نعم، قال: ولمن خاف مقام ربه، جنتان.

هل خوف الله، وحده، يكفي؟

هل خوف مقام الله يوم القيامة للحساب، يكفي؟

هل معرفة الله، واليقين بـ : الموت، والحشر، والقيامة، وتطاير الكتب، والجنة، والنار، والميزان... يكفي؟

إذن: فإبليس على درجة عالية من معرفة الله، وعلى درجة عالية من اليقين بكل المعتقدات الصحيحة، وهي درجة: (عين اليقين).

ولا شك: أنه يخاف الله خوفاً عميقاً، لأن اليقين بالعقاب الشديد يؤدي إلى الخوف الشديد. ومع ذلك كله: لا شك أنه أشد الخلق عقاباً، أو من أشد الخلق عقاباً.

إذن: فالخوف من مقام الله، وحده، لا يجدي، إن لم يمارس عملياً، وربما زاد في العقاب، لأن المخالفة ـ مع المعرفة، والخوف ـ يؤدي إلى كون المخالفة إصراراً على المخالفة، والإصرار يجعل الصغائر كبائر. كما أن مجرد الخوف من الحكومات، لا يفلت المواطن من عقابها إن لم يمارس سلوكاً صحيحاً، وإلا اعتبرت مخالفتها عن عمد... وإصرار...

(1) ـ سورة الرحمن: آية 1 ـ 4.

(2) ـ سورة النمل: آية 88.

(3) ـ تحف العقول للمحدث الحراني ـ 484.

(4) ـ سورة الرحمن: آية 5 ـ 9.

(5) ـ سورة الرحمن: آية 13.

(6) ـ سورة الرحمن: آية 46.

(7) ـ مفاتيح الجنان، للمحدث القمي ـ 502.

(8) ـ سورة المطففين: آية 6.

(9) ـ سورة النبأ: آية 38.

(10) ـ سورة الأنعام: آية 158.

(11) ـ سورة الفجر: آية 22.

(12) ـ سورة الكهف: آية 45.