الفهرس

التفسير وعلوم القرآن

الصفحة الرئيسية

 

 

(53)

 ۞ سورة النجم  ۞

 

مكية وهي اثنان وستون آية

عصمة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)

(وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى)(1).

ـ 1 ـ

النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بشر فيه نفخة من السماء، وفيه قبضة من الأرض.

ولكن: نفخة الله في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم تكن روحاً منه، كما كانت نفخته في عيسى بن مريم (عليه السلام):

(... وروح منه...)(2).

ولم تكن من روحه، كما كانت نفخته في آدم (عليه السلام):

(...وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي...)(3).

وإنما كانت نفخة الله في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نوراً اشتقه الله من نوره، كما في الحديث عنه: (أن الله أشتق نوراً من نوره، فأودعه في صلب آدم)(4).

ولم تكن قبضة من الأرض في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (من حزن الأرض وسبخها) ـ كما في سائر الناس ـ ، وإنما كانت من صفوة الأرض.

فنور الله يتحرك في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وصفوة الأرض تتحرك فيه، ولكن نور الله يحكم الأرض ويقننها. فمركب الأرض لم يعطل في النبي، وإنما بقي متحركاً بأقصى ما تتحرك الأرض في بشر فكانت بنيته الجسدية أقوى تتفجراً وأشد مناعة من غيره، وبمركب الأرض كان يأكل ويشرب وينام ويعاش... وتيار الأرض لم يشل في النبي، وإنما بقي الصراع فيه متحمساً بأعنف وأجمع ما يكن الصراع في بشر، ولكنه كان محكوماً بنور الله، لأن نور الله أقوى من مركب الأرض.

ولو عطل مركب الأرض في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وخبا فيه الصراع، لكان في عداد الملائكة الذين لا يمكن أن تكون لهم الأفضلية مهما عملوا، ولم تكن معنى لعصمته. وإنما نتجت أفضليته، من أقوائية حركة الأرض فيه وسيطرته عليها.

فنور الله في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كالسدِّ المكين الذي يستقبل الطوفان الساحق ليقهره، ويذلله في المجاري التي تحيي ميت البلاد. وهذه التركيبة جعلته تجربة قاسية إلى أبعد آماد الاحتمال، واحتماله لها ـ بنجاح ـ جعله نادراً إلى أعلى درجات الإمكان.

وذلك النور في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، هو هوية: (رسول الله) و(خاتم النبيين). وذلك النور هو الذي نظم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): فما يعبر عن مركب الأرض، (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى) البشري، وما يتحرك بالغرائز المشحن بها، وما ينطلق عن عقلية الأرض، ولا عن علوم الأرض، قبل أن يزكيها تمحيص السماء. (إِنْ هُوَ): نطق النبي (إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى) به إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلا تصنيف في أقواله: بأن هذا... صدر منه بصفته الرسمية، وذاك... صدر منه بصفته الشخصية، ولا استفهام عليها: هل هذا... وحي من قبل الله أم ليس وحياً؟ بل كلها... مقدسة، تؤخذ بصفتها وحياً قاطعاً يرفض التردد والتأمل.

وهذا... لا يعني أن كل حرف صدر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان وحياً مباشراً نزل به (جبرئيل) من الله، فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن (جهازاً حاكياً) يوصل إلى مسامع الناس الوحي الذي يعجزون عن استقباله فما كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مجرد أداة لاستقبال ذبذبات السماء، ولا كان مجرد صدىً لـ(جبرئيل)، وإنما كان أذكى الناس وأقدرهم عن استيعاب إرادة الله وتنظيرها.

وما كان الله ليحبط قدرات نبيه ويحوله إلى مجرد أداة، وإنما كان الله ليحرك مواهب نبيه الأمين. فرباه تربية لائقة به، ومنحه مقاييس الكون والحياة، ثم خوله صلاحية التحرك في نطاق تلك المقاييس: فقد (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى)، وألهمهم علماً أحاطه بكل ما يمكنه من استنباط ما يؤمن تقنين الحياة، وعصمه من الانهيار والارتباط حتى لا يزل بقصد أو بدون قصد. فليس كل قوله وحياً، وإنما انطلاقاً من موقع الوحي: وإلا لما كان (فعله) و(تقريره) حجتين إلى جانب (قوله)، وإلا لما كانت (السنة) إلى جانب (الكتاب). فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (حجة الله) على خلقه، لأنه الصيغة البشرية لإرادة الله، فلا يقول ولا يفعل ولا يقرر شيئاً إلا مطابقاً لإرادة الله، ومن هنا... وجدت السنة. ثم كان الكتاب: مدداً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من جهة، وسنداً دستورياً للأجيال من جهة أخرى، ومعجزة خالدة للأبد من جهة ثالثة.

فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن ـ عند الله ـ أقل من (مجتهد) يربى تربية فقهية معينة، ثم يخوّل صلاحية إصدار الأحكام وفق اجتهاده. ولا كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ عند الله ـ أدنى من (حاكم) يربى تربية قانونية معينة، ثم تخول صلاحية معالجة الأمور وفق اجتهادهم. وإلى هذا... يهدي الحديث الشريف: (إن الله أدب نبيه بتأديبه، ففوض إليه دينه، يحلل ويحرم)(5)، فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو... هو... الذي يحلل ويحرم، ولكن لا تعبيراً عن هوى مركب الأرض فيه، وإنما تنظيراً للمقاييس المرتكزة في وجدانه بنور السماء. كما أن (المجتهد) هو الذي يصدر الأحكام، وكما أن (الحاكم) هو الذي يعالج الأمور، ولكن لا تنفسياً عن رغبة كيفية، وإنما تطبيقاً لتربية فكرية معينة.

ـ 2 ـ

س: التعبير عن (الهوى) مذموم، سواء أكان بالنطق أو بالفعل فلماذا تخصيص النطق؟

ج:

1ـ لعل المراد مطلق التعبير، وخصص النطق بالذكر لأنه أبرز وسائل التعبير.

2ـ لعل المراد النطق وحده، لأنه السبب: فالملتزم في كلامه يضطر إلى الالتزام في عمله، والمنفلت في كلامه ينفلت في عمله.

3ـ لعل المراد النطق دليلاً وغيره مدلولاً، إذ يمكن كتمان كل الأعمال أو تفسيرها، ولكن النطق هو العمل الذي يرفض الكتمان والتفسير.

وعلى العموم: لا يمكن فصل اللسان عن بقية الجوارح، لأنها ـ جميعاً ـ معبرات عن القلب: فمن انضبط قلبه انضبط لسانه وجوارحه، كلها، ومن أنساق قلبه أنساق لسانه وجوارحه كلها.

4ـ ربما يكون المقصود النطق وحده، لأن الآيات في مورد الرد على الذين كانوا يناقشون بعض أقوال الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم): أنها منه أم من الله؟

س: النطق عن الهوى، أو مطلق التعبير عنه، مختص بالرعاع الذي لا مسكة لهم من عقل أو دين. وأما أهل الحنكة والحكمة فيتحرجون منه، فكيف بأهل التقوى والمعرفة. وهو أدنى ما يشترط (عدول المؤمنين)، فليس مثله فضيلة لمثل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟

ج:

1ـ الحكماء والمتقون قد يزلون فينطقون عن الهوى، وأهمية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه معصوم، فلا ينطق عن الهوى فنقل القرآن كلامهم ـ بعد إضافة حرف النفي عليه ـ للتطابق بين التهمة ودحضها.

الهوى إرادة النفس، سواء أكان المهوي محموداً أم مذموماً، وغلب عليه المذموم، فالذي يتبع إرادة نفسه لا يعني ـ حتماً ـ أن يكون على ضلال في كل شيء، لأن إرادة النفس كثيراً ما توجه إلى الخير، ولكنه معرض للسقوط، لأن الإنسان لا يحيط بكل جوانب الأمور. فإذا انطلق من إرادة الله يكون على خط سليم، وإذا أنطلق من إرادة نفسه يكون معرضاً للجواذب.

(فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ: فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ، أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ)(6).

(وَ) النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى)، وإرادة النفس التي تحددها مواهبه وثقافته الشخصية، رغم تفوقه في المواهب والثقافة. (إِنْ هُوَ) نطقه (إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى) إليه. فهو مسدد بالوحي، المعبر عن مصدر الواقع. فلا ينتابه: الخطأ، والسهو، والنسيان...

والوحي: اتصال مباشر، غير حاسي.

لأن الإتصالات ثلاثة:

1ـ اتصال بواسطة رسول، كاتصال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بواسطة (جبرئيل) أو غيره من الملائكة.

2ـ اتصال بواسطة كلام يخلقه الله في بعض المظاهر الكونية، كالكلام الذي سمعه (موسى بن عمران) (عليه السلام) من الشجرة.

3ـ اتصال بدون واسطة محسوسة، لا نعرفه بالضبط، فلا نستيطع أن نسميه (اتصالاً روحياً) كما لا نستطيع اعتباره (اتصالاً جسمياً). كل ما نعرف: أنه يختلف عن الإتصالين الأوّل والثاني، لأنه أردف بهما في قوله تعالى:

(وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ: وَحْياً، أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ، أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ)(7).

وهذا الاتصال ليس مهم مبهماً يتم في اللاشعور، ولا ضبابياً كالرؤيا. وإنما هو واضح بينّ، وربما أجلى من الإتصالات الحاسية، ولذلك: ورد ـ في الآية السابقة ـ قبل مرادفيه. ويمكن الاستدلال عليه بالحديث المشهور: (الرؤيا... جزءٌ من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)(8).

والوحي من فيض الله، فهو مستمر لا ينقطع، وموجود في مجالاته كما أن النور موجود في مجالاته ولكن المخلوقات الأرضية ليست مؤهلة لاستقباله، وربما يبلغ مخلوق لحظة متفوقة من الصفاء تؤهله لاستقبال الوحي، كالنماذج التالية:

(أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى...)(9).

(وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ...)(10).

(وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ...)(11).

(...وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها...)(12)...

وقلما يوجد في المخلوقات من تنتظم لحظاته المتفوقة حتى يستقبل الوحي بانتظام، كالأنبياء والملائكة المقربين، ولذلك: يصبحون وسائط بين الله ومخلوقاته.

أما أن يوجد إنسان يعيش ـ دائماً ـ لحظة التفوق القصوى، بحيث يكون دائِم الاتصال بالله، ويتابع الوحي بلا انقطاع، فمثل هذا الإنسان لم يوجد منه إلا فرد واحد هو النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي لم ينقطع، فلم ينطق إلا تعبيراً عن وحي.

ـ 3 ـ

(الوحي) ليس بإرسال رسول، ولا هو من قبيل التكلم من وراء حجاب، لأنه مرادف لهما، وإنما هو نوع من الاتصال يتم بواسطة ـ لا نعلمها بالضبط ـ يمكن أن نسميها اتصالاً غير حاسي. وهذا الاتصال ليس اتصالاً مبهماً يتم في اللاشعور، وإنما هو واضح وصريح، وربما أجلى من الإتصالات الحاسية.

و(الوحي) من فيض الله، فهو مستمر لا ينقطع:

ولكن قد يتفق أن يبلغ مخلوق لحظة متفوقة الصفاء، تؤهله لاستقبال (الوحي) مرة واحدة، مثل قوله تعالى:

(أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى...)(13).

(وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ...)(14).

(وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ...)(15).

(...وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها...)(16)...

وقلما يوجد في المخلوقات من تنتظم لحظاته المتفوقة حتى يستقبل (الوحي) كثيراً، كالأنبياء والملائكة المقربين ولذلك: يصبحون وسائط بين الله ومخلوقاته.

أما أن يوجد إنسان يعيش ـ دائماً ـ لحظة التفوق القصوى، بحيث يكون دائِم الاتصال بالله، ويتابع (الوحي) بلا انقطاع، فمثل هذا الإنسان لم يوجد منه إلا فرد واحد هو النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي لم ينقطع، فلم يتكلم بشيء إلا تعبيراً عن (وحي).

السعي الإنساني

(وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى. وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى. ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الأَوْفى)(17).

ـ 1 ـ

ما هو الإنسان؟

واضح: أن الإنسان أكبر من هذا الكيان الأرضي، أكبر من هذه الكتلة الصغيرة من العناصر الترابية المركبة تركيباً بشرياً، إنه... ذلك اللقاء الفريد بين رغبات الأرض ونفحات السماء، وهو بروحه المتنقلة بين العوالم أكثر مما هو بجسده المزمن على الأرض، فهو ليس أكثر من زورق مرحلي يجتاز بحيرة الدنيا. ولذلك: لا يقيّم بوزنه، وإلا لكان (الثور) أثمن منه. ولا بلونه، وإلا لكانت (اللوحة الفنية) أثمن منه. ولا بشجاعته. وإلا لكان (الأسد) أثمن منه. ولا بقوته، وإلا لكان (الفرس) أثمن منه. ولا بسائر مزاياه الجسدية، وإلا لما وجدنا أصحاب المزايا الجسدية في (الشوارع) وفاقدي المزايا الجسدية على (مقاعد الرئاسات).

وإذا كان الإنسان لقاء الأرض بالسماء، فماذا له من الدنيا؟

لأن السنخية ملحوظة في المالكية والمملوكية، فكما أن الحجر لا يعتبر أعمى ولا بصيراً، لأنه من باب (العدم والملكة)، كذلك: الحجر لا يعتبر مالكاً لمن جلس عليه، والماء لا يعتبر مالكاً للسمكة التي رباها، هكذا... كلما ليس من سنخ الإنسان ليس ملكاً حقيقياً للإنسان. وإذا كانت شرائع السماء اعتبرت الإنسان مالكاً لأشياء ليست من سنخ الإنسان، فإنما الملكية فيها اعتبارية، لمجرد تقنين سيولة الحياة، وتدويل الأشياء بين الأفراد بشكل يضمن تلبية حاجات كل فرد بلا صراع. والاعتبارات التي توضع لتصريف الحياة بين الأحياء: تشبه الرموز التي يتفق عليها الأفراد ـ أو الجماعات ـ وسيلة لتبادل المعلومات، وتشبه اللغات التي تختلف من شعب إلى شعب، وتشبه الأوراق النقدية التي تقرر وتلقى بقرارات الحاكمين في الأسواق. فهي ليست أشياء واقعة قائمة بذواتها، وإنما هي مقررات مرتبطة بإرادة من له صلاحية إصدار مثل هذه المقررات.

فملك الإنسان، لا بد أن ترتبط به سنخياً، فكلما يجزئ الإنسان، فيجعله أرضاً بلا سماء أو سماءً بدون أرض، فليس ملكاً للإنسان، بل هو سكين تمزقه وتذهب بقيمته. إذ ليس للأرض وحدها. ولا للسماء وحدها، القيمة التي للإنسان بصفته لقاء الأرض بالسماء.

فالمنصب، والشهرة، والرتبة، وكلما يشجع أنانيته...، ليس ملكاً له، لأنه يقوي فيه رغبة من رغبات الأرض من أجل تقليص دور السماءِ فيه. والمثاليات الموغلة في التقشف ليست ملكاً له، لأنها تقوي فيه نفحة من نفحات السماء على حساب رغبة من رغبات الأرض من أجل تذويب الأرض فيه.

وأما الأموال: الأرض وما تحمل وتثمر، فإنما هي أشياء مستقلة عن الإنسان وقائمة بازاء الإنسان، فلا يملكها، بل يمر بها مروراً، وإذا كانت الاعتبارات الدينية ـ أو القانونية تعطيه صفة (المالك) لبعض الأرض وما تحمل أو تثمر، فإنما تستغل طاقاته لإدارتها. لأنها ـ في الحقيقة ـ لا منحه إلا نوعاً محدوداً من حرية التصرف فيما تسميه (ممتلكاته)، مقابل استنزاف الكثير من اهتمامه وجهوده في إدارتها، فتأخذ منه أكثر مما تعطيه. ولو كانت السنخية بين الجانبين، لكان ما يسميه (ممتلكاته) هي التي تملكه لا هو الذي يمتلكها، لأنها تستخدمه أكثر مما هو يستخدمها.

وأما الأولاد، فلا يملك تجاههم سوى المسؤولية القاسية بدون مقابل يذكر، وكثيراً ما بدون أن يتوقع أي مقابل أو يفكر فيه.

أما لماذا يندفع الإنسان لاكتساب ما يشجع فيه رغبات الأرض أو يقوي فيه نفحات السماء؟ ولماذا يحاول اقتناء الأموال وإنجاب الأولاد، رغم أن مجملها ليس في صالحه؟

فلك بدوافع كونية غرسها الله فيه لتسيير عجلة الحياة، ولولاها لتهرب الإنسان منها ـ ما وسعه ـ ، حتى ولو فرضت عليه بالشرع أو القانون:

(إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)(18).

إذن: فماذا يملك الإنسان؟

إن الذي يملكه الإنسان هو ما يكون من سنخه، فينميه بصفته لقاء الأرض والسماء، وذلك: هو سعي الإنسان. لأن صعيه تحركه، وتحركه ملكه. لأن الحركة تفتح ذاتياته المتحرك، وتفتح لها المجالات لتسير نحو التكامل، وتأخذ مداها فتبلغ بصاحبها قمته.

فسعي الإنسان هو الشيء الوحيد الذي يملكه في الحياة، لأنه يصدر منه ويعود إليه، فهو المصدر والمصب لسعيه، فهو له حقيقة:

(وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى). فسعي الإنسان ـ سوءاً أكان لبناء نفسية أو لبناء غيره ـ فهو لنفسه وخاص بها. فليس للإنسان غير سعيه، وأما سعيه فهو له.

ولنك سعي الإنسان كثيراً ما يبدو ضائعاً، لأنه كثيراً ما يتوقع من سعيه نتائج لا يسفر عنها، ولكن نظرة موضوعية تثبت أن شيئاً من سعي الإنسان لا يضيع:

أـ لأن المجرد السعي حركة، والحركة تنمي المتحرك، حتى لو لم تكن لها نتائج إيجابية متوقعة. لأن طاقات الروح تشبه طاقات الجسد، في أنها تنشط بالممارسة وتتضاءل بالإهمال، فمثلاً: الذي يدرس يصقل علمه، والذي يبذل المال يغذي موهبته من الكرم، والذي يرشد الآخرين يعمق في ذهنيته المفاهيم التي يخلعها عليهم... ولعل إلى هذا المعنى يوحي الحديث: (ضع المعروف في أهله وفي غير أهله: فإن كان أهله فكفاك ذلك، وإن لم يكن أهله فأنت أهله)(19).

ب ـ إن كل إنسان: فرد من الأفراد، واقف في مصاف الآخرين لبناء نفسه. أما إذا تأهب لاستقبال الآخرين وبناءهم ـ من آية ناحية من النواحي ـ فإنه بنسف هذا التأهب يخرج عن مصاف الآخرين ويغدو فوقهم، لأنه يفكر تفكيراً أعلى من تفكيرهم. فمجرد هذا التفكير خير رفعه فوق الآخرين، وعمل من أعماله النفسية، كما في الحديث النبوي: (نية المؤمن خير من عمله)(20)فإذا نفّذ ذلك التفكير وقام بأي عمل، فإنه ـ قبل أن يصل عمله إلى الآخرين ـ وسّع وجوده، فخرج عن كونه فرداً واحداً، وأصبح ـ بمفرده كثيراً بعددهم: فإذا عمل لعشرة كان عشرة، وإذا عمل لألف كان ألفاً وإذا عمل لأمة كان أمة:

(إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً...)(21).

2ـ إن الإنسان قد يعلّم غيره، فلا يؤدي له ـ مستقبلاً تحية المتعلم إلى معلمه. وربما يحسن إلى سواه، فلا يشكره على إحسانه... فيظن أنه وضع المعروف في غير أهله، وأن سعيه قد ضاع. بينما الواقع:

أـ أنه قلما يوجد الذي يتلقى المعروف ثم ينكره أبداً: فإذا رفض الاعتراف به في موقف فسوف لا يرفض الاعتراف به في مواقف. وإن أنكره في وجه عامل المعروف فقلما ينكره وراء ظهره... غير أن الذين يعملون المعروف ـ غالباً ما ـ يتوقعون من الشكر أكثر من معروفهم، ويتوقعون الشكر ـ ممن تلقى منهم معروفاً ـ في كل موقف ومناسبة حتى ولو كان على بعض حساباته، ويؤذيهم أن يكون شكره أقل مما يتوقعون حتى ولو كان ـ في تقديره ـ أكثر من معروفهم. وهؤلاء ـ في الحقيقة ـ لا يعملون معروفاً إنما يشترون الشكر، بما يحلونهم أن يسمونه معروفاً لاستدرار المزيد من المعروف باعتبارهم من العاملين بالمعروف، فيرابون باسم المعروف. بينما المتاجرة ـ أو المراباة ـ بالمعروف تشوّهه، فتخلع عنه طبيعة المعروف، وتقمّصه طبيعة الخيانة أو الخداع. أما المعروف بالحق، فهو الذي يصدر للمعروف ـ أو قربة إلى الله تعالى ـ بدون توقع جزاءِ فينقلب تجارة، أو توقع شكور فتفسده السمعة، أو تذكر قصد المباهاة فيخبطه الرياء.

ب ـ إن الذي تلقى المعروف، إن لم يقف من عامله الموقف المناسب، فإن ذلك المعروف لا يضيع لأن غيره سيقف من عامل المعروف موقف التقدير، الذي يعوّض ما فاته ممن تلقى منه معروفه: فما ضر (حاتم الطائي) أن لا يشكره من أكرمهم، وسائر الناس يشيدون بكرمه حتى اليوم؟! وما ضر (الأنبياء) أن تلتف حولهم حلقات من الأشواك البرية، بعد أن دخلوا عقول الناس وقلوبهم من أوسع أبوابها؟! ثم مَنْ مِن الذين دخلوا التاريخ كان مسروراً ممن وضع معروفه فيهم؟!

ولكنه دخل التاريخ بمعروفه ذلك، رغم نكران من تلقوه منه.

ج ـ إن أكثر الذين يتلقون المعروف من غيرهم، إنما هم الذين يشكون نقصاً يحوجهم إلى معروف غيرهم. وهم من الدرجة الثالثة، التي لا تقدم ولا تؤخر. وفيهم أصحاب: العقد، ومركب النقص، أو العظمة، أو الجهل المركب، أو سائر التركات الثقيلة التي تولدها الحاجة.

ومن يعاني من داخله، لا يصح أن يتوقع منه القيام بواجباته كاملة تجاه الآخرين. فهم ـ غالباً ـ دون الناس العاديين. والمفروض في عامل المعروف أن يكون فوق العاديين، فإذا توقع أن يبادلون معروفه بأفضل منه، فقد أراد لنفسه أن يقف موقفهم وأن يقفوا موقفه، وهذا... ما لا يكون. فعليه أن يحاول البقاء في موقفه قبل أن يحاول تغيير موقفهم، حتى لا يخيب.

3ـ لا يوجد في الدنيا شيءٌُ ضائع، فكل شيءٍ يبقى ويفتح مجراه إلى مركزه، فإذا ضيعناه ـ نحن ـ فقد أخطأنا مجراه، فعلينا أن نبحث عن مجراه قبل أن نيأس منه. فكما أن حبة المطر التي ترتمي في رمال الصحراء لا تضيع، وكما أن موجة الشعاع التي تنطلق في الفضاء لا تضيع، بل تعاون حبات المطر حتى تعقد السيول والعيون، وتتكاثف موجات الشعاع حتى تربي الحياة وتؤلف الكواكب، كذلك: المعروف ـ إذا توالى ـ يتكاثف حتى يصبح شيئاً يمسك بالأنظار.

وإذا كان هنالك فارق بين معروف ومعروف في الفاعلية والتألق، فإنما هو فارق في الدرجات، نتيجة لحجم ونسبة الدراسات التي أعدت له: فقد يصدر معروف ضمن خطة متكاملة، مسبوقة بدراسات استخدمت كل الظروف والملابسات لتنميته واستثماره، فيعطي عطاءً عِدّاً، كعمل المشتركين في معارك: داوود، وبدر، وكربلاء... وربما يصدر معروف يتيماً مرتجلاً، فيكون كوردة الصحراء، لا تعطر إلا جوها المحدود.

ـ 2 ـ

هنالك تصوّر: أن الله يدخل المؤمنين الجنة لمجرد أنهم خافوا منه فأطاعوه، وأنه يدخل غير المؤمنين النار لمجرد انهم تمردوا عليه فعصوه. وهذا التصور متفرع من تصور أوسع: أن الله يأمر لمجرد الأمر، وينهى لمجرد النهي. وهذان التصوران خاطئان: فالله ـ تعالى ـ حكيم. والحكيم ليس أنانياً يعبد الذات من خلال تصرفاته، ولا كيفياً يعطي ويحرم بوساوس الخواطر.

فالله خلق الأسباب والمسببات ورتب المسببات على الأسباب، فخلاقه سلاسل متوالدة ومتفاعلة، ثم أبى أن يجري الأمور إلا بأسبابها، فكما خلق وصرف الكون بإجراء المسببات على الأسباب، كذلك خلق وصرف ما وراء الكون بإجراء المسببات على الأسباب.

ـ 3 ـ

ليس للإنسان شيء بالمعنى الحقيقي للملكية، إلا سعيه. لأنه يستطيع أن يوجده وأن لا يوجده، فهو يملكه ملكاً حقيقياً. وهو الشيء الوحيد الذي يملكه.

وسعي الإنسان ثابت، لأن سعي الإنسان ـ صوتاً أو حركة ـ يبقى محفوظاً في أرشيف الكون: فالأصوات موجات ثابتة في الهواء، والحركات تنطبع صوراً في الذرات المحيطة بها.

ولكننا لا نراها الآن، لأننا لسنا مجهزين بالعيون ـ أو الأدوات ـ القادرة على استيعابها. ولكنها سوف ترى: في الآخرة، لتطور العيون فيها. أو ـ حتى ـ في الدنيا، إذا تطورت الأدوات المساعدة على الرؤية.

(1) ـ سورة النجم: 3 ـ 5.

(2) ـ سورة النساء: آية 171.

(3) ـ سورة الحجر: آية 29.

(4) ـ بحار الأنوار ـ ج 15 ـ ص7.

(5) ـ بحار الأنوار ـ ج17 ـ باب(13) حديث 4 و 10.

(6) ـ سورة الحج: آية 31.

(7) ـ سورة الشورى: آية 51.

(8) ـ بحار الأنوار ج58 ص191 ح61.

(9) ـ سورة القصص: آية 7.

(10) ـ سورة المائدة: آية 111.

(11) ـ سورة النحل: آية 68.

(12) ـ سورة فصلت: آية 12.

(13) ـ سورة القصص: آية 7.

(14) ـ سورة المائدة: آية 111.

(15) ـ سورة النحل: آية 68.

(16) ـ سورة فصلت: آية 12.

(17) ـ سورة النجم: 39 ـ 41.

(18) ـ سورة التغابن: آية 15.

(19) ـ انظر وسائل الشيعة ج 11 ص 528.

(20) ـ المقنع والهداية ـ للصدوق ج 2 ـ باب(10) ص 12 ح1.

(21) ـ سورة النحل: آية 120.