|
(51) ۞ سورة الذاريات ۞ مكية وهي ستون آية |
|
(وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ)(1). (وَالسَّماءِ): يميناً بالسماء التي تبدو للعين المجردة كأعظم ما خلق الله، ويتجه إليها الناس بأيديهم أحيان الدعاءِ إلى الله، وترمز إلى الله في بعض التعبيرات. (ذاتِ) وذات مؤنث ذو، وذو ـ لغة ـ بمعنى الصاحب، فيقال فلان ذو مال. ولكن يستعمل لأدنى ملابسه مجازاً، فيقال: جدار ذو لون، أي ملون. والسماءِ ذات (الْحُبُكِ)، أي المحبوكة. (وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ: لِلسَّائِلِ، وَالْمَحْرُومِ)(2). هل كل ما وضعت عليه يدك، ونشرت عليه سلطانك، فهو ملك لك، ويحق لك التصرف فيه كما تريد؟ كلا... لا بد من أمرين: الأول: أن يكون السلطان عليه شرعياً. فالسيطرة على الأرض والمال والإنسان، بالغلبة، تعني الإقطاع والاغتصاب والاستعباد. فوضع اليد على الشيء، لا يؤدي إلى الملك إلا إذا تم بالوجه الشرعي. فإن سلطانك على نفسك وأولادك ومالك، لا يبرر لك التحكم فيها كما تريد. وربما تستطيع بسط سلطانك على بلد وشعب وربما قارة وأمة، ولكن ذلك لا يجيز لك أن تفعل بها ما تشاء. فجميع شرائع السماء، وقوانين الأرض تظافرت لتقول لك: عليك أن تتصرف في أشياء معينة، وبشكل معين: (...تِلْكَ: حُدُودُ اللهِ، فَلا تَعْتَدُوها. وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(3). فأول ما يقع تحت سلطان، جسمك. ولا يجز لك تشويهيه، أو التخلص منه بالانتحار. لأنه أمانة لديك. ولا يجوز تصريف الأمانة إلا في وجهها. وهكذا... زوجتك، وأولادك، وكل ما تتولى عليه، ومن تتولى عليه. والمال الذي يقع تحت يديك ـ وإن حصلت عليه بالطرق الشرعية، وأصبح ملكاً بلا منازع ـ فلا يحق لك كنزه، أو استهلاه في رغباتك. وإنما لك ـ منه ـ ما يكفي لضروراتك، وكمالياتك ما لم تبلغ حد الإسراف، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (ليس لك إلا ما أكلت فأفنيت، وما لبست فأبليت...)(4)، أي: بمقدار ما توفر أنت على الموظف الذي تستخدمه لتصريف أعمالك، كما في الحديث القدسي: (الأغنياء وكلائي)(5). فالمال الذي يأتيك في القنوات السليمة، ليس كله لك أنت وحدك، وإنما فيه الضرائب الشرعية: الأخماس والزكوات والكفارات... ثم فيه لاثنين: 1ـ السائل، الذي يتعرض لك، ويطلب منك ـ وإن كان موفوراً ـ فله حق الطلب. 2ـ المحروم، الذي يكون معدوماً، ولكنه لا يتعرض لك، ولا يطلب منك ـ لأسباب شخصية، أو وقتية ـ فعليك أن تسعى إليه. ولعل الفارق بينهما: أن الأول يجد، ويطلب المزيد. والثاني لا يجد، ولا يطلب، وكلاهما شريكان معك في مالك. وربما نستطيع أن نستنتج من ذلك، أن مالك قسمان: مالك الخاص، وهو ما يفي بضروراتك وكمالياتك الشخصية. ومالك العام، وهو ما زاد على ذلك. وقد ائتمنك الله عليه، لتساهم به في حفظ المعادلات الاقتصادية، وتشجيع الخدمات الاجتماعية. (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)(6). فالله تعالى ـ خلق الخلق بلطفه الذاتي الذي يقضي بالفيض المطلق بلا سابق استحقاق، فأفاض نعمة الوجود على ما أراد خلقه، فوجد بلا سابق استحقاق لنعمة الوجود، فوجدت الموجودات التي منها الجن والإنس، اللذين يؤخذان كنموذجين لها. وكل خلق ـ في ابتداء تكونه ـ غامض: غموض الشجرة في البذرة، وغموض المعدن قبل نضوجه في التراب... وكل شيءٍ لا ينقص غموضه إلا بتعرضه للتجربة: فالشجرة لا تنهض من البذرة لا بتجربة الأرض، والماءِ، والتراب، والحرارة، والهواء... والمعدن لا يتلاحم من عناصره إلا بلفح الشمس وسكوب المطر... والجن والإنس لا يتفتحان إلا بعبادة الله... فالعنصر الطيب ـ منهما ـ يسير في خط الانقياد لإرادة الله، حتى يبلغ قمته، فيكون منسجماً مع الجنة، التي هي الحياة السليمة التي لا تشكو التناقض والارتباك. والعنصر الخبيث ـ منهما ـ يسير في الانفلات عن إرادة الله، حتى يبلغ قمته، فيكون منسجماً مع جهنم، التي هي الحياة الفاسدة التي كلها تناقض وارتباك. فالذي هو مركب النزوات الطائشة، لو دخل الجنة، لسخر الطاقات الهائلة الموضوعة تحت تصرفه، للسطو والبطش، فأفسد الجنة. والذي روض نفسه بالتقوى، حتى تحولت نبضاته تسابيح، لو دخل جهنم، لأطفأها بتكبيرة صادقة. فالله خلق الجن والإنس ـ في هذه الدنيا ـ ليعبدون. لا تكريماً لله، فالله أغنى من أن يكرم، وهل يمكن أن يكرم الخالق بعمل خلقه؟! ولا ليعرفهم، فالله أعلم من يعرّف على شيء، وهل يمكن أن يجهل الخالق خلقه حتى يعرّف بهم؟! وإنما ليروضوا واقعهم بالانقياد لإرادة الله، وحتى يكونوا منسجمين مع الحياة السليمة الخالدة، فينالوا ـ من فيض الله ونعمه ـ بمقدار ما يمكنهم الاستيعاب. فإذن: خلق الله لخلق ـ في هذه الدنيا ـ ليعبدوه، وبالضبط: ليعبدوه: وإذن: لسنا بحاجة إلى تفسير: (ليعبدون) بـ : (ليعرفون). فالعبادة هي التي تطور الخلق، وليست المعرفة وحدها، فالمعرفة وحدها، فالمعرفة ـ مع إرادة الالتزام ـ هي التي تنمي العارف، أما المعرفة المجردة من إرادة الالتزام، فتركس العارف، للزوم الحجة عليه. |
|
(1) ـ سورية الذاريات: آية 7. (2) ـ سورة الذاريات: آية 19. (3) ـ سورة البقرة: آية 229. (4) ـ انظر: بحار الأنوار ـ ج 68 ـ ص356 ـ ح 17. (5) ـ انظر: الوسائل ـ ج12 ـ ص 16. (6) ـ سورة الذاريات: آية 56. |