الفهرس

التفسير وعلوم القرآن

الصفحة الرئيسية

 

(17)

 ۞ سورة الإسراء ۞

(بني إسرائيل)

مكية وهي مئة وإحدى عشرة آية

رحلة الإسراء


بسم الله الرحمن الرحيم

((سبحان الذي أسرى بعبده – ليلاً –، من (المسجد الحرام) إلى (المسجد الأقصى). ـ الذي باركنا حوله ـ،لنريه من آياتنا. إنه هو السميع البصير)).

[(سورة الإسراء: الآية 1)].


- 1 -


- (الإسراء) لم يكن رحلة تكريمية بمقدار ما هو دورة تربوية، صعدت مستوى الرسول الأكرم (ص) من درجة (علم اليقين) إلى درجة (عين اليقين). فأراه الله كل الحقائق الكونية والماورائية، التي تعتمد عليها الرسالات، من: استمرار الإنسان بعد الموت، وبقاء الأعمال بعد انصرامها، والجنة والنار، ونعيم المؤمنين وعذاب المنحرفين، والملائكة – وعبادتها، وتصريفها للأعمال: الكونية، والماورائية، والسماوات، وما فيها –، والأنبياء السابقين – ومستوياتهم –، وأشياء أخرى كثيرة، كالتحولات الكونية والماورائية... حتى استوعب النبي (ص) حركة الوجود في جزئيه الكوني والماورائي، فارتقى من مرحلة العلم النظري إلى العلم التجريبي، حتى كانت له أقصى خبرة يمكن أن تكون لإنسان. وهذه... أشياء كان النبي (ص) يعلمها، ولكنه لمسها لمس الجسد – ولمس الروح – في رحلة (المعراج).

- وإذا كان الله لا يكرم أحداً من خلقه إلا بما هو في مستوى استيعابه، وإذا كان الله لا يحرم أحداً من خلقه من كرامة إلا بأن تكون فوق مستوى استيعابه؛ فتكريم النبي (ص) – دون سواه – بدورة المعراج، يدل على:

1- أن النبي (ص) أكثر طاقة من سواه، حتى كان مؤهلاً لدورة لم يكن لها رواد سواه.

2- أن النبي (ص) فاق أحلام الآخرين، فهو – بزيه البشري، وفي مرحلة الدنيا – استطاع أن يمارس الآخرة كما يمارس الدنيا. وممارسة الآخرة في زي الدنيا وفي مرحلة الدنيا، شيء لم يحلم به الآخرون، وشيء ينسف كثيراً من أسس (فلسفة الإغريق)، كما أنه تجربة تبطل الفاصل الموهوم بين الآخرة والدنيا. وهذه التجربة تنسف – بدورها – كثيراً من أسس (الفلسفات المعاصرة)، وتفتح الأبواب لدراسات لم توضع لها – بعد – نقطة البدء.

والخروج بالجسم البشري من إطار الكون، وانسلاخ الجسم البشري من بعد الزمان، واستغناء الجسم البشري عن التنفس الطبيعي والتغذية الطبيعية، وقابلية الجسم البشري للاستغناء عن ضغط الهواء، واختراق جدار الأبعاد الفلكية، وسائر معطيات المعراج...، أمور لا تزال غريبة عن الفكر العادي، حتى درجة الإنكار والاتهام بالخرافة.

وتجربة المعراج، تضع نقطة التكامل لحضارة واقع الكون، وتقيس مدى تخلف الفكر البشري عن حضارة واقع الكون. وعندما يبرز (المعراج) تجربة رائدة، تقود الفكر إلى مجالات لم تدخل – بعد – رحاب الأحلام؛ يظهر لماذا افتتح الله قصة المعراج بكلمة: ((سبحان))، التي تؤهب الأذهان لاستقبال عجيبة غير متوقعة.

فـ ((سبحان الذي)) حقق – في جذور الزمان الغارقة في الجهل المطبق – تجربة تبقى رائدة، ما دام الإنسان طفلاً يحبو على الأرض، ويخلد إلى مغريات الأرض. ما دام الإنسان يرسف في عبادة فكره، ويطمئن إلى قدرته على إغنائه عن عبادة الله.

فـ ((أسرى بعبده)) محمد بن عبد الله. أسرى به لا بالقوى المعروفة، ولا بقوة الشمس. وإنما أسرى به – ((ليلاً)) – بقوة أخرى لم تكتشف بعد، ولن تكتشف بتجارب البرامج القاصرة، ولن تكتشف إلا إذا بلغ العقل رشده الكامل، فاهتدى إلى استلهام المعرفة من الله.

وأسرى به، لا من الأرض إلى الأرض، وإنما من المنطقة المحرمة إلى نقطة النهاية:

((من المسجد الحرام))، ذلك المسجد الذي تدخل رحابه الأجسام المطلية بطلاء الإيمان، وربما لا تدخله العقول البشرية، لأنها لا تحمل شارة الإيمان الحقيقي الذي يفتح أمامها المسجد الحرام، ولم تبلغ رشداً إيمانياً يسمح لها بدخول هذه القاعدة الوجودية الضخمة. فتبقى حراماً؛ وإن تزاحمت الأكتاف في فنائه، وتراصت الرؤوس صفوفاً خاشعة في اتجاهه، وامتدت إليه الأيدي – حلقات – مبتهلة في دعواتها، والتفت حوله أجساد الموتى في أجداثها، دوائر متتالية في قلب الأرض.

فانطلق النبي (ص) من هذه القاعدة المركزية – في إسرائه – ((إلى المسجد الأقصى))، الذي انتهى إليه الأنبياء السابقون وما تجاوزوه، ولكن النبي (ص) لم ينته إليه، وإنما مرَّ به في طريقه الصاعد.

إلى أين؟

إلى حيث ما ارتقى إليه قدم ولا جناح، إلى حيث (سدرة المنتهى)، إلى حيث أراه الله من آياته ما لم يرها بشراً ولا ملكاً.

- اختيار صفة (العبد)، إشعاراً بمؤهل (الإسراء)، دون سائر صفات النبي (ص)، التي أهمها – في الذهنية العامة – صفة (النبي)؛ يكشف أن (العبودية لله) هي سُلَّم الكمال البشري، وأن (العبودية الكاملة لله) هي نقطة النهاية في قوس الصعود، التي تحشر – دونها – جميع صفات الكمال البشري، بما فيها صفة (النبوة).


- 2 -


كان للنبي (ص) إسراءان:

1- إسراء من (المسجد الحرام) إلى (المسجد الأقصى).

2- إسراء من المسجد الأقصى إلى السماوات.

بالنسبة إلى الإسراء الأول:

ربما كان الهدف: ربط منطلق المسجد الحرام بمنطلق المسجد الأقصى – كما يوحي به عرض الآية لمبدأ ومنتهى إسراء النبي بالمسجدين –، وربط رسالة النبي (ص) – في جانبيها الرسالي والحضاري – بالرسالات والحضارات الأخرى.

فالمسجد الأقصى رمز هذه المنطقة، بمعطياته الواسعة بالتوجيه العالمي. فهذه المنطقة – بإنسانها العبقري، الذي استقبل ثلاث رسالات عظيمات، هي رسالات إبراهيم وموسى وعيسى (عليهم السلام)، وصدر الحرف، وسخر البحر، وأوجد من الحضارات الكبريات –، هذه المنطقة، لم يكن من الممكن أن تهمل في أعظم الرسالات وأكبر الحضارات، وهو الإسلام بأبعاده العالمية. فكان إسراء النبي (ص) إلى المسجد الأقصى، رمزاً للترابط: بين الإسلام كدين وبين سائر الرسالات، وبين الإسلام كحضارة وبين سائر الحضارات. وبين الرسول (ص) كنبي وبين أنبياء هذه المنطقة، وبين الرسول (ص) كعبقري وبين إنسان هذه المنطقة.

وفي هذا الرمز الضخم، أكثر من دلالة على (أخوة الأنبياء)، وتوالد الرسالات والحضارات:

فالأنبياء كرسل الله إلى البشر – مع ما عانوا من تذبذب الناس من حولهم – لا بد أن ينتهوا برسول عظيم: يؤيدهم جميعاً، ويقدسهم جميعاً، ويرفض كل ما أثير حولهم من ضباب، ثم يملأ – وحده – الفراغ الموحش الذي تركوه جميعاً.

والرسالات والحضارات، لا بد أن تنتهي بحضارة رسالية: تؤطرها جميعاً، وتكملها، وترسيها على أسس راسخة شامخة، لا يمحوها الزمان.

فكان (الرسول الأكرم) (ص) وكان (الإسلام)، ثم كان (الإسلام) رمز التقاء المبدأ بالمنتهى، وعودة المنتهى إلى المبدأ.

- 3 -

وفي الإسراء قال بعض: (إنه إسراء الروح وحده)، وقال بعض: (إنه إسراء في المنام)، وقال آخرون غير ذلك... ولكن الآية تأبى كل هذه التفاسير، فـ:

1- حركة الروح، وحركة الرؤيا التي هي من حركة الروح أيضاً؛ لا تسمى إسراءً. فالإسراء حركة الإنسان في الليل، لأن الروح لا يعتريها الليل والنهار.

2- قد يقال: الروح لا تدخل في نطاق الزمان، لأن الزمان بعد رابع للأجسام الكثيفة، والأجسام الشفيفة لا تدخل في نطاق الزمان. كما أن الطاقات – كلها – لا تدخل في نطاق الزمان.

فسق المترفين


((وإذا أردنا أن نهلك قرية، أمرنا مترفيها ففسقوا فيها، فحق عليها القول، فدمرناها تدميرا)).

[(سورة الإسراء: الآية 16).


- 1 -


هذه الآية تعرض سبب انهيار المجتمعات البائدة، والطريق العفوية التي تجري فيها المجتمعات نحو الهلاك.

وقبل البدء بتفسير هذه الآية لا بد من بيان المواد التي استخدمت في بناء هيكل الفكرة التي تعرضها، وهي:

1- إرادة الله إهلاك قرية.

2- أمر الله مترفيها بالفسق.

3- الفسق المدمِّر.

فهذه المواد، هي الأسباب المتوالدة التي تنتهي إلى انهيار المجتمعات، وهي بالتتابع:

أولاً: إرادة الله إهلاك قرية.

وبما أن الله – تعالى – خير مطلق، ومصدر الخير كله، وإهلاك قرية، شرٌّ؛ لا يمكن أن تصدر من الله إرادته مباشرة، ودون أن تسبقه إرادة شيطانية شريرة، متقمصة بعمل بشري شرير، يكون استمرارها شراً كبيراً، لا يصح تركها للنمو والتوسع، وإنما يكون وضع حد لها – ولو بإهلاك قرية – خيراً، فتصدر إرادته من الله.

فإرادة الإهلاك (التنفيذية)، ليست أول الأسباب. وليس هذا التسلسل المستطرد في سير الآية، تسلسلاً حقيقياً – لو كانت الإرادة الواردة فيها، (تنفيذية) –، وإنما التسلسل بالعكس: فالفسق، هو السبب الأول. وإرادة الهلاك، هي السبب الثاني المتولد من السبب الأول. وأمر الله المترفين بالفسق، من المعدات التكوينية للفسق.

وأما إذا كانت الإرادة الواردة في الآية (إنشائية)، فهي السبب الأول. لأن الإرادة الإنشائية من توابع العلم بما يكون، ولكنها لا تغير في ظاهر الكون. لأن العلم الأزلي بأن أهل قرية كذا يفسقون في تاريخ كذا؛ يولد إرادة الإهلاك الإنشائية. فإذا وجد أهل تلك القرية وفسقوا، تتولد الإرادة الفعلية من الإرادة الإنشائية، ثم تتولد الإرادة التنفيذية في الإرادة الفعلية.

والإرادة التنفيذية، هي التي تغير في ظاهر الكون.

والإرادة الإنشائية – في حقيقتها – ليست سبباً للإهلاك، بل هي أولى المسبقات، المؤدية إلى الأمر. وإنما الفسق هو السبب الأول – في مجال السير الموضوعي للأسباب والمسببات –، والإرادة هي السبب الأول – في السير التنفيذي للأسباب والمسببات –.

ثانياً: ربما يقال: أمر الله مترفيها بالفسق؛ ومن يوجه ذلك بالتالي:

بما أن الله – تعالى – خير مطلق، ومصدر الخير كله، وأمر المترفين بالفسق، شر؛ لا يمكن أن يصدر من الله. فالأمر – في هذا التعبير –: ليس أمراً تشريعياً، لأن الأمر التشريعي صادر بالنهي من الشر. وليس أمراً تكوينياً، لأن الأمر التكويني لو كان صادراً بالفسق، لما صحَّ صدور الأمر التشريعي بخلافه، ولما صح العقاب عليه.

(وهنا) حديث شريف ربما يستقى بعض ما ذكرناه من خلاله، نقله الشيخ الصدوق – قدس سره – في كتابه الجليل (عيون أخبار الرضا عليه السلام)، نقتطف منه ما يلي:

قال الرضا (ع) لسليمان المروزي: ألا تخبرني عن قول الله عز وجلَّ: ((وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها)) يعني بذلك: أنه يحدث إرادة؟

قال: نعم.

قال (ع): فإذا أحدث إرادة، كان قولك (إن الإرادة هي هو أو شيء منه) باطلاً، لأنه لا يكون أن يحدث نفسه، ولا يتغير عن حاله – تعالى الله عن ذلك –.

قال سليمان: إنه لم يكن عنى بذلك أنه يحدث إرادة.

قال (ع): فما عنى به؟

قال: عنى فعل الشيء.

قال الرضا (ع): ويلك كم تردد في هذه المسألة، وقد أخبرتك أن الإرادة محدثة، لأن فعل الشيء محدث.

قال: فليست لها معنى.

قال الرضا (ع): قد وصف نفسه عندكم، حتى وصفها بالإرادة بما لا معنى له فإذا لم يكن لها معنى قديم ولا حديث بطل قولكم (إن الله – عز وجل – لم يزل مريداً).

قال سليمان: إنما عنيت أنها فعل من الله تعالى لم يزل.

قال (ع): ألا تعلم أن ما لم يزل لا يكون مفعولاً، وقديماً وحديثاً في حالة واحدة.

فلم يحر جواباً(1).

وإنما الأمر للأجهزة الكونية بالجريان وفق النظام الذي جعله الله للكون، فيستغلها المترفون في الفسق، فيكون هذا الأمر للمترفين بواسطة الأجهزة الكونية.

ولكن إرادة المترفين لا تلغى، لأن في وسعهم عدم استغلال الأجهزة الكونية في الفسق. كما أن إرادة الله لا تلغى، لأن في مقدوره إيقاف الأجهزة عن مطاوعة المترفين.

فأمر المترفين بالفسق، هو تطويع الأجهزة الكونية لهم، وتمكينهم من تحريك هذه الأجهزة وفق إرادتهم، دون تعجيزهم عن الفسق، أو تمريد الأجهزة الكونية عليهم إذا حاولوا استخدامها في الفسق.

هذا، ولكن المعروف في تفسير الآية (الأمر للطاعة ولكنهم آثروا العصيان) نظير المثل المعروف (أمرته فعصاني) وهذا واضح لا غبار عليه.

ثالثاً: الفسق المدمِّر.

كل فسق يدمر من الفرد – أو من المجتمع – بحجمه وببعده، غير أن الفسق قد يكون (فردياً) يدمر الفرد وحده، أو من عائلته وحدها، وربما يكون الفسق (جماعياً) يدمر من المجتمع بعضه أو كله. وفسق المترفين وإن كان في (حدوده الذاتية) فردياً، فهو في (حدوده الظلية) جماعي:

1- لأنهم – بتأثير مراكزهم – قادة، يقتدي بهم الآخرون. كما أنهم – غروراً بالحصانة التي يتمتعون بها – لا يتهيبون ولا يتسترون. فممارستهم للفسق، تسلب منه صفة القبح وتمنحه صفة المشروعية.

والفسق – متى فقد القبح وكسب المشروعية – مارسه الناس، فأصبح جماعياً يحيق. ومتى حاق الفساد، دمَّر.

2ـ لأن المترفين – بإغراء المال – يجرون معهم ضعاف النفوس إلى الفسق:

فإذا حاولوا (الزنا) أغروا جميلات المجتمع بالزنا، وإذا استجبن لهم أغرين شباب المجتمع، وإذا استجابوا لهنَّ لا يكفين لهم، فيتجهون – بفائض طاقاتهم – إلى الدميمات، وتسري عدوى الزنا إلى كل المجتمع، إلا من عصمه الله.

وإذا حاولوا (السكر) أغروا جماعات بـ: زرع الخمرة، وعصرها، وبيعها، ومنادمتهم...، وبما أن المترفين لا يمتصون طاقات هذه الجماعات، يتجه فائضها إلى غير المترفين، فيغرى بالسكر كل المجتمع، إلا من عصمه الله.

وإذا حاولوا (الربا) لم يقرضوا إلا به، ويوجد من يضطر إلى الاستقراض منهم ودفع الربا إليهم، وإذا وجد من يدفع الربا بخل من يجد الفضل في ماله عن الإقراض بدونه، وإذا قلَّ من يقرض بدون الربا كثر من يضطر إلى القرض معه، وإذا تعاطى الناس في دفع الربا اضطراراً تساهلوا في دفعه بأقل حاجة.

ففسق المترفين فسق مدمر، إذا سرى يصعب حصره بالحدود والقيود. لأنهم يتجاوزونها بما لهم من حصانة، يزيفها إغراء المال، وتغاضي الحاكمين عنهم.

وأما فسق غير المترفين، فعدواه ضعيفة. لقلة إمكاناتهم، وجرأة الناس عليهم.

ففسق المترفين هو الذي يدمر البلاد، ويؤدي إلى انهيار المجتمعات.


- 2 -


الأمم تمر بثلاثة أدوار:

دور الارتفاع، ودور الجمود، ودور الانحدار:

فالأمة تبدأ بجيل تضحوي نشط، يتفانى في سبيل هدفه. ومن الطبيعي أن يسود، لأن عامة الناس يريدون أن يعيشوا بسلام، فإذا ظهر – في القطاع البشري المسترخي – جيل متدفق وثاب، لا يعبر عن اندفاعه إلا ويستسلم له القطاع البشري كله، فيسود. ولكن جيل النضال سرعان ما ينقرض، فهو يذهب وقوداً للمعارك التي يفجرها.

ويعقبه جيل مترهل، يبني مستقبله على ماضيه، فيعيش على أمجاد أسلافه، ويحاول أن يكون الاستمرار الطبيعي للجيل الماضي، ولكن بلا تضحيات وانتصارات، فيبقى مرددا للبطولات الغابرة، ومطوقاً بهالة من الهيبة الوهمية، من ذكريات التاريخ.

ويتلوهما جيل منزوف، نخر الزمان هيبته الوهمية، ولم يصل إليه – من حماس آبائه – زخم يدفعه إلى الكفاح، لتجديد انطلاقة آبائه، أو حمايتها من الضمور والذوبان.

وفي هذه الفترة، لا بد وأن تكون – في الأمم المتجاورة معه – أمة نفضت الرقاد، وبدأت في الانفتاح والتوسع، فتبدأ فتوحاتها على حسابه – وحساب بقية جيرانها –، فتسدد إليه – وإلى غيره – الضربات، وهو يقابلها بالانهزام والانحسار، حتى ينهار ويستعبد؛ وهو يتذكر – تحت النير والكابوس – مخاطرات أجداده، لإثارة المواهب وإعادة الدور، ولكنه لا يجد الشجاعة لتذكر تلك المخاطرات في الساحات والميادين، فيكتفي بتذكرها في سهرات العجزة والمنهارين. فهو جيل حكم على نفسه بالانتماء، فلا يمكنه الابتداء.

وهنا... تنتهي دورة حركة الأجيال، وتبدأ دورة أخرى من جديد، فيخرج الجيل الرابع من تحت الأنقاض، وينفض عنه غبار السنين، ليبدأ رحلة الجيل الأول.

المبذرون: من هم؟


((إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين، وكان الشيطان لربه كفورا)).

[(سورة الإسراء: الآية 27)]


- 1 -


((إن المبذرين)) – من أقدم العصور – ((كانوا)) – ولا يزالون – يمثلون قمة الانحراف، على مستوى واحد مع الشياطين. فهم ((إخوان الشياطين))، لا أعوانهم، ولا أتباعهم. لأنهم يشاطرون الشياطين، خطف العقائد الصادقة من أفكار البسطاء المؤمنين.

فمن هم المبذرون؟

هل هم المترفون الذين يرشون الأموال على أهوائهم وملذاتهم؟

كلا... لأنهم منضوحون، يأكلون ويتمتعون كالأنعام. فهم أذناب الشياطين، وربما يأتون في الدرجة الأخيرة من أذناب الشياطين، ومهما توغلوا في الترف، أصبحوا أخف في قبضة الشياطين، إلى أدنى المستويات في التقييم الشيطاني. ولن يرتفعوا – بأي حال من الأحوال – إلى مستوى إخوان الشياطين أو أعوانهم. وهم – في أسوأ الحالات – فساق لا كفار، فلا وجه للتذكير بأن الشيطان كفور.

فمن هم – إذن – المبذرون الذين هم إخوان الشياطين؟

إنهم – من باب المصداق لا الحصر – المحسنون الذين ينفقون أموالهم بسخاء، ولكنهم لا ينفقونها حيث يرضى الله والضمير، وإنما ينفقونها حيث يمكنهم استثمارها في الوقت المناسب. فهم كالزارع، الذي ينثر البذور في الأرض المناسبة في وقت معين وبشكل مدروس، ليحصدها – بعد حين – أضعافاً مضاعفة. بفارق: أن دور الزارع واحد في السر والعلن، وهؤلاء يمارسون دوراً مختلفاً عن الدور الذي يتبرقعون به.

فهم تجار، يتسترون بشعارات الإيمان والتصدق والإخلاص، ليستغلوا أطيب ما في المؤمنين البسطاء، وهو الإيمان والصدق والإخلاص.

فهؤلاء... هم إخوان الشياطين، في انحرافهم والتوائهم. ((و)) إذا ((كان الشيطان لربه كفوراً))، لا يكتفي بكفره وإنما يدفع الآخرين إلى الكفر؛ فهؤلاء – أيضاً – يؤدون ذات الدور، فهم كفار – في نوعية عملهم – وإن أعلنوا الإسلام، ولا يكتفون بكفرهم، وإنما يجرُّون الآخرين – وراءهم - إلى ممارسة الكفر تحت غطاء أفضل شعارات الإسلام.


- 2 -


لعل ما ندعوه (إحساناً) ليس سوى تصفية حساب بين دائن ومدين.

فالإحسان يبقى في طراوة وهجه، ما دام ينتزع من نفوس المستضعفين شعورهم بالضعف، ولا يستبدله بشعور أن حياتهم هبة من المحسنين. وينقلب فضيلة جرباء، إذا رافقه شعور المدل بفضله على المدل عليه.

أن يفقد ولد والديه – أحدهما أو كليهما – ليس بالأمر الغريب، وإنما الغريب أن يفقد عطف الأبوة والأمومة في أرض تعج بالآباء والأمهات. فما دام في الأرض يتيم واحد، محروم من ذلك العطف؛ فالناس كلهم يتامى الإنسانية.

أن يشكو عجوز نقصاً في ضروراته فليس بمعيب، وهو نموذج كبير – بمقتضى تنقلات الحياة – وإنما المعيب أن يفقد الجواب في عالم يضج بالمتخمين. فما دام في العالم فقير واحد، محروم من ذلك الجواب؛ فالناس كلهم فقراء الضمير.

أن ينزف جريح على الرصيف، ولا تمتد إليه يد نجدة أو إسعاف؛ فعزاؤه مسل فيمن استنزفتهم الدروب قبله. وإنما النزيف الذي لا علاج له، أن يتم ذلك في دنيا يفجر فيها العاطلون الثورات. فما دام جريح واحد ينزف، فالدنيا كلها تنزف.

أن يترسب في القاع مسكين فليس بعجيب، فالحياة صراع يسقط فيه الكثير. وإنما العجيب أن يتخلى عنه المجتمع –، فيكتب بخط أسود –: (المجتمع، مسكين).

الإنسان: الأفضل – المفضول


((ولقد كرمنا (بني آدم)، وحملناهم في البر والبحر، ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً)).

[(سورة الإسراء: الآية 70)].


- 1 -


((ولقد كرمنا)) فصيلة ((بني آدم)) بكرامات كثيرة، فهي – في مجملها – فصيلة مكرمة، وليست – في مجملها – فصيلة مهانة، كفصيلة الشياطين، أو كفصيلة بني الجان – إن صح أنها فصيلة مهانة –. ففصيلة بني آدم – بمقتضى تركيبتها من: روح الله، وطينة الأرض – فصيلةٌ ذات مواهب وقدرات، تمكنها من النمو والتكامل، في اتجاه الخير أو الشر: فالفرد من بني آدم – بمقتضى تركيبته – قادر على أن يعرج إلى أعلى قمم الخير، كما أنه قادر على أن يتدهور إلى أبعد أعماق الشر. فهي – إذن – فصيلة مزودة بطاقات متنوعة، بمقتضى تنوع تركيبتها من: روح الله، وطينة الأرض.

وهكذا... كرمنا بني آدم، ((و)) سلطناهم على العديد من خلائقنا الصعبة: فسلطناهم على (الأرض)، وهي خلق صعب، ما كان لبني آدم أن يذللوه لولا أن سلطناهم عليه. وكـ (البحر)، هو خلق صعب، ما كان لبني آدم أن يمتطوه لولا أن مكَّنَّاهم منه. فنحن ((حملناهم في البر والبحر)). ((و)) نحن خلقنا – لبني آدم – طيبات من: البهائم، والطيور، والحبوب، والفواكه، وغيرها... وجعلناها ملائمة لأمزجتهم، وجعلنا أمزجتهم متنافرة مع الخبائث حتى لا يتغذوا بها، فهكذا... ((رزقناهم من الطيبات)). ((و)) زدنا على كل هذه النعم، التي وفرناها على بني آدم بدون استحقاق، فـ ((فضلناهم على كثير)) – وليس على الجميع – فقد منحنا الأفضلية لبني آدم على جملة ((ممن خلقنا)) من خلقنا العاقل المكلف، ((تفضيلاً)) كبيراً، بفاصل شاسع بين بني آدم وبين الكثير ممن خلقنا.

فليس الإنسان مفضلاً عليهم بدرجة أو درجتين، وإنما هو مفضل عليهم بدرجات ومراحل.

وهنا (خاطرة) – في حدودها الخاصة لا أكثر – بالنسبة لـ (كثير و: من) وهي:

أن هذه الكلمة: (كثير) تدفع كثيراً من مقام الإنسان، ولكنها تعطي للإنسان حجمه الطبيعي، وتضعه في مكانه الحقيقي. فهو من جملة الخلق العاقل المكلف، وهو مفضل على كثير من خلق الله العاقل المكلف، الذي يرشد إليه (من) في ((ممن خلقنا))، ولكنه ليس مفضلاً على كل من خلق الله، ففي خلق الله من هو أفضل من الإنسان، ولعل في خلق الله فصائل عديدة مفضلة على الإنسان.

ولكن: إذا أردنا أن نعرف الخلق المفضل على الإنسان بالضبط، فلعلنا لا نجد طريقاً إليه إلا ضروب الاحتمال، إن لم تسعفنا مصادر الوحي:

فهل فصيلة (الجن) مفضلة على الإنسان؟

لا... فالجان خلق ملحق بالإنسان، في رسالاته السماوية وتوجيهاته الدينية. كما تشير إلى ذلك بعض آيات من القرآن، وكثير أحاديث تحفظ من السنة.

وهل فصيلة (الملائكة) مفضلة على الإنسان؟

كلا... فالملائكة مخلوقة من نور السماء، وليست فيها طينة من الأرض لتكون تجربة كالإنسان. كما تبين ذلك مجموعة من الأحاديث.

وأما فصيلة (الشياطين)؟

فهي فصيلة منكودة مطرودة، فلا فضيلة لها حتى تدخل في الحلبة مع الإنسان.

فما هو – إذن – ذلك الخلق المفضل على الإنسان؟

قد يكون خلقاً – خارج منظومتنا الشمسية – مركباً من ثلاثة عناصر أو أربعة، فتكون مواهبه وطاقاته أكثر من الإنسان المركب من عنصرين. وربما ترشد (الصحون الطائرة) إلى وجود الخلق المفضل على الإنسان خارج منظومتنا الشمسية.

وقد يكون بعض فصائل الجمادات، ذلك الخلق المفضل على الإنسان. لأن الجمادات خلائق عاقلة ومكلفة من عند الله، وهي أكثر انقياداً من الإنسان. وفي آيات القرآن نصوص صريحة الدلالة على ذلك: ((ثم: استوى إلى السماء – وهي دخان –، فقال لها وللأرض: (ائتيا طوعاً أو كرهاً)، قالتا: (أتينا طائعين) *))(2).

فالله – تعالى – قد لا يخاطب السماوات والأرض بـ ((ائتيا طوعاً أو كرهاً)) إلا إذا كانت خلائق عاقلة، تستوعب الخيار، وتقيم النتائج، وتحسن الاختيار. وقد أحسنت الأرض عندما لبت خيار التشريع على خيار التكوين: ((قالتا أتينا طائعين)). فلعل (الكواكب) – في سيرها الدقيق – تطيع أوامر تشريعية لا تكوينية فقط، ولعل (الجدار) – في استقامته لمدة معينة – يطيع أمراً تشريعياً لا تكوينياً فقط، ولعل (صغار الحصباء) و (كبار الأحجار) مكلفة بأحكام تنفذها بدقة...

أولم تسبح لحصى في كف رسول الله (ص)؟!

أولم يقل القرآن:

((... وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم...))(3) – مع ملاحظة استخدام ضمير الجمع المذكر السالم –؟!

أولم يشر القرآن إلى وعي جميع ذرات الكون، وتحملها الشهادة، وأدائها الشهادة:

((حتى إذا ما جاؤوها، شهد عليهم: سمعهم، وأبصارهم، وجلودهم؛ بما كانوا يعملون، وقالوا لجلودهم: (لم شهدتم علينا)؟ قالوا: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء، وهو خلقكم أول مرة، وإليه ترجعون))(4)؟!

فإنطاق كل شيء بالشهادة على الإنسان، يدل على أن كل شيء قادر على تحمل الشهادة، وأدائها في الوقت المناسب. وهذا... ربما يكون دليلاً على الوعي الكافي للتكليف.

وبما أن هذه الموجودات – التي نعبر عنها بالجمادات – لا تخالف مطلقاً، فإذا ثبت أنها تتحرك بدافع التشريع لا بدافع التكوين، يمكن أن تكون أفضل من الإنسان.

وقد يكون بعض فصائل الحيوانات السارحة أو الطائرة، أفضل من الإنسان. لأن القرآن يكشف – في بعض آياته – عن عبادة الحيوان:

((... والطير صافات، كل قد علم صلاته وتسبيحه...))(5).

وفي بعض الحديث: (ما ذبح حيوان ولا صيد طائر، إلا بغفلته عن ذكر الله) (6)، وأيضاً: (يحشر الله الحيوانات يوم القيامة، حتى تنتقم الجماء من القرناء)(7)، وما شابه ذلك كثير في الحديث.

فإذا كانت الحيوانات مكلفة، لها عقاب في الدنيا ولها عقاب في الآخرة، فماذا يمنع أن تكون أفضل من الإنسان؟!

أقصى ما هنالك: أننا نستبعد أن يكون الجماد أو الحيوان أفضل من الإنسان، ومجرد الاستبعاد لا يدفع الاحتمال. فالاحتمال وارد، وإن كان التأكيد على أي من هذه الاحتمالات، يحتاج إلى دليل لا نملكه.

هذه هي الخاطرة – في حدودها الخاصة لا أكثر – وقد عرضت.

(لكن) الذي ذكره المفسرون ودلت عليه مصادر الوحي الإلهي هو اعتبار حرف الجر: (من) في الآية بيانية لا تبعيضية، أي: (وفضلناهم على كثير وهم الذي خلقنا).

وبعبارة أخرى: من بين الخلق الكثير الذين كلهم خلق الله، فضلنا بني آدم.

قال العلامة الطبرسي – قدس سره – في مجمع البيان: (إنا فضلناهم على من خلقناهم وهم كثير)(8).

وهذا المعنى مقتبس من مستفيض الأحاديث الشريفة الصحيحة ومنها: (قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع): إن الله – عز وجل – ركب في الملائكة عقلاً بلا شهوة، وركب في البهائم شهوة بلا عقل، وركب في بني آدم كليهما، فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله فهو شر من البهائم)) (9) وغيره مثله أيضاً.


- 2 -


نعم الله على الإنسان كثيرة، تبدأ بـ: نعمة الوجود، والاستمرار في الوجود، وتعريضه للاختيار الذي ينمي ويبلور طاقاته ومواهبه... وتستمر نعمه عبر نعيم الدنيا، ثم نعم عالم البرزخ، ثم نعم عوالم الآخرة. وبعض هذه النعم مما غمر الله بها الإنسان وغيره، وبعضها مما آثر الله بها الإنسان وحده.

ولعل تركيب الإنسان من عنصرين سماوي وأرضي، أي: من الروح والجسد، مما آثر الله به الإنسان بالمقارنة إلى المخلوقات المكلفة في مجموعتنا الكونية: فـ (الملاك) مخلوق من عنصر واحد سماوي هو النور، و (الشيطان) و (الجان) مخلوقان من عنصر واحد أرضي هو النار، و (الحيوان) مخلوق من عنصر واحد أرضي هو التراب؛ بينما الإنسان يجسد لقاء الأرض والسماء. وهذا... تكريم ذاتي للإنسان، حيث أصبح خلقاً مفضلاً بالطبع: ((ولقد كرمنا بني آدم)).

1- تسلط الإنسان على بقية المخلوقات في مجموعته الكونية، أي: جعله مؤهلاً لتسخير غيره، فهو مزود بقدرة سلطوية تمكنه من السيطرة على بقية الموجودات. ولم يجعله مساوياً لغيره. ولا تحت سلطة غيره. فهو محمول، وليس حاملاً، ولا مهملاً. لأنه – بمقتضى تركيبته – سيد: ((وحملناهم في البر والبحر)).

2- تفضيل الإنسان على سائر المخلوقات في مجموعته الكونية، لأن سواه مخلوق من عنصر واحد، فلا يستحق أكثر من وضعه كمخلوق من عنصر واحد.

فالإنسان مفضل على الملائكة والجن والشياطين، لكونها مخلوقات من عنصر واحد. وبطريق أولى: مفضل على سائر المخلوقات الكونية، كالمخلوقات المائية والترابية والفضائية في مجموعتنا الكونية. ولكنه ليس مفضلاً على كل المخلوقات في سائر المجموعات الكونية، فهنالك مخلوقات أفضل من الإنسان، ونستطيع أن نذكر منها:

(كلمات الله)، وكلمات الله لا تعني ألفاظاً صادرة من الله، لأن الله ليس بجسم، حتى يكون له فم يفصل الكلمات بمقاطع الصوت، كما هو الحال في كلمات الإنسان، وإنما الله يخلق كلماته خلقاً معيناً. وليست كلماته ذبذبات صوتية مفصلة بهندسة صوتية معينة، كما كان يفعل وهو يخاطب (موسى بن عمران) من الشجرة المباركة، أو يخاطب بعض أنبيائه من بطنان العرش – حسب ما روي عن النبي الأكرم (ص) في رحلة المعراج(10) – وإنما هي مخلوقات حية فاعلة، عظيمة جداً، وذات أهمية كبرى جداً، بل لعلها – كنوع – أعظم خلق الله، وأهم خلق الله.

لماذا الإكثار من الصلاة؟


((أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل، وقرآن الفجر؛ إن قرآن الفجر كان مشهودا * ومن الليل فتهجد به نافلة لك، عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً)).

[(سورة الإسراء: الآيتان 78 – 79).


- 1 -


لا يشترط هذا العدد من الصلوات حتى يصل إنسان إلى المستوى المطلوب، لأن لحظات التوجه الحقيقية التي توصل إلى الجنة تكفي بمساحة صلاة واحدة، ولعل الله أمر بالصلاة أكثر لسببين:

1- أخذ بنظر الاعتبار أن الإنسان العادي لا يتوجه كل لحظات صلاة واحدة، بل لا يتوجه إلا لحظات متفرقة كثيرة الفواصل. ولذلك: أمر بهذا العدد من الصلاة، لأنها تسرب التوجه اللاشعوري. وهذا التوجه ضعيف المفعول، فلا بد من الإكثار من الصلوات.

2- أن الإنسان قد لا يتوجه، فلا بد من الإكثار من الصلوات عساه يتوجه في إحداها. ولذلك، قال (ص): (إن صلاته تنهاه يوماً ما)(11).


- 2 -


نحن نصلي كما يأكل من لا ذوق له ولا شهية، وكما يدخل الحديقة من لا عين له ولا أنف. والأولياء يصلون كما يأكل من له ذوق وشهية، وكما يدخل الحديقة من له عين وأنف.

وفي أحسن الحالات: نحن نصلي – أو نقرأ القرآن – كما نستضيء بالكهرباء، ونستفيد من الجاذبية في وزن الأشياء. فيما الأولياء يصلون – أو يقرؤون القرآن – كما يتعامل المكتشفون مع الكهرباء والجاذبية في مختبراتهم، للتوصل إلى اكتشافات جديدة.

فالأولياء كانوا يتصاعدون – بكل ركعة صلاة – إلى رتبة أعلى، في هذا المعراج الذي اسمه (الصلاة)، ويكتشفون – بقراءة كل آية – عمقاً جديداً من هذا العالم العميق الذي اسمه (القرآن). فلذلك: كانوا يكثرون من الصلاة وقراءة القرآن بلا ملل، وحق لهم أن لا يملوا، لأن الإنسان يمل من التكرار، ولم يكن لديهم شيء مكرر، لا في الصلاة ولا في القرآن.

حضارة البكاء


((ويخرون للأذقان يبكون، ويزيدهم خشوعاً)).

[(سورة الإسراء: الآية 109).


- 1 -


هل (البكاء) أجلى مظاهر الضعف البشري، التي تعني الاهتزاز أمام الصدمات؟

وهل (الخشوع) يساوي الاستكانة للسيطرة القاهرة، والخنوع للتحكم والغلبة؟

فليكن... ولكن:

1- هل البشر يمكن أن ينخلع من البشرية؟! وألا تساوي البشرية ضعفاً غير محدود إلى جانب قوة محدودة؟! أو لا ينحني البشر أمام: الجوع، والعطش، والمرض، والموت، والفقر، والجهل...؟! وهل يستطيع البشر أن يتحدى محدوديته: الفكرية، والروحية، والجسمية...؟!

إن البشر ضعيف وصغير جدا تجاه: عواطفه، حاجته، وأهدافه... ضعيف وصغير جدا أمام مظاهر الكون وسنن الحياة:

((... وخلق الإنسان ضعيفاً))(12).

ولا يستطيع الخروج على ضعفه وصغره، بل من السفه التفكير في الخروج على ضعفه وصغره:

((... إنك لن تخرق الأرض، ولن تبلغ الجبال طولا * كل ذلك: كان سيئه – عند ربك – مكروها))(13).

ولكن.. على البشر أن يضحي في بعض المعادلات، صيانة لما هو أغلى من البشر ذاته – لأنه يمنح القيمة للبشر – كـ: الدين، والعرض، والأرض... وإذا ضحى فالتضحية لا تعبر إلا عن قوة إرادته، ولو كان قوياً – بالفعل – لما احتاج إلى التضحية.

2- إن البشر – مهما أوتي من قوة وسلطة – يبقى أمام الله ضعيفاً عاجزاً. فالبشر – كل البشر – ليس شيئاً يذكر في حساب الله، الذي أوجد – من العدم – ملايين العوالم، ومليارات المنظومات الشمسية، واعتبرها زينة – مجرد زينة – للسماء الأولى:

((ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح، وجعلناها رجوماً للشياطين...)) (14).

وعلى البشر أن يعترف بضعفه الذاتي أولاً، وبضعفه المطلق أمام الله ثانياً؛ حتى يكون واقعياً، وقادراً على وضع نفسه على الخط الصحيح. فالاعتراف بالضعف يمكِّن من استبدال بعضه ببعض من القوة، وخاصة: أمام الله. فالاعتراف بالضعف يمكِّن من الارتباط العبودي بالله، وهذه... أقصى قوة في متناول البشر.

وما دام البشر ضعيفاً، والاعتراف بضعفه أمام الله قوة، فليبك قصوره وتقصيره، وليخشع من خشية الله، حتى لا يبكي جنوحه أمام الطواغيت، ولا يخنع فرقاً من الجبابرة.

3- إن في البشر غرائز لا يمكن هضمها مهما جرب وحاول، فهي تطغى عليه، وتتنفس في غفلة منه. ومن تلك الغرائز البكاء والخشوع:

- فالبشر معرض للخطأ، والخطأ يؤدي إلى الندم، الذي يسيل الدموع. ومعرض للصدمة، والصدمة تؤدي إلى تفجير الغرور، الذي يهمل الدموع...

يقولون: الأوعية الدمعية تقطر بخار الدم قطرات مالحة، إذا لم تذرف تتحجر ماء أبيض أو ماء أسود يسد البؤبؤ، وتعجز عن استيعاب الكميات الجديدة من بخار الدم، فيبقى في الدم ليفسده بدوره. فلا بد أن تفرغ هذه الأوعية باستمرار.

- والبشر يشعر بضآلته في الكون، فيخشع. ولكنه يوجِّه خشوعه إلى مظهر مخيف من مظاهر الكون، فقد يخشع أمام: الرياح، أو النجوم، أو الأصنام...؛ التي سخرت له، فليست طاغية عليه حتى يتملقها بالخشوع لها.

وما دام البشر يبكي ويخشع، فليلخص بكاءه وخشوعه أمام الله، الذي هو فوقه بالفعل، حتى لا يظهر بهما أمام من هو مثله من البشر، أو أمام ما هو أقل منه من مظاهر الكون.

- إن الحياة معركة لا يسلم إنسان من صدماتها، والصدمات تؤثر في الدم فتعكره. وفي حالة الإجهاش ترتفع حرارة الدم – كما يقولون – فتتبخر كمية – مناسبة لدرجة الإجهاش – من رطوباته، وتتجمع في الأوعية الدمعية في طريقها إلى العيون، فإذا بكى خرجت هذه الكمية من رطوبات الدم. والقلب يبدأ – فوراً – بامتصاص كمية مماثلة من رطوبات الجسد، ويدفعها إلى الدم، فيتجدد الدم، وتزول آثار الصدمات منه.

وإذا لم يبك، يبقى الدم متكدراً بالصدمات، وترتفع كدورتها، حتى تتولد فيه قطع متجمدة تسدُّ أحد الشرايين فينفجر، ويؤدي إلى الموت، أو الشلل الكلي أو الجزئي.

ومن هنا... نشعر – بوضوح – أن البكاء يحل العقد المترسبة في النفس... عقدة.. عقدة.. ويريح الباكي من الهموم التي تثقل عليه. ومن هنا... نجد المصاب لا يفرغ مصيبته دموعاً إلا ويتنفس الصعداء، وتتحرك – في قرارته – سعادة ناتجة من هضم المصيبة.

بينما الذي لا يبكي، يتحدى المصيبة، فيما لا يستطيع رفضها في واقعه، فهي نازلة به، وتاركة أثرها عليه، فتترسب – في أعماقه – عقدة، تأخذ مجراها إلى الانفجار.

وعلى الإنسان أن يجري مع الحياة ولا يتحايل عليها، وأن يتفاعل مع الأحداث ولا ينافقها، حتى لا يسحقه الواقع.

4- الجبان، هو الذي لا يجرؤ على التعبير عما يعتمل فيه. وأما الفرد العادي، فيعبر عما يتحرك فيه. وأما الشجاع، فلا يكتفي بالتعبير – فقط – عما في داخله، وإنما يعكسه على من حوله وما حوله، فيحرك محيطه بالمحركات في داخله، ويخلع ضميره على الناس والأشياء في مدى إشعاعه.

والذي يعرف كيف يبكي، هو الذي يعرف كيف يضحك. ومن يتقن الحرب، هو الذي يتقن السلام. والذين يحسنون التحدي، هم الذين يحسنون قبول التحدي. والفم الذي لا يفصح بـ (لا)، لا يفصح بـ (نعم) ... فالرفض والقبول، والسلب والإيجاب؛ وجهان لعملة واحدة، من لا يطيق التصرف بها لا يطيق أياً منهما.

والذي يكبح عواطفه: فيكفكف دموعه، ويبلع قبلته. وينسى أنينه، ويكبت ضحكته؛ يتعقد بها، فلا يقدر على الجهر بأفكاره، وإطلاق عقله.

فالإنسان: أما أن ينغلق، وأما أن ينفتح. ومن يغمض إحدى عينيه لا يستوعب ما حوله بالأخرى وحدها، والذي يضع على عينيه نظارة سوداء لا يرى بقية الألوان.

هذا الإنسان، ذلك المزيج المركب من أشياء كثيرة: فإما أن يكون إنساناً كاملاً بكل مواهب الله إياه، وإما أن يكون تمثالاً يصلح للذكرى ولا يصلح للحياة.


- 2 -


الدموع أنواع: دموع الفرح، ودموع الحزن، ودموع الحب. وكلها صغار، فهي ليست أكثر من قطرات مالحة تعكر وجه الإنسان حتى تعتصرها الأعصاب، لولا أنها تعبر عن الشعور الطيب، وهو كبير.

فالدموع التي تبلور هذا الشعور وتؤصله كبار، لا تبقى قطرات مالحة بمقدار ما تكون دفقات من المعاني النبيلة.

وأما دموع المؤمنين: فهي ليست فضلات تافهة تقذفها الآماق، ولا طلاء نفاق يستر النوايا السود. وإنما هي فورة إيمان تتجسد في قطرات من نور، فتزيدهم أصالة في الرأي وبراعة في الوعي، وتفرِّج العقد التي إن ترسبت في الأعماق، تحولت إلى مادة شديدة الانفجار والتدمير.

(1) تفسير نور الثقلين/ ج 3 / ص 145 / الحديث 112.

(2) سورة فصلت: الآية 11.

(3) سورة الإسراء: الآية 44.

(4) سورة فصلت: الآيتان 20 – 21.

(5) سورة النور: الآية 41.

(6) انظر الاختصاص – للمفيد – ص 25 – ط مؤسسة الوفاء – بيروت.

(7) انظر البحار – ج7 ص 265 ح 210 .

(8) مجمع البيان/ تفسير هذه الآية من سورة الإسراء.

(9) تفسير نور الثقلين / ج 3 / ص 188 / الحديث 316 / نقلا عن علل الشرائع للصدوق، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن عبد الله بن سنان – وكلهم ثقات من مصطلح علم الدراية – عن الصادق (ع) قال: ...

(10) انظر بحار الأنوار ج 18 ص 348.

(11) بحار الأنوار ج 97 ص 198.

(12) سورة النساء: الآية 28.

(13) سورة الإسراء: الآيتان 37 – 38.

(14) سورة الملك: الآية 5.