الفهرس

التفسير وعلوم القرآن

الصفحة الرئيسية

 

(16)

۞ سورة النحل ۞

مكية وهي مئة وثمان وعشرون آية

رسالة النحل


((وأوحى ربك إلى النحل: أن اتخذي – من الجبال – بيوتاً، ومن الشجر، ومما يعرشون * ثم: كلي من كل الثمرات، فاسلكي سبل ربك ذللاً. يخرج – من بطونها – شراب مختلف ألوانه، فيه شفاء للناس. إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون *)).

[(سورة النحل: الآيتان 68 – 69).


من لقَّن البلبل التغريد؟ ومن قال للورد، أن يلهب الهواء بالعبير؟ ومن وعظ البحر، أن يكظم كل ما يسيء ويظهر للناس بابتساماته العذاب؟ ومن علم الشجر، أن يرفع أيديه إلى الشمس، مليئة بعصارات قلبه؟ ...

لا أحد إلا الله. فهو الذي أوجد كل شيء. ومنح كل شيء رسالته، ودرَّبه على أدائها بإتقان.

والذي منح كل شيء رسالته، هو الذي أوحى إلى النحل برسالتها...

وحدة مصدر الحضارات


((ولقد نعلم أنهم يقولون: إنما يعلمه بشر.

لسان الذي يلحدون إليه، أعجمي. وهذا... لسان عربي مبين *)).

[(سورة النحل: الآية 103).


الحيرة ظاهرة على الاتهام، وصدمة المفاجأة أربكت الادعاء، فإذا التهمة دفاع، والمتَّهِمون (بالكسر) يدافعون عن القرآن.

فالتهمة: أن النبي (ص) ما جاء بجديد في القرآن وإنما أخذ بعضاً من اليهودية، وبعضاً من النصرانية، وبعضاً من قصص الفرس؛ فكان القرآن. بحجة: أن الراهب (بحيرى)، رأى محمداً (ص) جالساً تحت شجرة، في طريقه إلى الشام، برفقة عمه أبي طالب (عليه السلام) في إحدى سفراته التجارية. ولأن أحبار اليهود، يتربصون بمحمد (ص) ـ منذ ميلاده ـ، ويتسقطون أخباره. ولأن (سلمان الفارسي) أسلم على يد النبي (ص)، بعد تطواف عبر الأقطار والآلام.

والدفاع: أن عنصر المعجزة لا يفارق القرآن، حتى ولو صحَّ الاتهام. فإذا ثبت أن محتويات القرآن مقتبسة من اليهود والنصارى والفرس، فإن صياغة القرآن ليست منهم، لأن لغاتهم أعجمية، ولغة القرآن عربية قي مستوى الإعجاز، وإذا بقي عنصر المعجزة في القرآن – ولو من ناحية واحدة، وهي: ناحية الصياغة – يكون دليلاً على أنه من الله، ولا تبقى حاجة إلى إثبات أن القرآن معجزة في محتواه، كما هو معجزة في صياغته.

وقد اختلطت التهمة بالدفاع: فـ ((لسان الذي يلحدون إليه أعجمي. وهذا... لسان عربي مبين)). وهذا... يعبر عن مدى صدمة القرآن لعقلية الجزيرة العربية.

والواقع: أن القرآن معجزة واضحة في صياغته، وهذه... ما فهمتها الجزيرة العربية، ومن ورائها الأدباء العرب، في كل مكان وزمان.

ولكنه: معجزة أضخم، في محتواه. وهذه... ما تفهمها العقول العلمية والقانونية، إلى يوم القيامة.

غير أن الشبهة التي وسوست في الصدور – ولا تزال – نتجت من ملاحظة: أن الناس شاهدوا، في بعض آيات القرآن، ما كانوا يتلقونه من ألسنة الأحبار والرهبان – بفارق بسيط –، وما تتبادلها الأمم من أمثلة وحكم. ولا تزال الطوائف والشعوب تحتفظ، في تراثها الديني والقومي، بأمثال وقصص وحكم وردت في القرآن، وتاريخها يرجع جذورها إلى ما قبل نزول القرآن، فهي لم تأخذها من القرآن، فلا بد أن القرآن اقتبسها منها، ونسبها إلى نفسه، بعد أن طورها وأجرى عليها بعض التعديلات.

والجواب على هذه الشبهة:

إن التراث الديني، الذي يحتفظ به الأحبار والرهبان، وكل علماء الأديان؛ من تركة الأنبياء (عليهم السلام). وهذا... ما لا ينكره علماء الأديان، وإنما يتبارون في تأكيد انتسابه إلى الأنبياء.

وأما التراث القومي، الذي تحتفظ به الشعوب، فلا يصح تجاهل تأثره بالأنبياء إلى حد بعيد، وخاصة في لمعاته الذكية. لأن العناصر المفكرة في كل الشعوب، لم تكن بعيدة عن الأنبياء، لأن الله كان يواتر أنبياءه إلى كل الشعوب، والعناصر المفكرة كانت تأخذ منهم – آمنت أم لم تؤمن بهم –. فترسبت تركة الأنبياء في مشاعر الشعوب، واحتفظت ببعضها في التراث، وإن لم تحتفظ بسلسلة سند كل قصة وحكمة.

ولهذا: نجد في التراث القومي لكل شعب، لفتات روحية لا شك أنها من رواسب تعاليم الأنبياء. بل لو قارن المباحث خطوات الشعوب نحو الأمام، مع حركة الرسالات؛ يتأكد من أن كل خير نالته البشرية عليه بصمة أحد الأنبياء، وإن طالت الفترة بين انبثاقه من النبوة ونضوجه كظاهرة على سطح الحياة: فعلى (الثورة الفرنسية) – في ما فيها من العطاء الصحيح مثلاً – جزء صغير من أنفاس النبي محمد (ص)، ويظهر ذلك بالمقارنة بين بنود (الوثيقة الفرنسية لحقوق الإنسان) وبين ما يقابلها من نصوص القرآن.

وعلى (قلعة بعلبك) همة سليمان (عليه السلام) – كما يقال – بدليل رموز زخرفتها: (البيضة المطوقة بنطاق) و (السهم)، فالأولى تشير إلى مبدأ الحياة ومحدوديتها، والثاني يشير إلى مبدأ الموت...

فخير ما في التراث الديني وغيره للشعوب، هو تراث الأنبياء. والأنبياء، جميعاً أخذوا عن الله. والله – تعالى – أعطى لكل نبي بمقدار استعداد قومه على الأخذ، وأعطى لمحمد بن عبد الله (ص) أكثر مما أعطى لغيره. فكان في القرآن، ما تركته الأنبياء لشعوبهم وزيادة. فوجود مواد، من التراث الديني وغيره لسائر الشعوب، في القرآن؛ إن دلَّ على شيء فإنما يدل على وحدة المصدر، وهو الله سبحانه وتعالى.

طاقة التعبير بين الملتزم والمنحل


((ولا تقولوا – لما تصف ألسنتكم الكذب –: (هذا... حلال، وهذا... حرام)، لتفتروا – على الله – الكذب. إن الذين يفترون على الله الكذب: لا يفلحون، * متاع قليل، ولهم عذاب أليم *)).

[(سورة النحل: الآيتان 116 – 117)]


طاقة التعبير، إحدى الطاقات الهائلة المختزنة في الإنسان. كطاقة الفكر، وكطاقة الأخذ، وكطاقة العطاء، وكطاقة السمع، وكطاقة البصر، وكطاقة الجنس... هذه الطاقات: قد تتناول كأدوات تسلية، فترسل عفوية لغير هدف، وتمارس كهواية، لمجرد استهلاك الفائض الطاقوي، بلا مبالاة بالنفس والحياة. وربما تؤخذ كوسائل رسالة، فتطلق بالتزام نحو هدف، وتمارس كعمل مدروس، وفق متطلبات الموقع الحياتي.

والتصرف الأول، ناتج من الفكر المادي القائل: إن الحياة وجدت صدفة وبلا هدف، وإن الإنسان وجد صدفة وبلا رسالة، فله أن يلهو: بنفسه، وبطاقاته، وبالحياة... كما تملي غرائزه، لجلب ما يمكن من متعة، ودفع ما يمكن من مكروه.

والتصرف الثاني، ناتج من الفكر الإلهي القائل: إن الله أوجد الحياة لهدف، وأوجد الإنسان لرسالة، فعليه أن يعامل: نفسه، وطاقاته، والحياة... كما تملي عليه رسالته، لتحقيق ما يمكن من هدف، وتقليل ما يمكن من فضول.

وقد بيَّن القرآن مصدر الاتجاه الأول:

((وقالوا: (ما هي إلا حياتنا الدنيا، نموت ونحيا، وما يهلكنا إلا الدهر)))(1).

كما بيَّن مصدر الاتجاه الثاني:

((الله الذي: خلق سبع سماوات، ومن الأرض مثلهن. يتنزل الأمر بينهن، لتعلموا: أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً *)) (2)، ((وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون *))(3).

فالذي يتحرك في الاتجاه الأول، يفجر طاقة التعبير – في كل ظرف – بوحي من ذلك الظرف: ربما لتبرير موقف، وربما لكسب، وربما لبروز، وربما لأشياء... وأشياء... مفرطة، لا يربطها رباط معين، إلا الاسترسال الكيفي والمزاجي: فيمدح، ويذم، ويحسن، ويقبح... بلا مقياس ثابت، فيشبه من يملك مالاً فيفرطه في محله وفي غير محله، أو من يملك سلاحاً فيرشق به بسبب وبدون سبب. فربما يكسب: موقفاً، أو مالاً، أو جاهاً... ولكنه يخسر ضميره وثقة الآخرين، وهما لا يعوضان بشيء. وهذا... كاذب وإن طابق كلامه الواقع، لأنه لا يعبر عن عقيدة.

ويقابله الذي يتحرك في الاتجاه الثاني، فلا يفجر طاقة التعبير إلا بوحي من الرسالة التي خلق لها: فربما يخسر موقفاً، وربما ينال سوءاً، وربما يغمط... ولكن يربط كلامه – كله – رباط معين، ينتزع من مقياس ثابت، فيعرف به مع الأيام، ويكسب ضميره وثقة الآخرين، وهما يعوضانه عما يخسر، ويوفران عليه ما لم يتكلفه. وهو صادق وإن أخطأ الواقع، لأنه يعبر عن عقيدة.

طبيعة تربية وتعليم الله للبشر


((ادع إلى سبيل ربك: بالحكمة، والموعظة الحسنة. وجادلهم بالتي هي أحسن...)).

[(سورة النحل: الآية 125)]


الله ـ تعالى ـ بالنسبة للإنسان:

1- هو خالق الإنسان، وخالق كل شيء. فهو يملك الإنسان، كما يملك أي شيء؛ ملكاً حقيقياً هو ملك خلقة، لا ملكاً اعتبارياً هو ملك تبادل مساومي.

2- هو المنعم، الذي لا ينعم الإنسان برزقه، ولا بأي شيء من الموجودات، ولا يتمتع بمناظر السماء والأرض؛ إلا بفضله.

3- هو الحاكم المطلق، الذي لا يمكن مزاحمته في ملكه.

والدين، شيء واقع، فهو الجزء الاختياري من الحركة الكونية للإنسان. والكتب السماوية، بمثابة الصحف الرسمية، التي تعلن قوانين الدولة. والأنبياء، هم الحكام، الذين عيَّنهم الله لحماية القانون.

والثواب، موجود لمن التزم بالدين، ابتداء بالحفاوة التي يستقبل بها ساعة الموت، ومروراً بـ (البرزخ) الذي هو للمؤمن بمثابة فترة إعداد، و (يوم القيامة) الذي هو له بمنزلة حفلة تكريم، وانتهاء بـ (الجنة) التي لا نهاية لنعيمها.

والعقاب، موجود لمن خالف الدين، ابتداء بالموت الذي هو للمخالف أشبه بإلقاء القبض، ومروراً بالبرزخ الذي هو بمثابة التوقيف، ويوم القيامة الذي هو بمنزلة المحاكمة، وانتهاء بـ (جهنم) التي لا نهاية لعذابها.

4- هو الطبيب، الذي يأمر بما ينفع وينهى عما يضر.

فما من مطاوعة للدين، إلا وينعكس أثرها الإيجابي على الإنسان. وما من مخالفة دينية، إلا وينعكس أثرها السلبي على الإنسان.

فالله يقف من الإنسان:

1- موقف الخالق المالك.

2- موقف المنعم.

3- موقف الحاكم.

4- موقف الطبيب.

والمألوف: أن يكون الخطاب المتجه من موقف الطبيب جافاً مستعلياً، وأن يكون الخطاب المتجه من موقف الحاكم قاسياً صارماً، فكيف بالخطاب الصادر من موقف المنعم أو المالك؟! وكان أبسط المألوف أن تكون لهجة الخطاب المنحدر من الله، الذي يجمع كل صفاته، إلى عباده الذين هم جزء بسيط من ممتلكاته الهائلة؛ كان من أبسط المألوف أن تكرس لهجته جميع أصداء الكبرياء والجلال. ومن أغرب الغريب أن يكون العكس، ولكن العكس هو الذي وقع بالفعل، وبشكل يكاد يبعد عن الأذهان كل عظمة مصدر الخطاب: وكأنه يضخم قيمة الإنسان تضخيماً لا يكاد يصدق، حتى لكأنه يدينه من مقام الشموخ وهو يقول – مثلاً –:

((يا أيها الذين آمنوا! إن تنصروا الله ينصركم...))(4).

وتبدو عظمة هذا الخطاب لو تذكرنا أنه صدر إلى (الفقير المطلق) وهو البشر، من (الغني المطلق) وهو الله، الذي لا معنى لنصرته من قبل البشر، الذي صدر هو – وكل الأكوان – من مجرد إرادته سبحانه وتعالى.

ولكنه (اللطف المطلق) الذي يعطي لعباده عطاء مطلقاً وبلا استحقاق، فيخاطبهم خطاب بعضهم لبعض، ولا يكتفي بذلك، وإنما يأمر رسله – وهم حكامه وحفظة نظامه على الأرض – بأن يخاطبوا خلقه بأقصى التواضع، ويطبقوا نظامه بكل مرونة.

فرغم أن البشر ملزم بتطبيق النظام، ولا يجد مهرباً منه إلا إلى التخلف في الدنيا والعذاب الرهيب في الآخرة، فلا تلق عليه – يا محمد (ص) – خطاب ربك بجفوة، بل ((ادعُ إلى سبيل ربك: بالحكمة)) التي هي جامعة كل اللياقات، في طرح كلمة الله، بشكل يبعد عن طريقها كل الحواجز والعقبات، ويفتح لها القلوب والأفكار. ولا تطلق الأوامر والزواجر، ((و)) إنما أعطها بأسلوب ((الموعظة)) المخلصة، والنصيحة ((الحسنة)).

وإنهم، بمقتضى المركبات المختلفة، لا يستسيغونها مهما جعلتها مريئة، بل سيناقشونك مناقشة مرة. وأنت – بالمقابل – ابحث عن أبرع الوسائل في إقناعهم، ((وجادلهم بالتي هي أحسن)).

الدعوة العامة للإسلام


((ادع إلى سبيل ربك: بالحكمة، والموعظة الحسنة. وجادلهم بالتي هي أحسن...)).

[(سورة النحل: الآية 125)]


((ادع إلى سبيل ربك))، فطالما وعيت هذه الثقافة العامة الكاملة الصحيحة، التي هي الإسلام، لا يسمح لك باختزانه، وحرمان المحتاجين إليه منه. فهو زاد يحتاج إليه كل إنسان، لا في حياته الضميرية مع ربه، وإنما في جميع مرافق حياته، المستمرة في هذه الدنيا وفيما بعدها. وهذا الإسلام، ليس إلا مجموعة شاملة من الحقائق، التي لو اطلع عليها العالم لقبلها – باستثناء المعاندين الذين يشكلون أقلية في كل حين ومكان –. لأن المسلمين لم يكونوا أكثر واقعية من الآخرين عندما اعتنقوا الإسلام، ولكنهم اعتصموا به عندما عرفوه، وضحوا في سبيله بكل غالٍ ونفيس، ولم يضحوا به لأي غال ونفيس. فلو عرفه العالم كما عرفه المسلمون، لتمسك به كما تمسكوا به. ولو عرضوه على العالم... في معارض الفكر... في معارض الفكر.. إلى جانب بقية الأديان والمبادئ المعروضة؛ لكسبوا، بلا تملق أو إغراء، ما لم يكسب بعضه الآخرون مع التملق والإغراء.

ولكن المسلمين جمَّدوه في الكتب القديمة والأدمغة القديمة، فجنوا على أنفسهم لأنهم ظلوا أقلية، وجنوا عليه لأنهم أبقوه في عزلة عن الرأي العام العالمي، وجنوا على العالم لأنهم حرموه من النظام الفكري والعملي الذي يطلق كل الطاقات ويوصل كل شيء إلى رشده.

فكان مثلهم مثل العالم الذي اكتشف البترول، ففجره من خلال أنبوب واحد، ثم أشعله، وادَّعى: أن هذه الشعلة إله لأنها لا تطفأ، وأنه نبي من قبلها. فجنى على نفسه وعلى العالم، ولم يكتسب إلا المعاناة الطويلة، التي كان يقاسيها الأنبياء، في عصور التعنت والتعصب.

التفرغ للأهداف العظمى


((واصبر، وما صبرك إلا بالله. ولا تحزن عليهم. ولا تك في ضيق مما يمكرون *)).

[(سورة النحل: الآية 127)].


يا محمد (ص)! أنت رسول دين، ورئيس دولة، ومؤسس أمة. عليك – بمقتضى وضعك بهذه المواصفات – أن تتفرغ في الروافد العظمى للدين والدولة والأمة، وأن لا تهدر أية نبضة من فكرك، أو نأمة من عصبك، حول الأفراد: دخلوا في نطاقك، أو خرجوا عنه. فـ ((لا تحزن عليهم))، لأنهم تعرضوا للانحراف، وعرضوا أنفسهم للويلات. واعلم أنهم – كأفراد – دون مستواك، وأنهم – مهما تطاولوا – لن يطالوك. فأبعدهم، حتى عن دائرة التفاعل السلبي، فلا تبد تجاههم أي رد فعل، حتى لو كان عاطفياً. فلا تتحرك لإحباط خططهم، ((ولا تك في ضيق مما يمكرون))، فإن مكرهم – مهما تصاعد – لا يبلغك، ولا يؤثر عليك.

وفي هذه الآية، توجيه تربوي رفيع، وهو: (التطابق بين العامل والعمل). فلكل إنسان وزن خاص، ناشئ من تفاعل جميع مكوناته ومواصفاته وتفاعلاته مع الحياة والمجتمع، فعليه أن يقيِّم نفسه على ضوء كل هذه الأمور، ثم يتصرف وفق معطيات تقييمه.

فكما لا يصح التحرك انطلاقاً من أحلام المستقبل، لا يصح التحرك انطلاقاً من ورقات الماضي.

وكما أن لكل مقام مقالاً، كذلك... لكل إنسان مقالاً.

وكما أن وزنة الكيلو ليست وزنة الغرام، وأن (المتر) ليس درجة الحرارة، وأن حبة القمح ليست شجرة تفاح، وأن السمك ليس نسراً... هكذا... كل إنسان، هو هو، وليس غيره، وعليه أن يتصرف على أساس أنه هو، لا على أساس أنه غيره، لأنه ليس غيره، لأنه ليس غيره، فتصرفه يكون متنافراً معه، وهذا... يؤدي إلى عقمه، وهدر جهده.

فكما أن رئيس الجمهورية لا يصح أن يتصرف على أساس أنه معلم ابتدائية، وأن معلم الابتدائية لا يصح أن يتصرف على أساس أنه رئيس جمهورية.

وكما لا يصح أن يتصرف المحامي على أساس أنه كيمياوي...

كذلك: لا يصح أن يتقلد الإنسان أسلوب غيره – مهما تقاربت مواصفاتهما –، لأنه يخلع شخصية هي له، أو يتقمص شخصية ليست له، فيتناقض مع نفسه، ويسقط في ذاته، قبل أن تسقطه التجارب.

فلكل إنسان حجم إذا غادره إلى غيره كان – بالنسبة إليه – فضفاضاً أو خانقاً، يمنعه من التحرك الطبيعي الذي أعد له، ومن أداء الدور المطلوب منه.

والتفاعل مع الأفراد – سلباً أو إيجاباً – هو شأن الأفراد المتساوين، وليس شأن القادة التاريخيين، الذين عليهم أن يخترقوا جدار الزمان والمكان، ويستوعبوا البشرية على رحب الأرض وامتداد الزمان، لتكريرها، وإجراء تعديلات كثيرة عليها، تحولها من خامة مشوهة ((يفسد فيها، ويسفك الدماء))(5)، إلى عنصر فاضل، أعدت له ((جنة عرضها السماوات والأرض))(6).

(1) سورة الجاثية: رقم 45 الآية 24.

(2) سورة الطلاق: رقم 65 الآية 12.

(3) سورة الذاريات: رقم 51 الآية 56.

(4) سورة محمد: رقم 47 الآية 7.

(5) سورة البقرة: رقم 2 الآية 30.

(6) سورة آل عمران: رقم 3 الآية 133.