|
(15) ۞ سورة الحجر ۞ مكية وهي تسع وتسعون آية |
|
التوازن في النظام العام للكون [(سورة الحجر: الآيات 19 – 21)] ((والأرض مددناها))، فجلعناها بشكل تبدو ممدودة – رغم كرويتها – حتى لو سرح عليها النظر لبدت وكأنها منبسطة، فهي ممدودة بكبر حجمها. والجبال – رغم ضخامتها وثقلها في ميزان طاقات البشر – فهي ليست عند الله ضخمة ولا ثقيلة. ((وألقينا فيها رواسي)) من الجبال، ليتماسك بها التراب. لأن الجبال متشابكة في أعماق الأرض، وإن كانت تظهر رؤوسها من أكناف الأرض، وكأنها متنافرة غير مترابطة. والنباتات، تفجرت من الأرض، موزونة مقدرة. فمثلا: الإنسان، وسائر الحيوانات البرية، ابتداءً من الحشرات الذرية، وانتهاء بالفيل والكركدنّ والزرافة... عندما تتنفس، تفسد مقياس عناصر الهواء: فعندما تشهق، تأخذ كمية من الأوكسجين. وعندما تزفر، تطلق كمية من ثاني أوكسيد الكاربون. والمحروقات – أيضاً – تؤدي العملية ذاتها: فتحرق الأوكسجين، وتولد ثاني أوكسيد الكاربون. ومليارات الحيوانات التي تتنفس، وألوف الحرائق التي تشتعل في جنبات الأرض لأسباب مختلفة؛ تستهلك – يومياً – ملايين الأطنان من الأوكسجين، وتولد ملايين الأطنان من ثاني أوكسيد الكاربون؛ لا بد أن تسمم الهواء خلال آلاف السنين. ولكن الهواء لم يتسمم، لأن الأشجار – بالمقابل – تمتص ثاني أوكسيد الكاربون وتولد الأوكسجين بنفس النسبة. فبقي الهواء المحيط بالأرض، محتفظاً بالنسبة المطلوبة من الأوكسجين، وهي: 5،22%، فبقي صالحاً للتنفس. ولم تتغير هذه النسبة – علمياً – إلا لأسباب كبيرة، خارجة عن سيطرة البشر، ثم ما لبث أن استعاد توازنه. وكما أن التوازن في الهواء، دقيق وثابت، رغم اختلاف تصرفات البشر بين يوم وآخر؛ هكذا... التوازن باقٍ مستمر، في كل شيء في النباتات – كلها – من جميع الجهات الخلقية: ((وأنبتنا فيها من كل شيء موزون *)). فكل ما ينبت من الأرض مباشرة كالنباتات، وما ينبت بالواسطة كالحيوانات؛ فلا يأتي يوم يفقد فيه شيء مكمل للخلقة، كأن يفقد عقار لا بد من وجوده لمعالجة مرض من الأمراض. ولا يأتي يوم تنقرض فيه اللحوم، أو الحبوب، أو المحروقات، أو أي شيء... يشترط وجوده في استمرار الخلائق الحية على الأرض، ابتداء بأصغر الحيوانات وانتهاء بأكبرها. وإنما وفر الله – في الأرض – كل ما يساهم في تأمين معيشة الإنسان، ومعائش سائر الحيوانات: ((وجعلنا – لكم – فيها معايش))، ((و)) جعلنا لـ: ((من لستم لهم برازقين *))، وإنما يرزقها الله – بدون واسطتكم – من سائر الحيوانات والنباتات – إن صحَّ أنها ترزق بالعناصر الأولية –. هكذا... خلق الله كل ما يشترط في تأمين الحياة، وكل ما يشترط في تأمين استمرار الخليقة. وعند الله خزائن كل شيء، وباستطاعته أن يوجد من أي شي أي مقدار يشاء، ولكن حكمته البالغة تسيطر على مخلوقاته، فلا ينزل شيئاً من مجال القوة والقدرة، إلى حيز الفعلية والوجود، إلا بمقدار ما يضمن النظام العام للكون: ((وإن من شيء إلا عندنا خزائنه))، لا في مجال القدرة العقلية. وإنما في مجال توفر أولياته – أيضاً –، ((و)) لكن ((ما ننزله إلا بقدر معلوم *)). فلسفة كينونة الشيطان ((قال: (فاخرج منها، فإنك رجيم * وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين) *)). [سورة الحجر: الآيتان (34 – 35). هنا... يأتي السؤال التقليدي البائس: إذا كان الله خلق الخلق للعبادة، فلماذا خلق الشيطان، الذي يصد الخلق عن العبادة، ويجرهم إلى المعصية؟ والجواب: إن الشيطان ضرورة إنسانية (في إطار الامتحان الإلهي العام) ولولاه لما كان الإنسان – أو لما كان إنساناً –، كما أن النار ضرورة كونية ولولاها لما كان الكون – أو لما كان بشكله الفعلي –. فـ: 1- ماذا تعني العبادة في حد ذاتها؟ وماذا تعني العبادة بالنسبة إلى الله؟ وهل الله أمرنا بالعبادة لمصلحته أو لمصلحتنا؟ إن العبادة – في حد ذاتها – لا تعني هدفاً مستقلاً، والعبادة – بالنسبة إلى الله – لا تعني شيئاً، وإنما أمرنا بالعبادة لتنمو ذاتياتنا، حتى يبلغ كل فرد مداه. فيجب علينا: أن نعبد الله، ولكن لا لله، بل لأنفسنا. ويجب علينا: الإخلاص لله، في كل فكر وعمل، لا لنزيد في سلطان الله، وإنما لنتوفر على ممارساتنا، فنعتاد الإنتاج الجيد الوفير، سواء شجعنا أو ثبطنا الآخرون (1). 2- ماذا يعمل الشيطان؟ هل يقهرنا على ترك الحسنة وارتكاب السيئة؟ إن أقصى ما يعمله الشيطان، أن يوجد تياراً مضاداً في النفس والمجتمع، لمعاكسة تيار (الفطرة) والرسالات. فيتناقض التياران، ويجد الإنسان نفسه في ملتقى التيارين، ليعرض لتجربة الاختيار، حتى يتمرس ويشتد، فتتفتق مواهبه، ويتبلور معدنه. ولولا التجربة لبقي الإنسان رخياً تافهاً، ولبقيت مواهبه كامنة فجة. فكما أن جسم الإنسان – لو ترعرع في الحرير، ولم يعرض لطوارئ الجو – لا تصلب عظامه وأعصابه، وبالتالي: لا يطيق الحياة. وكما أن الشجرة – التي تنمو تحت الخباء – رخوة، لا تستطيع حتى حمل أثمارها. هكذا... الروح – التي لا تعرف الشيطان – مائعة، لا تقدر على الصمود أمام أي إغراء أو إرهاب. فلا بد أن تعرض الروح للتجربة حتى تتمتع بالكمال الروحاني، كما أن الجسم لا بد أن يتعرض للتجربة – في الألعاب الرياضية – ليتحلى بالكمال الجسماني. ثم: بماذا ينضج الإنسان إلا بالشيطان؟! وهل تنضج المعادن إلا بالنار؟! وهل تتبلور الأحجار الكريمة إلا بالمعاناة؟! وما قيمة الإنسان الذي ارتفعت حوله النداءات فسار على الخط الذي وجده أمامه، كالماء الذي يجري في مسيره بلا نزوات؟! إن الإنسان يكون كبيراً بمواقفه الرافضة المتصلبة، ويثمن بمدى قدرته على المقارعة والاستمرار، ومن أين تأتيه المقدرة إن سلم من التجربة؟! فلا بد من الشيطان، ليرتفع الإنسان، كما لا بد من النار، ليصلح الكون للحياة. إن السؤال عن خلق الشيطان، يشبه السؤال عن خلق الطاقة. وجوابه: أنه ضروري. وهنا يعترض سؤال آخر: إذا كان الشيطان يقوم بدور ضروري، فلماذا يحترق بالنار يوم القيامة؟ والجواب: 1- إن بعض الضروريات لأشخاص، مكروهة بصفة عامة. مثلا: مجابهة الأنبياء (عليهم السلام) مكروهة، ولكنها ضرورية للأنبياء، حتى تتعمق رسالاتهم في النفوس، وتأخذ أبعادها. وإن الظلم يذكي ذكاء الأفراد، ولكنه مكروه من الظالم. ولولا الشهادة لما نال الإمام الحسين (عليه السلام) درجاته العليا، فقد نالها بالشهادة، ولكن (يزيد) ارتكس في أسفل سافلين. وكل محق يسمو بالصراع من أجل الحق، بمقدار ما ينحدر الطرف الآخر بصراعه من أجل الباطل. 2- إن أداء الدور السلبي، يؤدي إلى الفناء والغضب. فالطاقة تفنى بأداء دورها السلبي، والشيطان مغضوب عليه لاختياره الدور السلبي. مدرستان ((فاصدع بما تؤمر، وأعرض عن المشركين *)). هذه الآية، من الآيات التي تضع الاستراتيجية للرسالة. فهي ترفع العازل بين مدرستين، كل منهما يفتح ضوءاً أمام من يحاول ركوب التيار. وكثيراً ما يتداخل الضوءان، في رأي البعض أو رؤيتهم. فالمدرسة التجارية – التي ينتمي إليها كل من يعتمد على المعادلة بين الأخذ والعطاء – توصي بتقييم الطلب أولاً، ثم تقدير العرض بقدره. ومجال العبقرية فيها هو: 1- اكتشاف طلب غامض، لم ينتبه إليه عارض. 2- لباقة العرض. 3- إغراء المعروض. والمدرسة الرسالية – التي ينتمي إليها كل من يعتمد على التضحية في سبيل انتشار عقيدة آمن بها – توصي بمفاجأة المجتمع في طرح العقيدة على مسرح الأحداث، دون أي اعتبار للمعادلات. وهذا التناقض بين الضوءين – ضوء المدرسة التجارية وضوء المدرسة الرسالية – يرجع إلى التناقض بين الطبيعتين: فطبيعة التجارة، محاولة لاستثمار الحاجات والرغبات. وطبيعة الرسالة، محاولة لتقنين الحاجات والرغبات. فينما التجارة تساير الأمر الواقع لاستغلاله، تعمل الرسالة لترويض الأمر الواقع، من أجل تطويره وتركيزه، بإيجاد أمر واقع جديد، ليزاحم الأمر الواقع القديم، فيحدده ويحصنه. وكل أمر جديد لا طلب مسبق عليه، وإنما يوجد الطلب بعد عرضه. فلا حساب للطلب المسبق في المدرسة الرسالية، فيما المدرسة التجارية تبني حساباتها على أساس الطلب المسبق. فالمدرسة الرسالية، توصي بطرح العقيدة على مسرح الأحداث – بدون إجراء حساب – وعندئذٍ: تحدث العقيدة موجات في المجتمع – كما تحدث الصخرة الملقاة في الماء موجات فيه – وبمقدار شدة المفاجأة، وذاتية العقيدة، يكون مدى الموجات. وهذه الموجات، تشكل أمراً واقعاً يحسب حسابه، لدى أنصار تلك العقيدة وأعدائها على حد سواء. وأكثر الناس، عندما يريدون اتخاذ موقف، لا يجهدون أنفسهم كثيراً في استلهام المبادئ، وإنما هم – عملياً وواقعياً – يأخذون الأمر الواقع في اعتبارهم، ويعطونه الدرجة الأولى من اهتمامهم، وعلى أساسه يتخذون المواقف، ويطلقون الأحكام. فعلى أصحاب الرسالات، أن لا ينظروا إلى الوضع القائم على ساحة الطبيعة، لأنهم جاؤوا لينقضوا على الطبيعة فيغيروها، لا ليتغيروا بها، فيغيروا عقائدهم. وبذلك، أمر الله رسوله العظيم: ((فاصدع بما تؤمر)) من الإسلام، ((وأعرض عن المشركين)). فلا تأخذ – بعين الاعتبار – قوتهم، وسيطرتهم على الأفكار والأوضاع. ولا تلتفت إلى أوضاع المجتمع. لأنك جئت للتغيير، ومن يأت ليغير، يفترض – سلفاً – أن الأمر القائم غير ملائم له. |
|
(1) راجع تفسير الآية: ((وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون *)). [سورة الذاريات: رقم 51 الآية 56]. والآية: ((ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ...)) [سورة هود: رقم 11 الآية 118]. م. |