الفهرس

التفسير وعلوم القرآن

الصفحة الرئيسية

 

(14)

۞ سورة إبراهيم (عليه السلام) ۞

مكية وهي اثنتان وخمسون آية

الشكر... والكفران...


((وإذ تأذن ربكم:

لئن شكرتم، لأزيدنكم.

ولئن كفرتم، إن عذابي لشديد! *))

[(سورة إبراهيم: الآية 7)]


-1-


كل ما على الأرض – من إنسان... وحيوان... ونبات... وجماد – إما أن يكون له كمال أو لا يكون له كمال: فالإنسان قد يولد كامل الأعضاء والمشاعر، وربما يولد ناقصاً... وكذلك: الحيوان... والنبات قد يخلق كامل العناصر، وربما ناقصاً لا يورق ولا يثمر... وكذلك: الجماد...

والكامل، له كمالان:

كمال بالقوة، ويسمى: (الكمال الأول) أي: توفر القابليات فيه.

وكمال بالفعل، ويسمى: (الكمال الثاني) أي: تطور القابليات إلى صفات...

مثلاً: الإنسان، إذا كان غير كامل الخلقة (بأن كان فاقداً لإحدى حواسه الخمس... أو فاقداً لأحد مشاعره...) فإن باباً من أبواب العلم يكون مغلقاً في وجهه: فمن كان فاقداً للبصر، يكون باب المبصرات موصداً في وجهه... ومن لم تكن له سامعة، لا يجد طريقاً إلى المسموعات... وهكذا الأمر بالنسبة إلى بقية الحواس، وكذلك: الأمر بالنسبة إلى المشاعر: فمن كان فاقداً لإحدى القوى الداخلية: كالحافظة، والمخيلة، والواهمة... فإنه يفقد منفذه إلى سلسلة من المعلومات، كما يقول ابن سينا: (من فقد حساً فقد علماً).

بينما الإنسان الذي يكون كامل الخلقة، تتوفر فيه القابلية لأن يرتقي سلم الإنسانية في أي خط يشاء، بأن يكون: مفكراً، أو سياسياً، أو طبيباً، أو مهندساً...

فتوفر الأعضاء... والملكات... في الإنسان، كمال بالقوة (أي: كمال أول) فإذا استخدمها بالشكل المناسب، حتى ارتفع إلى أحد أهداف الإنسان في الحياة. فأصبح: عالماً، أو طبيباً، أو اقتصادياً... فقد بلغ الكمال بالفعل (أي: الكمال الثاني).

وهنا لا بد من بيان أمور:

1- الكمال بالقوة يعني بالنسبة للإنسان – توفر الأعضاء... والملكات... فيتحلى الفرد بالكمال الجسماني، وربما يمنى بالنقص... أو العجز... وكما يكون الفرد كاملاً أو ناقصاً، كذلك: الأمر في الحيوان، والنبات، والجماد، وسائر المخلوقات.

2- والذي يتحلى بالكمال: قد لا يستغل كماله، وربما يستغله بالحد الأدنى، أو بالحد الوسط، أو بالحد الأقصى. كالإنسان: يستغل كل أعضائه وملكاته، أو قسماً منها، أو شيئاً قليلاً منها. أو كالأرض: تستغل لبناء طابق واحد، أو لبناء عشرة طوابق، أو لبناء ناطحة سحاب.

3- والذي يتمتع بالكمال: ربما يستغل مواهبه في سبيل الخير، وربما يستغلها في سبيل الشر.

والناس – عادة – لا يستغلون إلا شيئاً قليلاً من مواهبهم.


- 2 -


الإنسان، إما أن يأخذ من الحياة أكثر مما يعطيها، فيكون إمعة طفيلية. أو يتساوى أخذه وعطاؤه، فيكون وجوده كعدمه. أو يعطيها أكثر مما يأخذ، فترحب به الحياة. وترتفع درجته بمقدار ما يكون عطاؤه أكثر، حتى يكون كالأنبياء (عليهم السلام).

نعمة الله


((الله الذي:

خلق السماوات، والأرض.

وأنزل من السماء ماء، فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم.

وسخر لكم الفلك، لتجري في البحر بأمره.

وسخر لكم الأنهار *

وسخر لكم الشمس، والقمر، دائبين.

وسخر لكم الليل، والنهار *

وآتاكم من كل ما سألتموه.

وإن تعدوا نعمة الله، لا تحصوها:

إن الإنسان لظلوم، كفار! *))

[(سورة إبراهيم: الآيات 32 – 34)]


كل فرد يعيش – كل لحظة – كثيراً من نعم الله عليه، دون أن ينتبه لها. وإذا كان ينتبه لها. فمن دون أن يقدرها. وإذا كان يقدرها، فمن دون أن يشكر الله عليها.

فكل عمل عضل، أو غدة، أو جهاز، أو عصب... نعمة. وكل حركة عضو، نعمة. كل نبضة فكر، نعمة. كل مكسب مادي... أو معنوي... نعمة. كل انقياد يتلقاه ممن هم دونه، نعمة. كل معونة يتلقاها ممن هم في مستواه، نعمة. كل رحمة يتلقاها ممن هم فوقه، كل رهبة يجدها في قلب من يستطيع إيذاءه من إنسان... أو حيوان... نعمة. كل لحظة عافية يجدها في إحدى هذه النعم، نعمة. كل لحظة أمان يقضيها من مصادر الشر، نعمة.

وهكذا... تترى نعم الله – تبارك وتعالى – على الإنسان. وقد يتطلع إليها الفكر فيجدها كثيرة... متوالية... لو كانت رذاذاً لكان مغموراً بفيض طام منها، ولكن لا يغامر الفكر بمحاولة إحصائها، فهي أكثر بكثير من طاقته.

ولنذهب – قليلاً – مع العلم في مطاف سريع ـ وبعيد ـ للتطلع إلى بعض نعم الله علينا، التي لا نستطيع أن نراها إلا في ضوء العلم، يقول العلماء:

إن وجود الحيوانات السامة نعمة على الناس جميعاً، لأن هذه الحيوانات – بالأجهزة الخاصة التي زودت بها رئاتها – تمتص المواد السامة التي تلوث الهواء، فتطهرها لتصبح صالحة لاستنشاق الإنسان.

إن وجود الميكروبات الضارة ضرورية للإنسان، لأنها – عندما تهاجم الجسد – تثير فيه قوى الميكروبات النافعة التي تعمل لتعقيمه. وبتواتر هجمات الميكروبات الضارة على الجسد، تصبح قوى الميكروبات النافعة متمرسة بالدفاع، ومتأهبة في جميع الأعضاء... وفي كل الأحيان... فيصبح الجسد ذا مناعة كافية لصيانته من التأثر بطوارئ الطبيعة.

إن الهوام التي تحوم حول الأشجار، كلها ضرورية: فقسم تنفع لتلاقح الأشجار، والقسم الآخر يطهر الأشجار من المواد الملوثة، والقسم الثالث يغذي الأشجار بطاقات إضافية تساعدها على الإيناع والإثمار...

وهكذا... كل ما يخدم الإنسان في جسمه... أو في بعض ما يتعلق به... نعمة. وكل ما يخدمه فيما يحتاج إليه، نعمة. وكل ما يخدم إحدى عواطفه.. أو أغراضه.. أو أهدافه.. نعمة. وكل ما ينفع الإنسان بوجه من الوجوه، ويمكن أن يسلب منه، فهو نعمة.

ولكن الإنسان يريد النعم. ومهما أعطي، فإنه يطلب المزيد. وحتى لو انهارت أمامه حواجز الإمكان، فأعطي المستحيل. ولو تضاعفت قدراته الفكرية، فامتد فكره إلى أبعد من كل بعيد، ثم منح كل ما امتد إليه فكره، لم يفتأ عن طلب المزيد. وبعد ذلك: يطلب المجهول، بنفس الاندفاع الذي يطلب به ضروراته اليومية، وفي نفس الوقت: يتكاسل عن التعرف – ولو إجمالاً – على ما منح. ويتعاجز عن رفع الشكر – ولو إجمالاً – إلى خالقه، الذي أنعم عليه بلا سابق استحقاق. ويتمادى في غيه أكثر، فيكفر بالنعم جملة.. وتفصيلاً.. ويتمادى أكثر، فقد يكفر حتى بالله:

((قتل الإنسان! ما أكفره؟!))(1).

المكر مع الله


((وقد مكروا مكرهم، وعند الله مكرهم، وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال *)).

[(سورة إبراهيم: الآية 46)]


فالمكر لا يصدر عن الماكر إلا لإيقاع الطرف الآخر في فخ، فلا يؤدي الغرض المطلوب منه إلا إذا انطلى على الطرف الآخر. وأما إذا كانت خطة المكيدة معروفة لديه، فإنها تفشل. وبفشلها تنعكس على الطرف الماكر من جهتين:

الأولى: إنها تجابه بخطة معاكسة، تصيبها بهزيمة غير متوقعة وأسوأ النكسات التي تحطم الأفراد... والجماعات... هي التي تتلو الهزائم غير المتوقعة، أو مع توقع الانتصار.

الثانية: إنها تكشف النفسية المراوغة لدى الطرف الماكر، وانكشاف نفسية مراوغة – لدى أحد الطرفين المتصارعين – يؤدي إلى أزمة ثقة. فيتعقد الموقف، بحيث يتوقف الحوار، ويستحيل التفاوض، وينقطع خط الرجعة على الطرف الماكر، فيتورط في صراع خاسر يصعب الخروج منه.

((وعند الله مكرهم)) مكرهم معروف عند الله – تبارك وتعالى – فهم يحاولون أن يفاجئوا الله بما لا يفاجأ به.

(1) سورة عبس: رقم 80 الآية 17.