|
(13) ۞ سورة الرعد ۞ مدنية وهي ثلاث وأربعون آية |
|
الباقي والفاني فالله – تعالى – هو الباقي، وأما الإنسان: فتهد الحياة ذكراه. كما تهد جسمه. ومن بقي من البشر، فبمقدار تمسكه بالله. والعظماء الحق، الذين كرسوا حياتهم للحق المطلق – وهو: الله – باقون بالأمواج التي أطلقوها في الحياة. ومن بقي من غيرهم، فقد تمسك بطرف من الحق: كذي القرنين، ولقمان، وسقراط، وأرسطو، وحاتم... وحتى أعداء العظماء، ظلوا باقين، لتمسكهم بالعظماء، وإن كان تمسكهم بأسلوبهم، وهو الأسلوب اللئيم، فخلدوا في إطار لئيم. فمن كان يعرف: أبا جهل، وعمرو، ومرحب، والوليد، وابن الزبعرى، وأمثالهم... لولا الرسول الأكرم (ص)؟! ومن كان يعرف: ابن ملجم، والشمر، ويزيد، ونظراءهم... لولا أهل البيت (عليهم السلام)؟! المسترسل مع الهوى ((ولو أن قرآناً: سيرت به الجبال، أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى...)) ((ولو أن)) شحنة من الطاقات القاهرة، التي تحرك الجبال من مراسيها، وتشقق كرة الأرض الضخمة المتماسكة، وتحيي الأموات في الأجداث حتى تتكلم مع الأحياء... لو أننا اتخذنا شحنة من هذا النوع من الطاقات، التي لا عهد ولا قبل للبشر بها، فنظمناها كلمات وسوراً، وجعلناها ((قرآناً))، حتى لو قرئ بعضه بشكل معين، ((سيرت به الجبال)) تمخر في الأرض، كما تمخر السفن في البحر، ((أو)) قرئ بعض آخر منه بشكل آخر، ((قطعت به الأرض))، وتزلزلت، فغاضت الجبال وتسامقت الوهاد، وصارت الصحارى بحاراً والبحار صحارى، ((أو)) قرئ بعض ثالث منه بشكل ثالث، على المقابر، لانتفضت الرمام بشراً كاملاً، فـ ((كلم به الموتى)). ولو قرئ أي قسم منه بالشكل المناسب، لكان له أثر كوني عظيم في شيء. فلو أننا نظمنا القوى القاهرة في الكون، إلى كلمات وسور، فقرؤوها قرآناً، وجربوا تفاعلاتها العظيمة، لما آمنوا به. لأنهم استرسلوا مع الهوى حتى طبعهم، فلا يريدون العدول عنه إلى الحق. والإشكال ليس في أنهم لم يعرفوا الحق، أو أن الحق ليس لديهم بتلك الدرجة الكافية من الوضوح، وإنما الإشكال في أنهم ليسوا على استعداد للاعتراف بالحق مهما كان واضحاً. |