|
(12) ۞ سورة يوسف (عليه السلام) ۞ مكية وهي مئة وإحدى عشر آية |
|
إطار السورة تشعب خطوط المفسرين في العلوم، سبَّب نوعاً من الارتباك في فهم القرآن، لدى الكثيرين من رواد القرآن. ذلك: أن كلاً منهم، انطلق إلى تفسير القرآن من منطلقه هو... لا من منطلق القرآن هو... فبين: من اعتمد: (جمال التعبير) في القرآن، لأنه كان متخصصاً في: (علوم البلاغة). ومن تتبع دقائق: (علم النحو) في القرآن، لأن: (علم النحو) كان مادة اختصاصه. ومن استنبط: (أحكاماً فقهية) من القرآن، لأنه كان: (فقيهاً) لا يهمه شيء سوى الأحكام الشرعية. ومن اهتم بـ: (قصص القرآن)، لأنه كان مغرماً بالتاريخ. ومن عني بـ: (العلوم الطبيعية) في القرآن، لأنه تفرغ لها. وهكذا... بينما القرآن لم يكن: كتاب بلاغة، ولا كتاباً في العلوم العربية، ولا رسالة عملية، ولا مجموعة قصصية، ولا نشرة علمية... وإنما القرآن كتاب دين، بالمفهوم الكامل للدين، الذي يربط الدنيا بالآخرة... والمادة بالمعنى... والطبيعة بما وراء الطبيعة... وينظم الإنسان – كل الإنسان – بينها. فيأخذ من كل شيء بمقدار ما يخدم هذا الهدف، فيستخدم من: جمال التعبير، ومن علوم العربية، ومن الأحكام، والقصص، والعلوم الطبيعية... ما يوجه ويربي. فعندما يقول: ((وترى الجبال، تحسبها جامدة، وهي تمر مرَّ السحاب))(1) لا يعني ببيان الحركات المختلفة للأرض، بمقدار ما يعني بالتوجيه الذي ورد في بقية الآية: ((صنع الله الذي أتقن كل شيء. إنه خبير بما تفعلون)). وعندما يستعرض قصصاً أطلق عليها: ((أحسن القصص))، لم يخترها لأنها أكثر القصص إثارة للفضول، وتمسكاً بالمستمعين، وإنما اختارها لما فيها من زخم توجيهي وتربوي. فلم يستعرض قصص: الملوك، والفاتحين، والأبطال الأسطوريين... وإنما استعرض قصص: الأنبياء، والصالحين. وذكر قصة: (ذي القرنين)، لأنه كان – كما يقال – ملكاً رسولاً. وذكر قصصاً من: فرعون، وهامان، والشيطان، وبلعم... لا لاعتبارها قصصاً ناجحة من الناحية الفنية، وإنما لأنها تعكس سيئات الموقف السلبي من: الإيمان، والمؤمنين. وقصة: (يوسف) عليه السلام استعرضت في القرآن، واستأثرت بأوسع ساحة استأثرت بها قصة أخرى في القرآن، لـ: 1- أب، منحه الله – تبارك وتعالى – اثنا عشر ولداً، كل منهم بطل عالمي في طاقة جسدية. ثم: يفضل عليهم أصغرهم، ويعطيه – وحده – من قلبه ما لا يعطيهم جميعاً، لأنه – بالفعل – أفضلهم مجتمعين، إنسانياً. وكيف انعكست – سلبياً – هذه المظاهرة العنيفة للمقاييس الفكرية على المقاييس الاجتماعية، على الأب والابن – معاً – بشكل، وعلى بقية الأخوة بشكل آخر! 2- أخ أصغر، حسده إخوته الكبار الأشداء، على مواهبه، فنكلوا به. وكانت موهبته من الجمال أكثر من أن يطاق. فعاكسته كل نظرات الإعجاب، فاتهمته، وحاربته، حتى أصبح من كبار: (المعذبين في الأرض)، وأحد (البكائين الخمسة) المعروفين، و: (المتنقب) الوحيد من الرجال، عن جميع الناس إلا عن زوجته. ولكنه ما استسلم للخنوع، وتابع كفاحه الجبار، حتى أصبح ملكاً ورسولاً، وسعى إليه والداه وإخوته ساجدين. 3- إخوة من ألمع الناس، وأكثرهم تفوقاً، حسدوا – على أخيهم الأصغر – محبة والدهم إياه، فزجوا به في بئر نائية، حتى يخلو لهم وجه أبيهم. ثم: اضطروا أن يقفوا – بأجمعهم – على أبواب قصره، وهو: ملك ورسول، وهم: نفر من البدو يبحثون عن صاع من القمح أو الشعير. ولما عرفوا أنه – هو – أخوهم، الذي عرضوه للموت في بئر نائية، وما شكُّوا إلا أنه في عداد الأموات، خروا – له – ساجدين، وهم لا يدرون بماذا يعتذرون. 4- زوجة مضيفه تسقط في أسر جماله، فتتحرك نحوه من موقع القوة – إنها امرأة العزيز –، وتحاول فرض إرادتها عليه، وتبتذل، فيتمسك – هو – بمبادئه، ويرفض. وعندما تفشل هي، تنتقم منه، فتتهمه، وتزجُّ به في السجن. ثم: تدور الأيام، ويخرج من السجن، منقذاً للبلاد من كارثة. ولكنه يأبى أن يتسلم مصير شعب، وهو مثلوم الكرامة، قبل أن يسترد اعتباره. فتأتيه امرأة العزيز، وتعترف أمام زوجها. 5- نسوة في المدينة، تنشر شائعات غرامية، عن امرأة العزيز معه. وتجمعهنَّ امرأة العزيز، فتضعهنَّ أمامه، ليفقدن أعصابهنَّ، ويقطعن أيديهن بسكاكين. فيظهر موقفهن في التجربة أضعف من موقفها، ويقلعن عن الشائعات النسائية. عصمة النبي يوسف عليه السلام هذه الآية، تنزه يوسف عن الخطيئة، وعن التفكير في الخطيئة، لما يلي: 1- كلمة (همَّ) لا تستعمل – في اللغة العربية الفصحى – للرغبة الجنسية، وإنما تستعمل للرغبة في الاعتداء اليدوي – كالضرب –، فعندما امتنع يوسف عن الاستجابة لزليخا، همَّت بضربه، تنفيساً لغضبها عليه... وهمَّ – يوسف – بضربها، دفاعاً عن شرفه، الذي حاولت طعنه... ولكنه تمالك عن ضربها، لمعرفته بأنه لو ضربها، لفسر بأنه كان يحاول الاعتداء على شرفها. فاكتفى بالهروب منها، وتمسكت به، فشقت قميصه من دبر، فكان دليلاً على محاولتها الاعتداء على شرفه. 2- إن استخدام كلمتي: (لولا) يكون لنفي ما قبلهما بعلة ما بعدهما، فلو قلنا: (حضر زيد لولا أن جاءه ضيوف) معناه: إنه لم يحضر بعلة وفود ضيوفه إليه. فيوسف لم يهم بها. بعلة رؤيته برهان ربه. وهو: نور الله، الذي أشرق في عقله، فأرشده إلى عدم ضربها... أو هو: معرفته بحقائق الأشياء – التي هي علة العصمة – التي سببت إبعاده عن جميع المنكرات. 3- لو أنه جلس منها مجلس الرجل من المرأة، ثم: ظهر – أمامه – يعقوب عاضاً على سبابته، لم تكن فضيلة له، حتى يعرضها القرآن – فأي إنسان، لو ظهر له أبوه في مثل هذه الحالة، يتراجع عن الخطيئة –، ولكان مرتكباً السوء، لأن أصل جلوس رجل إلى امرأة محصنة – مجلس الرجل من المرأة – حرام، فأين صرف السوء والفحشاء عنه؟! وكيف يكون من عباد الله المخلصين؟! |
|
(1) سورة النمل: رقم 27 الآية 88. |