الفهرس

التفسير وعلوم القرآن

الصفحة الرئيسية

 

(29)

۞   سورة الزمر ۞  

مكية وهي خمس وسبعون آية

غفران الذنوب وخلق النار


((قل:

يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم!

لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعاً. إنه هو الغفور الرحيم)).

[(سورة الزمر: الآية 53).


س: كيف يغفر الله الذنوب جميعاً؛ وقد هدد عليها بالعقاب؟ وإذا كان الله يغفر جميع الذنوب؛ فلمن خلق النار؟

ج:

1- إن الله قال: ((يغفر الذنوب))، وما قال: يغفر الشرك والكفر. فلعله خلق النار للكفار والمشركين.

2- إن الله قال: ((يغفر الذنوب)). والمتبادر من كلمة: ((الذنوب)) معاصي الجوارح، أما تمرد القلب: فهو خارج عن مفهوم كلمة الذنوب. وتمرد القلب، هو الجرم الأكبر، الذي أشار إليه القرآن بقوله:

((... فإنه آثم قلبه))(1)، وورد في دعاء كميل بن زياد: (... لولا ما حكمت به من تعذيب جاحديك، وقضيت به من إخلاد معانديك...)(2)، فالله حكم بتعذيب جاحديه، وقضى بإخلاد معانديه، فلعله خلق النار لهؤلاء، لا لأصحاب الذنوب، التي لا تنبع من القلوب، ولا تتسرب إلى القلوب.

3- لعل الله عندما قال:

((إن الله يغفر الذنوب جميعاً))، كان يعني: أنه لا ذنب يستعصي على الغفران، وأن رحمة الله تتجاوز غضبه. وما قال بأنه سيغفر جميع الذنوب، لجميع الخلائق، بدليل سبعة قوله تعالى:

((لا تقنطوا من رحمة الله))، فيعني: أن رحمة الله – بالطبع – قادرة على ستر جميع الذنوب.

4- إن الله لا يخالف وعيده، لأنه لا يفتقر إلى شيء حتى ينكل عن شيء مما أوعد عليه، ولكنه قد يهدد ثم لا ينفذ، لأن رحمته وسعت كل شيء. فلربما توجد مبررات للرحمة – ولو من غير المذنب، مثلاً: من والديه، أو أبنائه – فتشمله الرحمة، لاعتبارات خارجة عن المعادلة الموضوعية بين الذنب والعقاب، فيكون التهديد صدقاً وإيقاف التنفيذ حقاً، لأن التهديد يعني: أن أصل هذا الذنب بطبعه يؤدي إلى ذلك العقاب بطبعه. فإذا وجدت اعتبارات خارجة عن طبيعة الذنب، فإنها يمكن أن تؤدي إلى إيقاف التنفيذ.

وهذا... ما نجده – بوضوح – في كثير من أولياء الأطفال، والحكام العاديين.

5- هنالك حقيقة نفسية، لا بد من استيعابها، مقدمة لفهم هذه الآية، وهي: أن الإنسان قد يختار طريق الانحراف، بمحض إرادته، وهو يجد أمامه طريق الاستقامة مفتوحاً، كما قال القرآن: ((وهديناه النجدين))(3). فيرى النجدين، ثم يسلك نجد الشر، عن سابق تصميم وإصرار. فيكون مذنباً: عند الله، وفي نظر الناس.

وربما تحيطه ظروف خارجة، وأحاسيس داخلة، تسول له: أن رحاب الدنيا، قد انتهت إلى هذا الطريق الضيق الوعر، الذي هو طريق الشر، فيسلكه كالمضطر. والذين لا يعرفون العوامل المتفاعلة، حوله وفي داخله، يعاقبونه بلغة القانون، لأنهم لا يرونه مضطراً. ولكن اللطيف الخبير، الذي يعلم دخائل النفوس، يعلم أنه سلك طريق الشر بمشاعر المضطر، فيعامله – برحمته – بلغة الواقع.

- مثلاً: لو حملت إنساناً كيساً من القطن، حجمه يدل على أن وزنه عشركيلوات، وأخفيت فيه كمية من الصلب تزن ألف كيلو، فيسقط الرجل: فأنت الذي تعلم ما حملته، تعرف أنه انهار، فتعذره. ولكن الذي يرى القطن، ولا يعرف ما في داخله، يحسب أنه سقط تهرباً، فيعاقبه.

- مثلاً: لو دخلت، في عز الصيف، غرفة مبردة، فأشعلت النار لتتدفأ بها: فالذي يعرف أن الغرفة مبردة، يعذرك. والذي لا يعرفها مبردة، يلومك.

هكذا... ظاهر الآيات والروايات يهدد كل من خالف، والقانون يعاقبه – بغض النظر عن الاعتبارات الداخلة – لأن الأعذار بالاعتبارات الداخلة، لو قبلت لدرء العقاب، لخالف الكثيرون، وتعذروا كاذبين، فعطل النظام. ولكن الذي يقيم كل أوضاع الفرد، أدق منه، قد لا يعاقب الكثيرين ممن يعتبرهم الناس مجرمين.

ولعل هذا هو السبب، في أن الله يغفر يوم القيامة، حتى أن الشيطان يطمع في مغفرته لأن الشيطان يأخذ بظواهر الأحكام، ومظاهر الناس، فيظنهم مجرمين، وهم – عند الله – معذورون.

وقد نستطيع أن نفسر – بذلك – ما ورد في السنة، من أن رسول الله (ص) كان يخطب في يالناس عن الحساب يوم القيامة، فلم يزل يقول حتى وجلت القلوب وجرت الدموع، فقام إليه أعرابي، وقال: (يا رسول الله! من الذي يحاسب الناس يوم القيامة؟!) فقال الرسول: (الله) فقال الأعرابي: (إذن، لا أبالي). وولى خارجاً من المسجد، فقال النبي: (إنه رجل من أهل الجنة)(4).

فالأعرابي كان يخشى من أن يحاسب الناس رجل لا يستوعب دخائلهم فلما عرف أن الله هو الذي يحاسب الناس، اطمأن إليه. لأنه كان يعرف – بوعيه الفطري – أن الله، الذي يحيط بنقاط ضعف الإنسان، يقدر كل العوامل التي قد تدفع الفرد إلى ما يكره، فلا يناقشه الحساب.

ولعل النبي قال: (إنه رجل من أهل الجنة)؛ لسلامة تقييمه، وحسن معرفته بالله.

(1) سورة البقرة: الآية 283.

(2) مفاتيح الجنان – للشيخ عباس القمي – ص 66.

(3) سورة البلد: الآية 10.

(4) تنبيه الخواطر – ص 7.