الفهرس

التفسير وعلوم القرآن

الصفحة الرئيسية

 

(11)

۞ سورة هود عليه السلام ۞

مكية وهي مئة وثلاث وعشرون آية

العنصران الأهمان: الزمان والصفر


((وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وكان عرشه على الماء...)).

[(سورة هود: الآية 7)]


((السماوات)) هي: كل الفضاوات والغازات والكرات، التي تبدو وكأنها محيطة بالأرض. و ((الأرض)) هي: كرة التراب التي نعيش عليها. وكأن التأكيد على ذكرها – كلما ذكرت السماوات – مع أنها كرة صغيرة في طرف مجرة صغيرة من المجرات الضخمة المتحركة في الآماد الشاسعة من الفضاء؛ لأن البشر يعيشها، ويعرف من أطوارها ومعادنها أكثر مما يعرف من سائر الكرات الأخرى.

((في ستة أيام)). اليوم – هنا – لا يعني دورة الأربع والعشرين ساعة. لأن هذه الدورة ناتجة عن حركة الكرات، ولم تكن كرات في ذلك الحين. ولأن اليوم – كما يعني هذه الدورة الزمنية المحدودة بالأربع والعشرين ساعة، الناتجة من حركة الأرض حول نفسها – كذلك: قد يعني دورة زمنية محدودة بحركة حالة من الحالات، كما نقول: (أيام العباسين، وأيام الفاطميين، وأيام الحمدانيين...)، وكما نقول: (الدهر يومان: يوم لك، ويوم عليك)، فكل حالة: يوم. والله – سبحانه وتعالى – خلق الكون في مراحل، فكل (يوم) تعبير عن حالة من الحالات، وإن كانت تقدر بالملايين – أو المليارات – من السنين.

((وكان عرشه على الماء)): ربما لأن أول ما خلق الله (الماء). وربما لأن أول ما خلق (الغاز) الذي يحسن تشبيهه بالماء، كما في قوله تعالى: ((ثم: استوى إلى السماء وهي دخان...))(1). . وربما لأن أصل الأنواع (الخلية الحية)، والماء يشكل أكثر الخلية الحية.

و (العرش) سرير الملك. واستخدام هذا المفهوم بالنسبة إلى الله، الذي ليس جسماً حتى يستقر على عرش أو غيره؛ باعتبار أن (العرش) رمز السيطرة والسلطان، فيكون المعنى: (وكان سلطانه على الماء)، إذ لم يكن – ذلك الحين – خلق غيره، فيكون الماء أول ما خلق الله من الماديات، ثم تطور الماء في ست مراحل، حتى خلق منها الإنسان.

وفي هذه الآية، توجيه تربوي لمن يفكر في العمل الجاد لبناء المستقبل، بأن:

1- يعتمد على مراقبة الزمان له – حتى لا يهدر منه شيئا –، بوضع الخطط الشهرية أو السنوية أو الخمسية... فيقسم أعماله إلى مراحل، مفترضاً أن كل عمل معين لا بد أن يستغرق مقداراً معينا من الزمان لا أكثر ولا أقل، فالله خلق السماوات والأرض في ستة أيام. إذن: على الإنسان أن يحاول الإفادة من مقياس الزمان، فلا يستعجل ولا يتأنى، وإنما يعطي كل يوم مقداره من العمل.

2- يبدأ من الصفر كل من يرث ما يبدأ به. فالله – تعالى – بدأ خلق الكون من (الماء) الذي هو بمثابة الصفر بالنسبة إلى الكون، وصار الكون. فكل شيء يمكن أن يتحقق وإن كان الابتداء به من الصفر، فلا مبرر لليأس. على أن البشر لا يبدأ من الصغر، لأن أفقر الناس يخلق بين المواد الكافية لبناء مستقبل يحلم به، ويملك جهده. وبهذا الجهد، يستطيع أن يربط بين هذه المواد لتكون له مستقبلاً زاهراً: فالأموال متوفرة، والكراسي كثيرة، والجمال منتشر، والمباني متزاحمة، والثمرات متدافعة... والطرق إلى جميعها رحبة معروفة، وعلى من يريد أي شيء منها أن يتحرك في اتجاهه ليناله. فقط: يتحرك بوعي وحكمة، حتى لا يصطدم بغيره، فيتفجر ويفجر، لأن الله خلق الحياة حلبة للسباق لا للصراع.

الشقي والسعيد


((... فمنهم: شقي، وسعيد *))

[(سورة هود: الآية 105)]


كما أن بذرة (البرتقال) تلخص أطوار ورؤى وطبائع أمها الشجرة، ولكنها تبقى ركائز غامضة ترفض التفسير، حتى إذا وجدت المناخ المناسب تتفتق البذرة، وتبدأ عملية التعبير عن ذاتياتها، حتى تصبح شجرة يافعة، تعطي جميع التفاصيل، بكامل انفتاحات وتعقيدات الشجرة الأم.

هكذا... الإنسان، يجمع كل أراشيف حياته وهو يهمُّ بالانتقال من الحياة السابقة إلى هذه الحياة الدنيا، ويتلخص جنيناً، ثم طفلاً يلفُّه الغموض والانكماش. حتى إذا وجد مناخه المتناسب مع ركائزه، تبدأ ذاتياته بالتعبير، فيعطي جميع التفاصيل، بكامل الإيجابيات والسلبيات التي طبعته في الحياة السابقة، بصورة أوسع وأكمل.

وكما أن حبة المطر التي تسقط على الأرض، لا تنسى هويتها، وإنما تتبخر عائدة إلى الأجواء العالية لإعادة التجربة، أو تتسرب في شرايين الأرض المتعرجة في طريقها إلى أمها البحر.

كذلك: الإنسان، الذي يأتي طفلاً بائساً إلى هذه الحياة الصاخبة المكفهرة، لا يفقد أدنى ذبذبة من حنينها الذي أتى به من العالم السابق، وإنما يبدأ البحث الحثيث – منذ اللحظة الأولى – عن مطامحه وأهدافه: فيصطدم بالمعاكسات التي يعلن استنكارها ببكائه، ويستقبل المناسبات التي يعبر عن استرضائها بابتسامته. ويواصل بحثه الدؤوب، حتى يستقر في القالب الذي تفرغ منه وأعدَّ له.

ولذلك: نجد كل إنسان يختار لنفسه ما قد لا يناسب بيئته وأسرته، بشكل يصعب التكهن به من قبل.

وكما أن ذرات الكون تلتقي مثيلاتها حتى تشكل وحدات أعظم: فمثلثات الحرارة تتصاعد، ومربعات البرودة تتهابط، وجزئيات الأوكسجين تتجاذب، ورشاش الماء تتجمع، ورذاذ التراب تتراكم، والسوارح والطيور تتجاوب في قطعان وأسراب متجانسة... لأنها – جمعاء – تنطلق من موقع واحد، وبدافع واحد، نحو هدف واحد؛ فمن الطبيعي أن تنساق في خط واحد.

مثلها الإنسان: فكل ما في جسمه من ذرات، وكل ما في روحه من موجات؛ تعبر عن حنينها، وتتعرج به في منعطفات الحياة والمجتمع، حتى يلتقي وسطه، فيطمئن إليه، ويرتكز عليه، ويبدأ دورة تكامله من خلاله.

وهذه الحالة الذاتية في الأفراد، هي التي تؤدي إلى ظاهرة خروج الكثيرين من الناس على أسرهم، واستقرارهم في أوساط لا تناسب بيئتهم، واختيار أوضاع يصعب التكهن بها من قبل.

الاستقامة جحيم تنتهي إلى جنة


((فاستقم – كما أمرت – ومن تاب معك، ولا تطغوا. إنه – بما تعملون – بصير *)).

[(سورة هود: الآية 112)]


هذه الآية: تركيز للرسول، ومحاولة لتركيز من وراءه من المسلمين.

فهي تركيز للرسول فعلاً، لأن أمر الله يعني التنفيذ المباشر من جانبه – وكذلك: من جانب كل المعصومين، الذين عصمهم الله من الزلل، وآمنهم من الفتن – من دون تقدير للعواقب. لأن الرسول – والمعصومين من آله – وقفوا أنفسهم على تنفيذ إرادة الله، مهما كانت النتائج، فأصبحوا (عدل القرآن)(2)، كما صح عنه (ص).

ومعنى أنهم عدل القرآن: أن القرآن هو الصيغة الفكرية للإنسان الأفضل، وهم الصيغة العملية للإنسان الأفضل. فهم القرآن، بيد: أن القرآن قرآن المخطط، وهم القرآن المنفذ. فكل ما ورد في القرآن على الصعيد الفكري ورد في حياتهم على الصعيد العملي، كما قال التاريخ عنهم جميعاً، وكما قالت عائشة – عندما وصفت الرسول –: (كان خلقه، القرآن)(3).

فلو قرأنا القرآن عرفنا صفة الرسول، ولو عرفنا صفة الرسول قرأنا القرآن. وعندما نجد القرآن يجعل الرسول (أسوة حسنة) للمسلمين، لا يتخطى ذاته، وإنما يركز القرآن اهتمام المسلمين على ذاته عن طريق صيغته العملية، التي تبرهن على أن البشر قادر على تجسيد القرآن.

فالمحاولة، ليست واردة من جانب القرآن بالنسبة إلى الرسول، وبالنسبة إلى أي واحد من المعصومين؛ وإنما هو تنفيذ مباشر. بينما المحاولة، واردة من جانبه بالنسبة إلى المسلمين بالنسبة إلى المسلمين، الذين ربما ينفذون القرآن وربما لا ينفذونه.

فالآية: تركيز للرسول، ومحاولة لتركيز من وراءه من المسلمين.

والآية: ركزت الرسول، وحاولت تركيز المسلمين. لأن (الإنسان المركز) ناجح، وقد أراد الله النجاح لرسوله وللمسلمين. فالإنسان المركز يلتزم خطاً حياتياً موجهاً، ويستجمع كل طاقاته، ويسيرها في اتجاه الهدف الذي اختاره لنفسه، ويظل يغذ السير نحوه بإصرار حتى يصل إليه. وكل من استجمع طاقاته، ووضعها في خدمة قضيته ينتصر.

فضعاف الحيوان، عندما تستجمع طاقاتها لخدمة قضية، تستسبع فتنتصر على الأقوى منها: فالدجاجة عندما تكون لها أفراخ، تتحاشى الهرة الصدام بها، رغم ولعها بأفراخ الدجاجة؛ لأنها تعلم أن الدجاجة تنزل – بكل طاقاتها – إلى المعركة للدفاع عن أفراخها.

فالإنسان المركز، له خط واضح يسير فيه بتصميم وإصرار، دون أن تهاجسه الأصوات التي ترتفع حوله، ويتغلب على العقبات التي تلح على تثبيطه، فيصل إلى هدفه، مهما كان بعيداً، ومهما كانت الصعاب التي تقاومه.

في الوقت الذي نجد غير المركز يستقبل هدفاً وينتهج خطاً، ولا يتقدم خطوات إلا وتدعوه الأصوات العالية حوله للتنازل عن خطه – وما أكثر الأصوات العالية في الحياة! –، فينحرف نحوها. أو تهد عزائمه المشاكل التي تغالبه، فيتراجع. ويغدو وهو لا يعرف خطه، ولا يحقق هدفه بعد العمر الطويل.

فغير المركز يتناوب جوفه تياران: تيار يدفعه من خارجه، وتيار يدفعه من داخله.

التيار الأول: تيار الإغراء والإرهاب. الإغراء الذي يسول له الانحراف. فإن كان أقوى من رغباته التي تنازعه الانقياد للإغراء، فالإرهاب الذي يبرر له الانحراف. فإن كان أقوى من ذاته حتى لا يبالي بذاته، خلص من المصائب – التي ينذر بها الإرهاب – أو انهار ضحية في الطريق. وهنا يأتي دور:

التيار الثاني: الذي يجرب قدرته على جرفه – وهو تيار رد الفعل. فتصدمه الحياة بفعل ـ. لا يقوى على احتماله، ليندفع ـ ... برد الفعل – إلى معاكسته، فينحرف عن خطه. كالصخرة التي لا تدفن نفسها في الأرض بثقلها، فيرمى بها إلى الأعلى، لتعود بقوة تدفنها في الأرض. وكالكرة التي لا تفارق الأرض، فتضرب بها الأرض، لتفارقها نحو الأعلى.

وغير المركز – في أغلب أفراده – ينحرف متأثراً بإغراء، وإلا فبالإرهاب. فإن كان أعلى من ذاته، فينحرف برد الفعل. لأن الفعل المعاكس يولد عنده وازعاً داخلياً يدفعه لرده، فيكون الانحراف.

أما المركز، فيبقى رافعاً رأسه، فوق تيار الإغراء والإرهاب وفوق تيار رد الفعل، مصمماً على مواصلة السير – بكل فتوة ونشاط – حتى تحقيق هدفه. فله خط ثابت واضح، لا يتعرج فيه ولا يلتفت عنه. وكان التعبير في الآية ((فاستقم))، لأن المركز مستقيم وغير المركز غير مستقيم.

وهذا... لا يعني أن المركز يسير على بساط الريح، ولا يصدمه تيار، وإنما يعني أنه يصمد، فيضربه التيار الأول: ويعانيه الإغراء، وتهيج به الرغبات حتى تمله الرؤى، ويبقى له قلب لا يرقص ولا يحن. وينتابه الإرهاب، فتعصف به الويلات التي قد تنتهي إلى تصفيته جسدياً، فيجري ضياء عينيه دموعاً ساخنة تحرق مشاتل الصبا في وجنتيه، ولكنه يصبر. ويضربه التيار الثاني: فيقاسي ما لا يقاسى، فتداس كرامته، وينال بما لا يحتمل. فيصمد إزاء ما لا يصمد إزاءه، كمن لا يجد مهرباً، وهو يجده ولكن يرفضه بمحض إرادته. فإن بقي أنجز ما أراد، وإن لم يبق عبَّد الطريق لمن يترسم خطاه.

وهذا الصمود المطلق، صعب يفني ويرهق حتى كواهل الأبطال، فقد روي عن الرسول الأعظم (ص) أنه قال: (شيبتني سورة هود)(4). وقد قال العلماء: (لأن فيها هذه الآية).

ولكن المركز يبقى – غالباً – حتى ينجز ما أراد، فتزول المخاوف التي طالما أرقته، ويعرض عن تضحياته بما يبدد الأحزان التي طالما غامت على عينيه:

((إن الذين قالوا: (ربنا الله)، ثم استقاموا؛ تتنزل عليهم الملائكة: (أن لا تخافوا، ولا تحزنوا، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولكم – فيها – ما تشتهي أنفسكم، ولكم – فيها – ما تدعون * نزلاً من غفور رحيم *))(5)، فتعود إليه الرؤى ولكن في إطار أروع، وترف على وجنتيه مشاتل الصبا ولكن في هالة أعظم.

الاختلاف


((ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين *))

[(سورة هود: الآية 118)].


1- رغم أن العناصر الكونية الأصيلة قليلة العدد، فلا تتجاوز المائة – في مجموعتنا الشمسية –، إلا أن المخلوقات منها كثيرة ترفض الإحصاء.

2- ورغم كثرة المخلوقات النوعية، نلاحظ الاختلافات البينة بين الأفراد من نوع واحد، بحيث يمكن اعتبار كل فرد منها ذا تركيبة مستقلة.

وإذا تأملنا أفراد الإنسان، وجدنا هذا الاختلاف واضحاً بينها في:

الملامح، وتفاعلات الخلايا، والمزاج، والفكر، والصفات، وما إلى ذلك... نتيجة لاختلاف نسب العناصر الأولية في تركيبها.

3- وكما يختلف الإنسان من فرد إلى فرد في تركيبته المادية، نجد مثل هذا الاختلاف في تركيبته النفسية والروحية؛ بناء على ما نعتقد من كون الأنفس والأرواح مركبة لا بسيطة، كما يقول بعض الفلاسفة.

4- وهذه الاختلافات الجسدية والنفسية والروحية، تنعكس على تعامل الأفراد مع الأشياء والأحداث. فما من فرد إلا وله موقع خاص، يحدد منطلقه في اتجاه شيء أو حدث يحاول التعامل معه.

5- وقد أراد الله اختلاف الأفراد في إطار النوع الواحد، كما أراد اختلاف الأنواع في إطار الوحدة الكونية الواحدة، تماماً... كما أراد اختلاف الوحدات الكونية في إطار المجموعة الكونية الواحدة، بذات النسبة التي أراد اختلاف المجموعات المجموعات الكونية الكبرى في سلسلة المخلوقات الدنيوية والأخروية على حد سواء.

ولهذه الظاهرة، أكثر من سبب... وأكثر من نتيجة... لعلنا نبحث عنها في مناسبة أخرى.

6- ولو شاء الله أن يمارس خلقاً معملياً – أو قالبياً – لاستطاع، بل أسهل بمقاييس الإنسان، وإن كان لا يوجد (أسهل، وأصعب) في مقياس القدرة المطلقة.

فكان من الممكن خلق الدنيا والآخرة سواء، وخلق سلسلة المخلوقات سواء، وخلق المجموعات الكونية سواء. كما كان بالإمكان خلق الأنواع نوعاً واحداً، وخلق الأفراد فرداً واحداً.

ولكنه أراد أن يخلق كل شيء متميزاً:

((قال: (ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه، ثم: هدى) *))(6).

(1) سورة فصلت: رقم 41 الآية 11.

(2) انظر مستدرك نهج البلاغة ص 177 ط دار الأندلس.

(3) الطبقات – ج 1 – ص 364، والمستدرك للحاكم – ج 2 – ص 392.

(4) مجمع البيان – للطبرسي، ج5 – ص212 – ط دار المعرفة – بيروت – لبنان.

(5) سورة فصلت = 41 الآيتان 30ـ 31.

(6) سورة طه: رقم 20 الآية 50.