الفهرس

التفسير وعلوم القرآن

الصفحة الرئيسية

 

(37)

۞ سورة الصافات ۞

مكية وهي مئة واثنتان وثمانون آية

المنتصر العملاق، عبر التجارب الضخمة


((وإن من شيعته لإبراهيم * إذ جاء – ربه – بقلب سليم * إذ قال – لأبيه، وقومه –: ماذا تعبدون؟! * أ إفكاً آلهة – دون الله – تريدون؟! * فما ظنكم برب العالمين؟! *

فنظر نظرة – في النجوم - فقال: إني سقيم. *

فتولوا – عنه – مدبرين. *

فراغ إلى آلهتهم، فقال: ألا تأكلون؟! * ما لكم لا تنطقون؟! * فراغ عليهم ضرباً باليمين. *

فأقبلوا – إليه – يزفون. *

قال: أ تعبدون ما تنحتون؛ * والله خلقكم وما تعملون؟! *

قالوا: ابنوا – له – بنياناً، فألقوه في الجحيم. *

فأرادوا – به – كيداً، فجعلناهم الأسفلين. *

وقال: إني ذاهب إلى ربي، سيهدين. *

رب! هب لي من الصالحين. *

فبشرناه بغلام حليم. *

فلما بلغ – معه السعي – قال: يا بني! إني أرى – في المنام – أني أذبحك، فانظر: ماذا ترى؟ قال: يا أبت! افعل ما تؤمر، ستجدني – إن شاء الله – من الصابرين. *

فلما أسلما، وتله للجبين، * وناديناه – أن –: يا إبراهيم! * قد صدقت الرؤيا، إنا – كذلك – نجزي المحسنين، * إن هذا... لهو البلاء المبين. *

وفديناه بذبح عظيم. *

وتركنا عليه في الآخرين. *

سلام على إبراهيم، * كذلك: نجزي المحسنين، *

إنه من عبادنا المؤمنين. *

وبشرناه بـ: (إسحاق) نبياً من الصالحين. *

وباركنا عليه، وعلى إسحاق.

ومن ذريتهما: محسن، وظالم – لنفسه – مبين)).

[(سورة الصافات: الآيات 83 – 113).


النبي إبراهيم (ع) أعد لرسالة عظيمة، جرت بعده في رسالات: موسى، وعيسى، ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين:

((يا أيها الذين آمنوا! اركعوا، واسجدوا، واعبدوا ربكم، وافعلوا الخير، لعلكم تفلحون. * وجاهدوا – في الله – حق جهاده. هو اجتباكم، وما جعل – عليكم – في الدين من حرج، ملة أبيكم: (إبراهيم)، هو سماكم: (المسلمين) من قبل، وفي هذا. ليكون الرسول شهيداً عليكم، وتكونوا شهداء على الناس. فأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، واعتصموا بالله. هو مولاكم، فنعم المولى، ونعم النصير))(1).

فعليه – إذن – أن ينضج... وينضج – ويسموا أكثر... فأكثر... فتعرض لثلاث تجارب قاسية:

1- تجربة التضحية بالمال: حيث ضحى بماله – كله – في سبيل سماع: (اسم الله)، يوم كان إبراهيم: (المؤمن الوحيد) على الأرض، فكان – وحده – يشكل: (أمة). وقال الله عنه – مؤرخاً تلك الفترة من حياته –:

((إن (إبراهيم) كان: أمة، قانتاً لله، حنيفاً، ولم يك من المشركين، * شاكراً لأنعمه، اجتباه، وهداه إلى صراط مستقيم. * وآتيناه – في الدنيا – حسنة، وإنه – في الآخرة – لمن الصالحين. * ثم: أوحينا – إليك – أن اتبع ملة: (إبراهيم) حنيفاً، وما كان من المشركين))(2).

2- وتجربة التضحية بالنفس: يوم أراد (نمرود) إعدامه حرقاً بالنار، فلم يركع أمامه، وصمد، حتى رماه المنجنيق في النار، ولكن رحمة الله، جعلت – له – النار برداً... وسلاماً.

3- وتجربة التضحية بالولد: ولعلها أقسى التجارب، ولكن الظروف لم تهيئ له التجربة، فأعد الله به التجربة، بأدنى إشارة وبأصعب أشكالها:

بأدنى إشارة: فلم ينزل عليه ملك بهذه التجربة، ولم يسمع وحياً، وإنما رأى – في المنام – أنه يذبح ولده إسماعيل. ورؤيا الأنبياء وحي، ولكنها أدنى الوحي.

وبأصعب أشكالها: بأن يذبح ابنه الشاب بيده. وما أصعب – على الوالد – ذبح ابنه الشاب بيده!

ونجح إبراهيم في هذه التجربة، ولم يبق بينه وبين موت الولد إلا فري السكين، فلم تغر السكين. وبهذا... أثبت إبراهيم، أنه إنسان ليس له أوج... وليس له مدى... فكان جديراً بحمل رسالة، ليس لها بعد قومي... أو زماني... أو مكاني...

هكذا... الإنسان المؤمن، يعرض للتجربة، حتى يبلغ أوجه... ويبلغ مداه... فإذا الأحداث لم تعبر به تجربة تكشف مداه، فلا بد من افتعال تجربة تضعه في حدوده.

(1) سورة الحج: الآيتان 77 – 78.

(2) سورة النحل: الآيات 120 – 123.