الفهرس

التفسير وعلوم القرآن

الصفحة الرئيسية

 

(33)

۞ سورة الأحزاب ۞

مدنية وهي ثلاث وسبعون آية

الأسوة الحسنة


((لقد كان لكم في (رسول الله) أسوة حسنة؛ لمن كان: يرجو الله، واليوم الآخر، وذكر الله كثيراً)).

[(سورة الأحزاب: الآية 21).


- 1 -


إن الله – تعالى – اختار نبيه الكريم لمؤهلات كثيرة اجتمعت فيه، ثم جعله أسوة للمسلمين، فقال:

((لقد كان لكم في رسول الله أسوة))، فاقتدوا به، وحاولوا التحليق إلى مستواه، وإن لم تصلوا إلى مستواه بالفعل، فهو القمة التي لا تطال. ولكن في محاولة التحليق إلى مستواه، تصعيد لمستوياتكم إلى أقصى ما تزخر به إمكاناتكم، واستنفاد لطاقاتكم في طريق الكمال.

وإن كنتم في ريب من بعض صفاته أو كلها، وتشكونا في أنه بجميع صفاته أسوة،، أو أن في مجموعة صفاته صفات غير حميدة لا تنبغي محاولتها؟؛ اطمئنوا إلى أن كل صفاته فاضلة تجدر محاولتها.

فهو أسوة ((حسنة)) تشد المتمثلين بها إلى السماء. وتقربهم إلى الله والدار الآخرة. وهو مثل أعلى، لا تهضمه عقول الضعفاء من أصحاب الأغراض الرخيصة والأهداف الدانية. فمن ينكب على دنياه المحدودة، ويستغني بمصالحه الموقوتة؛ لا يفهم شخصية بعيدة المدى كشخصية الرسول. وإنما الرسول خير أسوة لمن يتجاوز الذات، وكل حدود الذات، وكل رغبات الذات. وإنما هو أسوة لمن تطمح به الآمال إلى ما وراء الأفق المحدود بالزمان والمكان، فهو أسوة لمن له أمل بالله وأمل باليوم الآخر.

إن الرسول مثل أعلى، وعلى الناس – جميعاً – أن يتأسوا به. ولكن إذا وضعنا في تقديرنا لزوم التقارب بين الأسوة والمتأسي حتى يتم الانسجام بينهما، فالرسول أعلى من أن يكون أسوة لمن يرجو الذات واليوم الحاضر، وإنما هو أسوة ((لمن كان يرجو الله واليوم والآخر))، ولا يحرم أحد من توجيهه كأسوة، ولكنه أسوة مباشرة لأصحاب المطامح البعيدة، وهم أسوات لأصحاب الرغبات القريبة.

وتخصيص أصحاب المطامح البعيدة، لأمرين:

1- إعطاؤهم الأفضلية، وتقديرهم، وتشيعهم على الانطلاق نحو الرسول أسرع... فأسرع... فالرسول أسوتهم المباشرة، وهم المخصصون بالتأسي به.

2- إشعار أصحاب الرغبات القريبة بأنهم مؤمنون من الدرجة الثانية، وتأنيبهم بتخلفهم، عسى أن ينبض فيهم الحنين إلى الارتفاع.

ومن بلاغة هذه الآية، أنها استخدمت التشجيع لأصحاب المطامح البعيدة، والتأنيب لأصحاب الرغبات القريبة. فكأنها تقول للصنف الأول: الرسول أسوتكم، فالتحقوا به. وتقول للصنف الثاني: الرسول أسمى من أن يكون أسوة لكم. ذلك: أن الرعيل الأول من الناس، أصحاب مشاعر مرهفة، يحركها التشجيع ويدوخها التأنيب. بينما الرعيل الثاني من الناس، أصحاب مشاعر بليدة، يخدرها التشجيع ويحركها التأنيب.

ولنأخذ مثلاً منا – نحن المؤمنين – في الأجيال المعاصرة: نغفو على الكلمات المعسولة، إن ربتت على أكتافنا. ولكن الكلمات القاسية، إن انقضَّت علينا، فستحرك فينا عرق الثأر لكرامتنا الموهومة؛ أن يعلن أنها موهومة.

فلقد قال القرآن:

((لقد كان لكم في رسول الله أسوة)).

ولكن الذهنية العامة، تحاول تخليص نفسها من هذه (الأسوة) التي أصبحت وكأنها كابوس لا بد من التخلص منها بأي أسلوب.

فإذا قيل لمن يمثل الذهنية العامة: (الرسول أسوة لك، وقد فعل ما لم تفعل، ولم يفعل ما تفعل)، أجاب: (وأين أنا من الرسول؟! ذلك كان معصوماً من عند الله، وكان نبياً و (آدم) بين الماء والطين، وقد كان الله يرعاه وهو يتقلب بين الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة... وأنا أحد هؤلاء الناس، الذين هم أخصب مرعىً للشيطان، فهل تريدني أن أجاري الرسول؟).

وهكذا... أقام الجيل المؤمن المعاصر، بينه وبين الرسول الأسوة، جداراً رهيباً، لا يردمه التشجيع، ولكن قد يردمه التأنيب إذا قيل له: (إن الرسول أعلى من أن يكون أسوة مباشرة لك). فيندفع نحو الأعلى، ليثبت أن الرسول أسوة مباشرة له.


- 2 -


1- الثقلان: كتاب الله، ورسول الله (ص). وبعد رسول الله (ص)، عترته الذين هم امتداداته عبر الأجيال.

2- قد يقال: كتاب الله، مجموعة من إرادات الله. والرسول وعترته، مجموعة من خلق الله المفرز من إرادة الله. فالكتاب صادر من الله مباشرة، وأما الخلق فهو صادر من الله بواسطة الإرادة. فالكتاب أقرب إلى الله من خلق الله، الذي أهمه الرسول وعترته.

إذن: فالكتاب هو الثقل الأكبر.

3- هذا... في مجال التقييم الواقعي. وأما في مجال التفاعل الواقعي: فلا شك أن فعل الكتاب أكبر من فعل الرسول وعترته، لأن الرسول – ذاته – من جملة من يتأثر بالكتاب.

4- أما في مجال المجتمع: ففعل الرسول أكبر من فعل الكتاب، لأن الرسول من الناس، فتأثرهم به أعمق من تأثرهم بالكتاب، الذي ليس من نوعهم، وإنما هو من نوع جانبهم المعنوي فقط، وليس من نوع جانبهم المادي والمعنوي – معاً – كما هو شأن الرسول.

ولذلك: احدث الرسول تلك الضجة التي لا زالت تتفاعل بقوة هائلة، بينما لم يحدث مثلها الكتاب.

صحيح: أن الكتاب كان أهم وسائل الرسول في إحداث تلك الضجة، ولكن: الكتاب لا زال موجوداً، ولا يحدث الضجة التي أحدثها الرسول في فترة ثلاثة وعشرين عاماً.

ومن ثم نجد التعبير عن الرسول بـ: (آية الله العظمى). فالكتاب آية عظيمة من آيات الله. ولكن الرسول – في مجال المجتمع – آية عظمى، كما أن كل واحد من أوصياء النبي وعترته المعصومين آية عظمى من بعده.


- 3 -


- هنالك: خطان متوازيان يقسمان العاملين في الحقول المادية، ويحتاج كل خط إلى التخصص حتى يصل إلى درجة الاستيعاب.

وهما، العلم والعمل: فالميكانيك في الآليات المتحركة غير قائدها، والمدرب غير الملاكم، والعروضي غير الشاعر، والنحوي غير البليغ، والرياضي غير رجل الأعمال...

أما في مجال الدين: فيلتقي العلم بالعمل التقاءً عضوياً صلباً، كالتقاء الموجب والسالب في جميع ذرات الكون، بحيث لو انفصم أي منها عن الآخر؛ تحول إلى عنصر هدام: فـ (الشيطان) هو المثل الأعلى للعالم بلا عمل، و (بلعم بن باعورا) هو المثل الأعلى للعامل بلا علم...

فخط الدين يعتمد على هذين التوأمين معاً، فالأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) هم الذين ضموا العلم الواسع إلى العمل الصادق، وأعظمهم النبي محمد (ص)، لأنه أوسعهم علماً وأصدقهم عملاً.

وكل من حاول تجربة الدين، عليه أن يعرف – سلفاً –: خطه، ومثله الأعلى. فخطه: الإسلام، بعنصريه العلم والعمل. ومثله الأعلى: الرسول الأكرم (ص)، بصفته (العالم العامل) في أعلى درجات الإمكان.

- والقيمومة على الحياة، تكون للفكر لا للفرد. لأن الفكر يتبلور بالنقاش، فيظهر: خلوصه من المؤثرات، أو انسياقه معها. فيما الفرد، معرض – حتى داخله – للانجراف. ورغم ذلك: أعلن الله نبيه مقياساً، مع الاعتراف بجانبه البشري. لأن النبي (ص) – بعد أن وضع الله عليه الصيانة – أصبح معبراً أميناً عنه، كما أن القرآن أصبح معبراً أميناً عنه بعد وضع الصيانة عليه:

((إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون))(1).

فالقرآن – وحده – نال الصيانة، فكان المقياس دون بقية الكتب. والنبي وأوصياؤه المعصومون (عليهم السلام) – وحدهم – نالوا الصيانة، فكانوا المقياس دون بقية الناس الذي حرموا من هذه الصيانة، حتى ولو كانوا من صحابته أو من تابعيهم بإحسان.

من أرشيف أهل البيت (عليهم السلام)


((إنما يريد الله: ليذهب عنكم الرجس – أهل البيت –، ويطهركم تطهيراً)).

[(سورة الأحزاب: الآية 33)].


- 1 -


- هل كان في ((أهل البيت)) (عليهم السلام) رجس حتى أراد الله تطهيرهم؟

وأي رجس كان فيهم وقد خلقهم الله من نوره؟

وقد استجاب الله دعاء (إبراهيم) في أسرته جمعاء:

((... واجنبني – وبنيَّ – أن نعبد الأصنام))(2).

((ربنا! واجعلنا مسلمين لك، ومن ذريتنا أمة مسلمة لك، وأرنا مناسكنا، وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم))(3).

فأبعد الله عنهم: شرك الآباء، وعهر الأمهات – كما في بعض الحديث – حتى ورد في زيارة (الوارث) للإمام الحسين (ع): (... لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها، ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها)(4). وهذا النص، يعني أن الجاهلية لم تنجسه في آبائه. وأما في نفسه هو، فنقرأ في زيارته بمناسبة (يوم عرفة): (غذتك يد الرحمة ورضعت من ثدي الإيمان، وربيت في حجر الإسلام)(5).

وقد ذهب جمع كبير من العلماء إلى أن آباء النبي حتى (آدم)، كانوا مؤمنين، كل بالديانة الحق في زمانه، وأوَّلوا بذلك قوله تعالى:

((الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين))(6). واستدلوا لذلك بأدلة عقلية.

وإذا كان ((أهل البيت)) (عليهم السلام) مخلوقين من نور الله، ولم يتلوثوا بشرك الآباء ولا بعهر الأمهات، فأي رجس كان فيهم حتى أراد الله تطهيرهم منه؟

- يضاف إلى هذا السؤال، سؤال آخر:

ورد في قصة ميلاد كل واحد من ((أهل البيت)) (عليهم السلام): (... فولد طاهراً مطهراً)(7). وورد عن النبي (ص) وعن الزهراء، في وصيتهما إلى الإمام علي (ع): (وغسلني في ثيابي، ولا تكشف عني، فأنا طاهر مطهر»8مع أن الطاهر لا يطهر، وإنما يطهر الملوث؛ فلا يصح الجمع بين الطاهر والمطهر.

وقد وردت – في نصوص أخرى – كلمة (الطهر)، كما في زيارة الإمام الحسين (ع) بمناسبة أول رجب والنصف من شعبان: (أشهد أنك: طهر طاهر مطهر، من طهر طاهر مطهر. طهرت، وطهرت بك البلاد، وطهرت أرض أنت فيها، وطهر حرمك)(9).

و (الطهر) هو الطاهر بنفسه المطهر لغيره، كالماء المطلق. و (الطاهر) هو الطاهر مع الغض عن كونه مطهراً لغيره، سواء أ كان مطهراً لغيره كالماء المطلق أو لم يكن مطهراً لغيره كالماء المضاف، فبين (الطهر) و (الطاهر) عموم وخصوص مطلق: فكل طهر طاهر، ولا عكس. و (المطهر) هو الذي كان متلوثاً فطهره طهر، كجسم الإنسان – إذا تلوث بإحدى النجاسات – يطهر منها بالماء. وأما النجاسات: فلا تطهر، لأنها لا تطهر بالمطهرات ما دامت بصيغتها النجسة، وإنما تطهر بـ (الاستحالة) التي تعني تبدل تركيبتها الأساسية، وبـ (الاستهلاك) في طهر كالماء المطلق.

فكيف جمعت فيهم هذه الصفات، وهي لم تجتمع في شيء؟

ويمكن الجواب عن السؤالين:

1- لـ ((أهل البيت)) (عليهم السلام) جانبان: جانب الروح السماوي، وجانب الجسد النابت في وعاء أرضي.

فأرواحهم: خلقت من نور الله، فهي (طاهرة) لم تتلوث بأوضار الدنيا والبشر، لأنهم (معصومون)، عصمهم الله من الانزلاق في ما يهلك أو يشين. وهي (طهر)، لأن أرواحهم لم تكن متقوقعة تقنع بطهارتها فقط، وإنما كانت فاعلة طهَّرت – بالفعل – المليارات من البشر، من: الشرك، والظلم، والجهل، والآثام... فأرواحهم (طاهرة، طهر).

وأما أجسادهم: فقد نبتت في وعاء الأرض، وتولدت من آباء وأمهات لم تنجسهم الجاهلية بالشرك والعهر إلا أن الآباء كلهم وكذلك الأمهات، لم يكونوا (معصومين)، وغير المعصوم قد يسهو ويغفل، ويخطئ ويجهل، فتترك آثارها السلبية على السلالة. فأجسادهم حملت – بالوراثة – عينات الأرض وجينات الآباء، فاحتاجت إلى التطهير، فطهرها الله.

ويمكن الاستئناس لهذا الموضوع – وإن كان مع الفارق –، بقول الله – تعالى – عن أهل الجنة:

((ونزعنا ما في صدورهم من غل...))(10).

وهذا... يعني أن صفوة الخلق: (أهل الجنة) – بعد تكامل تصفيتهم في ثلاث تجارب، هي تجارب: عالم الدنيا، وعالم البرزخ، وعالم القيامة – يبقى في صدورهم (غل) ينزعه الله منها، ليصبحوا في مستوى الجنة. فإذهاب (شوائب الأرض) عن ((أهل البيت)) (عليهم السلام) في هذه الدنيا، يدل على أن استعدادهم لتقبل (التطهير) كان في مستوى الجنة وهم لا يزالون في قيود الدنيا. وهذا... يعني تصنيفهم في مصف لا يبلغه غيرهم، لأن غيرهم قد يبلغه في الجنة، ولا يبلغه: لا في عالم القيامة، ولا في عالم البرزخ، فكيف به في عالم الدنيا؟!

ولعل خير ما يصور تطهيرهم، حديث (العباس بن عبد المطلب)(11)، وهذا... يعني التطهير من شوائب الأرض.

2- بما أن تركيبة ((أهل البيت)) (عليهم السلام) كانت تركيبة بشرية:

((قل: إنما أنا بشر مثلكم، يوحى إليَّ...))(12)، ومن الطبيعي أن يحفل بالبشر مقتضيات الأرض وشوائبها.

فتسديد أشخاص حتى لا يتورطوا أو لا يتلوثوا، بمثابة تطهيرهم. كما في بعض الحديث عن تسديد النبي (ص): (إن الله وكل به ملكاً من أعظم ملائكته، يرشده ويسدده)(13). وهذا... يعني التطهير بالتسديد.

3- إن الله حيث زود ((أهل البيت)) (عليهم السلام) بأقصى ما يتحمل البشر من العقل والعلم والحكمة، كانوا يتتبعون نتائج الأشياء، ولا يقتحمون بدون بصيرة واعية، فكانت لهم (عصمة) تقيهم من الانسياق والانزلاق. وهذا... يعني أنهم متورطون لولا (العصمة) – حسب تعبير القرآن في قصة يوسف النبي:

((ولقد همت به، وهم بها؛ لولا أن رأى برهان ربه))(14). فما همَّ، لأنه رأى برهان ربه. ولولا تلك الرؤية لهمَّ بها، كبقية البشر في مثل ذلك الموقف –.

فحيث زودهم الله – تعالى – بتلك المناعة الداخلية: (العصمة)، اعتبر تزويدهم بـ (العصمة) تطهيراً لهم من شوائب الأرض، وذلك كما يقول الطبيب: (أنا طهرت هذا البلد من الكوليرا)؛ إذا طعم أهله ضدها. وهذا... يعني التطهير بالعصمة.


- 2 -


1- في الآية، ثلاث أدوات تأكيد:

أ. ((إنما)).

ب. اللام في ((ليذهب)).

ج. ((تطهيراً)).

مضافاً إلى: ((أهل البيت)) الذي ورد لرفع الإبهام عن الضمير في ((عنكم))، وفي الإيضاح نوع من التأكيد.

2- ثم: كلمة ((يريد) تفيد أن الأمر غير متحقق، وإن كانت إرادة الله تساوي تحقيقه.

وكلمة: ((ليذهب)) تفيد أن المذهب به موجود.

وكلمتا: ((يطهركم تطهيرا)) تفيدان أن الطهارة غير متحققة.

مضافاً إلى: أن استخدام الكلمات بصيغة المستقبل، يفيد أن الأمر غير واقع.

3- ((أهل البيت)) (عليهم السلام) خلقوا من نور الله، ولم تنجسهم الجاهلية بأنجاسها، ولم تلبسهم المدلهمات من ثيابها. وقد عصمهم الله من شرك الآباء وعهر الأمهات، فلم يتلوثوا – في تسلسل الخلقة – لا روحاً ولا نسباً.

4- ((أهل البيت)) (عليهم السلام) ممن ثبتهم الله على الحق فكراً وجسداً، فعصمهم الله من الزلل وآمنهم من الفتن، فلم يتلوثوا بانحراف عقيدي أو عملي.

5- هنا يأتي السؤال: أي (رجس) هذا الذي أراد الله أن يذهبه عنهم؟ وأي (تطهير) هذا الذي أكده بالمفعول المطلق: ((تطهيرا))؟

والجواب:

إن ((أهل البيت)) (عليهم السلام)، خلقوا – جسدياً – في وعاء من الأرض، وإن كانت نطفهم من بعض فواكه الجنة – كما في الأحاديث(15) – إلا أن آباءهم كانوا من الأرض، ثم استمرارهم كان من الأرض عبر طعامها وشرابها، فاختلطوا بالأرض – ولو بقاء –، فحملت إليهم الأرض لبعض مقتضياتها، كما حملت إليهم كل إيجابياتها. وفي مقتضيات الأرض ما هو رجس. فأراد الله تطهيرهم منه، وقد فعل.

واستخدم كلمة ((يريد))، وصيغ المستقبل، لأمرين:

1- ((أهل البيت)) (عليهم السلام)، لم يكونوا – جميعاً – حين نزول هذه الآية، حتى تقول: (طهر الله أهل البيت تطهيراً)، وإنما استمرارهم – عبر الأئمة الاثني عشر – استدعى استمرار عملية التطهير.

2- استمرار اختلاط ((أهل البيت)) (عليهم السلام) بالأرض عبر الأمهات وعبر التغذية، أدَّى إلى استمرار عملية التطهير.

6- وأما كيفية تطهير ((أهل البيت)) (عليهم السلام) من سلبيات الأرض، التي تظهر في الصفات السلبية؟

فلا نعرفها، لأنها من التفاعلات المعقدة التي لها جانب مادي وجانب معنوي. ومثل هذه الأمور لا تعرف في المختبرات التي تعنى بالتفاعلات المادية، وإنما تعرف عن مصادر الوحي. ولم يصل إلينا شيء منها.

ولعلها كانت بالطريقة التي تم بها إخراج العلقة من قلب الرسول الأعظم (ص)، وفصد الإمام الحسن العسكري (ع)، وما شابههما.


- 3 -


((أهل البيت)) في هذه الآية، هم: رسول الله، وعلي، والزهراء، والحسنان – عليهم الصلاة والسلام –، وليسوا زوجات الرسول، لما يلي:

1- الآيات التي وجهت إلى زوجات الرسول (ص)، استخدمت (ضمير الجمع المؤنَّث):

((يا نساء النبي(16) ... يا نساء النبي(17))، وهذه الآية استخدمت (ضمير الجمع المذكر): ((عنكم... يطهركم)).

2- الآيات الموجهة إلى زوجات الرسول، لم تعبر عنهن بـ ((أهل البيت))، وإنما عبرت عنهنَ بـ ((نساء النبي)).

3- الآيات الموجهة إلى زوجات الرسول (ص)، تعتبرهنَّ معرضات للخطأ، وحتى للخطيئة الكبرى التي هي: ((فاحشة مبينة))(18)، و((تبرج الجاهلية الأولى)) (19). ثم تنهاهنَّ عن: الخطأ، والخطيئة. وكونهن معرضات للخطأ والخطيئة، ينافي التطهير المطلق، الذي هو (العصمة).

4- بعض الآيات الموجهة إلى زوجات الرسول (ص)، يتضمن تهديداً صريحاً بطردهنَّ من الرباط المقدس مع الرسول (ص): ((عسى ربه إن طلقكنَّ...))(20). والتهديد بالطرد من الرباط المقدس مع الرسول (ص)، ليس وارداً إلا بالنسبة إلى المعرضات للانزلاق إلى المحرمات، التي تنافي مكانة قرينات صاحب الشريعة. ويكون التهديد غير وارد بالنسبة إليهن، لو أن الله طهرهن تطهيراً مطلقاً.

5- في بعض الآيات الموجهة إلى زوجات الرسول (ص)، تصريح بأن في المسلمات خيراً منهن:

((عسى ربه – إن طلقكنَّ – أن يبدله أزواجاً خيراً منكن...))(21). وكيف يوجد في المسلمات خير منهن، لو أن الله طهرهن تطهيراً مطلقاً؟! وهل هنالك خير فوق (العصمة)؟! وإنما يضعهن هذا النص دون مستوى كثير من المسلمات، مع الأخذ بعين الاعتبار أن سائر المسلمات لم يكنَّ معصومات.

6- في الآيات الموجهة إلى زوجات الرسول (ص): أمر بأشياء من جملتها طاعة الله والرسول (ص):

((... وأطعن الله ورسوله))(22)، ولا يصح الأمر بشيء ملتزم به من قبل المأمور به. ونهي عن أشياء من جملتها الخضوع بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض:

((إن اتقيتن، فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض))(23)، ولا يصح النهي عن شيء ملتزم بتركه من قبل المنهي عنه. وهذا... مما ينافي (العصمة).

7- آية (الإفك) تدل على أن القصة كانت خيالية فقط. ولو أن زوجات الرسول كنَّ معصومات بآية (الطهارة)؛ لوردت آية الإفك صاعقة على المؤفكين، ومذكرة بعصمتهن:

مثلاً: بلهجة نفي الأغلال عن الرسول:

((وما كان لنبي أن يغل))(24).

أو مثلاً: بلهجة نفي الخطيئة عن يوسف النبي:

((... كذلك: لنصرف عنه السوء والفحشاء، إنه من عبادنا المخلصين))(25).

أو بلهجة نفي التهمة عن مريم العذراء:

((ومريم ابنة عمران: التي أحصنت فرجها، فنفخنا فيه من روحنا...))(26)...

فالاكتفاء بالنفي المجرد، عن طريق استخدام كلمة (الإفك) فقط؛ لا يزيد على النفي المجرد:

((إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم. لا تحسبوه شراً لكم، بل هو خير لكم...))(27).

ولو كنَّ معصومات، لكان الإفك يعني التطاول على مقام العصمة، فكان شراً يرد عليه بغير هذه اللهجة.

8- إن الدخول مع الرسول في الرباط المقدس، شيء طرأ على زوجات الرسول (ص)، ولم يولد معهنَّ. فلا يمكن أن يؤدي إلى العصمة، التي هي صفة تولد مع المعصوم.

9- إن العصمة مقام رفيع، تستقي جذورها من مؤهلات قبل هذه الحياة. فلا يمكن أن تتوفر لنساء من سائر الناس، بمجرد اقترانهن برسول الله. وكم في نساء الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)، منحرفات عنهم وعن رسالاتهم، رغم كونهم معصومين. فلو كان مجرد الاقتران بمعصوم يؤدي إلى العصمة، لكان جميع نساء الأنبياء والأوصياء معصومات.

10- بالإضافة إلى: تفسير النبي (ص) ((أهل البيت)) (عليهم السلام) بـ (أنا، وعلي، وفاطمة، والحسنين))، وحتى تصريحه بأن أم المؤمنين الفضلى (أم سلمة) – التي نزلت هذه الآية في بيتها – خارجة عنهم أيضاً.


- 4 -


من هم المعنيون بـ ((أهل البيت))؟

قال قوم: إنهم زوجات النبي (ص).

وقال آخرون: إنهم: علي، والزهراء، والحسنان (عليهم السلام).

وقد استدل القائلون بالقول الأول، بأن (أهل البيت) يطلق على عائلة الرجل، فأهل بيت النبي (ص) زوجاته.

ويرد على هذا القول:

1- أن (أهل بيت الرجل) لا يطلق على زوجاته فحسب، وإنما يطلق على عائلته بما فيها أولاده.

ولم يقل أحد – من أصحاب القول الأول – بعصمة جميع أبناء النبي وبناته، وإذا قال أحد بعصمتهم جميعاً، ففيهم الزهراء، ومواقفها تغير الكثير مما عليه أصحاب القول الأول.

2- ولو كان المراد من ((أهل البيت)) زوجات النبي (ص)، لم يصح التعبير القرآني – لغوياً – لأن (ضمير الجمع المذكر) لا يطلق إلا على جماعة ذكور، أو على جماعة فيها ذكور وإناث – من باب تغليب جانب الذكور على جانب الإناث –؛ وزوجات النبي (ص) كلهن إناث، فلا يصح خطابهن بـ (ضمير الجمع المذكر) مرتين. مع العلم: بأن الآيات السابقة واللاحقة، وجهت إليهن (ضمير الجمع المؤنث) فيما كان الخطاب مكرساً إليهنَّ. فتغيير الضمير يدل على تغير وجهة الخطاب؛ عن زوجات الرسول (ص) إلى أقربائه الأدنين.

3- إذا كان المراد من ((أهل البيت)) زوجات الرسول (ص)، يصح النقاش بأن الآية: لا تشملهن قبل تزوجه بهنَّ، إذ لم يكن – بعد – من أهل بيته. ولا تشملهن بعد تزوجه بهن، لأن أمرهن مراعى بالطلاق. خاصة: وأن الرسول طلق بعض زوجاته، ولم يقل أحد بأنهن مشمولات بالآية. وقد هددهن القرآن بالطلاق:

((عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن...))(28)؛ والمهددات – قرآنياً – بالطلاق، كيف يكنَّ معنيات بآية التطهير، مع التأكيدات الواردة فيها: ((إنما))، واللام في (ليذهب))، و ((تطهيراً))؟!

4- لو كانت الآية تعني زوجاته، كن معصومات. والمعصومات خير النساء، فلا يوجد – في النساء – خير منهن. فكيف تنسجم هذه الآية مع الآية التي تؤكد وجود خير منهن:

((عسى ربه إن طلقكن، أن يبدله أزواجاً خيراً منكن...))(29)؟!

5- إن الصفات التي ذكرتها الآية الأخيرة لمن هنَّ خير من زوجات النبي (ص)، دون مرتبة العصمة – بكثير –:

((... مسلمات، مؤمنات، قانتات، تائبات، عابدات، سائحات...))(30).

وهذه... تعني أن النساء اللواتي يتحلين بهذه الصفات، خير من نساء النبي – اللواتي كن في حبالته حين نزول هذه الآية –.

وهذا... يعني أنهن لم يكنَّ في هذا المستوى، فكيف كنَّ معصومات؟!

6- هنالك آية ثالثة، تدين بعض زوجات النبي (ص) بنوع من العمل التآمري ضده، حيث تقول:

((إن تتوبا إلى الله، فقد صغت قلوبكما. وإن تظاهرا عليه، فإن الله – هو – مولاه، وحبريل، وصالح المؤمنين، والملائكة – بعد ذلك – ظهير))(31).

وهذه... تنافي العصمة بشكل واضح.

قيادة الله، وقيادة الرسول


((وما كان لمؤمن ولا مؤمنة – إذا قضى الله ورسوله أمراً – أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. ومن يعص الله ورسوله، فقد ضلَّ ضلالاً مبيناً)).

[(سورة الأحزاب: الآية 36).


- 1 -


في العديد من آيات القرآن، اهتمام أكيد بأمر (القيادة)، باعتبارها العنصر الوحيد الذي:

1- يزيد فاعلية الأمة، وقدرتها على الدقة والسرعة.

2- ويشد الأمة ببعضها، فيجعل كيانها متماسكاً، تتحطم عليه أسلحة التفتيت والتهديم.

والقيادة من الأمور الطرفينية التي تمارس – بنسبة واحدة – بين جانبين: فمن المستحيل أن تتحقق القيادة إذا لم تتوفر مواصفات القائد فيمن تصدى لها، مهما كان القطاع مطواعاً. كما أن من المستحيل أن تتحقق القيادة إذا لم تتوفر شرائط المقود في القطاع العام، مهما كان القائد قادراً.

لذلك: اهتمَّ القرآن – في العديد من آياته – بتركيز مفهوم القيادة، وإعطاء كل جانب حقوقه وواجباته.

وهذه الآية، من الآيات التي تعنى بجانب القطاع العام، وتبين أهمَّ ما عليه من واجبات، وهو أن يكون مطواعاً للقائد.

فكل إنسان – كعضو في القطاع العامل – له تقييم لكل أمر يعرض عليه، وله رأي يحدد – على ضوئه – موقفه، بإرادته التي تمليها المصلحة العليا في رأيه، سواء أ كانت تلك المصلحة العليا: مصلحته المادية، أو مصلحته المبدئية.

وهنا... يدخل القرآن ليعطي الإيضاح التالي:

كلما وجد الإنسان خيارين أو أكثر، فهو مخير: يقبل أي خيار شاء، ويرفض أي خيار لم يشأ، ولكن إذا قبل القائد خياراً معيناً ورفض غيره، فعلى كل فرد – من القطاع العام – أن يعرف أنه أمام خيار واحد لا ثاني له، هو ما اختاره القائد.

فمن حق كل فرد أن يمارس إرادته، في ما لم يتدخل فيه القائد. وأما في ما تدخل فيه القائد، فتدخله يعني أنه مارس خياره وخيار القطاع العام معاً.

فالانقياد للقائد يعني: التجرد من الإرادة الفردية والاندماج في الإرادة الجماعية، وكأنما خلع إرادته على القائد يوم انضوى تحت قيادته.

((وما كان لمؤمن ولا مؤمنة – إذا قضى الله)) الذي هو القائد الأعلى – أولاً وبالذات – بمقتضى نواميس الكون، ((ورسوله)) وهو القائد البشري الأعلى – ثانياً وبالعرض – بتخويل من الله؛ ((أمراً – أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)) فإذا لم يقض الله ورسوله (ص)، فلهم الخيرة وفق المصلحة التي يسعون إليها. أما إذا قضى الله ورسوله، انتهى الخيار.

وفي هذه الآية دلالات:

1- وحدة القضاء من الله والرسول (ص). فقضاء الرسول (ص) هو قضاء الله، لأن الرسول (ص) يعبر عن الله بدقة هائلة، فلا يمكن الاتجاه إلى الله إلا عن طريق الرسول (ص)، ولا معنى لطاعة الله بدون طاعة الرسول (ص)، فمن يرفض الانقياد للرسول فهو يرفض الانقياد لله.

2- وحدة القيادة – في المجال البشري – فقيادة الرسول (ص) عبارة عن قيادة الله، وكما أن قيادة الله شاملة لا حدود لها ولا استثناء فيها؛ كذلك: قيادة الرسول (ص) شاملة؛ وإن خصصت الآية الأمر بالمؤمن والمؤمنة. فلا تعني حصر الأمر بالمؤمن والمؤمنة، وإنما تعني أن المؤمن والمؤمنة هما اللذان يصح توجيه هذا الخطاب إليهما. لأن الكافر والكافرة لا يعترفان بالله، فيكون المستفيد من توجيه مثل هذا الخطاب القيادي هم المؤمنون.

3- الشمول الزمني لقيادة الرسول (ص) – كما هو لقيادة الله – فكل الأجيال المؤمنة مأمورة بالانقياد للرسول إلى يوم القيامة، مهما ارتفعت مستوياتهم العلمية والنفسية.

فكيف يمكن أن يأمر الله البشرية جمعاء – منذ بعثة الرسول إلى انتهاء الدنيا – بالانقياد المطلق لرجل عاش حياة (الجزيرة العربية) قبل قرون – مهما كان مستواه –، ويجعله الطريق الوحيد إلى السيادة في الدنيا والسعادة في الآخرة؛ وهو يخلق – كل يوم – عشرات العباقرة والمتفوقين؟!

والسبب: أن الله – تعالى – لا يختار رسله لمجرد تفوقهم في: الصفاء، والطاعة، والإخلاص، والطهارة...؛ فهم لا يقفون على قلوبهم أمام الله، وإنما يختار الله لرسالاته أكفأ المتفوقين في جميع المؤهلات: العقلية، والقلبية، والعضلية...

فعملية الاختيار للرسالة، عملية اختيار دقيقة – من عمليات الله التي لا يرد فيها احتمال لظل خطأ –. فالأعمال الشرعية، كالأعمال الكونية، دقيقة بشكل غير متناه. فهي من باب اختيار الموظف الصالح للمنصب الصالح، لأن النبوة منصب والنبي موظف. فإذا اختار الله نبياً لجيل كان أكفأ من كل أبناء جيله، وإذا اختار الله نبياً لأجيال كان أكفأ من جميع أبناء تلك الأجيال.

وكما لا يمكن أن يأمر الله الأرض – أمراً تكوينياً – بالانسياق في جاذبية حجرة، لأن مؤهلات الجاذبية أكثر من مؤهلات حجرة.

وكما لا يمكن أن يأمر الله الشمس – أمراً تكوينياً – بأن تستمد شعاعها من شمعة، لأن مؤهلات الشمس الإشراقية أكثر من مؤهلات شمعة.

هكذا... لا يمكن أن يأمر الله أي فاضل – أمراً تشريعياً – بالانقياد لمفضول.

وهكذا... لا يمكن أن يأمر الله أي أكفأ – أمراً تشريعياً – باتباع رسول غير أكفأ.

فإذا أمر الله الناس – منذ بعثة الرسول (ص) إلى انتهاء الدنيا – باتباع الرسول الأكرم (ص)، كان ذلك الأمر – وحده – دليلاً قاطعاً على أن الرسول (ص) – بمقتضى المقاييس الدقيقة – أكفأ من جميع الناس إلى يوم القيامة.

فكما أننا عندما نجد أن الله جعل الشمس – بأمر تكويني – منساقة في جاذبية (وكا)، نكتشف أن طاقة (وكا) أكثر من طاقة الشمس؛ كذلك: عندما نجد أن الله جعل الناس – بأمر تشريعي – منقادين للرسول (ص)، نكتشف أن مؤهلات الرسول (ص) أكثر من مؤهلات أي فرد من الناس. حتى لو أن الله لم يجعل (محمداً بن عبد الله ص) خاتم النبيين، لكان أقوى العباقرة مؤهلات.

وقد أكَّد الرسول أن عملية الرسالة إنما هي عملية اختيار، في حديث أدلى به للإمام علي (ع) قائلاً: (إن الله اطلع على الأرض اطلاعة فاختارني منها...) (32).


- 2 -


1- إن الله – تعالى – إذا قضى يكون قضاؤه عن علم وحكمة لا يمكن أن يستوعبهما بشر، فيكون قضاؤه خيراً من قضاء البشر، فلا خير للبشر فوقه أو عدله حتى يختار.

والرسول الأعظم (ص) إذا قضى يكون قضاؤه معبراً عن قضاء الله، لأن كلامه وحي، فلا يبقى إزاءه مجال لاختيار البشر.

2- وكما لا يبقى الخيار للبشر بعد قضاء الله ورسوله، لا يبقى الخيار للبشر بعد قضاء أي واحد من مصادر الوحي، سواء أ كان من الأنبياء أو من الأوصياء (عليهم السلام). لأنهم – جميعاً – يعبرون عن الله، ولا يصح الاجتهاد في مقابل النص.

3- وكما لا يبقى الخيار للبشر في طول الأنبياء والأوصياء، أي بعد قضائهم؛ لا يبقى الخيار للبشر في عرض الأنبياء والأوصياء، أي مع وجودهم؛ وإن لم يصدر الحكم منهم. لأنهم إذا تواجدوا يختص بهم حق القضاء، ولا ينتقل إلى غيرهم إلا في غيابهم، إذ لا يصح الاجتهاد المنعزل عن المعصوم إلا حين انغلاق باب العلم.

وأما إذا كان باب العلم مفتوحاً بحضور أحد مصادر الوحي؛ فلا بد من تتبعه، ولا معنى للجوء إلى الاجتهاد المنعزل. إذ لا يعني الاجتهاد أكثر من السعي لاستنباط الحكم عبر الأدلة المتواجدة – وفق القواعد المقررة للاجتهاد –، ولا دليل أقوى من مصادر الوحي، ولا معنى للسعي بحثاً عن الموجود.

ذلك: أن الاجتهاد المنعزل حيلة العاجز التي لا يلجأ إليها من لم يكتمل عجزه، وهو الرؤية المغبوشة التي يستغني عنها من يستطيع الرؤية الواضحة؛ بالرجوع إلى مصادر الوحي.

فكل الاجتهادات المنعزلة الصادرة في حضور النبي (ص) أو الأئمة (ع) لا اعتبار بها، لسببين:

1- لأنها إما: صادرة ضد حكمهم، أو في حضورهم. وهي – في الحالتين – فاسدة.

2- لأن قواعد الاجتهاد لم تكن واضحة المعالم في عهودهم – لعدم الحاجة إليها –، وإنما اتضحت بعدهم حينما احتاج الناس إليها، فالاجتهاد المنعزل في عهودهم لم يكن وفق قواعده. وأي اجتهاد لا يكون وفق قواعده، لا يتخلص من المؤثرات الشخصية، التي لا يصح الاعتماد عليها في أمور الدين، التي لا بد من الاطمئنان إلى سلامتها، والاحتياط فيها.


- 3 -


يمكن تقييم الشعب بأحد اعتبارين:

الأول: كونه مجموعة مترابطة من خلق الله، فهو مورد لحقوق وواجبات. وهذا الاعتبار، موضوعي وصحيح.

الثاني: كونه مصدراً للسلطة التشريعية المطلقة، بحيث لو أراد الشعب – ولو بكله – وأراد الله خلافه؛ يؤخذ برأي الشعب دون إرادة الله. وهذا... غير موضوعي وغير صحيح. لأن جميع الشعوب وجدت بإرادة الله، فكيف يكن أن تكون لها سلطة تشريعية فوق إرادة الله؟!

وهنا... لا بد من أن نفرق: بين كيان الشعب أمام الله، فهو كيان فرعي. وبين كيان الشعب أمام حكام عاديين، فهم فرعيون.

والمنطق الذي به ندعو الحكام إلى طاعة الشعب، هو الذي يدعو الشعب إلى طاعة الله.

إلغاء التبني


((وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه: (أمسك عليك زوجك، واتق الله)؛ وتخفي – في نفسك – ما الله مبديه، وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه. فلما قضى (زيد) منها وطراً زوجناكها، لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً. وكان أمر الله مفعولاً * ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له. سنة الله في الذين خلوا من قبل، وكان أمر الله قدراً مقدوراً)).

[(سورة الأحزاب: الآيتان 37 – 38).


كانت في الجاهلية مفاهيم نابعة من التكون العفوي للمجتمع، فلما جاء الإسلام كان من الطبيعي أن يشن عليها حملة التصحيح. ومن تلك المفاهيم التي صفاها الإسلام:

1- أن الرجل الزكي الذكي، له قلبان في جوفه، بدليل أنه يعي أكثر من غيره.

2- الظهار: أن الرجل إذا نفر من زوجته يقول لها: (ظهرك عليَّ كظهر أمي)، فتحرم عليه إلى الأبد، لأنها تكون – بذلك – أمه.

3- التبني. وقصة ذلك: أن الجاهليين ما كانوا يعتبرون البنت تراثاً ولا نسلاً، وإنما يعتبرون الولد – وحده – تراثاً ونسلاً. فإذا لم يرزق أحدهم ولداً، تبنَّى ولداً من أي سلالة ومن أي بلد كان، فأصبح ابنه بالفعل: يرثه، ولا يتزوج من أخواته من أبيه.

وهكذا... كانت الأسرة غير جامعة ولا مانعة: فالبنت – التي من صميم الأسرة – تعتبر خارجة منها، والدعي – الذي هو من خارج الأسرة – من صميمها.

وكان لا بد للإسلام من أن يصفي هذه المفاهيم؛ فيما يصفي من مفاهيم خاطئة.

ولهذه الحكمة، تبنَّى الرسول (ص) (زيد بن حارثة) رغم أن الرسول (ص) – يوم ذاك – كان يتمتع بالولد(33). وكان زيد بن حارثة عبداً للنبي (ص)، فأعتقه وتبناه. فلما شبَّ أراد أن يخطب له، فخطب له (زينب ابنة جحش): حفيدة عبد المطلب، وابنة عمة النبي (ص). فلما خطبها النبي (ص) لزيد، تصورت زينب – وتصور معها أخوها (عبد الله بن جحش) ابن عمة النبي (ص) – أن النبي يخطب زينباً لنفسه، فوافقا. فلما علما أن النبي (ص) يخطبها لزيد، رفضا.

فنزلت هذه الآية الكريمة:

((وما كان لمؤمن ولا مؤمنة – إذا قضى الله ورسوله أمراً – أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. ومن يعص الله ورسوله، فقد ضل ضلالاً مبيناً))(34).

فوافقا وتزوجها زيد. غير أن ذلك الزواج لم يكن – من ابتدائه – ناجحاً في المستوى العائلي، ولكن النبي (ص) أصر عليه، وأصر القرآن عليه، لأمرين:

1- إلغاء التقسيم الطبقي، الذي يوزع المجتمع بين طبقة الأشراف وطبقة الشعب. فكان تزويج زيد: ذلك العبد الطليق المتبنى، من زينب: السيدة القرشية، وابنة عمة الرسول (ص)؛ تحدياً واضحاً لذلك التقسيم.

2- التمهيد لإلغاء التبني.

وكان زيد يأتي إلى النبي (ص) ويشكو من أمر زينب، التي ما كانت تعترف به في مستوى زوجها – حسب المفهوم المرتكز في الأذهان يوم ذاك – فيصبره النبي (ص). وحاول أن يطلقها طالما لا تعترف به في هذا المستوى، فقال له النبي (ص): ((أمسك عليك زوجك، واتق الله)). وربما كان النبي (ص) يخفي في نفسه أن يبقى هذا الزواج فترة يشيع خبرها بين الناس حتى يؤدي مفعوله، وربما كان النبي (ص) يحاول الإبقاء على الزواج حتى يحين الوقت ليضرب – عن طريقه – التبني، لقوله تعالى:

((وتخفي – في نفسك – ما الله مبديه. وتخشى الناس، والله أحق أن تخشاه)).

وعلى أي حال، بقي ذلك الزواج بذلك الشكل الخاص.

حتى إذا كلف – من قبل الله – بضرب مفهوم التبني، طلق زيد زوجته بعد العناء الطويل. فتزوجها النبي (ص) – وهي فوق الأربعين، وهو فوق الخمسين – لكي يعبر النبي (ص) عن اعترافه بمكانتها، بعد أن زوجها من زيد الذي ما كانت تراه إلا نوعاً من الغض من كرامتها.

وكانت صدمة كبيرة للذين ارتكزت في مشاعرهم عادة التبني، فأنزل الله – مسنداً هذا الزواج إلى نفسه –:

((فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها، لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً. وكان أمر الله مفعولاً)).

ولكن هذا العمل كان يعتبر خروجاً على العرف ومنكراً لدى الناس، فحتى المؤمنين – الذين كانوا يرضون بخرقه – ثقل عليهم أن يكون النبي (ص) أول من يخرق هذه العادة ويرتكب هذا العمل. ولكن لو لم يتقدم – بأمر الله – إلى خرقه في حياته الخاصة، لما تقدم أي فرد آخر إلى خرقه. فأنزل الله:

((ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له))، فالأنبياء – جميعاً – كانوا يسبقون إلى تعاليمهم، حتى يكونوا قدوة يجري الناس خلفهم:

((سنة الله في الذين خلوا من قبل، وكان أمر الله قدراً مقدوراً)).

ولكن هذا الأمر صدم المؤمنين وغيرهم، فاختلقت أسطورة تقول:

(إن النبي رأى زينب في بيت زيد – يوماً – فأحبها، فعرف زيد، فطلقها، فتزوجها النبي).

وهذه الأسطورة غير واقعية:

1- لأن النبي (ص) كان يعرف زينب – وهي فتاة، وهو شاب – لأنها ابنة عمته، ولأنها ترعرعت في بيت عبد المطلب الذي ترعرع فيه النبي أيضاً؛ فلم يخطبها لنفسه ولم يتزوجها. حتى عندما وافقت هي وأخوها، ورفضا أن يتزوجها زيد، و...؛ أحبها، وهي سيدة فوق الأربعين وهو متزوج بالعديد من النساء وفوق الخمسين؟!

2- إن عدم نجاح الزواج، ومحاولة زيد طلاق زينب، وقول النبي (ص) له – عدة مرات –: ((أمسك عليك زوجك))؛ يدل على أن الطلاق كان طبيعياً، لا مدفوعاً بحب النبي (ص) إياها.

3- إن ذلك بعيد – كل البعد – عن أخلاق النبي (ص) العائلية، الذي طلق عدة نساء قبل أن يدخل بهنَّ، لأنه صدر منهن – أو من بعض أقربائهن – ما يفهم منه عدم الاقتناع بالنبي (ص).

ولكن: عمل النبي (ص) كان صدمة للعرف الجاهلي، فكان من الطبيعي أن يقابل برد فعل تشكل بشكل تلك الأسطورة التي سبقت.

واستغلها بعض أعداء الإسلام للنيل من كرامة النبي (ص)، وبحث المسلمون حولها كثيراً، ولكن القضية – في جريها التاريخي – طبيعية تماماً، واختلاق تلك الأسطورة – أيضاً – رد فعل طبيعي يواجهه كل من يتحدى عرفاً اجتماعياً.

عطاء النبي وجفاء الأمة


((ما كان (محمد) أبا أحد من رجالكم، ولكن: رسول الله، وخاتم النبيين. وكان الله – بكل شيء – عليماً)).

[(سورة الأحزاب: الآية 40).


- طريقة استقبال النبي الأكرم (ص) للبشرية طريقة فريدة، هي طريقة الأنبياء جميعاً، مع الاحتفاظ بفاصل المستوى بين النبي (ص) وسائر الأنبياء.

فالنبي (ص) أعطى، واجتهد في العطاء، وتحمل في عطائه ما لم يتحمل سواه من الأنبياء. ولم يأخذ من البشرية – من وسائل الأبهة والسيطرة – ما يعتبر لدى الناس شرطاً للعطاء، فعاش كما قال:

(أنا ابن امرأة من قريش: كانت تأكل القديد، وتجلس على التراب)(35)؛ لا كرئيس دولة، ولا كزعيم قبيلة، ولا حتى كواحد من عامة الناس؛ وإنما كما وصف:

(كان يجلس كما يجلس العبد، ويأكل كما يأكل العبد)(36).

وحينما أراد قومه أن يطعموا، ووزع عليهم الأعمال، أبى إلا أن يترك لنفسه حصة من العمل، فجمع لهم الحطب. وعندما خيره الله بين أن يكون ملكاً رسولاً وبين أن يكون عبداً رسولاً، اختار أن يكون عبداً رسولاً. وأحب أن يأكل يوماً ويجوع يوماً. ورفض أن يتصدر المجلس، إذا جلس إلى غيره...

- وأعطى للبشرية فلسفة الكون والحياة والإنسان، وأيقظ الروح، ومنح السلطة العليا للعقل، ونشر بذور العلوم، وأسس الدولة العادلة، وشرع النظام الكامل، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، ووضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم...

- وأما طريقة استقبال البشرية للنبي (ص)، فكانت طريقة استقبالها لرجل هدام يريد التسلط، كما وصفوه: (إنه سب آلهتنا، وسفه أحلامنا، وأفسد شبابنا)(37). فآذوه، وحاربوه، واتهموه بلا تورع. وإذا آمنوا به، اعتبروا إيمانهم عطاء له، فمنوا عليه:

((يمنون عليك أن أسلموا. قل: لا تمنوا عليَّ إسلامكم، بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان؛ إن كنتم صادقين))(38).

وكانوا ينبطحون حوله، ويحركون سيقانهم من خلف، ويقولون له: (حدثنا يا محمد!)؛ شأنهم مع القصاصين. وينادونه من وراء الحجرات. ويضربون باب بيته بالحجر، مستأذنين عليه...

وضاعت بينهم قطيفة، فاتهموه بها، قبل أن يمدوا أصابع الاتهام إلى غيره. ونافقوا عليه، واتهموه حتى في عرضه، وهم المسلمون به الذين بايعوه على دمائهم وأموالهم وأهليهم. وفي جميع الحالات، لم يزيدوا على أنه رجل منهم: فهو (محمد)، وفي أحسن الخطابات (أبو القاسم)؛ كأي رجل ساد في مجتمعهم القبلي.

- وحتى اليوم، يعتبرونه رجلاً منهم: لا يعرف لقاح النخيل، ولا أين ينزل في الصحراء – على الماء أو غيره –، ولا يستوعب من الأمور العامة بمقدار أبسط الناس...

ويتحدثون عنه – جنسياً – بما لا يقرونه لبعضهم، ونسبوا إليه: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)(39)؛ وإنما كان أمياً نزل عليه الوحي خطأ من جبرئيل، فجاء بالقرآن كمجموعة من التعاويذ. وأمر بالعبادات، كوسيلة للعروج إلى الجنة... فلا زال في العقلية العامة (محمداً)، وفي أفضل التعابير (أبا القاسم).

أما أن يكون صاحب نظام قادر على إنقاذ البشرية من كثير من عقد الحياة.

وأما أن يكون صاحب فلسفة يضع مؤسسة الكون بين أيدي البشر على المشرحة.

وأما أن يكون صاحب حضارة روحية ومادية كاملة...

فالنبي (ص) – بهذه المواصفات – لم يدخل – بعدُ – في الذهنية الإسلامية العامة.

حقاً: أننا لم نؤهل – بعد – لاستقبال هذا النبي (ص) ... وذلك الكتاب... إنما كان يكفينا نبي وكتاب دون هذا المستوى بكثير؛ إلا أن يكون الله – تعالى – أرسله وأنزله – عبرنا – لمن يأتي بعدنا. والبشرية لم تنته بعد، والمستقبل أعقل من الماضي والحاضر.

اتصال وانقطاع الوحي


((ما كان (محمد) أبا أحد من رجالكم، ولكن: رسول الله، وخاتم النبيين. وكان الله – بكل شيء – عليماً)).

[(سور الأحزاب: الآية 40).


إن الأرض تتحرك بسرعة، ومضت فترات كانت الأرض في مدارات (الوحي)، وبلغت أدنى قربها فترة بعثة النبي الأكرم (ص)، كما يقول الإمام الحسين (ع) في دعائه الشهير (يوم عرفة): (بعثه الله في خير زمان)، فالتقط من (الوحي) أقصى وأرفع ما يمكن التقاطه لبشر. ثم ابتعدت الأرض، ولذلك: وجد – في أمة النبي (ص) – من هم أفضل من أنبياء كثيرين ولكن (الوحي) لا ينزل عليهم، لأن الأرض في وضع غير مناسب لـ (الوحي).

مهام النبي (ص)


((يا أيها النبي!

إنا أرسلناك: شاهداً، ومبشراً، ونذيراً، * وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً)).

[(سورة الأحزاب: الآيتان 45 – 46).


- 1 -


((يا أيها النبي! إنا أرسلناك)) إلى الناس:

1- ((شاهداً)) على الناس، ومقياساً، تظهر مقدار استقامتهم أو انحرافهم. تبين ذلك بذاتك كـ (قدوة)، وبتوجيهك كـ (مبلغ): فشخص القدوة – بذاته الصامتة – يحكم الناس، ويعرضهم على نفسه – في معادلة عفوية – لكشفهم على واقعهم – بما فيهم من استقامة أو انحراف ـ، وتقييمهم بقيمهم، وتحديدهم بحدودهم؛ بأفصح مما يعرضهم على توجيهه – في معادلة هادفة – لكشفهم وتقييمهم وتحديدهم.

2- ((ومبشراً)) كل من آمن بك ببشارتين: بشارة قولية، قدمتها إليهم – أول ما أعلنت دعوتك – قائلاً:

(جئتكم بخير الدنيا والآخرة)(40).

وبشارة عملية، بأن وفرت لهم: النجاح في الدنيا، والنعيم في الآخرة.

3- ((ونذيراً)) كل من تخلى عنك بإنذارين: إنذار قولي، وجهته إليهم يوم نقلت إليهم قول ربهم:

((ومن أعرض عن ذكري، فإن له معيشة ضنكا...))(41).

((الذي يصلى النار الكبرى * ثم لا يموت فيها ولا يحيا))(42).

وإنذار عملي، بأن أثبتَّ لهم – عبر التجارب الكثيرة – أن من تخلف عن ركبك: فله الفشل في الدنيا، والعذاب في الآخرة.

4- ((وداعياً إلى الله)) الذي هو: المصدر الأول، والمنتهى الأخير، والمهيمن على كل فرد في كل لحظاته، ومنه كل طاقات الإنسان، وكل ما ينعم به ويسعد... فلم تكن داعياً إلى فكرة محددة أو نعمة مؤقتة، وإنما كنت داعياً إلى الله الذي هو كل الخير ومصدر كل نعمة. ولم تكن داعياً إليه بأي دافع من الدوافع البشرية – من: حب الذات، أو كسب المال، أو الجاه... –، ولم تكن متطفلاً في الدعوة إليه، وإنما كنت داعياً إليه ((بإذنه))، فهو الذي حملك رسالة الدعوة. فلم تكن مفترياً حسب تعبير القرآن – باستفهامه الإنكاري –:

((... قل: الله أذن لكم، أم على الله تفترون؟!))(43).

5- ((وسراجاً منيراً)) تلقي الضوء على كل شيء، ليرى الناس الأشياء على حقيقتها، فلا يهيموا في ظلام، ولا يذبذب بهم الشك في الوعور.

- 2 -

((وداعياً إلى الله بإذنه)).

الداعي بدون إذن الله – تعالى – يشبه: من يقوم بأعمال عسكرية على جبهة العدو بدون أمر من القيادة الرسمية، أو من يقوم بأعمال بلدية لتأمين المصالح العامة ولكن بدون إجازة إدارة البلديات، أو الذي يقوم بأي عمل غير مأذون فيه من مصدر السلطة المختصة... فأصل الإقدام على العمل تمرد على السلطة المختصة، بغض النظر عن صحة العمل وانسجامه مع الخطة العامة. لأن المفروض في السلطة المختصة أن تكون أكثر وعياً وخبرة في مجالها. بالإضافة إلى: أن مجرد التصدي بدون إذن يعني إنكار ما للسلطة المختصة من حق. وحتى لو كان المتصدي للعمل بلا مأذونية أوفر خبرة من السلطة المختصة، فعليه تحصيل الإذن: لينال الشرعية، ولئلا يرتكب الفوضى.

((وسراجاً منيراً)).

كلمة (السراج) وردت في القرآن أربع مرات، وفي إحداها وصفت بالتوهج:

((وجعلنا سراجاً وهاجاً))(44).

و (الإنارة) وصف بها القمر، لأن نوره انعكاسي، وليس ضوءه كاشفاً. فلو اقترب أحدنا من جرم الشمس وجد خيوط الضوء قوية فتاكة، ولكنها لا تكون كاشفة، فرأى الشمس جرماً شبه أحمر. ولكن عندما ينعكس ضوءها على الكواكب – كالأرض، والقمر، والمريخ... – يصبح ضوءها نوراً قابلاً للكشف، أي قابلاً للتفاعل البصري المناسب لمشاعر الإنسان.

والنبي (ص) له ضوء، ولكنه ليس من نوع ضوء غير قابل للتفاعل النافع بحسب الاستعدادات البشرية، وإنما هو – بذاته – يؤدي دور الإشراق ودور الإنارة. فالشروق والتوهج يطلقان على ما له ضوء كالنجوم، والإنارة تطلق على ما ليس له ضوء وإنما يعكس ضوء غيره كالكواكب. وهنا... وصف السراج بالمنير لأحد أمرين:

1- أن الله جمع لنبيه (ص) خاصتين هما: (التوهج) المفهوم من كلمة (سراج)، و (الإنارة) المصرح بها في (منيراً). لأن للنبي (ص): جانب الإفاضة بالنسبة إلى البشر، وجانب الاستقبال بالنسبة إلى الله – تعالى –.

2- أن النبي (ص) يتوهج، وهو يعكس ضوءه، فيكون له نور. وذلك: أن النجوم حينما تشرق إذا لم ينعكس ضوؤها على جسم قابل لتعكيس الضوء؛ فهو قادر على إصدار الضوء وتكييفه، بحيث يصبح قادراً على الإنارة بالنسبة إلى المدارك البشرية.

واقع النبي كونياً، وشخصيته اجتماعياً


((يا أيها الذين آمنوا!

لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام: غير ناظرين إناه – ولكن إذا دعيتم فادخلوا، فإذا طعمتم فانتشروا –، ولا مستأنسين لحديث. إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم، والله لا يستحيي من الحق)).

[سورة الأحزاب: الآية 53].


1- البشر ليست له قيمة ذاتية، وخاصة: عند الله – تعالى – الذي خلق كل شيء بلا جهد ولا تفكير:

((ولقد خلقنا: السماوات، والأرض، وما بينهما – في ستة أيام – وما مسنا من لغوب))(45)، وإنما بمجرد إرادة.

والبشر لا يشكل إلا جزءاً يسيراً من خلائقه الكثيرة:

((لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون)) (46). وإنما قيمته الواقعية بإيمانه، فالإيمان يجعله مرتبطاً بالله الذي هو مصدر القيم.

ولكن الإيمان يجعل البشر قيما في مقياس الواقع فقط، لأن الإيمان – في كل التحليلات الدينية – ليس أكثر من الاعتراف بالواقع:

((... إن الله هو الحق المبين))(47).

والاعتراف بالواقع يجعل البشر منسجماً مع الواقع العام، لا متناقضاً معه، فيكون عنصراً متوائماً مع ما يعايش، بحيث يستطيع التفاعل معه، بينما الكفر يعني عدم الاعتراف بالواقع.

وعدم الاعتراف بالواقع يجعل البشر متناقضاً مع الواقع العام، فيكون عنصراً متنافراً مع ما يعايش، فلا يستطيع التفاعل معه.

والاعتراف بالواقع يجعل البشر جزءاً إيجابياً، وكونه جزءاً إيجابياً يجعله في مصافِّ سائر الأجزاء الإيجابية في الكون. مع العلم بأن كل أجزاء الكون الحية إيجابية، ولا ينقلب شيء سلبياً – أي لا يموت – إلا وتسعى العناصر الإيجابية – أي الحية – إلى استهلاكه، ليتحول إيجابياً.

فالبشر المؤمن لا يزيد عن سائر الأجزاء الحية في الكون:

((... وفضلناهم على كثير مما خلقنا تفضيلاً))(48)، فقط: (على كثير)، لا على كل الخلائق.

إذن: فالبشر المؤمن قيم – في مقياس الكون – كسائر الأجزاء الحية فيه. وأما عند الله: فالإيمان ليس شيئاً قيماً – في عمق الحقيقة – إذ الإيمان لا يمثل شيئاً يذكر عند الله – الذي هو المطلق في كل صفاته –.

أقصى ما هنالك: أن عدل الله يقضي بمعاملة المؤمن إيجابياً – حسب النظام الذي قرره الله – وهذه المعاملة الإيجابية لا تعني أنه أصبح شيئاً يذكر عند الله.

وإذا أردنا التواضع في المثال نقول: إن المواطن الصالح يعامل من قبل الدولة معاملة إيجابية، وهذه المعاملة الإيجابية – بمقتضى القانون – لا تعني أنه أصبح شيئاً يذكر عند رئيس الدولة.

وأما أن يغدو فرد من البشر قيما ومحترماً عند الله، حتى يؤدب الله خلقه تجاهه، حتى في التخاطب معه – بمثل هذه اللهجة –:

((ما كان (محمد) أبا أحد من رجالكم، ولكن: رسول الله، وخاتم النبيين)) (49).

((إن الذين ينادونك من وراء الحجرات، أكثرهم لا يعقلون))(50).

وأما أن يبلغ فرد من البشر عند الله؛ حتى يدافع الله عن راحته – بمثل هذه اللهجة –:

((يا أيها الذين آمنوا! إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة...))(51).

((... إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم، والله لا يستحيي من الحق)) ...

أما أن يصل فرد من البشر إلى هذا المستوى، فهذا... شيء يعجز العقل البشري عن استيعابه: كيف وصل؟! وبماذا؟!

تأمل هذا النص:

((... فيستحيي منكم، والله لا يستحيي من الحق))، وما فيه من دلالات عظيمة جداً.

2- إن أصحاب الرسالات لا يحتاجون إلى غيرهم – لأنهم يحلقون فوق غيرهم – وإنما يحتاج إليهم غيرهم. ولكن جهل الناس – وسائر العقد المركبة فيهم – تجعلهم يعرضون عن أصحاب الرسالات، وأصحاب الرسالات – لوعيهم جهل الناس – يقبلون عليهم.

3- ولكن لا يشترط في كل صاحب رسالة أن يمتاز بشخصية مهيمنة، فكانوا يسعون إلى الناس فيما الناس يهربون منهم، فكم من صاحب رسالة كان يجامل ويتواضع لجعل الناس يسمعونه:

فنوح النبي (عليه السلام) إذا وعظ قومه:

((... جعلوا أصابعهم في آذانهم، واستغشوا ثيابهم...))(52).

وعيسى بن مريم (عليهما السلام) يغسل أقدام تلاميذه...

ولكن النبي الأكرم (ص) – بشخصيته المهيمنة – كان غنياً عن المجاملة والتواضع. فالناس كانوا يلتصقون به، ويلتفون حوله أكثر مما هو ضروري لتبليغ رسالته، وكانوا يتملقونه إلى درجة الإزعاج، حتى نزل القرآن دفاعاً عن راحته – كبشر يحتاج إلى الانصراف إلى شؤون فكره وجسده –:

((... إن ذلكم كان يؤذي الرسول فيستحيي منكم، والله لا يستحيي من الحق)).

((إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة...))(53)، وفي الحديث أن النبي قال:

(اتركوني على ما أنا عليه، فما هلك من كان قبلكم إلا لكثرة اختلافهم على أنبيائهم)(54) ...

وحتى في مجال العبادات، ما كان النبي (ص) يعلم أمته تعليماً كلاسيكياً، وإنما كان يعمل هو ويأمرهم بالاقتداء به:

(حجوا كما رأيتموني أحج)(55)، (وصلوا كما رأيتموني أصلي)(56)، (توضؤوا كما رأيتموني أتوضأ)(57) ...

وجاء القرآن معلناً إسقاط دور (المعلم) عن الرسول ومنحه صفة (القدوة) وتكليف أمته بالاتباع:

((لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة...))(58).

فليس على الرسول أكثر من أن يعمل هو، وأما الناس: فعليهم أن يتتبعوا أعماله، وأن لا يتوقعوا منه التعليم المباشر.

وتوالت الآيات تؤكد المستوى الرفيع الذي يتحرك فيه الرسول:

((ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى))(59).

((ما على الرسول إلا البلاغ...))(60).

((... قل: (الله)، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون))(61).

(... فلا تذهب نفسك عليهم حسرات...))(62).

((يمنون عليك أن أسلموا، قل: لا تمنوا عليَّ إسلامكم، بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان، إن كنتم صادقين))(63).

بل: لك حقوق عليهم مقابل حقوقهم عليك، فليست لهم حقوق عليك بلا مقابل، ولست مديناً لهم حتى يطالبوك دائماً وأنت تغض عنهم:

((ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له...))(64). فليس عليك أن تعطي... وتعطي... وليس لهم أن يأخذوا... ويأخذوا... وإنما عليهم أن يضعوك حيث أنت، ولا بأس عليك باستيفاء ما لك عليهم.

فشخصية النبي (ص) القوية جعلته يسير، وجعلت الناس يهرعون وراءه، ويتزاحمون عليه، فيبعدهم عنه، ويأمرهم بالاكتفاء بالسير وراءه فقط كما تسير الشمس، وتتراكض حولها الكواكب الدائرة في منظومتها، وهي تضبطها في فواصل معينة – بقوتي الجاذبية والدافعية: النسبية العامة – حتى لا تقترب إليها أكثر مما ينبغي فتحترق بأشعتها.

وهذه... درجة عالية من قوة الشخصية، لم تعرف في غيره من الأنبياء والمصلحين والقادة.

حتمية الانسجام مع سنة الله


((سنة الله في الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلاً)).

[(سورة الأحزاب: الآية 62).


في الكون طاقات جبارة متفاعلة، هي بمثابة شبكة الأعصاب في الجسم، شد الله بها الكون. وللحياة سنن وبرامج، نظم الله بها الحياة، وسيرها بهذا الشكل الملحوظ. ونسبة طاقات الفرد الواحد من بني الإنسان في مجموعة طاقات الكون، هي – ذاتها – نسبة حجم الفرد الواحد من بني الإنسان في مجموعة حجم الكون. ونسبة إرادة الفرد الواحد من بني الإنسان في سنن الحياة، هي – ذاتها – نسبة الفرد الواحد من بني الإنسان في مجموع الحياة.

فعلى الفرد الواحد من بني الإنسان، أن يؤسس إرادته على ضوء: نسبة حجمه في حجم الكون، ونسبة طاقته في طاقات الكون، ونسبة ذاته في الحياة، ونسبة إرادته في سنن الحياة.

فإذا أخذ هذه النسب بنظر الاعتبار، يجد: أنه جزء مستهلك في الكون، وأن إرادته مستهلكة في سنن الحياة. فيعرف قدَّه ويلزم حده، ولا يحاول احتواء الكون والحياة، وإنما يحاول الانسجام معهما.

وأما إذا جهل هذه النسب، وأطاش به بعض الاستيعاب لبعض الطاقات الموضوعة تحت تصرفه، ووجد أن فرداً آخر من بني نوعه، وضع قدماً على (القمر) وقدماً على (المريخ)، سعياً للعروج إلى (المجرة)، والتفاهم مع الأحياء الآخرين فيها؛ فظن أنه قمة الكون والحياة، ومن ثم ففي مقدوره الطغيان على الكون وتحريك الحياة، وحتى الخروج على الله؛ فسرعان ما تصدمه طاقة مهملة من طاقات الكون، أو تجرفه سنة بسيطة من سنن الحياة؛ فتحطمه، وتنسف إرادته بأهون مما يعبث السيل بأوراق الخريف.

وكل مراهق نزق، يعجبه: أن يتصيد (النجوم)، وينشرها على رأس صبية ترهقه. وأن يعتصر مصل (الشمس)، في شرايين وردة ذابلة تغريه... ولا تمر لحظات حتى يشعر بأنه لا يستطيع الاستغناء عن رغيف يشد معدته، أو كوب ماء يملأ عروق جسمه...

وأخيراً: تفنيه ذبذبة كهرباء، أو خطأة سير، أو ميكروب صغير لا تراه النظائر المشعة... ويؤذيه – كثيراً – أنه ليس في مستوى تحريك الحياة فقط، وإنما الحياة تحركه – بإرادتها القاهرة – كما تشاء؛ وأنه يجند كل طاقاته لاستجداء الحياة، علَّها تتجاوب مع بعض رغباته.

فأنت – أيها الفرد من بني الإنسان! – لست في مواجهة مع طاقات الكون وسنن الحياة فحسب، وإنما أنت في مواجهة مع ما هو أعلى وأقوى، أنت في مواجهة مع (سنة الله): الذي أفرز كل طاقات الكون وسنَّ جميع سنن الحياة، فلا تفكر في الاصطدام بها. فليست بين يديك تجربة واحدة، أو تجارب قليلة أو كثيرة، وإنما بين يديك تجارب جميع البشر قبلك، وكل هذه التجارب تشير إلى نتيجة واحدة، هي:

أن سنة الله مكينة، اكتسحت كل الذين حاولوا التمرد عليها. والسنة التي أثبتت نفوذها ((في)) جميع ((الذين خلوا من قبل))، هي سنة لا معنى للتفكير في مقارعتها. فالإنسان لا يكرر تجربة لها نماذج فاشلة، بعدد كل البشر الذين سبقوا على هذا الدرب.

((و)) لا تحسب أن سنة الله تضعف أو تتطور فالانحدار والارتفاع – في سلم التطور – من صفات المتغيرات الخاضعة لتفاعلات الحياة، الدائبة في تجميع وتفريق الذرات الكونية، وتنويع الصور؛ حفاظاً على جدة الحياة وطراوتها.

وأما سنة الله، فهي إرادة الله. وإرادة الله فوق الحياة، فلا تخضع لتطوراتها. وإنما هي ثابتة، تصرف الأشياء، ولا يتصرف فيها شيء. فـ ((لن تجد لسنة الله تبديلاً)).

العمل الصحيح، والعمل الصالح


((يا أيها الذين آمنوا! اتقوا الله، وقولوا قولاً سديداً، * يصلح – لكم – أعمالكم، ويغفر – لكم – ذنوبكم...)).

[(سورة الأحزاب: الآيتان 70 – 71).


- 1 -


قبل الدخول في محاولة فهم هذه الآية، لا بد من أن نعرف العمل، ونفرق بين أقسامه:

1- فالعمل، هو الحركة الفاعلة في الوجود.

2- وهذه الحركة الفاعلة:

أ. قد تكون غير مدروسة، فتستهلك طاقة دون أن تتكشف عن نتاج، فتكون عملاً ناقصاً.

ب. وربما تكون مدروسة، مستوفية الأجزاء والشرائط، فتكون وحدة متكاملة، تستهلك طاقة وتفرز نتاجاً، فيكون عملاً صحيحاً.

وتبقى ملاحظة هذا العمل الصحيح، من زاوية موقعه في العمل التصاعدي العام للإنسان في الوجود:

ج. فقد يكون العمل الصحيح، متنافراً مع العمل التصاعدي العام، الذي يجب أن يمارسه الإنسان، فيكون عملاً طالحاً.

د. وربما يكون العمل الصحيح منسجماً مع العمل التصاعدي العام، الذي يجب أن يمارسه الإنسان، فيصلح لبنة في الكيان العملي للإنسان، ويكون عملاً صالحاً.

من هنا... يبدو الفارق واضحاً بين العمل الصحيح والعمل الصالح:

فالعمل الصحيح هو الذي يكون متكاملاً، لو نظرنا إليه نظرة مستقلة لم نلاحظ بها موقعه الجغرافي من مخطط العمل الإنساني في الوجود، فهو – بحد ذاته – شيءٌ بلغ نصابه واستكمل مواصفاته، ويمكن أن يكون متناقضاً مع بقية أجزاء العمل الإنساني العام.

بينما العمل الصالح هو الذي استوفى كماله الذاتي، ولوحظت – في إخراجه إلى الوجود – هندسة الكيان العملي للإنسان. فالقنبلة الموقوتة الموضوعة تحت البناء: عمل صحيح، لو نظرنا إليه نظرة مستقلة عن موقعه، لأنه استكمل مواصفاته وأحرز قيمته الذاتية. ولكنه ليس عملاً صالحاً، لأنه – بموقعه – يناقض الهدف الذي من أجله شيد البناء.

بعد هذه المحاولة السريعة لمعرفة العمل، والتمييز بين أقسامه؛ يمكن أن نبدأ المحاولة لفهم الآية، فهي شرائط صلاح العمل، ولخصتها في:

1ـ أن ينطلق العمل من قاعدة (التقوى) لا من قاعدة الشيطان، ولا من قاعدة الشهرة، ولا من قاعدة التجارة بالدين، ولا من أي القواعد ما عدا (التقوى). لأن الله الذي هو مصدر الكون، خطط للعمل الإنساني فيه تخطيطاً منسجماً مع تخطيطه للعمل الكوني.

وتقوى الله تعني الالتزام الكامل بتوجيهاته، التي تضع الإنسان في مجرى ذلك المخطط. وهذا الالتزام، يطمئن الإنسان إلى أنه وضع عمله في الموضع المناسب له، حسب الهندسة المتكاملة لعمل الموضع المناسب في الكون(65). وبغير التقوى، يمكن أن يكون عمل الإنسان أشبه بقنبلة موقوتة موضوعة في أساس العمل الإنساني العام في الكون.


- 2 -


ينبغي أن يكون العمل خاضعاً لقيادة (الصادقين) من عباد الله، وهم الأنبياء وأوصياؤهم (عليهم السلام)، لأنهم الخبراء بتفاعلات العمل الكوني مع العمل الإنساني. وتأهيلاً لهذه الخبرة، ولمؤهلات نفسية عالية، منحهم الله صلاحية القيمومة على تنفيذ العمل الإنساني العام في الكون. فهم الوحيدون الذين يحددون عمل كل إنسان، بمقتضى المصلحة العامة، التي تنبعث من الرؤية الواضحة لجميع الاعتبارات، التي لها تأثر في تحديد عمل الإنسان؛ تلك المصلحة العامة التي لا يستوعبها غير المعصومين استيعابهم لها، مع صلاحيتهم لتولي تحديد عمل كل إنسان.

والخضوع للقيادة، شرط أساسي لصلاح العمل في كل المجالات الدنيوية، التي قد لا يختلف في استيعابها القائد والمقود؛ فكيف بالمجالات الدينية الدقيقة التي تعتمد على أمور ورائية غامضة، ليس فيها ادعاء لأي إنسان، إلا إذا أمده الله برؤية ماورائية، وعصمه من الزيغ والخطأ والنسيان؟!:

فالجندي، لا يحق له أن يشد على الزناد إلا بأمر القائد، مهما كان عدوه واضح الانحراف. وإلا: ربما يعرض نفسه وشعبه وبلده، للهلاك والاتهام.

والمهندس، لا يحق له أن يفتح شارعاً – مهما كانت الضرورة ملحة إليه – إلا بموافقة زميله المكلف بتخطيط المدينة. وإلا: قد يعاقب بهدم بيوت المواطنين، وإرباك السير، وتشويه المدينة...

ذلك: أن كل فرد يرى الوضع الذي يطل عليه من موقعه، فإذا أراد أن يحكم لا يستطيع إلا إصدار حكم مستوحى من هذا الوضع بالذات. بينما المكلف بأداء واجب عام، يرى هذا الوضع، ويرى – إلى جانبه – مجموعة أوضاع متفاعلة مع هذا الوضع. وربما يكون لمجموعها حكم مختلف – تماماً – عن ما يوحي به هذا الوضع لو استوحي على انفراد.

فالعمل الصالح هو: الذي ينطلق من قاعدة تقوى الله، ويخضع لقيادة الصادقين من عباد الله. وإلا: فليس بعمل صالح يجلب الثواب، وربما يكون طالحاً يعرض للعقاب.

الإرادة الحرة


[إنا عرضنا الأمانة على: السماوات، والأرض، والجبال. فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان. إنه كان ظلوماً جهولاً)).

[(سورة الأحزاب: الآية 72).


إن الله – تعالى – عندما خلق الكون سخره في نظام صارم دقيق:

((وسخر لكم الشمس والقمر دائبين، وسخر لكم الليل والنهار))(66) ... فالكون كله – ابتداء من وحدات: الأوكسجين، والهيدروجين، وثاني أوكسيد الكربون...؛ وانتهاء بالمجرات الهائلة – كلها تتحرك من خلال نظام فرض عليها، دون أن يملك أي شيء فيها إرادة مستقلة أو حرية في التحرك وعدمه:

((لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر، ولا الليل سابق النهار، وكل في فلك يسبحون))(67).

وخلق الله الإنسان:

فجعل قسماً منه مسخراً، يتحرك دون أن يكون له فيه إرادة مستقلة أو حرية في التحرك أو عدمه: فيولد من أبوين ما اختارهما أبوين لنفسه، وفي زمان ما فضله لميلاده، وفي مكان ما ارتضاه. ويتحرك قلبه، وكبده، ورئته، وكل عضلاته وغدده وعروقه...؛ كل بشكل ما استشير فيه. وتجري الدورة الدموية في جسمه، بشكل لم يعرف عنه شيئاً ولا أحاط به علماً. وهكذا... كل تطوراته الجسدية. وهذا القسم، مجال التكوين.

كما أن الله جعل القسم الآخر من الإنسان مخيراً، يتحرك بإرادته المستقلة، وله الحرية الكاملة في التحرك وعدمه: فكل فرد يشعر بأن إرادته هي التي تقرر أن يشرب الخمر أو أن يصوم، وأنه حر في أن يزني أو أن يصلي، وله مطلق الاختيار في أن يقامر أو أن يتصدق، وهكذا... في كل تصرفاته وتعاملاته مع الله ومع نفسه ومع مجتمعه. وهذا القسم، مجال التشريع.

فالله – تعالى – منح للإنسان الإرادة الحرة ليعرضه للتجربة، تجربة نموه وامتداده. بينما لم يتكرم بهذه المنحة: منحة الإرادة، على الكرات الضخمة والمجرات الهائلة. ولكن هذه المنحة، منحة خطرة جداً:

فطاقة الإرادة – إذا أخذت مجاريها السليمة – يمكن أن تبلور الإنسان خلقاً فريداً يتقرب به الملائكة إلى الله، وتوسعه حتى يحتوي الكون فيتصرف فيه كيف يشاء(68)، وتحكمه حتى يستوعب إرادة الله(69).

وإذا أخذت مجاري منحرفة، تفجر الإنسان مادة سامة: فلا يلامس شيئاً إلا ويحرقه(70)، ويتحدى الله وهو يعلم ماذا تعني كلمة الله(71).

فالإرادة الحرة أمانة الله لدى الإنسان، التي لا بد أن يحسن التصرف بها. تلك الأمانة الخطرة التي اعتذرت من تحملها الكائنات الضخمة:

((السماوات، والأرض، والجبال))، فلم تحتمل الإرادة الحرة، وفضلت أن تبقى مسخرة يسيرها الله كما يشاء دون أن تتعرض للتجربة، رغم أن أحد الاحتمالين أن تنمو وتتسع بالتجربة، ولكن إشفاقاً على أنفسها أن تفشل التجربة، فتتعرض لعقاب لا قبل لها به.

(1) سورة الحجر: الآية 9.

(2) سورة إبراهيم: الآية 35.

(3) سورة البقرة: الآية 128.

(4) مفاتيح الجنان – للشيخ عباس القمي – ص 429.

(5) مفاتيح الجنان – للشيخ عباس القمي – ص 451.

(6) سورة الشعراء: الآيتان 218 – 219.

(7) بحار الأنوار – ج 44 – ص 140.

8 بحار الأنوار ـ ج22 ـ (صلى الله عليه وآله وسلم)(507، 542) وفاطمة الزهراء من المهد إلى اللحد ص426.

(9) مفاتيح الجنان – للشيخ عباس القمي – ص 439.

(10) سورة الأعراف: الآية 43.

(11) الأمالي – للشيخ الصدوق – ص (233 – 234).

(12) سورة الكهف: الآية 110.

(13) انظر بحار الأنوار – ج 15 – ص (361 – 362).

(14) سورة يوسف: الآية 24.

(15) الوافي – مج 1 – ج 2 – فص 4 – ب 107 – 108.

(16) سورة الأحزاب: الآية 30.

(17) سورة الأحزاب: الآية 32.

(18) سورة الأحزاب: الآية 30.

(19) سورة الأحزاب: الآية 33.

(20) سورة التحريم: الآية 5.

(21) سورة التحريم: الآية 5.

(22) سورة الأحزاب: الآية 33.

(23) سورة الأحزاب: الآية 32.

(24) سورة آل عمران: الآية 161.

(25) سورة يوسف: الآية 24.

(26) سورة التحريم: الآية 12.

(27) سورة النور: الآية 11.

(28) سورة التحريم: الآية 5.

(29) سورة التحريم: الآية 5.

(30) سورة التحريم: الآية 5.

(31) سورة التحريم: الآية 4.

(32) عيون أخبار الرضا – ج 1 – باب(31) – ص 72 – حديث(299).

(33) بحار الأنوار – للعلامة المجلسي – ج 22 – ب 2 – ص 170 وما بعدها.

(34) سورة الأحزاب: الآية 36.

(35) بحار الأنوار – ج 16 – ص 229.

(36) بحار الأنوار – ج 16 – ص 225.

(37) بحار الأنوار – ج 19 – ص 8 و49.

(38) سورة الحجرات: الآية 17.

(39) الموضوعات في الآثار والأخبار – لهاشم معروف الحسني – ص 17 – ط دار الكتاب اللبناني.

(40) بحار الأنوار – ج 18 – ص 192.

(41) سورة طه: الآية 124.

(42) سورة الأعلى: الآيتان 12 – 13.

(43) سورة يونس: الآيتان 59.

(44) سورة النبأ: الآية 13.

(45) سورة ق: الآية 38.

(46) سورة المؤمن: الآية 57.

(47) سورة النور: الآية 25.

(48) سورة الإسراء: الآية 70.

(49) سورة الأحزاب: الآية 40.

(50) سورة الحجرات: الآية 4.

(51) سورة المجادلة: الآية 12.

(52) سورة نوح: الآية 7.

(53) سورة المجادلة: الآية 12.

(54) صحيح البخاري – ج 9 – ص 117 – ط دار الجيل – بيروت.

(55) عوالي اللآلي – ج 1 – ص 105 ح 42.

(56) عوالي اللآلي – ج 1 ص 198، وصحيح البخاري – ج 1 ص 162 – ط دار الجيل.

(57) انظر وسائل الشيعة – ج 1 – ص 276 – حديث(12).

(58) سورة الأحزاب: الآية 21.

(59) سورة طه: الآية 2.

(60) سورة المائدة: الآية 99.

(61) سورة الأنعام: الآية 91.

(62) سورة فاطر: الآية 8.

(63) سورة الحجرات: الآية 17.

(64) سورة الأحزاب: الآية 38.

(65) فالمتوسوسون، الذين يمعنون أكثر من المقدار المعتاد في بعض الأجزاء أو الشرائط، إنما يكتفون بصحة العمل عن صلاحه. م.

(66) سورة إبراهيم: الآية 33.

(67) سورة يس: الآية 40.

(68) في الحديث القدسي: (عبدي ! أطعني أجعلك مثلي: أقول للشيء: (كن) فيكون، وتقول للشيء: (كن) فيكون). م. انظر عدة الداعي – لأحمد بن فهد الحلي – عن كعب الأحبار.

(69) في الحديث: (إن لله عباداً إذا أرادوا أراد). م.

(70) ((وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد)) [سورة البقرة: الآية 205]. م.

(71) ((وجحدوا بها، واستيقنتها أنفسهم ...)) [سورة النمل: الآية 14]. م.