الفهرس

التفسير وعلوم القرآن

الصفحة الرئيسية

 

(31)

۞ سورة لقمان ۞

مكية وهي أربع وثلاثون آية

عمل الإنسان في الكون


((يا بني!

إنها إن تك مثقال حبة من خردل، فتكن:

في صخرة،

أو في السماوات،

أو في الأرض،

يأت – بها – الله.

إن الله لطيف، خبير)).

[(سورة لقمان: الآية 16).


إذا أردنا أن ندرس عمل الإنسان في الكون، لا بد أن تسبقه دراسة الإنسان في الكون. وإذا أردنا أن ندرس الإنسان في الكون، لا بد أن ندرس الكون ذاته:

1- الكون:

مؤسسة نامية، تحمل – في ذاتها – عنصر النمو من ناحيتين: ناحية نمو كل شيء منه، وناحية التكاثر بالتوالد.

فكل شيء في الكون يكبر ويولد؛ إذا بقي في مكانه الذي وضعه الله فيه.

هذان: (النمو، والتكاثر) اللذان نراهما – بوضوح، وبسرعة – في الحيوانات بأنواعها... والنباتات بفصائلها... لا يختصان بالحيوانات والنباتات، وإنما هما موجودان في كل شيء من هذا الكون: فذرات الرمال، تنمو وتتكاثر، مع آلاف السنين. والجبال، تنمو وتتضخم، مع ملايين السنين. والذرات السابحة في الفضاء، تكبر وتتوالد، ثم تتلاحم، وتتكور نجوماً، مع مليارات السنين. والعناصر شبه الأولية – كالأوكسجين – تنمو جزيئاته وتتكاثر، فلا تقل نسبته في الهواء مع تكاثر استهلاكه بتنفس الحيوانات والمحروقات. وهكذا... كل شيء في الكون، دائب في النمو والازدياد، ما دام الكون – بصورة إجمالية – دائباً في التوسع. فكما أن الشجرة لا يمكن أن تنمو إلا بنمو كل جزء من أجزائها؛ كذلك الكون، لا يمكن أن ينمو إلا بنمو كل جزيئة من جزيئاته:

((والسماء بنيناها بأيد، وإنا لموسعون))(1).

وكما أن للكون (حركة النمو)؛ له حركة أخرى هي: (حركة التطور)، فجزيئاته تتفاعل مع مثيلاتها. وهذا التفاعل، يؤدي إلى أن مجموعة متفاعلة من جزيئاته، تتقمص صيغة وجودية معينة، فتكون: شجرة، أو بحراً، أو جبلاً، أو حيواناً، أو سحاباً... وهذه الكتلة من الجزيئات المتفاعلة، لا تتقمص صيغة وجودية معينة، إلا إذا سلطت عليها روح معينة: جمادية، أو نباتية، أو حيوانية، أو غيرها من سائر الأرواح.

وقلما تتعلق الروح بكتلة كبيرة، كنجمة. فغالباً: تتعلق الروح بكتلة صغيرة من الجزيئات المتفاعلة – كالبويضة بالنسبة إلى الحيوان، والبذرة بالنسبة إلى النبات – فتساعد الروح تلك الكتلة الصغيرة على التقاف الجزيئات المتناسبة معها، وضمها إلى تلك الكتلة.

وهذه العملية – عملية التقاف الجزيئات، وضمها إلى تلك الكتلة – هي: عملية النمو.

وعملية النمو لها جانبان:

فبالنسبة إلى الخلية الحية الأولى، هي: (حركة نمو).

وبالنسبة إلى الجزيئات المنضمة إليها: (حركة تطور).

فتلك الجزيئات، تتطور، حتى تصبح أجزاءً في الكيان النامي: فالتراب يغادر صيغته الترابية عندما يصبح نباتاً، والنبات يسلخ صيغته النباتية عندما يصبح حيواناً...

وإن كانت العناصر شبه الأولية لا تتطور، فالأوكسجين – مثلاً – يبقى هو هو في الهواء، وفي الماء، وفي النبات، وفي الحيوان. وإنما تتطور المركبات:

فالتراب، المركب من مجموعة معينة من العناصر شبه الأولية، لا يتطور نباتاً، إلا بعد أن يفسخ تركيبه الترابي، ويركب تركيباً نباتياً.

والنبات، المركب من مجموعة معينة من العناصر شبه الأولية، لا يتطور حيواناً، إلا بعد أن يفسخ تركيبه النباتي، ويركب تركيباً حيوانياً.

وهي: عملية (الحياة الدنيا).

وحركتا: (النمو، والتطوير) تتبعان نشاط الروح المسلطة على الخلية الحية الأولى، فبمدى نشاط تلك الروح يقدر مدى قدرة الخلية على النمو والتطوير. ومن هنا، يكون الاختلاف في حجم الأجسام الحية: من حبة رمل إلى جبل، ومن نبتة مستلقة إلى شجرة باسقة، ومن دودة مجهرية إلى الفيل والكركدن...

ولدورة العمر فترتان: فترة النمو، وفترة الانهيار. ففترة النمو هي: فترة ممارسة الروح نشاطها في التقاف الجزيئات المتناسبة، وضمها إلى الخلية الحية الأولى. وتلك ما نسميها بـ: (فترة الشباب). وفترة الانهيار هي: فترة فتور الروح في التقاف الجزيئات المتناسبة، وضمها إلى الخلية الحية الأولى.

وبما أن (الحرارة الغريزية) مستمرة في استهلاك الخلايا الحياة في الأجسام؛ لا تبدأ فترة فتور الروح في التقاف الجزيئات المتناسبة، إلا ويبدأ الكيان النامي في التضاؤل والضمور. وتلك ما نسميها بـ: (فترة الهرم) أو (الشيخوخة).

غير أن لعملية التعاقد بين الخلية الحية الأولى، وبين الروح المسلطة عليها؛ مدى معيناً، يختلف من شيء إلى شيء. ومدة ذلك التعاقد، هي التي نسميها بـ: (العمر). فلكل شيء، عمر محدود، لا ينتهي إلا ويبدأ الكون – عبر أجزائه الحية الأخرى – في فسخ ذلك الكيان النامي، وتركيب جزيئاته تركيبات حية أخرى، حتى تتفرق تلك الجزيئات الملتقفة – تماماً – ويعود ذلك الشيء النامي المطور، إلى حالته السابقة، خلية حية فقط. وهي عملية: (الموت).

من هنا: يظهر – بوضوح – أن الكون دائب في أعماله بدقة واعية، دون أي خطأ أو تذبذب، وبشكل حكيم، لا يمكن للإنسان أن يستوعبه، إلا وينحني له ويعترف به. ومن هنا قيل: (لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع).

2- ... والإنسان:

باعتباره جزءاً من أجزاء الكون – فيما عدا تصرفاته الاختيارية – تجري فيه سنة الكون: فله عمر محدود، ولعمره فترتا النمو والانهيار، ويمارس حركيته بالدقة والحكمة؛ اللتين لو كانتا في أعماله الاختيارية لكان كل الناس عظماء. ولكن عقله لا يستوعبهما، وضعفه يقعده عن ممارسة ما يستوعب منهما.

غير أن دقة الكون وحكمته تظهران – بوضوح – في أعمال خلاياه وأجهزته، بدون أي خطأ أو تردد.

3- ... وعمل الإنسان:

باعتباره حركة تجري في الكون؛ يعامله الكون بالدقة والحكمة، الظاهرتين في جميع تحركاته، بدون أي خطأ أو تردد. فعمل الإنسان – فكرياً كان أم عضلياً – موجة تنطلق في الكون، فتحدث تفاعلات متسلسلة باقية، تلتقي مثيلاتها وتنمو: (من سنَّ سنة حسنة، فله: أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. ومن سنَّ سنة سيئة، فله: وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)(2).

فتتفاعل الأعمال وتتوالد، وتظهر في الوقت المناسب: كما تظهر البذور، المبددة في الأتربة والرمال، فصل الربيع. وكما تظهر البويضات، المتفرقة في أعماق البحار، في مواسمها. وكما تظهر الأوراق والورود والثمار، من الأغصان اليابسة، في أحيانها. وكما تهيج الحيوانات، بالجنس، في أوقاته. وكما تنعقد ذرات البخار سحاباً، إذا انخفضت درجة الحرارة في الهواء بنسبة معينة...

فكيف يمكن أن يضيع عمل الإنسان في أرشيف الكون؟!:

((ووضع الكتاب، فترى المجرمين مشفقين مما فيه، ويقولون: يا ويلتنا! مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها؟!، ووجدوا – ما عملوا – حاضراً. ولا يظلم ربك أحداً))(3). فالكون الذي لا ينسى أي شيء، وإنما يستوعب كل شيء، ويصونه، ويأتي به في الوقت المناسب؛ هل ينسى عمل الإنسان؟!

ولقد عرف البشر – متأخراً –: أن دماغ الإنسان يحدث موجات (كهرطيسية). وأن تفكير الإنسان، ليس إلا موجات شعاعية موجهة، تنطلق من (خلايا) الدماغ في اتجاهات معينة، وتتفاعل مع الإنسان – نفسه – قبل أن تتفاعل مع غيره، وتجري في دمه، وتنعكس على سلوكه:

((اليوم: نختم على أفواههم، وتكلمنا أيديهم، وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون))(4).

وثبت: أن الطاقة لا تفنى ولا تزول، وإنما تبقى سابحة في آفاقها:

((قال: فما بال القرون الأولى؟ * قال: علمها عند ربي في كتاب. لا يضل ربي، ولا ينسى))(5).

وعرف الإنسان – متأخراً –: أن الكلمات تبقى خالدة في الفضاء، ويمكن الاستماع إليها – في أي وقت – بأجهزة خاصة. وأن تحركات الإنسان – وغير الإنسان – تصور على كل ما يحيط به، من الجمادات والأشجار والذرات المتحركة في الفضاء، حتى يمكن معرفة حجم الجسم المتحرك ووزنه – ويعني بهذا الأمر علم الـ (سيكومتري) –:

((ويوم يحشر أعداء الله إلى النار؛ فهم يوزعون * حتى إذا ما جاؤوها؛ شهد – عليهم –: سمعهم، وأبصارهم، وجلودهم؛ بما كانوا يعملون * وقالوا – لجلودهم –: لمَ شهدتم علينا؟ قالوا: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء، وهو خلقكم أول مرة، وإليه ترجعون * وما كنتم تستترون أن يشهد – عليكم –: سمعكم، ولا أبصاركم، ولا جلودكم. ولكن ظننتم: أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون * وذلكم – ظنكم الذي ظننتم بربكم – أرداكم، فأصبحتم من الخاسرين))(6).

فتبقى السيئات ثابتة كما تبقى الحسنات، ولا تمحوها التوبة، فـ (التائب من الذنب كمن لا ذنب له)(7)، ولكن لا تمحو عنه ذنبه. والله – تعالى – لا يمحوه عن المستغفر، وإنما يستره فقط، فيغيبه عن الأبصار، ولا يفنيه نهائياً. فوعد الله التائب إليه، والعائد إليه نصوحاً؛ أن يتوب عليه، ويعود إليه، فلا يبعده – أبدياً – عن حضرته، ووعد طالب المغفرة بالغفران؛ الذي هو الستر فقط.

فكل شيء من عمل الإنسان – خيراً أو شراً – ثابت، ينعكس عليه، وإن كان معرضاً للتفاعل، الذي ينتهي بالغلبة أو الانكفاء:

فالخير: إذا ارتفعت نسبته – يسبغ صاحبه، حتى لا يبدو عليه الشر، وإن كان باقياً بالفعل. والشر – إذا ارتفعت نسبته – يسبغ صاحبه، حتى لا يبدو عليه الخير، وإن كان باقياً بالفعل:

((... إن الحسنات يذهبن السيئات...))(8)، فالحسنات يذهبن السيئات، وهذا دليل وجود السيئات رغم كثرة الحسنات، فلا يمكن ذهاب شيء غير موجود:

((... وحبط ما صنعوا فيها، وباطل ما كانوا يعملون))(9)، فالله يحبط ما صنعوا، ويبطل ما كانوا يعملون، وهذه التعبيرات دليل وجود ما صنعوا وما كانوا يعملون.

فكما أن الألوان قد يغلب بعضها بعضاً، واللون المغلوب تبقى جزيئاته قائمة. وكما أن الصفات قد يطغى بعضها على بعض، والصفة الطاغي عليها تبقى ثابتة... كذلك الحسنات والسيئات، بعد تفاعلها، وغلبة بعضها على بعض. فلا شيء من عمل الإنسان يفنى فناءً مطلقاً – كأن لم يكن –، وإن كان يضمر ويتقلص. لأن الطاقة لا تفنى، والمادة لا تفنى. وعمل الإنسان، إما طاقة أو مادة، وليس شيئاً ثالثاً يمكنه الخروج من حيز الوجود. ولعل إلى شيء من ذلك، أشار الإمام علي (ع)، في كتابه إلى نجله الحسن (ع): (واعلم: بأنك طريد الموت، وأسير الحياة) (10).

فلقمان، عندما قال لابنه:

((يا بني! إنها إن تك مثقال حبة من خردل، فتكن: في صخرة، أو في السماوات، أو في الأرض؛ يأت – بها – الله. إن الله لطيف، خبير))؛ لم يزد على أن ألفت ابنه، إلى أن عملك جزء من الكون:

فكما أن الله يأتي بكل شيء – من الطاقات والأشياء، المتبددة في أبعاد الفضاء، وأعماق الأرض – في الوقت المناسب؛ هكذا... يأتي بعملك في الوقت المناسب.

وكما تبقى عليك آثار: الطقس، والمناخ، والطعام، والشراب، والاستنشاق... كذلك... تبقى عليك آثار: أفكارك، وكلماتك، وتحركاتك...

وكما أن الكون لا يبذل مجهوداً إضافياً، عندما يخرج أي شيء عن مكمنه في موسمه، وإنما يمارس سنته؛ أيضاً لا يبذل مجهوداً إضافياً، عندما يخرج عملك من مستودعاته في: جسمك، وفي سائر الأجسام والأجرام... وإنما يمارس سنته فقط.

هذا الواقع البسيط، الذي تتوقعه من الكون، وتبني حياتك على أساسه في: الجاذبية، والزراعة، والصناعة، وحتى في جسمك...؛ عليك أن تعرف أن أعمالك ليست مستثناة منه، وإنما هي أجزاء منه لا أكثر.

فكما تطَّرد سنن الكون في كل شيء؛ تطرد في أعمالك أيضاً.

كلمات الله


((ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام، والبحر يمده – من بعده – سبعة أبحر؛ ما نفدت كلمات الله. إن الله عزيز حكيم)).

[(سورة لقمان: الآية 27).


إذا تأملنا المواد الأولية لكل المخلوقات الكونية، نجدها أنواعاً من الأمواج المنطلقة من مصدر غير محدد. فجميع الأجرام الكونية مركبة من الذرات الكونية المتحركة في جميع الاتجاهات، وهي التي تتفاعل مع بعضها: فتتولد كريات ميكروسكوبية، وتترسب على كل الأجرام، فيكبر حجمها بانتظام.

وهذه الذرات تتولد من تفاعل أمواج الأشعة المختلفة، التي – هي بدورها – تتحرك في جميع الاتجاهات بانضباط عجيب، وتتفاعل بدقة غريبة.

وهذه الأشعة أنواع كثيرة. وتلك الذرات الكونية أنواع كثيرة كما أن الأجرام أنواع، وولائد تفاعلاتها أنواع لا يحصيها إلا الله.

وإذا افترضنا أن (النور) – الذي يطلق على جميع أنواع الأشعة – هو: (المادة الأولية) التي من مشتقاتها جميع المخلوقات المادية: كالسماوات، والأرضين، وما فيها، وما بينها؛ فإن الفضول يدفعنا إلى أن نمتدَّ بأذهاننا إلى أمرين:

1- مصدر اشتقاق النور.

2- القدرة التي تحرك النور، وتلقح قدراً من هذا الشعاع بقدرين من ذلك الشعاع، بضعفيهما من شعاع ثالث؛ فتتولد ذرة معينة. وتزيد في نسبة هذا الشعاع، وتنقص من نسبة ذلك الشعاع؛ فتتولد ذرة أخرى. وهكذا... باختلاف الأشعة، وباختلاف النسب؛ تتولد أنواع كثيرة من الذرات.

ويمكن أن نقول: إن مصدر النور (كلمة الله). قال الله كلمة فكان النور، أو: قال الله كلمات فكانت كل كلمة شعاعاً، وبتعدد كلمات الله تعددت الأشعة.

وأما القدرة التي تحرك الأشعة، وتلقحها ببعضها، وتولد الذرات، ثم تلقح الذرات، وتولد الكريات، وهكذا... فهي – أيضاً – كلمات الله، ولكنها كلمات من نوع آخر.

هذه خلاصة الأحاديث التي تبحث في: التكوين، وكيفية تنشئة الأكوان، والكونيات.

صحيح: أننا لا نفهم طبيعة كلمات الله، ولا كيفية تطورها إلى الأشعة، ولا كيفية توجيهها للأشعة إلى تفاعلاتها المختلفة، ولا كيفية سيطرتها على حركة الذرات والأجرام وولائدها؛ ولكننا – حسب الروايات – نفهم:

أن كلمات من الله تطورت إلى الأشعة الكونية المختلفة. كما نفهم: أن القوى المحركة للأشعة، وكل مشتقاتها، كلمات أخر من الله.

وهذا النوع الثاني من الكلمات، هي التي تولد: الجاذبية، والدافعية، والنسبية العامة، وكل المعادلات والأوضاع التي تؤدي إلى التفاعلات والتوالدات الهائلة في هذا الكون الرحيب.

من كل ذلك، نستخلص نوعين من كلمات الله:

النوع الأول:

الكلمات التوليدية، وهي المتغيرات، أي: المواد الكونية الأساسية. فكل كلمة منها مادة تتفاعل وتتغير، ولكنها خالدة لا تفنى ولا تنتهي.

النوع الثاني:

الكلمات التوجيهية، وهي المغيرات – أو المدبرات –. فكل كلمة منها قوة فاعلة، تحرك مادة معينة، بشكل معين، وباستمرار؛ لأنها خالدة لا تفنى ولا تنتهي.

والكلمات التوليدية كثيرة، ومنتشرة، لا يمكن الإحاطة بها لغير الله. ولكن يستطيع الفرد من البشر استيعاب بعضها المتناسب معه، كما يستطيع شرب مقدار معين من الماء، واستنشاق كمية معينة من الهواء.

والكلمات التوجيهية كثيرة، ومنتشرة، لا يمكن الإحاطة بها لغير الله. ولكن يستطيع الفرد من البشر استيعاب بعضها المتناسب معه، كما يستطيع تعلم بعض العلوم، وفهم بعض المعادلات.

والكلمات التوجيهية – على العموم – أهم، لأنها حاكمة على الكلمات التوليدية.

وكما أن بعض الكلمات التوليدية أهم من بعض، كذلك: بعض الكلمات التوجيهية أفضل.

كلمات الله أيضاً

ذلك أن كل ذرة من ذرات الكون – في ذاتها – قائمة بكلمة من كلمات الله، أو بأكثر من كلمة. وفي حركتها، قائمة بكلمة من كلمات الله، أو بأكثر من كلمة. وإذا كانت ذرات الكون – في ذواتها، وحركاتها – أكثر من أن يحصيها إلا الله، فكلمات الله أكثر من أن يحصيها إلا الله. حتى... ولو كانت أشجار الوجود – كلها – أقلام على سبعين ضعفاً، وحتى... لو مدَّ البحر – بعده – سبعون بحراً. إن كل ذرة من الماء، لا تكفي مداداً لتكتب عن ذاتها وحركاتها، بالمقدار الكامل. بل لا بد من ذرات كثيرة من الماء، مداداً لكتابة: نشأة وتاريخ ذرة واحدة من الماء.

ومعنى ذلك: أن البحار تحتاج إلى أكثر من سبعة أبحر، حتى تكفي مداداً للكتابة عن البحار، فقط: فكيف تكفي البحار الموجودة مداداً لكتابة جميع ذرات الوجود، وتحركاتها، وتفاعلاتها؟!

(1) سورة الذاريات: الآية 47.

(2) مستدرك الوسائل – ج 2 – كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – باب 15 – حديث 2.

(3) سورة الكهف: الآية 49.

(4) سورة يس: الآية 65.

(5) سورة طه: الآيتان 51 – 52.

(6) سورة فصلت: الآيات 19 – 23.

(7) عيون أخبار الرضا (ع) – للشيخ الصدوق – ج 2 – باب(31) – ص 74 – حديث 347.

(8) سورة هود: الآية 114.

(9) سورة هود: الآية 16.

(10) نهج البلاغة – الوصية(31).