الفهرس

التفسير وعلوم القرآن

الصفحة الرئيسية

 

(30)

۞ (سورة الروم)  ۞

مكية وهي ستون آية

الإنسان القديم


((أ ولم يسيروا في الأرض، فينظروا: كيف كان عاقبة الذين من قبلهم؟! كانوا: أشد منهم قوة، وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها، وجاءتهم رسلهم بالبينات، فما كان الله ليظلمهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)).

[سورة الروم: الآية 9].


هذه الآية:

حقيقة علمية لم يكتشفها العلم، ولم يتوصل إليها علماء الآثار.

وهي: أن الإنسان القديم كان يمتاز عن الإنسان الحديث بميزتين:

الأولى: أنه كان أشد قوة جسدية من الإنسان الحديث.

والقوة: تقبل التفسير بالقوة الجسدية العضلية، كما تقبل التفسير بالقوة الفكرية العلمية. ولكن المراد من القوة – هنا – هو القوة الجسدية، بدليل إردافها بالقوة الفكرية:

((وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها)).

فالإنسان القديم كان أشد قوة جسدية من الإنسان الحديث، وهل كان أضخم جثة؟ ربما! لأن القوة الجسدية تتوازن – عادة – مع حجم الجثة.

والمعلومات الجيولوجية تتوارد على أن الحرارة الكونية كانت – قديماً أغزر في الأرض، فكانت كائناتها أضخم وأشد. ووجدت في الحفريات، بقايا حيوانات وأشجار ضخمة عملاقة لا توجد نماذجها اليوم، رغم أن سلالاتها مستمرة حتى اليوم.

والإنسان القديم – كنوع من أنواع الحيوان – لا يستبعد أن يكون أضخم وأطول من الإنسان الحديث، تناسباً مع درجة حرارة الأرض وسائر كائناتها.

وعلى العموم: إن المخلوقات الأرضية في مرحلة تفجر فتوة الأرض، كانت أشد منها اليوم وهي في مرحلة الكهولة، بدليل أنها سائرة نحو الشيخوخة التي تتناقص فيها الحرارة الكونية – وبالتبع: مخلوقاتها سائرة نحو الضعف، أي: التضاؤل الجسدي والفكري – حتى تصبح حرارتها دون مستوى شهوة الحياة، فيموت عليها جميع الناس والحيوانات. ثم: تلبث (ما شاء الله) – كما في الأحاديث – وهو تعبير عن مدة طويلة جداً، ولا نعلم: كم مئة من ملايين السنين أو ملياراتها يشاء الله؛ – حتى تحدث تطورات مهمة ترفع درجة الحرارة الكونية في الأرض إلى مستوى هيجة الحياة، فيحشر الناس والحيوانات إلى القيامة.

وعلى ضوء ذلك: يمكن أن نفهم كيف؟ ولماذا؟ يروي القرآن أن الناس القدامى: ((كانوا: أشد منهم قوة)).

الثانية: إنه كان أشد قوة فكرية من الإنسان الحديث، والقوة الفكرية تنعكس على الحياة الاجتماعية حضارة، فكان أفضل حضارة من الإنسان الحديث:

((وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها)).

وآثار هاتين الميزتين باقية في طبقات الأرض، كما أن آثار مصيرهم المفزع – أيضاً – باقية في طبقات الأرض:

((أ ولم يسيروا في الأرض، فينظروا: كيف كان عاقبة الذين من قبلهم؟!)).

س: فمن هو الإنسان القديم؟

ج: لعل الإنسان القديم إنسان ما قبل آدمنا، لأن آدمنا ليس أول إنسان على الأرض.

ولعله الأوائل من أولاد آدمنا، إذ لم يثبت – بالضبط – تاريخ آدمنا، فلعله كان قبل مئات الملايين من السنين. والتاريخ لا يصمد أمام السافيات من السنين، ولا يصمد أمام الحروب المدمرة الشاملة، فقد يكون ما حذف من التاريخ أكثر مما بقي منه.

س: ولماذا لم يعثر العلماء، على آثار حضارة أفضل، بواسطة الحفريات؟

ج: إن أرشيف الأرض يحافظ على آثار جميع الحضارات، بل آثار جميع حركات الإنسان والحيوان والنبات، ولكن لا بد من ملاحظة ما يلي:

1- أن آثار الإنسان المتوغل في القدم، تكون في طبقات عميقة جداً، لم تتوصل إليها – حتى اليوم – حفريات العلماء. وربما تكون آثار الإنسان الأول، في الطبقة العجينية، التي لا يمكن دراسة الآثار فيها بالوسائل العلمية المعاصرة.

2- إن الحروب الذرية تدمر حتى الآثار، خاصة: إذا كانت الكميات الذرية التي استخدمت في الحرب، كبيرة جدا. وربما تكون الحروب الذرية، التي عصفت بالأرض في أزمنة بالغة القدم، عديدة ومتنوعة.

3- إن الحفريات لم تمسح – بعد – قشرة الأرض، ولذلك: يكتشف العلماء – كل يوم – شيئاً جديداً، ولعلهم يكتشفون – في المستقبل – آثار الإنسان القديم، والحضارات التي أقامها.

وإذا استطاع العلم أن يستخلص، من طبقات الجو، الأصوات التي انطلقت قبل مئات الملايين من السنين، فقد يعرف تاريخ الإنسان الأول.

وإذا استطاع العلم أن يقرأ البصمات على ذرات التراب، في الطبقات العميقة من القشرة الأرضية، فربما يعرف أنواع الحضارات التي أقامها الإنسان القديم.

* * *

وقبل أن يغلق القرآن ملف الإنسان القديم، يركز الضوء على نقطتين توجيهيتين:

الأولى: أن الله لم يهمل الإنسان القديم، ولم يتركه لنفسه، وإنما أمده بتوجيهات السماء. فأخذ بالجانب العلمي منها، وترك الجانب التوجيهي منها. فأقام حضارات أسطورية، لم يستطع الإنسان الحديث التوصل إليها. ولكنه دمرها – في نهاية المطاف – ودمر نفسه معها: ((وجاءتهم رسلهم بـ))، القضايا ((البينات))، التي تتغلغل في الأدمغة والقلوب بلا استئذان، ولكنه أعرض عنها، واتبع رغبات التسلط والاستئثار، التي أدت به إلى الدمار.

الثانية: أن فناء الإنسان القديم وحضاراته، إنما تم بفعله، على أثر انسياقه مع نزوات الطغيان التوسعية، ولم يكن نتيجة لضربات الأقدار، التي يمكن للماديين أن يلوموا عليها السماء. فهو الذي يتحمل مسؤولية فنائه، ولا يحق له أن يحمل السماء مسؤوليته: ((فما كان الله ليظلمهم))، أو ليظلم سواهم، لأنه هو الذي قرر المقاييس العادلة، ولا يناقضها... ((ولكن)) الناس هم الذين ((كانوا) وسيظلون ((أنفسهم يظلمون)).

تمغنط الإنسان بين الموجب والسالب


((ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى: أن كذبوا بآيات الله، وكانوا بها يستهزئون)).

[(سورة الروم: الآية 10).


وهذه الآية:

حقيقة علمية أخرى، لم يكتشفها العلم المادي، ولم يتوصل إليها العلماء الماديون، ولن يتوصلوا إليها عن طريق المعامل والمختبرات. ولن يكتشفها غير العلم الكوني الشامل، الذي يدرس الماديات والروحيات معاً، بمقدار ارتفاعهما في واقع الحياة.

وهي: أن الإنسان مزيج مركب من جميع أخلاط كوننا الصغير – ونشدد على كلمة: (كوننا) لأننا لا نعرف تفاصيل الأكوان الأخرى – وهي تفرز – في نهاية دورتها الكمالية – إلى عناصر موجبة يعبر عنها بـ: (العناصر النورانية)، وإلى عناصر سالبة يعبر عنها بـ: (العناصر الظلمانية). والأولى تتفتح على مصدر الكون، وتواكب مسيرة الكون، وفي – نهاية التجربة – تشكل: (الجنة) وكل ما يفرز إليها. والثانية تنغلق عن مصدر الكون، وتناقض مسيرة الكون، وفي – نهاية التجربة – تشكل: (جهنم) وكل ما يفرز إليها.

والروحيات الموجبة – كالأسماء، والكلمات، والملائكة، وأرواح المعصومين من الناس – مخلوقة من العناصر النورانية، أو هي أنوار ذاتها.

والروحيات السالبة – كالشياطين – مخلوقة من العناصر الظلمانية، أو هي ظلمات ذاتها.

أما الروحيات المتوسطة – كالجن، وأرواح الإنسان، والحيوانات، وسائر المكلفين – وجميع الماديات، فهي مخلوقة من مزيج من العناصر الموجبة والسالبة، بنسب مختلفة، بحيث تتطابق الأرواح مع الأجساد.

وهل كانت النسب مختلفة في ابتداء الخليقة، أي: أول ما خلق الله؟

ربما قال قائل: نعم! وأن الله ضحى ببعض المخلوقات – التي جعل فيها نسبة السالبات أعلى – لمصلحة المجموع، حتى يكون التناقض حاداً، والامتحان جاداً، لأن التكامل لا يأخذ مداه إلا في جو صراعي متوتر.

ولكن التضحية بالبعض – ولو لمصلحة المجموع – تقبل التفسير بالمحاباة، وترجيح من غير مرجح، لأنها – في النهاية – لمصلحة بعض على حساب بعض، ولا يتورط فيها إلا عاجز أو ظالم. وأما القدرة المطلقة، في العدل المطلق: فلا تلجأ إلى مثل هذا المأزق.

ولعل الصحيح: أن الله – تعالى – ابتدأ الخلقة بخلائق متوازنة، تتعادل فيها العناصر الموجبة والسالبة، ثم لما طرحت للتجربة – في أول العوالم – انقسمت على بعضها: فمن عمل الخير أكثر، ارتفعت فيه نسبة العناصر الموجبة. ومن عمل الشر أكثر، ارتفعت فيه نسبة العناصر السالبة.

والذين عملوا الشر، أصبحوا معصومين من أنبياء وأوصياء، واختلفت درجاتهم باختلاف مقدار الخير الذي عمله كل واحد منهم.

والذين لم يعملوا الخير، أصبحوا أئمة الكفر، واختلفت دركاتهم باختلاف مقدار الشر الذي عملوه.

والذين لم يعملوا الخير والشر، وكان خيرهم أكثر، أصبحوا صالحين.

والذين كان شرهم أكثر، أصبحوا فاسقين، وعلم بهذا السابق لا ينافى في الاختيار. فالله – تعالى – عدل في البدء، والناس – ومثلهم سائر الخلائق – هم الذين غيروا المعادلات بمحض اختيارهم:

((كان الناس أمة واحدة. فبعث الله النبيين – مبشرين ومنذرين –، وأنزل – معهم – الكتاب بالحق، ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه. وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه، من بعد ما جاءتهم البينات، بغياً بينهم. فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه – من الحق – بإذنه. والله يهدي – من يشاء – إلى صراط مستقيم))(1).

والعناصر الموجبة – في كل مخلوق – تشكل رصيد الخير في ذاته، وتنزع إلى جميع الإيجابيات: ابتداء بالإيمان بالله، ومروراً بالواجبات وانتهاء بآخر المستحبات.

والعناصر السالبة – في كل مخلوق – تشكل رصيد الشر في ذاته، وتنزع إلى جميع السلبيات: ابتداء بالكفر بالله، ومروراً بالمحرمات، وانتهاء بآخر المكروهات.

ومهمة الملائكة، تنشيط العناصر الموجبة في ذات كل مخلوق. ومهمة الشياطين، تنشيط العناصر السالبة في ذات كل مخلوق. ولعل ذلك هو معنى الأحاديث، المتواترة معنىً، التي تؤكد: ((أن في قلب كل إنسان لمتان: لمة الملائكة، ولمة الشياطين...)(2).

وبما أن دلالات العناصر الموجبة والسالبة غامضة، لأنها أشبه بالجنين – ولذلك: يعبر عنها بـ: (اللاشعور) –: جاء الأنبياء ليجهروا بدلالات العناصر الموجبة، ويقننوها، ويوظفوها في قنوات واضحة، ثم يسبغوا عليها الشرعية. وجاء الطواغيت: (شياطين الإنس) ليجهروا بدلالات العناصر السالبة، ويقننوها، ويوظفوها في قنوات واضحة، ثم يموهوا قبحها الذاتي. ولذلك: ما بعث الله نبياً إلا وبعث – في الجانب الآخر – طاغوتاً يضاده ويناده. ولم يرفع الله – على خندق – راية حق (من وصي، أو عالم) إلا ورفع – على الخندق الآخر – راية باطل (من داعية إلحاد، أو مسول فساد). أولم يقل الله تعالى: ((وكذلك: جعلنا – لكل نبي – عدواً: شياطين الإنس والجن، يوحي – بعضهم إلى بعض – زخرف القول غروراً. ولو شاء ربك ما فعلوه، فذرهم وما يفترون * ولتصغى – إليه – أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، وليرضوه. وليقترفوا ما هم مقترفون))(3).

فالعناصر الداخلية – الموجبة والسالبة – سواء توازنت (وهو قليل إن وجد) أو اختلفت (وهو كثير إن لم يكن الكل)؛ فإن كلاً منهما يجد المشجعات والأجواء المناسبة، والله – تعالى – يسهل الأمور لهما معاً، بل قد يعينهما على حد سواء. وإعانته إياهما، لطف منه عليهما سيان. لأن مرده إياهما عمل إيجابي يساعدهما على تكاملهما، ولا يغير طبيعة العمل كيفية توظيفه من قبل الآخرين: ((وهديناه النجدين))(4)، ((كلاً نمد: هؤلاء... وهؤلاء... من عطاء ربك، وما كان عطاء ربك محظوراً))(5).

فالمدد الكوني، من الله تعالى، مستمر لكلتا الجبهتين سواء بسواء، بواسطة قاعدة كونية هي قاعدة: (تجاذب الأمثال). فالفاعليات الموجبة تتكتل، كما تتكتل الفاعليات السالبة. فالجبهة الموجبة تلقى الدعم، بتوارد المفردات الموجبة، المنتشرة في الكون، إليها. والجبهة السالبة تلقى الدعم، بتوارد المفردات السالبة، المنتشرة في الكون، إليها.

والإنسان مجال رحب خصب لكلا الجانبين: فالعناصر الموجبة، تنسحب على جميع الناس، بنسب متفاوتة، بمقتضى اختياراتهم في العوالم السابقة. كما أن العناصر السالبة، تنسحب على جميع الناس، بنسب متفاوتة، بمقتضى اختياراتهم في العوالم السابقة. ولكن لا يخلو فرد – سوى أئمة الكفر – من العناصر الإيجابية، كما لا يخلو فرد – سوى المعصومين – من العناصر السالبة. ويبقى كل فرد بينهما، سيد نفسه وصاحب القرار، فهو يملك الانضمام إلى أي طرف شاء: فإذا اختار طرف الإيجاب، تلقى الدعم الكافي من المفردات الموجبة للارتفاع، وبمعدل ارتفاع نسبة العناصر الموجبة فيه، تنخفض العناصر السالبة فيه، حتى يتخلص – نهائياً – من العناصر السالبة، ويخلص للعناصر الموجبة، ويبلغ مستوى: (أعلى عليين). وإذا اختار طرف السلب، تلقى الدعم الكافي من المفردات السالبة للانحدار، وبمعدل ارتفاع نسبة العناصر السالبة فيه، تنخفض نسبة العناصر الموجبة فيه، حتى يفرغ – نهائياً – من العناصر الموجبة، ويتفرغ للعناصر السالبة، ويبلغ مستوى: (أسفل سافلين):

((الله ولي الذين آمنوا، يخرجهم من الظلمات إلى النور. والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت، يخرجونهم من النور إلى الظلمات، أولئك: أصحاب النار، هم – فيها – خالدون))(6).

وهكذا... يسير الجانبان في خطين متضادين، حتى يقفل الفرد الموجب على الإيجاب فلا يبقى للشيطان فيه نصيب، وحتى يقفل الفرد السالب على السلب فلا يبقى للإيمان فيه نصيب.

إذن: فكل من يأتي إلى هذه الحياة – باستثناء المعصومين – يحمل في هيولاه عناصر سالبة، وهذه العناصر السالبة تبثُّ ظلمات، وهذه الظلمات تنعكس عليه شراً، وباختلاف نسبة تلك العناصر تكون نسبة الكفر فيه.

وكل من يأتي إلى هذه الحياة يحمل في هيولاه عناصر موجبة، وهذه العناصر الموجبة تبث أنواراً، وهذه الأنوار تنعكس عليه خيراً، وباختلاف نسبة تلك العناصر تكون نسبة الخير فيه.

ونستخلص من كل ذلك: أنه لا يخلو إنسان من الشر – باستثناء المعصومين –، كما لا يخلو إنسان من الخير. وهكذا... يمكن أن نفهم الأحاديث الواردة في هذا المجال.

والإنسان يبقى سيد نفسه وصاحب القرار، قبل أن يقفل، فيستطيع التحول من خط إلى خط:

((ضرب الله مثلاً للذين كفروا: امرأة نوح وامرأة لوط، كانتا تحت عبدين من عبادنا الصالحين، فخانتاهما، فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً، وقيل: ادخلا النار مع الداخلين))(7).

((وضرب الله مثلاً للذين آمنوا: امرأة فرعون، إذ قالت: رب! ابن لي عندك بيتاً في الجنة، ونجني من فرعون وعمله، ونجني من القوم الظالمين))(8).

((واتل عليهم: نبأ الذي آتيناه آياتنا، فانسلخ منها، فأتبعه الشيطان، فكان من الغاوين))(9).

((ثم)) وبعد العوالم السابقة والتجارب السابقة، بقي السلبيون – من الأمم السابقة – أصحاب القرار، ولكنهم استهانوا بالمحرمات، فارتكبوا واحدة منها، وهذه الواحدة مهدت للأخرى، والأخرى للثالثة، وبالتتابع وصلوا إلى المنزلق، حتى ((كان عاقبة الذين أساءوا السوأى)) وهم يظنون: أنهم يرتكبون مجرد محرمات، يستطيعون الإقلاع عنها، والتوبة منها متى شاؤوا، غير شاعرين بأنهم وصلوا إلى نقطة اللاعودة، فانتهوا إلى: ((أن)) كفروا بالله، و ((كذبوا بآيات الله))، وربما توغلوا في الكفر: ((وكانوا يستهزئون)) ليمنعوا غيرهم عن التجاوب معها. فأصبحوا من دعاة الكفر، من حيث لا يتوقعون الوصول إلى هذه النهاية، لأنهم أنكروا حقيقة واضحة هي: أن كل من سار على خط وصل – يوماً – إلى نهايته. والطاعة خط ينتهي إلى الإيمان الخالص، كما أن المعصية خط ينتهي إلى الكفر الخالص.

هذه... سُنَّة الله في الذين خلوا من قبل، وهي... سنة الله في الذين يأتون من بعد. لأن سنن الله – في الحياة – ثابتة، ترفض التحويل والتبديل.

من مزايا الإنسان


((ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى: أن كذبوا بآيات الله، وكانوا بها يستهزئون)).

[(سورة الروم: الآية 10).


1- لعل أغرب ظاهرة في الإنسان، رغم صغر كتلته، وبساطة مظهره؛ أنه ملتقى مجموعة هائلة العدد، من طاقات الأرض وطاقات السماء. حتى أنه لم يكتشف العلم شيئاً من طاقات الأرض، إلا وهي موجودة في الإنسان. وحتى أنه لم يكشف الدين عن شيء من طاقات السماء، إلا وهي موجودة في الإنسان. ولم يكشف الدين – ولا العلم – عن كتلة أخرى، تكون جامعة لكل طاقات الأرض والسماء، ككتلة الإنسان.

2- ولعل أغرب ظاهرة في حياة الإنسان، أن كل طاقة من هذه الطاقات – المتجمعة في الإنسان – قابلة للتنمية والتضخيم: فالإنسان يستطيع تنمية جسمه فقط، ويستطيع تنمية يده وحدها، أو رجله وحدها، أو سامعته فقط، أو عينه فحسب... كما يستطيع تنمية روحه فقط، ويستطيع تنمية طاقة من طاقات روحه، بحيث يتخصص فيها حتى درجة التفوق، فينمي طاقة: السياسة، أو الرياضيات، أو الأدب، أو الفقه، أو الفلسفة، أو الطب...

3- ولعل أغرب من كل مظاهر الإنسان، أن كل شيء في الحياة يستهلك بالحركة، غير الإنسان، فهو ينمو بالحركة. وأن كل شيء يحتفظ بكامل كيانه وهيئته، بالجمود – إذا كان في وضع صحي – إلا الإنسان، فهو يتضاءل بالجمود، مهما كان وضعه صحياً. فلا يحتاج الإنسان في تنمية جسده – أو بعض جسده – إ إلى تحريكه بشكل مناسب، حتى ينمو بمقدار تلك الحركة. ولا يحتاج في تنمية روحه – أو إحدى طاقات روحه – إلا إلى تحريكها بشكل مناسب، حتى تنمو بمقدار تلك الحركة. وهذه الدينامية الخاصة بالإنسان، تدل على أن كل فرد منه، عضو متصل بالكون، في شقيه: المادي والروحي – رغم أنه يبدو وحدة متكاملة، منفصلة عن بقية الكون – بدليل أنه يأخذ من الكون عندما يحتاج إلى الأخذ، والحركة تعني الحاجة. والكون يأخذ منه كلما استغنى عن شيء منه، وعدم الحركة يعني الاستغناء.

4- والخير والشر طاقتان من طاقات الروح:

فإذا تحركت فيه طاقة الخير بشكل مناسب – والدين مقياس الشكل المناسب – تنمو فيه طاقة الخير، حتى تبلغ قمتها، وهي الإيمان الكامل، الذي تلازمه العصمة الكبرى، التي لا ينبض معها حنين فيه إلى الشر، مهما فبركته الظروف في اتجاه الشر.

وإذا تحركت فيه طاقات الشر بشكل مناسب – ومخالفة الدين مقياس الشكل المناسب – تنمو فيه طاقة الشر، حتى تبلغ قمتها، وهي الإلحاد الكامل، الذي لا ينبض معه حنين فيه إلى الخير، مهما فبركته الظروف في اتجاه الخير.

ويدل على أن تحريك طاقة الخير ينتهي بالعصمة الكبرى، قول الله تعالى – في شأن الأنبياء، والملائكة –:

((وما كان لنبي أن يغل...))(10).

و: ((... لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون))(11).

ويدل على أن تحريك طاقة الشر ينتهي بالإلحاد الكامل، قول الله تعالى – عن أهل النار –:

((... ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وإنهم لكاذبون))(12).

فعمل الخير البسيط، خطوة على طريق الخير، الذي ينتهي بالإيمان المطلق.

وعمل الشر البسيط، خطوة على طريق الشر، الذي ينتهي بالإلحاد المطلق.

هكذا... يبدو من الطبيعي، أن تكون عاقبة الذين يعملون الخير هي الإيمان، وأن تكون عاقبة الذين يعملون السوء هي الإلحاد.

ضرورة العاطفة


((ومن آياته:

أن خلق لكم – من أنفسكم – أزواجاً، لتسكنوا إليها. وجعل – بينكم – مودة ورحمة. إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)).

[(سورة الروم: الآية 21).


قبل أن ندخل في تفسير الآية، لا بد من تفسير العاطفة، وتبريرها:

1- تفسير العاطفة:

العاطفة طاقة عمياء وجامحة، تسيطر على العاطفيين، وتغالب الفكريين. وهي طاقة تريد، ولا تبحث عن تبرير لما تريد. فلماذا خلقها الله؟

2- تبرير العاطفة:

خلقها وقوداً يحرك الإنسان. ولولاها، لما تحرك العاطفيون. ولا الفكريون، إلا قليلاً.

ذلك: أن الله – تعالى – خلق الفكر ضياء ينير درب الإنسان، ويوضح له طريق الخير عن طريق الشر، حتى لا تتشابك أمامه الطرق. ولكن طاقة الفكر لا تطيق تحريك الإنسان، فهو خلود إلى الأرض، ولا يتحرك في اتجاه الخير إذا رآه، ولا يتحرك في الاتجاه المضاد للشر إذا رآه، وإنما هو بحاجة إلى طاقة دافعة، لا تدعه يخلد إلى الأرض.

ولذلك: خلق الفكر، وخلق – وراءه – العاطفة، تسنده وتدفع إليه. فجاءت كل عاطفة خلف فكرة تنسجم معها، لتأمين إحدى ضرورات الوجود.

فمثلاً: تسلسل البشر، ضرورة من ضرورات الوجود. وكانت فكرة تكوين الأسرة من نواة إيجابية ونواة سلبية: رجل وامرأة، تؤمن تسلسل البشر. ولكن: أي رجل مستعد لتحمل الأسرة؟ وأية امرأة مستعدة لتحمل الإنجاب؟ لا أحد... غير المؤمنين القلائل، الذين بلغ بهم الإيمان درجة التضحية. وهم لا يستطيعون تأمين تسلسل البشر، لقلة عددهم، وتسلسل البشر يحتاج إلى اشتراك أكثر الناس في هذا المجال. ولما انتهى دور الفكر في كشف هذه الضرورة، ولم يتحرك الناس، جاء دور العاطفة، التي تحرك الناس بلا نقاش، في اتجاه هذه الضرورة. فرغم أن العاطفة طاقة عمياء، كثيراً ما ترمي بالناس في المهالك، ولكن لا بد منها رغم أخطارها، إذ لا يستطيع تأمين هذه الضرورة، غيرها.

وضرورة تسلسل البشر حياتية، فلا بد من تأمينها بالفكر إن أمكن وإلا فبالعاطفة، رغم ما تكبد الأفراد من تضحيات، لأن المصلحة العامة تبرر التضحية بالمصالح الخاصة.

ففلسفة العاطفة، هي: أنها القوة التنفيذية للفكر، ودورها دفع الناس في الاتجاه الذي يعبِّده الفكر.

الدين القيم


((فأقم وجهك للدين حنيفاً، فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله. ذلك الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون)).

[(سورة الروم: الآية 30).


هنالك: تصورات تعتبر الدين عنصراً دخيلاً في الوجود، فرضه الله على البشر، لمجرد ممارسة سلطانه عليهم، وإشعارهم بربوبيته. فالجبان الخانع، يتمسك به، تخلفاً وقلة حيلة. والشجاع اللامع، يتمرد عليه، ويمارس رغباته، ثم يقنعه – آخر الأمر – بالاعتراف أو الاستغفار، دهاء منه وتقلباً.

وتعتمد هذه التصورات على إسرائيليات تقول:

إن يعقوب (ع) صارع الله، من أول الليل إلى آخره، فلما طلع الفجر صرعه، وانتزع منه البركة – أي: النبوة –.

وإن إبراهيم (ع) دعا الله إلى خروف، فأكله بالجملة.

واختفى آدم (ع) منه خلف شجرة في الجنة، فلم يعرف الله مكانه.

وإلى آخر ما هنالك من مفتريات، لفقها المتاجرون باسم الدين، ضحكاً على ذقون جهلة في القرون الخالية، ثم بقيت... مع ما بقي من آثار – تفسر أفكار الناس في تلك القرون.

ولست أدري: كيف تستطيع هذه التصورات الساذجة، أن تفسر الجمع بين الدقة في الخلق والبساطة في المعاملة؟! فإذا كان الله، هو الذي خلق كل شيء، بهذا الإتقان الهائل الذكي؛ فكيف يعامل الناس بهذه البساطة المتناهية؟!

إن أصحاب هذه التصورات، يعاملون الله بما لا يعاملون به أسيادهم وحكامهم، وكان أولئك – لديهم – أذكى وأدق من الله. والعياذ بالله.

بينما الله خلق كل هذا الكون الرحيب، الحافل بكل غامض ورهيب. وكل هذه الحيوانات المتداخلة، من القوى الخيرة والشريرة. وكل هذه الأجيال، من البشر الصغير والكبير. إن الله الذي خلق كل هذا... أحكم من أن يستطيع البشر تصور أي جانب من جوانب عظمته، أ ولم يقل الإمام (ع): (ما عرفتك حق معرفتك)(13)؟!

إن دراسة أصغر شيء من مخلوقاته، تكفي للدلالة على مدى غباوة هذه التصورات.

فجاءت هذه الآية تدحض تلك التصورات، وتعرض نسب الإسلام وواقعه في الكون، وبيان أنه جزء مكمل من النظام العام في الكون، وأنه ليس طارئاً أو دخيلاً على الوجود.

فالله – تعالى – عندما بدأ الخلق، بدأه وفق نظام عام متناسق:

فخلق الكون من نوره، وكان باستطاعته أن يخلقه من لا شيء – كما خلق نوره من لا شيء –، ولكنه لم يفعل.

وخلق السماوات والأرض في ستة أيام – حسب تعبير القرآن –، وكان باستطاعته أن يخلقهما في لحظة أو في أكثر من ستة أيام، ولكنه لم يفعل.

وخلق الملائكة، والشياطين، والجن، والإنسان، والحيوان، والنبات... كلاً من أصل معين، وقرر لها – جميعاً – نظاماً إدارياً عاماً واحداً، وسير كل هذه الأشياء وفق ذلك النظام، فجعلها تتفاعل وتتلاقح وفق المقاييس الدقيقة الخاصة – ضمن ذلك النظام –:

((... ربنا: الذي أعطى كل شيء خلقه، ثم هدى))(14).

((والشمس تجري لمستقر لها))(15) وفق ذلك النظام.

((والقمر قدرناه منازل...))(16) وفق ذلك النظام.

((... والنجوم مسخرات بأمره...))(17) وفق ذلك النظام.

((... كل في فلك يسبحون))(18) وفق ذلك النظام...

(1) سورة البقرة: الآية 213.

(2) انظر بحار الأنوار – ج 67 – ص 33 – حديث(1) – وص 44 – حديث(2).

(3) سورة الأنعام: الآيتان 112 – 113.

(4) سورة البلد: الآية 10.

(5) سورة الإسراء: الآية 20.

(6) سورة البقرة: الآية 257.

(7) سورة التحريم: الآية 10.

(8) سورة التحريم: الآية 11.

(9) سورة الأعراف: الآية 175.

(10) سورة آل عمران: الآية 161.

(11) سورة التحريم: الآية 6.

(12) سورة الأنعام: الآية 28.

(13) عوالي اللآلي – ج 4 – ص 132 – ح 227.

(14) سورة طه: الآية 50.

(15) سورة يس: الآية 38.

(16) سورة يس: الآية 39.

(17) سورة النحل: الآية 12.

(18) سورة الأنبياء: الآية 33.