|
(28) ۞ سورة القصص ۞ مكية (وهي ثماني وثمانون آية) |
|
مواصفات سلطة الإمام المنتظر (ع) ((و)) كذلك ((نريد)) نحن: الله ((أن)) نصطفي لنعمائنا جماعة، زودناهم بالمؤهلات العالية فغمطت أصحاب السلطات الزمنية حقوقهم، وطاردتهم، حتى كأنهم لا يستحقون شيئاً. بينما احتفظوا بمستواهم، فلم يسفوا تحت وطأة الطوارئ، ولم يركعوا للأحداث، وإنما رفضوا الهزيمة، وصمدوا بمناعتهم الذاتية. فاستحقوا أن نصطفيهم لنعمائنا، ونعلن – من خلالهم – أن إرادتنا هي المنتصرة، مهما تألبت ضدها القوى، لأن إرادتنا تجسد الواقع، والواقع ينتصر في المدى الطويل. وهؤلاء... هم (الذين)) جابهتهم قوى الأرض، فـ ((استضعفوا في الأرض)). ولكنهم ما ضعفوا ولا انهاروا، وإنما واصلوا السير، من خلال الطوارئ التي أعدت لإيقافهم. فهؤلاء... الذين آمنوا بالله، والتزموا بأوامره، فانطلقوا من مقاييس الدين، غير آبهين بمقاييس الدنيا، وعلقوا أبصارهم بنور الحق، مستهزئين بظلام الباطل. هؤلاء... سنضاعف ثوابهم في الدنيا – بالإضافة إلى ثواب الآخرة –، فنخولهم سلطتين: الأولى: السلطة الروحية، في أعلى مراتب السلطة الروحية، وهي: (الإمامة). فنخولهم الإمامة، ((ونجعلهم أئمة)): التي هي السلطة الروحية المطلقة. الثانية: السلطة الزمنية، في أعلى مراتب السلطة الزمنية، وهي: (الوراثة) فنخولهم الوراثة، ((ونجعلهم الوارثين)): التي هي السلطة الزمنية المطلقة، التي لا أعلى منها إلا سلطة الله. وسلطة الوراثة أعلى سلطة، لأسباب: 1- سلطة الوراثة ليست معلقة بين قمة آمرة وقاعدة مأمورة، كما هي – عادة – حال السلطات الزمنية. فكل سلطة زمنية إنما هي – في الواقع – سلطة تنفيذية فحسب، وتؤدي دور الجندي فقط. ففي الأنظمة الديكتاتورية: تتسلم السلطة الزمنية أوامرها من الحاكم الديكتاتور – ملكاً أو رئيس جمهورية –، والحاكم الديكتاتور – نفسه – يبقى مأموراً بردود فعل التيارات المتشابكة تحته، وبالأنظمة القاهرة فوقه. لأن الحاكم – مهما تركزت سلطته – يبقى عاجزاً أمام المتغيرات حوله، والأعراف السائدة حتى عليه وفي بيته. وفي الأنظمة الديموقراطية: تتسلم السلطة الزمنية أوامرها من الحاكم الديموقراطي – المتمثل في السلطة التشريعية، التي تتسلم صلاحياتها من القاعدة المأمورة وهي الشعب –، فتبقى السلطة الزمنية – بمختلف أشكالها – محصورة في حدود لا تستطيع تجاوزها، وتكون حاكمة على محكوم ومحكومة لحاكم. بينما تكون سلطة الوراثة أقوى، لأنها وريثة خبرات السلطات كلها، وخلاصة تجاربها. فلا تحمل جبروت الديكتاتورية، ولا عجز الديموقراطية. وإنما تكون نوعاً ثالثاً من السلطة، ليست عليها بصمات طيش الديكتاتورية، ولا وصمات جهل الديموقراطية، بل تكون سلطة مطلقة وصالحة، سجل التاريخ بعض تجاربها في سلطات الأنبياء والأئمة (ع) الذين حكموا. 2- سلطة الوراثة ليست مرهقة بالتأسيس، كما هي – عادة – حال السلطات الزمنية: حيث أنها ترهق في خروجها من تحت الأرض، ووثوبها إلى سدة الحكم. وترهق في السيطرة على القطعة التي تستولي عليها من الأرض، والقطاع الذي تستولي عليه من البشر. وترهق في تجربة نوعية الحكم... فتمارس الحكم، يبيسة النشاط، ضحلة القدرة. بينما تكون سلطة الوراثة أريح، لأنها تجني ثمار هذه الرهقات بلا رهق، فتمارس الحكم ريانة النشاط، وفيرة القدرة. 3- سلطة الوراثة ليست قلقة، كما هي – عادة – حال السلطات الزمنية، التي هي مادة التنازع بين هواتها، فلا ينتزعها أحدهم من أسلافه بالعنف والقهر، إلا وهو يعلم أن أخلافه سينتزعونها منه بالعنف والقهر، وكما أنه صب الويلات واللعنات على أسلافه، سيصب أخلافه عليه الويلات واللعنات، وكما أن من قبله نكب بها، سينكب هو بها... بينما تكون سلطة الوراثة آمن، لأنها مستقرة لا يستطيع هواتها أن يتنازعوها، وصاحبها مهيمن لا يحاذر أن تنشق الأرض عن من يقضي عليه ليستأثر بها. 4- سلطة الوراثة ليست مؤقتة، كما هي – عادة – حال السلطات الزمنية، التي يعلم صاحبها: أنه يبني لمن يهدم، ويزرع لمن يدوس. فهي في تداول مستمر بين المتناقضين. وكل من يستأثر بها – برهة من الزمن – يؤسسها وفق أفكاره، فإذا انقضت فترته، جاء بعده من يستأثر بها، لينسف كل ما أسس سلفه، ويؤسسها بشكل آخر، وإن لم يختلف مع سلفه في الرأي، وإنما لمجرد أن يثبت أنه ليس استمراراً له، وإنما هو أتى بالجديد في كل شيء، وأنه كان في كل شيء على باطل. فيما تكون سلطة الوراثة أبقى، لأنها مصيرية، ويعلم صاحبها: أنه يؤسس للأبد، ويبني للأجيال، وأن جهوده لا تذهب باطلاً. وهكذا... تكون سلطة الوراثة أقوى وأريح وآمن وأبقى. فهي أعلى مراتب السلطة الزمنية. وللسلطة الروحية – في مستوى الإمامة – مكانة عظيمة، وللسلطة الزمنية – في مستوى الوراثة – مكانة عظيمة، فإذا اجتمعتا في شخص؛ يجتمع له المجد من أطرافه، ويكون أقوى إنسان على الأرض. فالذين استضعفوا في الأرض وما انهاروا، يمنحهم الله هاتين السلطتين معاً، ويضيف إليهما خصلتين: الأولى: أن الله يمكنهم في الأرض: ((ونمكن لهم في الأرض)) حتى تكون سلطتهم مطلقة لا تحدها حدود، إلا إرادة الله فقط، ومتينة لا تطوف بها الزلازل والتمردات، كفاء ما استضعفوا وأهدرت طاقاتهم. الثانية: أن الله يسلطهم على أعدائهم: ((ونري: فرعون، وهامان، وجنودهما – منهم – ما كانوا يحذرون))، فيعاقبون – بأيديهم – من استهان بهم، وأنكر مواهبهم، وكبت قدراتهم. تعديل غريزة الخجل ((فجاءته إحداهما، تمشي على استحياء...)). الحياء – أو الخجل – قد يطغى ظله على فرد، فتسلبه حقوقه، وتشله عن واجباته. وربما يتقلص ظله عن فرد، فيغدو وقحاً مكروهاً. وبين هاتين الحالتين، علينا أن ندرس (غريزة) الخجل، فنعدله وننصفه. فالخجل: يلزم أن يكون له واقع مستقل حاكم، لا ظل شفيف حائم. فبالنسبة إلى كل موضوع، يلزم أن ندرسه: فإن آمنا به –بمقتضى الفلسفة العامة التي نعتنقها –، كان علينا أن لا نسمح للخجل بالحيلولة دونه. وإن لم نؤمن به – بمقتضى تلك الفلسفة –، كان علينا أن لا نسمح للخجل بالتوريط فيه. فالقضية – قبل الخجل – للإيمان بشيء، إيجاباً أو سلباً. ثم يأتي دور الخجل كـ (غريزة)، لتجميل الأداء قولاً أو عملاً. فالخجل (غريزة)، لو تركت لعفويتها تخبط – كسائر الغرائز –، وإن روضت تصبح أداة مستحبة الأداء. وهكذا... جاءت ابنة شعيب، تطلب يد موسى. وهذه جرأة، مارستها مرتين: مرة، عندما عرضت على أبيها رغبتها فيه: ((قالت إحداهما: يا أبت! استأجره...)) (1). ومرة، عندما جاءت – مباشرة – إليه، تعرض عليه نفسها. ولكنها لم تأت بوقاحة، وإنما جاءته باستحياء. فكان للحياء دور تجميل الجرأة، لتظهيرها في زي مقبول: ((فجاءته إحداهما، تمشي على استحياء...))، فغطت مجيئها الجريء بالحياء. فأعطت للحياء دوره المروض، كما أعطت لرغبتها صيغة العفاف. فاستجابت لغريزتها، واستجابت لحيائها. ولولا ذلك، لكان عليها: إما تلبية رغبتها على حساب عفافها، فتظهر وقحة مرفوضة. وإما تلبية حيائها على حساب غريزتها، فتصاب بالعقد التي يصاب بها الفاشلون في تلبية الغريزة. مصدر الهداية ((إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء، وهو أعلم بالمهتدين)). ((إنك)) يا محمد! ((لا تهدي)) إلى الحق ((من أحببت)) من الناس، أو من أحببت هدايته، لكونه قوياً، لو امتص الإسلام طاقته لنما وتوسع. ((ولكن الله يهدي من يشاء))(2) الهداية: فالذي يتجاوب مع الهداية، يمده الله، لينال الهداية بقدر ما يجد في ضميره من هدى. والذي يتنكر للهداية، لا يلزمه الله بالهداية، وإن أحببته – يا محمد! –، أو أحببت هدايته لمصلحة الإسلام. فمحبتك لفرد، أو لمصلحة الإسلام في هداية فرد؛ لا تجعلان العنصر الخبيث طيباً. والله لا يشاء مناقضة الحقائق التي قررها، وأجرى عليها نظام خلقه. العاقبة للمتقين ((تلك الدار الآخرة، نجعلها للذين: لا يريدون علواً في الأرض، ولا فساداً. والعاقبة للمتقين)). هنالك ظنون: إن الله خالق القوة، والكون، والجنة، والنار... له كل شيء، وله القدرة على التصرف كما يريد. ولكنه – في الوقت ذاته – أناني، يحب الإطراء والمديح. وساذج، يمكن الهروب من ناره، ومغالبته على جنته، بكلمة استغفار بعد ألف عام من العصيان. كما يمكن إثارة غضبه، وحبط عمل ألف عام، بزلة بسيطة – تعالى الله عما يظنون –. ويغذي هذه الظنون، ظاهر بعض الروايات القائلة بـ: (إن امرأة دخلت النار، في هرة ربطتها...)(3)، و: (إن عاهرة دخلت الجنة، لأنها سقت كلباً مشرفاً على الهلاك عطشاً)(4). فيما الواقع: أن الله، خالق الفكر والذكاء، لا يمكن أن يؤخذ بالمكر والخداع. ولا يمكن أن تأخذه البساطة، إلى نسيان كل المعادلات التي ركز عليها الوجود، واعتبرها سنته، التي تحدث عنها فقال: ((... فلن تجد لسنة الله تبديلاً، ولن تجد لسنة الله تحويلاً))(5). فمن الصعب الاطمئنان إلى صدق هذه الظنون، وإنما أظنها مفتعلة، اصطنعها الملحدون، وسمموا بها أوساط البسطاء، لتشويه عقائدهم. لأن أصحاب هذه الظنون – أنفسهم – إذا وقفوا أمام سياسي محنك، أو عالم مفكر، لا يفكرون في المغالطة والخداع، لأنهم يعتقدون أن لعبهم لا تنطلي عليه، ومجرد محاولتها يثير فيه سوء الظن، الذي يكشف جميع أوراقهم، فتعود بالكارثة عليهم، ويخسرون الموقف نهائياً. ولكنهم – بين يدي الله، الذي خلق كل المحنكين والمفكرين – يحاولون اللعب، ويجترئون على المجاهرة بعصيانه طيلة شبابهم، ظانين أنهم يتمكنون من استرضائه بكلمات – أو صلوات – في نهاية شيخوختهم. ومثل هذا الظن لا يكون واقعياً، وإنما مدسوساً على البسطاء الذين يفكرون بأدمغة غيرهم، وغطاء على الملحدين الذين يجاملون محيطهم المؤمن بأغطية إيمانية. فالله الذي لا يخطئ شيئاً في التكريرات الكونية: فيختار الجزيئات الصالحة، من الطعام المختلط في المعدة، ويزود بها الجسم، ويدفع غيرها خارج الجسم. ويلتقط من الهواء، والماء، والشمس، والأرض... العناصر المنسجمة مع النبات، ويبعد غيرها عنه. ويستخرج الذرات العذبة من الماء الأجاج، ويرفعها مع الحرارة، ليعيدها – بعد حين – ماءً عذباً، يروي به المزارع، والإنسان، والحيوان... ويجري عمليات الاستخلاص الدقيقة، في كل شيء، دون أي خطأ؛ كيف يمكن أن يصطفي عناصر النار للجنة، ويحشر عناصر النور في جهنم؟! إن هذا... يشبه أن تتدلى الصخور البركانية من أغصان الورد وتقذف البراكين حزمات الرياحين. فالجنة للعناصر المنسجمة معها، والسعير للعناصر المنسجمة معه. فـ: ((تلك الدار الآخرة، نجعلها للذين)) خلصت نفوسهم، فما صدرت منها السيئات، ولا تفاعلت فيها النوايا السيئة. فـ: ((لا يريدون)) حتى ((علواً في الأرض))، مجرد العلو – الذي قد يكتسب بطرق مشروعة – لا يهاجسهم. لأن مجرد إرادة العلو، تعبير عن الأنانية التي تشوه النفوس، وتعيقها عن الارتفاع فوق الأرض، فيبقى صاحبها مشدوداً بالأرض. ومن تشده النوازع إلى الأرض، لا يكون خالصً للسماء: ((واتل عليهم: نبأ الذي آتيناه آياتنا، فانسلخ منها، فأتبعه الشيطان، فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها، ولكنه: أخلد إلى الأرض، واتبع هواه. فمثله كمثل الكلب: إن تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث. ذلك: مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا. فاقصص القصص لعلهم يتفكرون))(6). فمن يخلد إلى الأرض لا يرفع عنها، وإنما يبقى من عناصرها. ((و)) لا يريدون ((فساداً))، مجرد إرادة الفساد لا تساورهم، حتى أحيان الغضب والفرح، وإنما يعيشون المقياس الأرفع من هواجس الأرض – في جميع الحالات –. فهؤلاء... هم عناصر الجنة، الذين جعل الله الآخرة لهم. ((و)) الحاصل: أن كل هذا الكلام من قبيل التفاصيل، وأما مجمل القول فهو: أن النتائج تتبع المقدمات، و ((العاقبة)) الحسنة ((للمتقين)) عن السيئات. وأما الذين تركبت مطامحهم وآمالهم من السلبيات، فتحركت نبضات أفكارهم وأعصابهم بالأمور السلبية؛ كيف يمكن أن يجدوا مجالهم في مصاف الإيجابيين، الذين تتابعت نبضاتهم وخطواتهم إلى الأمام؟! إلا إذا تساوى الهدَّام والبنَّاء، وإلا إذا التقى السائر إلى الوراء مع السائر إلى الأمام. والمرأة التي دخلت النار في هرة، لم تدخل النار لمجرد هرة، وإنما كل حياتها سلبية، ولكن ظروفها ضغطت بها في الإيجابيات، حتى إذا وجدت حرية التعبير عن ذاتها، ألقت الحجاب عنها، فكان عملها الحر المعبر: حبس هرة، وتجويعها، وتعطيشها، حتى تأكل التراب، فتموت جوعاً وعطشاً. والعاهرة التي سقت الكلب، لم تدخل الجنة في مجرد كلب، وإنما كانت كل حياتها إيجابية، ولكن ظروفها دفعت بها إلى السلبيات، حتى إذا وجدت حرية التعبير عن ذاتها، ألقت الحجاب المفروض عليها، فإذا بها تقص شعرها، لتمد الحبل إلى البئر، فتسقى كلباً عاطشاً. فهذه النماذج، ليست الأسباب الوحيدة لتقرير مصائر الأفراد، وإنما هي مجرد تعبيرات، تكشف الذاتيات المتحركة في اتجاه السلب أو الإيجاب، فلا تؤخذ على أنها كل شيء في حركة المصير. |
|
(1) سورة القصص: الآية 26. (2) أكثر المفسرين أرجعوا ضمير الفاعل في: ((يشاء)) إلى الله، أي: أن الله يهدي من يشاء الله هدايته. ولكن مقتضى بعض الآيات، رجوع ضمير الفاعل في: ((يشاء))، إلى: ((من)). فقد قال تعالى: ((... أ نلزمكموها وأنتم لها كارهون؟!)) [سورة هود: الآية 28] فالله – تعالى – لا يلزم أحداً الهداية إذا رغب عنها، ولا يلزم أحداً الضلالة إذا رغب عنها، وإنما الله يهدي إلى النجدين، ويمد السالكين فيهما معاً مداً، كلاً في اتجاهه، لتتكافأ الفرص، فيتحمل كل تبعة اختياره. م. (3) مسند أحمد بن حنبل – ج 2 – ص 507. (4) انظر مسند أحمد بن حنبل – ج 2 – ص 507. (5) سورة فاطر: الآية 43. (6) سورة الأعراف: الآيتان 175 – 176. |