|
(10) ۞ سورة يونس ۞ مكية وهي مئة وتسع آيات |
|
أولياء الله إن (أولياء الله): لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون * لهم البشرى في: الحياة الدنيا، وفي: الآخرة. لا تبديل لكلمات الله. ذلك: هو الفوز العظيم *)) ((ألا)) فانتبهوا – أيها الناس! – إلى: ((أن أولياء الله)) يتمتعون بنفوس شامخة، تتجاوز – بمداها – كل التأثرات. فـ ((لا خوف عليهم)): لأنهم لا يأبهون بالإصابات الجسدية، ((ولا هم يحزنون)): لأنهم لا ينهزمون للانهيارات الروحية. لأن أولياء الله، هم: الذين أنموا صلتهم بالله – تبارك وتعالى...، حتى أصبحت واقعية، لها فاعلية عملية، فيتعاملون – بتلك الصفة – مع ما حولهم من الأشياء والأفكار ومن وثقت صلته بما وراء الطبيعة، حتى استطاع التصرف بها في الطبيعة، يزهد في كل شيء، حتى في: جسده واعتباراته الخاصة لأنه لا يعيش بها، ولا يعيش لها، وإنما يعيش – حياته الخالدة – بما هو أقوى وأشمل: فيعيش لها دون سواها. فمن هم (أولياء الله)؟ (الوليُّ) هو: صاحب (الولاية)، الذي يتمتع بالصلاحية التي تخوِّله (حق التصرف) بلا منازع: فـ: (ولي اليتيم)، من له صلاحية في تصريف شؤونه المختلفة. و (ولي الوقف)، من له هذه الصلاحية بالنسبة إلى العين الموقوفة. و (ولي الله)، من له هذه الصلاحية – من قبل الله – على الكون، فيستطيع التصرف في الشؤون الكونية المختلفة، بدون استخدام الوسائل المادية، وإنما بمجرد الإرادة، ففي (الحديث القدسي) – عن جبرائيل، عن الله تعالى: (عبدي! أطعني، أجعلك مثلي، أقول للشيء: كن، فيكون. وتقول للشيء: كن، فيكون)(1). فالله – تبارك وتعالى – يخول أولياءه هذه الصلاحية التنفيذية. وإن كانوا – عادة – لا يستخدمون هذه الصلاحية، إلا لإثبات الحق في موارد التحدي، وهو ما يسمى بـ (المعجزة). فما هي خصائص الولي؟ الولي، عندما ينال تلك الصلاحية العظيمة – صلاحية التصرف في خلق الله – يصبح على بينة من أن الله – تبارك وتعالى – قد قبل أعماله، وتقبله بقبول حسن. فلولا أن الله ارتضاه واصطفاه، لما أولاه تلك الصلاحية. فبمجرد وضع الخلق تحت تصرفه، دليل بعد دليل، على أنه بلغ درجة: (القبول)، التي تحدَّث القرآن عنها – في معرض ذكر مريم ابنة عمران – بقوله: ((وإذ قالت (امرأة عمران): رب! إني نذرت – لك – ما في بطني محررا، فتقبَّل مني، إنك ـ أنت – السميع العليم * فلما وضعتها، قالت: رب! إني وضعتها أنثى – والله أعلم بما وضعت –، وليس الذكر كالأنثى، وإني سميتها: (مريم)، وإني أعيذها بك – وذريتها – من الشيطان الرجيم * فتقبلها – ربها – بقبول حسن، وأبتها نباتاً حسناً، وكفَّلها (زكريا). كلما دخل – عليها – زكريا المحراب، وجد – عندها – وأنبذها رزقاً، قال: يا مريم! أنى لكِ هذا؟ قالت: هو من عند الله، إن الله يرزق – من يشاء – بغير حساب *))(2) ؛ وإنه اكتسب: (رضوان الله)، الذي وضعه القرآن في أعلى مستويات الثواب، عندما قال: ((وعد الله المؤمنين والمؤمنات: جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها. ومساكن طيبة، في جنات: (عدن). ورضوان – من الله – أكبر. ذلك: هو الفوز العظيم *))(3). فهو – إذن – كامل العبودية، فلا يربكه القلق على أعماله، ولا يتوجس من أن يحشر – يوم القيامة – بأعمال مرفوضة، وصحيفة مثقلة بالسيئات. وعندما تتوثق علاقته بالله، يزهد في غير الله: فلا يخاف من نازلة أو مكروه، لأن الخوف لا يكون إلا من توقع خسارة في نفس أو علاقة... ولا يحزن على بلاء أو جفاء، لأن الحزن لا يكون إلا على خسارة في نفس أو علاقة... ومن اطمأنَّ من علاقته بالله – بذلك المستوى –، لا تكون الخسائر لديه خسائر. فأجلى ظاهرة تطبع حياة الولي، أنه لا يخاف ولا يحزن. فكيف يكون الولي؟ يكون (الولي) بشيء واحد – فقط – لا غير. وهذا الشيء من: (السهل – الممتنع)، الذي يسهل التحدث عنه، ويصعب الالتزام به. وهو: (فعل الواجبات، وترك المحرمات). فيكفي أن تلتزم بحكم الله، حتى تكون ولياً لله، ولا يساورك الخوف والحزن. أولم يقل الله – تبارك وتعالى –: ((إن الذين قالوا: (ربنا الله)، ثم: استقاموا؛ تتنزل – عليهم – الملائكة: (أن لا تخافوا، ولا تحزنوا، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * نحن أولياؤكم في: الحياة الدنيا، وفي: الآخرة. ولكم – فيها – ما تشتهي أنفسكم، ولكم – فيها – ما تدَّعون * نزلاً من: غفور، رحيم *))(4) ؟! فـ (ولي الله) ليس واحداً على الأرض، وإنما كثير: كثرة من يلتزم بحكم الله، عقيدة وعملاً… كثرة من يقول: (ربي الله)، بكله، لا بقناعته العلمية فقط، ولا بحركته العملية فقط، وإنما بهما معاً... وقد نبَّه الله إلى كثرتهم، بقوله: ((ألا... إن (أولياء الله): لا خوف عليهم، ولا – هم – يحزنون)). وإن كان (أولياء الله) غير معروفين – بهذه الصفة – لدى الرأي العام، فذلك: لا يدلُّ على عدم تواجدهم، بل قد يحاولون التكتم، ابتعاداً عن الضغوط التي يمارسها عليهم، من يبتغي إلى الله الوسيلة من أصحاب الحاجات. ولكن: صاحب الولاية الكبرى – وهم الأئمة المعصومون عليهم السلام في كل عصر – لا يزيد على واحد، حسب مجموعة من الأدلة. وإذا تعدد من له تحمل (الولاية الكبرى) في عصر، فلا يعهد بها إلا إلى أحدهم. فإذا مات، استخلف غيره، كالحسن والحسين – عليهما الصلاة والسلام –. |
|
(1) عدة الداعي – أحمد بن فهد الحلي، عن كعب الأحبار. (2) سورة آل عمران: رقم 3 الآيات 35 – 37. (3) سورة التوبة: رقم 9 الآية 72. (4) سورة حم السجدة: رقم 41 الآيات 30 – 32. |