|
(25) ۞ سورة الفرقان ۞ مكية وهي سبع وسبعون آية |
|
فلسفة تدرج ميلاد القرآن لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة؟ كذلك: لنثبت به فؤادك، ورتلناه ترتيلاً)). أولئك الذين كانوا يستطلعون ما يتصورونه نقاط الضعف في الإسلام، ليسددوا إليها سهامهم. وكانوا ينطلقون من مواقع الضعف، لأنهم منافقون يعيشون تحت سيطرة الإسلام. فيطلقون الأسئلة، لا ليفهموا، وإنما ليكتشفوا نقاط الضعف المزعومة: ((وقال الذين كفروا: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة)) كما تنزلت كتب السماء على رسل الله جملة واحدة، وإنما نزل القرآن سورة... سورة...، أو آية... آية...، أو آيات... آيات...، تنزلت في مناسبات... أو في شأن أفراد...؟ فكان الجواب: إن القرآن كان جاهزاً – كله – قبل نزوله نجوماً، ولكن ما نزل دفعة واحدة، وإنما نزل متفرقاً، في مناسبات... أو في أفراد...: 1- ليعطي تلك المناسبات... وأولئك الأفراد... أهمية خاصة، لإيجاد المثل... والقدوة... في حياة المسلمين، لتصبح غنية بمثلها... وقدواتها... فلا تحتاج إلى استعارة المثل... والقدوات... 2- لتساعد تلك المناسبات... وأولئك الأفراد... على تركيز القرآن في مشاعر المسلمين. فترفق كل سورة... أو آية... بقصة تنقل، فيشرب التأثير القرآني بالتأثير القصصي. 3- لتجدد عهد الأمة بالسماء. لأن نزول القرآن يلهب حماس الأمة، ويدلها على ارتباطها الفعلي بالسماء. فلو نزل القرآن دفعة واحدة، لانتهى زخم التجديد فيه في فترة زمنية. وأما وقد نزل متفرقا، فكان زخم التجديد فيه مستمراً، يروي المشاعر الإيمانية بالدم الجديد. وتلك المناسبات... وأولئك الأفراد... ما كانت لتستأثر بالقرآن، بل كان القرآن يلقي الضوء عليها، ومن خلالها: يلقي الضوء على مناسبات... وأفراد... الأمة جمعاء. فتلك المناسبات... تصبح المثل لكل المناسبات المشابهة في أوضاع الأمة، وأولئك الأفراد... يصبحون القدوات لكل أفراد الأمة. فمثلاً: ((لقد نصركم الله في مواطن كثيرة، ويوم (حنين): إذ أعجبتكم كثرتكم، فلم تغن عنكم شيئاً، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت، ثم: وليتم مدبرين * ثم: أنزل الله سكينته على رسوله... وعلى المؤمنين... وأنزل جنوداً لم تروها، وعذَّب الذين كفروا، وذلك: جزاء الكافرين * ثم: يتوب الله - من بعد ذلك – على من يشاء، والله غفور رحيم))(1). نزلت في تقييم وضع المسلمين يوم حنين، ولكن ما اختصت به، وإنما بقيت – من خلاله – لتقييم كل وضع مشابه له. ومثلاً آخر: ((ومن الناس: من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، والله رؤوف بالعباد)) (2). نزلت في الإمام أمير المؤمنين (ع)، ولكن ما اختصت به، وإنما شملت – من خلاله – كل من يضحي بكل شيء في سبيل دينه. كيف تتبدل السيئات حسنات؟ يلق أثاماً * يضاعف له العذاب – يوم القيامة –، ويخلد فيه مهاناً * تاب، وآمن، وعمل عملاً صالحاً: فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات، وكان الله غفوراً رحيماً * ومن تاب، وعمل صالحاً: فإنه يتوب إلى الله متاباً)). [(سورة الفرقان: الآيات 68 – 71). السيئة هي: الإساءة... والإساءة، إما تكون إلى النفس من خلال ترك الواجبات الشخصية، أو ارتكاب المحرمات الشخصية... وإما تكون إلى الآخرين من خلال ترك الفرائض المتعلقة بالآخرين، أو ارتكاب الجرائم بحق الآخرين... ولا يمكن الإساءة إلى الآخرين قبل أن تنعكس على النفس، لأن التصميم على الإساءة إلى الغير يساوي قبول الانحدار إلى درك المسيئين، ثم: تنفيذ الإساءة بحق الغير يساوي إيقاف النفس في صف المسيئين، وهكذا... ينعكس الظلم على الظالم قبل أن ينعكس على المظلوم، فيكون ظالماً لنفسه قبل أن يكون ظالماً لغيره. وسلبية السيئة تتبدل إيجابية، إذا تاب المسيء توبة نصوحاً، سواء أ كانت سيئة إلى النفس... أو سيئة إلى النفس والمجتمع. أما إذا كانت السيئة إلى النفس: فلأن إيجابية التصميم على إقلاع العاصي عن السيئة، بعد أن ذاق طعمها الزائف، أقوى من سلبية السيئة. لأن للسيئة طعماً مغرياً – وإن كان طعمه طعم السم المداف بالعسل – فمن لم يذق طعمها يسهل عليه الابتعاد عنها، وأما من ذاق طعمها... وتعودها... فإنه يصعب عليه الإقلاع عنها. فالتوبة، أصعب من اجتناب المعاصي قبل التعود عليها. وأما إذا كانت السيئة إلى النفس وإلى المجتمع: فحجم التوبة عنها أكبر من حجمها. لأن التوبة من الذنب تجربة إيجابية لصالح الجبهة الملتزمة، والتائب من الذنب عبرة يستفيد – هو – منها حتى لا يقدم على الذنب من أي نوع آخر، لأنه عرف – من خلال تجربته الشخصية – أن مصير المذنب إلى الندم. كما أن التائب عبرة، يستفيد منها المجتمع، حتى لا يتورط أي فرد منه في الذنب. ومهما كان الذنب كبيراً، فالتوبة تغسل آثاره. لأن التوبة تأخذ حجمها من حجم الذنب الذي تضع له حداً، فتكون أقوى منه. فمثلاً: شرب الخمر يترك أثره السلبي على شاربها، وعلى محيطه الذي يعلم بأنه يشرب الخمر... فتوبته تترك أثرها الإيجابي عليه، وعلى ذلك المحيط فقط. ولكن معصية (الحر بن يزيد الرياحي) أثَّرت – سلباً – على محيط واسع، كقائد جعجع بالإمام الحسين (ع) في طريق كربلاء المقدسة... فتوبته أثرت – إيجابياً – على ذلك المحيط الواسع، كقائد يخرج من الجيش الأموي، ثائراً عليه، ويدافع عن الإمام حتى الشهادة. وجريمة (فرعون) عززت جبهة الكفر، في عهده... وبعد عهده... ولو كان يتوب، لكان قد عزز جبهة الإيمان، في عهده... وبعد عهده. وهكذا... تحجم التوبة بحجم الذنب، ولكنها لا توازيه في الميزان، وإنما ترجح عليه، لسببين: الأول: أن التوبة عمل إيجابي، والذنب عمل سلبي. والإيجابية تغلب السلبية إذا تساوتا في الميزان، كما أن النور يكسح الظلام إذا كان بحجمه. الثاني: أن العمل الذي يستقر عليه الإنسان، يكون حجة على العمل الذي يقتلع عنه. لأن الثاني يكون من نوع التجربة التي لا يركن إليها، بينما الأول يكون من نوع اختيار المصير الذي يركن إليه. فكأن التائب يقوله – بعمله –: (يا من تعرفون أوضاعي! أنا عرفت (بالتجربة الشخصية) أن الذنب يؤول إلى الندم. فاتخذوني عبرة، ولا تكرروا التجربة). ومن هنا يظهر: لماذا يكون عقاب (المرتد الفطري) أشد من عقاب (المرتد الملي). ذلك: لأن سلبية كفره بعد الإيمان، أقوى من إيجابية إيمانه قبل الكفر. ولهذا: لا تقبل توبته، ويقتل – ضمن شروط مذكورة في الفقه – لعل العقاب العاجل، يخفف من سلبية ارتداده في المحيطين: المؤمن، والكافر: ((إن الذين آمنوا، ثم كفروا، ثم آمنوا، ثم كفروا، ثم ازدادوا كفراً: لم يكن الله ليغفر لهم، ولا ليهديهم سبيلاً))(3). ومن هنا نعرف: لماذا هدَّد القرآن الكريم، زوجات النبي الأكرم (ص)، بمضاعفة العذاب إن أتين بفاحشة مبينة: ((يا نساء النبي! من يأت منكن بفاحشة مبينة، يضاعف لها العذاب ضعفين، وكان ذلك على الله يسيراً))(4). ذلك: لأن نساء النبي (ص)، حيث عايشن معدن الوحي، فإتيانهنَّ بالمنكر يوحي إلى ضعاف الإيمان، بأن ليس في الدين ما يمسك عن الانسياق وراء الشهوات، طالما أن نساء النبي (ص) لم يتماسكن، فالأحرى بغيرهن أن ينفلت. ومن هنا يبدو: لماذا يغفر الله – تبارك وتعالى – للجاهل سبعين ذنباً قبل أن يغفر للعالم ذنباً واحداً(5)؟. ذلك: لأن ذنب العالم حجة لغيره على أن لا تثريب من الذنب، كما أن تجاوز الطبيب تعاليمه الصحية ينزع ثقة الآخرين من واقعية تعاليمه. الدعاء ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم، فقد كذبتم، فسوف يكون لزاماً)). (العبء) هو: الثقل. وعبأ به: ثقل به، أي: حمل همه حتى ثقل ووقر. وتعبأ به: تشحن به وامتلأ. وعبأ الجيش للقتال: شحنه شحنة بلغت به درجة الانفجار والمغامرة بالنفس. وتعبأ زيد بعمرو: امتلأ به. ولا يعبأ به: لا يمتلئ به. وما يعبأ به: بماذا يتحمله؟ أو: لماذا يحمل عبأه؟ هذه دلالة الكلمة – في إطلالتها الأرضية – وعندما تستعمل لإطلالة سماوية، فإنها تتخلى عن دلالتها التطابقية بشيء من العناية والمجاز، شأن كل الكلمات الأرضية حينما تحاول أن تعكس المعاني السماوية. ولعلنا لا نجرؤ على تمديد دلالة الكلمة إلى مقام الربوبية، فنتبع المفسرين – في تفسير العبء بالمبالاة – فنقول: ((قل)) يا محمد! لهؤلاء الناس المتوغلين في أنفسهم ((ما يعبأ بكم ربي)) وماذا يجعله يبالي بكم؟ إن فقد آخر سبب يعطفه عليكم، وهو: الدعاء. فأنتم تتوجهون إلى الله – تبارك وتعالى – وسبب توجهكم إليه حاجتكم إليه، بل إن حاجتكم (تَوَجُّهٌ) إليه. وأما توجهه إليكم، فيحتاج إلى سبب، والسبب أحد أمرين لا ثالث لهما: 1- إيمانكم به، الذي يدمجكم في إرادته، فتحظون بتوجيهاته المرسلة ضمن إرادته، فتستحقون من فيضه بقدر اندماجكم في إرادته، أي: بقدر إيمانكم به. 2- توجهكم إليه، ودعاؤكم إياه وهذا التوجه لا يحق لكم فيضه ما دمتم تناقضون إرادته، ولكن (الفيض المطلق) لا يمتنع عن المتعرضين له. وهذا هو السبب الضعيف الأخير، فاحرصوا عليه، فإنه لن يتوجه إليكم ((لولا دعاؤكم)) لأنكم خسرتم – في أكثريتكم – السبب الأول ((فقد كذبتم)) به، أو بشيء من: رسله... ورسالاته... فلستم مندمجين في إرادته. حقيقة الدعاء وما دام (الدعاء) هو السبب الثاني – والأخير – الذي يعطف توجه الله إلى الناس، فلا بد من التأمل لمحاولة تفهم حقيقته. فما هو الدعاء؟ هل هو: تفرقع كسير... وأنين مألوم... وتفجع مهيض...؟ هل هو: تعبير طبيعي عن التوترات الغائرة في الأعماق؟ كلا... إن نداء اللاشعور لا يلفت توجه الشعور، فكيف بتوجه الله؟! فلا بد أن يكون (الدعاء) توجهاً شعورياً، يركز كل المؤشرات... والنبضات... – بما فيها اللسان – في اتجاه الله، بحيث يستحق توجه الله بالمقابل. فلماذا لا يستجاب؟ وإذا كان الدعاء الحق، هو: التوجه الحق، فلماذا لا يستجاب عندما يتحقق؟ لأن الدعاء ليس مجرد توجه كسيح، وإنما هو: تطابق المؤشرات... والمعبرات... في القنوات التي تتفرغ في الهدف. وهذا ما لا يتحقق – في كثير من الأحيان –، فتبقى ذبذبة لسان وهي تعطف توجه السماء. مثلاً: قد تستعين – أنت – بجهاز هاتف سليم، وتدير الأرقام في اتجاه شخص معين، قتخاطبه بالشكل المناسب، فتنال مقصدك. ويراك طفل مترعرع يريد أن يتكلم مع جاره، فيقبض سماعة الهاتف، ويدير الأرقام دون أن يعرف: توفر الحرارة في الأسلاك، والرقم المطلوب، وحتى وجود الهاتف لدى جاره. دعاء الأولياء و (دعاء الأولياء) يستجاب، لأنهم يعرفون كل الشرائط اللازمة، فيدعون كما تدعو – أنت – ولي أمرك، فلا يحجب عن ملك الأرض والسماء، بينما تدعو – أنت – كما يصرخ الطفل في جهاز الهاتف. فدعاء الأولياء ليس تعبداً تائهاً، وإنما هو: عمل متجاوب يتكاملون به. كما أن صلواتهم ليست طقوساً مفروضة، وإنما هي: أعمال مرحلية يتابعون – من خلالها – تصاعدهم، تماماً... كلقاءاتك مع المسؤول الأعلى منك. أ وليس في الحديث: (الصلاة قربان كل تقي)(6)، (الصلاة، معراج المؤمن)(7). |
|
(1) سورة التوبة: الآية 25 – 27. (2) سورة البقرة: الآية 207. (3) سورة النساء: الآية 137. (4) سورة الأحزاب: الآية 30. (5) أصول الكافي – ج 1 – ص 67. (6) تحف العقول – للمحدث الحراني – ص 222. (7) انظر نهج الفصاحة. |