|
(24) ۞ سورة النور ۞ مدنية وهي أربع وستون آية |
|
التوبة ((إلا الذين تابوا – من بعد ذلك – وأصلحوا، فإن الله غفور رحيم)). العصيان: نزوة الشذوذ التي تستخف بإنسان، فتخرج به عن الخط الصحيح في الحياة. والتوبة: هي العودة إلى ذلك الخط. والعودة: عمل تصحيح يلافي ما فات، وليست مجرد شعور عابر لا يؤدي إلى عمل. فالشعور بالخطأ: يسبق العصيان ويرافقه ويعقبه، لأن العصيان هو المخالفة مع العلم بها، والإصرار عليها بإرادة مستقلة. وأما نوبة المرارة: التي تصطدم العاصي لدى تذكر العصيان، أو توقع نتائجه؛ فليست توبة تؤدي إلى الغفران. فما من مجرم إلا وتجتاحه نوبات عارمة من الندم المرير كلما خلا بضميره، وترتفع درجة الندم بارتفاع درجة الجريمة، حتى تبلغ درجة الانهيار أو الجنون. وليس توبة، وإنما هو الانتفاض بموجة الندم عند المعصية. ولا ينفضها إلا إصلاح ما أفسدته المعصية. فتصحيح الخطأ يغفره ويستره، وأما مجرد الاهتزاز بالخطأ فلا يغفره. ثم: إن الله لا يغفر الحق العام، ما دام الحق الخاص قائماً لم يغفره العاصي، بإعادته إلى مجراه. فإذا غفر العاصي الحق الخاص عملياً، غفر الله الحق العام لمن يشاء، وفق المقاييس الدقيقة، التي سنها لقبول التوبة والعفو عن السيئات. حديث الإفك ((إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم، لا تحسبوه شراً لكم، بل هو خير لكم...)). 1- الدفاع – في هذه الآية – ورد بمجرد التعبير بـ: (الإفك) فقط، ولم يرد كما ورد بالنسبة إلى مريم ابنة عمران: ((ومريم ابنة عمران: التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا، وصدقت بكلمات ربها وكتبه، وكانت من القانتين))(1). ((يا أخت هارون! ما كان أبوك امرأ سوء، وما كانت أمك بغياً * فأشارت إليه. قالوا: كيف نكلم من كان في المهد صبياً؟! * قال: إني عبد الله...)) (2). ولا كما ورد بالنسبة إلى النبي – عندما اتهم بإغلال قطيفة –: ((وما كان لنبي أن يغل، ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة، ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون))(3). ولا كالدفاع عن يوسف: ((... كذلك: لنصرف عنه السوء والفحشاء، إنه من عبادنا المخلصين))(4) (5). 2- تهوين وقع التهمة: أ) بأنها ليست دخيلة على المسلمين من غيرهم، حتى يتعاون المسلمون جميعاً لدفعها، وإنما وجهت من قبل بعضكم. ب) إن هذه التهمة غير صحيحة، فهي: (إفك)، ولكنه يستحب – اجتماعياً – أن يكون مثل هذا الإفك موجوداً – لأسباب كثيرة –: ((لا تحسبوه شراً لكم، بل هو خير لكم)). 3- العفو في بعض القوانين – كالقانون العراقي – على قسمين: عفو خاص: ويعني: إسقاط العقاب على جريمة، بعد التسليم بأن العمل الصادر – من المعفو عنه – كان جريمة بالفعل. والعفو العام، ويعني: سلخ صفة الجريمة من الجريمة، أي: عدم اعتبارها جريمة في الأساس، لا إسقاط العقاب عليها. والعفو – سواء الخاص أو العام – لا يصح أن يصدر إلا ممن له صلاحية إصداره، وهو الملك أو رئيس الجمهورية لا غير. وإذا كان الملك أو رئيس الجمهورية يصدر العفو الخاص والعام، فماذا يمنع أن يكون الله قد أصدر عفواً عاماً – في هذه الآية – فاعتبره غير إفك وإن كان في واقعه إفكاً بالفعل. ظلمات المشرك هذه الآية تحتوي – فيما تحتوي – على جزأين: 1- ((أو كظلمات في: بحر، لجي...)). 2- ((ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور)). في الجزء الأول: تشبيه للظلمة النفسية، التي يتخبط فيها المشرك، بأقصى ظلمة مسرفة توجد في الأرض، وهي الظلمة الموجودة في أغوار البحار العميقة. ذلك: أن الأرض لا نور لها، وإنما نورها مكتسب من الشمس، وسائر النجوم، التي يصل ضوؤها إلى الأرض. وأضواء الشمس والنجوم، تصل إلى الأرض بقوة: فإذا حجبها السحاب، امتص جزءاً كبيراً منها. فإذا وصلت إلى مياه البحر، امتصت جزءاً آخر. فإذا تراكمت المياه آلاف الأمتار، حجبت الأضواء، إلا جزءاً من مليون جزء لا يجدي على الإطلاق. فإذا تحرك الموج على سطح البحر، حجب الموج جزءاً آخر. وإذا تحرك التيار تحت سطح البحر، حجب الضوء تماماً، فلا يصل إلى أغواره النائية أي جزء علمي من الضوء. وعادة: يتحرك الموج على سطح البحر، ويتحرك التيار تحت سطح البحر لمسافة معينة، وأما في الأغوار النائية فالماء راكد هادئ. ويصور القرآن (بحراً لجياً) عميقاً، لا تصل إلى غوره حركة التيار. ثم يصور إنساناً، في ذلك القاع البعيد. ثم يصور الحواجب التي تحجب عنه الضوء، وهي – بالنسبة إليه –: حاجب الماء، وحاجب حركة التيار، وحاجب حركة الموج، وحاجب السحاب. وخص التيار والموج، مع أن كثافة الماء كافية لحجب الضوء، لأن الماء الهادئ لا يحجب الضوء بمقدار ما يحجبه الماء المتحرك، فالحركة في الأجسام الشفافة تساعد على بعثرة موجة النور واستهلاكها. فالإنسان الذي يكون في مثل هذا الغور، ((إذا أخرج يده)) من جنبه إلى محاذاة عينيه، ((لم يكد يراها))، لفقدان إمكان الرؤية بسبب فقدان مادة النور. وإذا عجز عن رؤية يده المواجهة لواجهة عينيه، فهو أعجز عن رؤية الأشياء الأخرى. هكذا... المشرك، لا يستطيع أن يتبين أقرب الأشياء إليه، لفقدانه نور السماء، وإنما يعتمد على نظريات متحركة متناقضة، لا يمكنه التأكد من صحتها. فيما المؤمن، الذي يعتمد على نور السماء، يستطيع أن يتعرف – من مصادر الوحي – على الخطوط العريضة للحياة، وأن يتخذ منها أرضية ينطلق منها في اتجاه الأمور الفرعية. وفي الجزء الثاني من الآية: بيان لحقيقة واضحة، وهي أن الإنسان يعيش في داخله أكثر مما يعيش في خارجه: فالذي يجد في أعماقه بذور المعرفة، يمكنه الاستعانة بالعلوم المعروفة لتوسيع معارفه. والذي تتحرك في قرارة نفسه نشوة السعادة، يستطيع أن يستعين بمباهج الحياة، لنشر تلك النشوة على حياته. وأما الذي تكون الظلام في نفسه، فلا يمكنه الاستهداء بأنوار الحياة. والمشرك الذي ليس له من النور بمقدار ما يدله على الله، وهو أجلى وأكبر من جميع الحقائق مجتمعة، فنفسه خلاء، وأنوار المعرفة المقتبسة من: (سواد على بياض) لا تدله على الحقائق الرفيعة للكون والحياة والإنسان، فيعيش بحواسه، المحدودة – كالأعمى في معرض الفنون البصرية – حتى يستنفد هوسه من الشهوات ثم يستسلم للموت، بالانكماش على نفسه أو بالانتحار. النور الإلهي ((... من لم يجعل الله له نوراً فما له من نور)). هنالك: أشياء يعيشها الناس، فتكون لهم انطباعات جاهزة عنها، بحيث لو سمعوا أسماءها، استحضروا تلك الانطباعات، وتفاهموا على صعدها. وهنالك: أشياء أخرى، لا يعيشها إلا أفراد معدودون، فلا يملك غيرهم انطباعات جاهزة عنها حتى يملكوا التفاهم على صعدها، ويحملهم الغرور على عدم الاعتراف بها، بينما هي أشياء واقعة. ومن هذا النوع من الأشياء: (النور الإلهي) الذي ينير الله به القلوب الطاهرة، فتتفتح بوعي مشرق معطاء، يعبر عنه بعض بالعبقرية ويعبر عنه آخرون بالتفوق، وما هو إلا موهبة سماوية، يبحث عنها أناس في الكتب، ويبحث عنها آخرون في الجدل العقيم؛ فلا يجدونها. ففي الكتب معلومات محترمة، وفي الجدل – مهما كان مخلصاً – صراع فكري. ولكن النور الذي ينير الآفاق القاتمة، فيخرج منه الإنسان بأشياء، غير معروفة لدى الآخرين فيسمونها إبداعاً؛ هذا النور، ليس في كتاب ولا في جدال، وإنما هو موهبة خاصة من السماء. والذي لم يهبه الله هذا النور، لا يجده في أي مكان، لأن مصدر النور هو الله وحده: ((ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور)). الصلاة الكونية ما هو مفهوم الصلاة؟ وما هو التسبيح؟ وما هو السجود؟ في التعبير القرآني، حتى تشمل الإنسان، والحيوان، والجماد...؟ في اللغة: الصلاة: الدعاء، والنداء، والطلب. والتسبيح: التنبيه. والسجود: غاية الخضوع. وإذا كان هذا... مفهوم الصلاة والتسبيح والسجود: فكل شيء يصلي، لأنه يدعو، وينادي، ويطلب القدرة الكونية التي تنميه، وتمده بالقدرة على الاستمرار. وكل شيء يسبح، فينبه إلى وجوده، ويدافع عنه، بأسلوبه الخاص الذي ألهمه الله تعالى، للتعبير عن وجوده، وللدفاع عنه. وكل شيء يسجد، لأن له غاية الخضوع للنظام الكوني، الذي سخر الله كل شيء له. فالرعد ينبه إلى وجوده. والشمس والقمر يسجدان – رغم كبرهما، وارتفاعهما – لأنهما يخضعان، خضوعاً مطلقاً ودقيقاً، للنظام الكوني. والطير – صافات محلقات في الجو – تصلي، فهي بطيرانها تكسب من طاقات الكون، وتنميها في وجودها. وحتى الملحد بالله، بوجوده الروحي والعضلي، يصلي، فيستمد الطاقة، ويخضع خضوعاً مطلقاً لنظام الله في الكون، وينبه إلى وجوده، ويدافع عنه. حتى بحركته الكفرية، يصلي ويسجد ويسبح. إن الملحد، بخفقات قلبه، بدورته الدموية، بتقلصات وتفتحات رئته، بتلويات معدته، بإفرازات غدده، بحركات خلايا جسمه... بكلها... ينفذ إرادة الله، وبكلها يطبق نظام الكون. وحتى إذا قال: (أنا لا أؤمن بالله). فبحركة لسانه، وأسنانه، وحنجرته، ورئته، وعضلات فمه... يطبق نظام الكون، فهو يسجد لله. إن الطير، بحركات أجنحتها، وبصفيف ريشها، تنفذ إرادة الله، وتطبق نظام الكون. فهي ساجدة لله. لأن إرادة الله تتمثل في نظام الكون الاختياري وغير الاختياري، وهو دين الله في الكون، غير أننا تعودنا أن نسمي مقدار الاختياري منه بالدين. فمن انحرف عن خط الله في الجزء الاختياري منه، لا يمكنه أن ينحرف عن خط الله في الجزء غير الاختياري منه. فيبقى منفذاً لإرادة الله، ومنسجماً مع خط الله، وملتزماً التزاماً إجبارياً بدين الله. ولعل إلى ذلك، يشير الإمام (ع) – عندما سئل عن الجبر والتفويض – بقوله: (لا جبر ولا تفويض، بل أمر بين الأمرين)(6). فالدين: لا جبر مطلق، ولا اختيار مطلق: بل قسم منه جبر، وقسم منه اختيار. فهو أمر مركب من الأمرين معاً. أما إذا خرج شيء عن نظام الكون، الذي هو نظام الله في الوجود، ولم ينبه إلى وجوده، ولم يستمد الطاقة من الله؛ فهو كافر قد حجب على نفسه بالموت، وهو غريب عن الكون والوجود، لا بد من استهلاكه في موجودات تصلي وتسجد وتسبح. وهكذا... يتطور كل شيء ميت إلى أشياء حية، تعمل أعمال الموجود الحي، التي هي الصلاة والسجود والتسبيح. فكل شيء يؤدي واجبه الوجودي، في صلاة وسجود وتسبيح. وعلى هذا المفهوم الواسع الدقيق، فكل موجود يمارس وجوده فهو عبادة الله، والكون هو المحراب الكبير الذي لا يغيب عنه شيء لحظة واحدة، إلا إذا مات، فيطرد من محراب العبادة إلى موقف العقاب والثواب. فاستمرار الموجود في وجوده عبادة، لأن حركة الوجود عبادة، فيها: الاستمداد الكوني، والالتزام بالنظام، والتدافع الوجودي أو تنازع البقاء. ولكن الاستمرار الوجودي، ليس حركة نحو الأعلى والأفضل. إن الحركة التصاعدية نحو الكمال، تحتاج إلى عمل من نوع آخر. تحتاج إلى تكريس مطلق أمام مصدر الوجود ومصدر الطاقة. تحتاج إلى الصلاة الروحية والعضلية، التي هي عمود الدين. والصيام: تكريس مطلق، من نوع آخر، أمام الله. والحج: تكريس مطلق، من نوع ثالث، أمام الله. وهكذا... فكلها لازمة، حتى يكون الإنسان ملتزماً بالدين كله، القسم الاختياري والقسم الإجباري منه معاً. فالدين حركة نحو الكمال، فيحتاج إلى حركة عمودية ترفع نحو الأعالي، ولا تكفيها الحركة الأفقية الطبيعية الرتيبة، التي لا تساعد إلا على الاستمرار. وهكذا... الصلاة الكونية لا تغني عن الصلاة العبادية. وهكذا... السجود الطبيعي لا يكفي عن السجود الإرادي. وهكذا... التسبيح الشرعي. والعبادة الذاتية في محراب الكون الكبير، لا تؤدي دور العبادة الدينية في محراب المسجد البسيط. سعادة الإنسان مقدمة لتكامل الإنسان ((وعد الله الذين آمنوا – منكم – وعملوا الصالحات: ليستخلفنهم في الأرض، كما استخلف الذين من قبلهم. وليمكنن لهم دينهم، الذي ارتضى لهم. وليبدلنهم – من بعد خوفهم – أمناً؛ يعبدونني، لا يشركون – بي – شيئاً. ومن كفر – بعد ذلك – فأولئك هم الفاسقون)). ما هو الهدف؟ سعادة الإنسان أو تكامل الإنسان؟؟ هنالك من يقول: (إن الإنسان وجد بطريقة ما، والهدف – الآن – هو تأمين سعادة هذا الإنسان بأية طريقة كانت. والأنبياء كانوا مجرد مصلحين، وضع كل واحد منهم منهجاً متناسباً مع مستواه لإسعاد الإنسان، واستفادوا من غريزة العبادة: فأطلقوا على أنفسهم لقب الأنبياء، وأطلقوا على مناهجهم اسم الأديان. والملائكة ليسوا إلا القوى الإيجابية، والشياطين ليسوا سوى القوى السلبية، والجنة ليسوا سوى القوى الخفية العاملة في الظلام، والله ليس غير روح الطبيعة. ومن هنا: نجد أن الله الذي كان – في تعبير موسى – النور الذي تجلى له وحده على جبل سيناء، وامتنع أن يظهر لغيره؛ توسع – في تعبير المسيح – فكان: (أبانا الذي في السماء)؛ ونزل من سمائه – في تعبير محمد – فأصبح: (أقرب إليه من حبل الوريد). وهو ليس – في الواقع – ذلك (السبوح القدوس)، وإنما هو روح الطبيعة، المتعايشة مع الناس على مائدة الطعام، وفي الحقل، والمعمل، والسوق، والطريق، والمدرسة... والجنة التي بشر بها الأنبياء، هي الحياة الرغيدة، التي يحظى بها الإنسان عندما يسيطر على قوى الشر، وتكتمل الديموقراطية. والجحيم، هو الحياة الملوثة بالديكتاتوريات، والفقر، والجهل، والمرض...). (وكل تاريخ الأنبياء والأديان، ليس سوى أساطير رتبها الأنبياء، للاستفادة من غريزة العبادة في إطلاق الطاقات، من أجل تأمين السعادة للإنسان. فمن أمَّن أكبر قسط من السعادة للناس، كان أفضل ولو كان ملحداً. ومن لم يؤمِّن السعادة للناس، كان تافهاً في منطق الحياة، مهما عد في منطق الأديان. حتى يمكن أن تضع كلمة: (الله) مكان كلمة: (الناس)، وبالعكس، فلا فرق أن نقول: في سبيل الله، أو في سبيل الناس). (فالهدف هو سعادة الإنسان، ما دام الإنسان قد وجد. ولا مبرر للحديث عن: طريقة وجوده، وفلسفة وجوده. كما لا مبرر لتكبير الفرد أكثر من اعتباره أداة في معمل أو عضواً في جسم، يحسب له حسابه بقدره في المجموع، لا كياناً مستقلاً متعاملاً مع مجموعة كيانات مستقلة). ولكن: 1- لا يمكن تحديد الهدف من الإنسان إلا بعد استيعاب الفلسفة العامة للحياة، لأن الإنسان لم يوجد وحده، وإنما وجد حلقة في سلسلة حياتية لم يعرف الإنسان – بعد – إلا بعض حلقاتها. 2- ثم: كيف يمكن تحديد هدف الإنسان؛ إذا تجاوز طريقة وجوده، وفلسفة وجوده؟! 3- إن الجمود على التفسير المادي للحياة، ومحاولة إرجاع القوى الغيبية إلى القوى المادية المتعايشة مع الإنسان؛ تحجير على العقل، وتجهيل للإنسان، حتى لا ينطلق إلى الآفاق الرحيبة المحيطة به. إن كل المخترعين والمفكرين، هم الذين قفزوا فوق الجدران التي كانت تحتويهم. وما بعث الأنبياء إلا ليركزوا على الإيمان بالغيب، حتى لا يبقى الإنسان قاصراً ضمن حدوده اليومية، ويبلغ رشده، فيتحدى حدوده جسمه، وبلده، وقومه، وأرضه... ويطمح بفكره إلى الآفاق البعيدة... البعيدة... ويعلم: أن وراء كونه ألف كون... وكون... ووراء آدمه ألف آدم... وآدم... ووراء المادة ما وراءها. إن أكبر كارثة أصابت الفكر البشري – في تاريخه –، وأرجعته ألف قرن إلى الوراء؛ هي المحنة المادية، التي تضغط كل آفاق الإنسان وامتداداته، وتحبسها في: جسمه، وخبزه، ويومه... ليكون أداة في معمل، لا فرداً متحركاً في مجتمع، فيمكن الطواغيت منه، حتى يعاملوه لا كإنسان ولا كحيوان، وإنما كأداة، مجرد أداة صماء، تتحرك بإرادة مسيرها، ولا تملك من: أمرها، واتجاهها، ومصيرها... شيئاً. وقد وضعت هذه الأفكار كلها، لسلخ الأفراد من إرادتها، وتجريدها من حريتها، حتى تسخر بقناعة، دون أن تحلم بالإرادة والحرية. وما بعث الأنبياء إلا ليعيدوا إلى الإنسان إنسانيته، ويحرروا عقله وإرادته: ((... ويضع عنهم إصرهم، والأغلال التي كانت عليهم...))(7)، حتى يأخذ كل فرد محوره ومداه، ويتحرك بوحي ضميره في طريق التكامل. صحيح: أن الفرد لا يطيق التحرك الطولي ما دام مشدوداً بموقعه، يفكر في: خبزه، وثقافته، وحريته... ولا يستطيع التحليق فوق واقعه ما دامت حاجاته الجسمية معطلة: ولذلك: أمر الله، ودعا الأنبياء، إلى إسعاد الإنسان، وإعداد المناخ النفسي المناسب له، لا هدفاً، وإنما وسيلة لتحريره من حاجاته، حتى يتفرغ لهدفه، وهو: تكامله، الذي لا يكون إلا باتصاله بالغيب المطلق، وهو: الله – سبحانه وتعالى –، عن طريق العبادة. فالتكامل المادي وسيلة، في عرض القرآن الكريم، لمسير الواعين العاملين من الناس في الحياة: فقد ((وعد الله الذين آمنوا – منكم – وعملوا الصالحات))، وعدهم إذا تابعوا المسير بلا تردد أو تلكؤ: ((ليستخلفنهم في الأرض))، فيعيدهم إلى مكانهم الطبيعي في قيادة البشرية، ((كما استخلف الذين من قبلهم)) ممن آمنوا وعملوا الصالحات، فنقل إليهم السلطات الزمنية، بعد أن استأثر بها الماديون المتسلطون. ((و)) يحرر عقولهم وإرادتهم، ليتابعوا الخط الذي آمنوا به بحرية العقل والضمير: ((ليمكنن لهم دينهم، الذي ارتضى لهم)). ويمنحهم الحرية التي صودرت منهم بأساليب وفلسفات مختلفة، ((وليبدلنهم – من بعد خوفهم – أمناً)). ولكن هذه المنح الثلاث: نقل السلطة إليهم، وإعطاءهم الاستقلال في اتباع الخط الذي آمنوا به، وتحرير إرادتهم لاتخاذ القرار المناسب غير متأثرين بضغوط؛ كل ذلك وسائل للسير التكاملي: ((ويعبدونني، لا يشركون بي شيئاً)). فالهدف هو التكامل الروحي، لا مجرد التنعم المادي التافه، الذي يشوه شموخ الإنسان ونبوغه. تطويق الجنس ((وإذا بلغ الأطفال – منكم – الحلم، فليستأذنوا، كما استأذن الذين من قبلهم. كذلك: يبين الله لكم آياته، والله عليم حكيم)). ((وإذا بلغ الأطفال)) الذين يعايشونكم، ويعتبرون جزءاً من حياتكم الداخلية، حتى كأنهم ((منكم)). إذا بلغ هؤلاء الصغار مبلغ: ((الحلم))(8)، وخلعوا الطفولة، ودخلوا الدور الذي يحلمون فيه بالجنس، وهو دور التمني والمراهقة، الذي يعبر عنه – بلغة الفقه الإسلامي – بـ: (دور التمييز)، فأصبحوا يشعرون بقضايا الجنس؛ ((فـ)) لا تسمحوا لهم بأن يدخلوا عليكم في: (العورات الثلاث) بدون استئذان. لأنهم – وإن لم يصبحوا: (مكلفين)، ولم ينتقلوا إلى دور المسؤولية – ولكن تحرك الجنس فيهم، يفرض عليكم أن تعاملوهم كـ: (المكلفين) في هذا الخصوص. و ((ليستأذنوا)) إذا أرادوا الدخول عليكم في تلك الحالات. وفيه إلفات إلى خطورة هذا الدور في عمر الإنسان. وأيضاً: ينبه الأولياء – وكذا كل مسؤول – على شدة المحافظة والتكتم لكل ما يثير الجنس فيهم، ويدعوهم إلى تخليص الأجواء الاجتماعية – ومنها العائلية – عن كل المثيرات الجنسية، وتنزيهها عنه. |
|
(1) سورة التحريم: الآية 12. (2) سورة مريم: الآيات 28 – 30. (3) سورة آل عمران: الآية 161. (4) سورة يوسف: الآية 24. (5) لمزيد من التفصيل، يراجع تفسير آية: (التطهير). م. (6) الاحتجاج – ج 2 – ص 198 – 228. (7) سورة الأعراف: الآية 157. (8) ذهب بعض المفسرين إلى أن دور: (الحلم)، هو دور: (الاحتلام) الذي هو أحد أدلة البلوغ الشرعي. وذهب آخرون إلى أن دور: (الحلم)، هو دور الرؤيا الجنسية، وهو يبتدئ قبل دور البلوغ، ولكنه تعبير فني عن دور البلوغ، رغم أن حكم: (الطفل المميز)، هو حكم: (البالغ) في هذا الخصوص، فيعممون الحكم بعموم الملاك. وحجتهم في ذلك: أن الحكم في: ((ليستأذنوا)) موجه إلى ((الأطفال))، ولا يمكن توجيه الحكم إلى غير البالغ. ولكن لا يوجد مبرر لاعتبار: (الحلم) تعبيراً عن: (البلوغ)، كما لا مبرر لتعميم الحكم بعموم الملاك، وإنما يفضل تفسير: (الحلم) بمعناه اللغوي، ليشمل المميز والبالغ، بدليل: 1- التعبير عنهم بـ: ((الأطفال)). 2- توجيه الخطاب إلى معايشيهم في: ((منكم)). و(ليستأذنوا) ليس خطاباً إلى الأطفال، فمثل هذا الكلام يوجه إلى الأولياء لإلزام الأطفال بما يلزمون به فمثلاً يقال: إذا بلغ الأطفال سبعاً فليصلوا، وإذا بلغوا ستاً فليتعلموا ... م. |