الفهرس

التفسير وعلوم القرآن

الصفحة الرئيسية

 

  (22)

۞ سورة الحج ۞

مدنية وهي ثمان وسبعون آية

ضرورة الانسجام مع الواقع العام


((أ لم تر؟!

أن الله يسجد له: من في السماوات ومن في الأرض، والشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر، والدواب، وكثير من الناس، وكثير حق عليه العذاب. ومن يهن الله فما له من مكرم، إن الله يفعل ما يشاء)).

[(سورة الحج: الآية 18).


هل تعلم:

أن قطف وردة يافعة، يساوي – في منطق الحياة – قتل طفلة متفتحة على الحياة؟!

هل تعلم:

أن أية نبتة تنفض التراب عن رأسها لتتجه إلى السماء، تبحث عن هدف أسمى من الحياة كلها؟! كما أنك لا تولد لتعاني الحياة فحسب، وإنما لتعبرها إلى الأفضل. فكما أنك لم توجد إلا لهدف كبير، هكذا... لم يوجد شيء – في الكون – إلا لهدف كبير.

هل تعلم:

أن الشوكة تخدم الحياة بمقدار ما تخدمها الوردة؟!

هل تعلم:

أن وجود الشيطان يساهم في تحقيق هدف الحياة كما يساهم في تحقيقه المصلحون؟!

هل تعلم:

أن السم ضروري للجسم، كما أن السكَّر ضروري للجسم؟!

هل تعلم:

أن النار من العناصر الأساسية للحياة، كما أن الماء من العناصر الأساسية للحياة؟!

هل تعلم:

أن الجنة والنار تتساويان في إنجاح عملية الوجود، ولولا جهنم لفشل الوجود، ولولا الجنة لفشل الوجود أيضاً؟!

هل تعلم:

أن كل إنسان إما بذرته من جهنم أو من الجنة، ويأتي إلى هذه الحياة ليأخذ مداه، ثم يعود كل إلى مصدره؟! هكذا... كل شيء في هذه الحياة، إما قادم من جهنم أو من الجنة، ليتكامل، فيعود إلى أصله.

وكما أنك تخرج من بيتك صباحاً لتؤدي دورك عبر النهار، فتعود في المساء إلى بيتك وقد تكاملت بشيء: من المال، أو من الشهرة، أو من العلم...

وكما تخرج الطيور من أوكارها خماصاً، لتعود بطاناً عبر كفاح يومي...

هكذا... خرجت كل وحدات الدنيا من جهنم أو من الجنة، لتعود إليها بشيء من التكامل عبر رحلة اسمها: الحياة.

فالمجرمون خرجوا من جهنم بذوراً ليعودوا إليها أشواكاً، والمصلحون خرجوا من الجنة بذوراً ليعودوا إليها وروداً. واحتفظت بذرة الشوك بهويتها، كما احتفظت بذرة الوردة بهويتها. واختلطت البذور في الحديقة، ولكن لا تجد بذرة واحدة نسيت ذاتها. كما يختلط الطلاب في المدرسة الواحدة، ولكن العبقري لا ينسى أنه عبقري، والتافه لا ينسى أنه تافه.

ويحتاج المجتمع إلى المؤدِّب كما يحتاج إلى الزاهد، ويحتاج جسم الإنسان إلى الجرَّاح كما يحتاج إلى الغذاء، وتحتاج الدولة إلى حروب كما تحتاج إلى السلام...

هكذا... الحياة تحتاج إلى الشر كما تحتاج إلى الخير، وبفقدان أي منهما تفشل تجربة الحياة، كما تفشل تجربة الميزان بفقدان أية واحدة من الكفتين. فالمعادلات، هي التي تحرك عجلة الحياة.

والشوكة تستمد نشاطها من الله – تعالى – بنفس المقياس الذي تستمد به الوردة نشاطها من الله، فكلتاهما تكافحان، وكلتاهما تتجهان إلى الله في كفاحهما. وإنك لا تستطيع أن تقول: إن النفط عندما يحترق يناقض الحياة، وإن الشجرة حينما تثمر تخدم الحياة. فكل – من موقعه – يساهم في عملية الحياة:

فالبحر حينما يتصاعد بخاراً لتطهير الجو، وينهمر مطراً لتربية النبات والحيوان والإنسان والمعدن، ويجري في شرايين الأرض لامتصاص الأملاح الفائضة عن المعدل المناسب؛ يرجع إلى أصله أخيراً، ولكنه ينفِّذ إرادة الله عبر كفاح مرير.

والأرض، حينما تنتفض نباتاً وحيواناً وإنساناً ومعدناً، ترجع إلى أصلها أخيراً، ولكنها تنفذ إرادة الله عبر كفاح مرير.

فكل شيء ساجد لله سجوداً مستمراً، سواء أ خرج من الجنة ثم عاد إليها أم خرج من جهنم وعاد إليها. إنما المهم: أن يتكيف بإرادة الله في دورته، ينفذ إرادة الله بإرادته، فينسجم مع الواقع العام، ويرتاح بانسجامه مع ذلك الواقع العام. أو أن لا يتكيف بإرادة الله في دورته، فينفذ إرادة الله تحت تيارات الحياة، فلا ينسجم مع الواقع العام، ويتعذب بتناقضه مع ذلك الواقع العام.

صحيح أن العنصر الجهنمي يعود إلى جهنم، ولكن الفارق: أنه قد يعود كبريتاً يحرق غيره، وقد يعود جسداً يحترق بغيره. فالأول: عاد إلى جهنم منسجماً مع الواقع العام، فارتاح بانسجامه معه. والثاني: عاد إلى جهنم متناقضاً مع الواقع العام، فتعذب بتناقضه معه.

إن في جهنم ملائكة ينظمون جهنم، وفي جهنم شياطين يعاقبون بجهنم. كلا الفريقين في جهنم، ولكن الفريق الأول انسجم مع الواقع فاطمأن به، والفريق الثاني تناقض مع الواقع فتعذب به.

والإنسان كيفما كان فإنه جزء من الحياة، لأن الحياة تضمنته على أي حال. فعليه أن يحاول خدمة نفسه، بانسجامه مع الواقع العام الذي يعبر عن إرادة الله، حتى يطمئن بمسيرته في هذه الحياة، ويطمئن بمصيره بعد هذه الحياة:

مثلاً: النظام الصحي جزء من الواقع العام، فإذا انسجمت معه تطمئن إلى جسم سليم، وإذا تناقضت معه تعذب بجسم سقيم.

ومثلاً: نظام السير جزء من الواقع العام، فإذا انسجمت معه تصل إلى هدفك ولا تعاقب، وإذا تناقضت معه قد لا تصل إلى هدفك وتعاقب.

ومثلاً: المجتمع السليم – إذا وجد مجتمع سليم، أو الجانب السليم في المجتمع – جزء من الواقع العام، فإذا انسجمت معه أصبحت مقبولاً ورفعك بنسبة انسجامك معه، وإذا تناقضت معه أصبحت مرفوضاً وصادرك بنسبة تناقضك معه.

وبالتالي:

إن من انسجم مع إرادة الله – التي هي وراء الواقع العام – اطمأن بها، ومن تناقض معها لم يستطع اختراقها، لأن الله غالب على أمره، بل جرفته تيارات الواقع، وتعذب بالاصطدام بها. والإنسان لا يصطدم بما هو أقوى منه، إلا إذا أراد أن يتعذب بلا جدوى.

طبيعة المشرك، وطبيعة نظام الشرك


((... ومن يشرك بالله، فكأنما خرَّ من السماء، فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق)).

[(سورة الحج: الآية 31).


- 1 -


إن التربية الحديثة فصلت هذا الجيل عن الجيل السابق، وفككت أفراد هذا الجيل عن بعضها.

فالطفل – سابقاً – عندما كان يولد، كان يرى أن أمه تعطيه عطاءً مطلقاً وبلا أجر، وأباه يعطيه عطاءً مطلقاً وبلا أجر، ويرى معلمه يعطيه عطاء مطلقاً وبلا أجر، ويرى حاكمه يعطيه عطاء كذلك، وقاضيه كذلك، ويرى أخاه وابن عمه وكل قريب وصديق... يعطيه عطاءً مطلقاً وبلا أجر. فكان يتربى على أن يعطي – هو – لأمه، وأبيه، ومعلمه، وحاكمه، وقاضيه، وأخيه، وابن عمه، وكل قريب وصديق... عطاء مطلقاً وبلا أجر. فكان ينشأ عضواً في جسد، ولبنة في كيان.

أما اليوم: فيولد الطفل، فيرى أمه لا تعطيه إلا عطاءً محدوداً ومع مشاكل وبصعوبة، ويرى أباه لا يعطيه إلا عطاء محدوداً ومقابل مطاليب، ويرى مربيته تعطيه عطاء محدوداً بالساعات ومقابل أجر، وكذلك: معلمه، وحاكمه، وقاضيه، وأخاه، وابن عمه، وكل قريب وصديق... يرى كل إنسان يتعامل معه، يعطيه عطاء محدوداً بحدود وبأجر. فيتعود هو على أن يعطي ـ أيضاً ـ عطاء محدوداً ومقابل أجر. لذلك: لا يرتبط بأي إنسان ارتباطاً إنسانياً مطلقاً مجرداً، لأنه تربى على أن يأخذ ارتباطه مقابل أجر، فلا يعطي ارتباطه إلا مقابل أجر.

فلذلك: ينشأ كل فرد أداة مستقلة، لا تربطه بغيره إلا رابطة الأجر أو المصلحة. فيصبح كل فرد أداة مستقلة، ويصبح المجتمع – كله – مجموعة غرباء يعيشون فرادى، أدوات متفرقة تحتاج في ارتباطها إلى براغي ومشدات، هي المادة.

ولذلك: يكون الفرد مع مصلحته ضد أخيه، ومع أخيه ضد ابن عمه لأن المصالح التي تربطه بأخيه أكثر من المصالح التي تربطه بابن عمه، ويكون مع ابن عمه ضد صديقه لأن المصالح التي تربطه بابن عمه أكثر من المصالح التي تربطه بصديقه، وهكذا... يكون مع معلمه، وحاكمه، وقومه...

ولذلك: لا يشعر أي فرد بغيره إلا من خلال مصالحه فإذا أوصدت في وجهه أبواب مصالحه، يلجأ إلى الانتحار، لأنه يرى نفسه وحيداً في صحراء، ولا ينتظر أن تمتد إليه يد المعونة من أحد. فيرى الحياة قد انتهت بالنسبة إليه.

بينما الذي يعمل الخير للخير، أو يعمل الخير لله؛ يعطي عطاء مطلقاً في كل مجالات العطاء، يعطي بلا حساب وبدون أجر. وبعطائه – هذا – ينمِّي ضميره، ويربِّي مجتمعه على العطاء المطلق. فيعود عليه مجتمعه بالعطاء المطلق كرد فعل طبيعي، فتصل إليه عطايا المجتمع، في الوقت الذي يحتاج وأكثر مما يحتاج.

ومن لا يعطي العطاء المطلق، يهزل ضميره، ويربي مجتمعه على عدم العطاء المطلق. فيعود عليه مجتمعه بعدم العطاء المطلق، في الوقت الذي يحتاج.

إن من يعطي العطاء المطلق، يعطي الزيادة التي عنده في الوقت الذي لا يحتاج إليها، ويأخذها من المجتمع في الوقت الذي يحتاج إليها. فهو – في الحقيقة – يصمدها في بنك المجتمع.

والذي لا يعطي العطاء المطلق، لا يعطي الزيادة التي عنده في الوقت الذي لا يحتاج إليها، وإنما يسرفها، ثم لا يستطيع أن يأخذها من المجتمع في الوقت الذي يحتاج إليها، لأنه لم يصمدها في بنك المجتمع.

فهو – حتى في حدود مصلحته الخاصة – خاسر.

ولذلك يقول الإمام علي (ع): (من يقبض يده عن عشيرته فإنما تقبض عنهم يدً واحدة وتقبض منهم عنه أيدٍ كثيرة))(1).


- 2 -


المشرك، إذا درسنا حياته من أولها إلى نهايتها، نجده – بالفعل – ((كأنما خرَّ من السماء))، لأنه – منذ هبط روحه من السماء – لم يهبط على مقر أمين، وإنما سقط من السماء لشتى الاحتمالات. وهو – في خضم هواجس الحياة – قلق مرتبك، تماماً... كمن هو ساقط من شاهق رفيع، لا يدري: أين يسقط؟ وكيف يتحطم؟ ثم يلاقي أحد مصيرين:

1- أن ينتبه إليه طاغوت فيتلقفه لقمة سائغة، أو يمر به تيار فينتهزه أداة طيعة: ((فتخطفه الطير)).

2- أو يبقى لنفسه، فيعاني من الرياح الداخلية التي تعصف بأعماقه، حتى تستهلك هواجسه، أو تفجره أهواؤه: ((أو تهوي به الريح في مكان سحيق)).

تعظيم شعائر الله


((ذلك: ومن يعظم شعائر الله، فإنها من تقوى القلوب)).

[(سورة الحج: الآية 32).


كل من ينطلق في الحياة، ينتزع من إحدى قاعدتين:

1- قاعدة (رغبة)، تختلف أسبابها وتختلف آمادها باختلاف الأفراد والظروف، ولكنها لا تختلف في كونها محدودة ومؤقتة، فالرغبة شهوة لها نوبة، ونزوة لها دورة، فتلتهب بسرعة وتخبو بسرعة، لأن الرغبة هي ما لم يؤسس عليها الفرد حياته، فيسهل عليه التخلي عنها.

2- قاعدة (مبدأ)، تختلف أسبابه وتختلف آماده باختلاف الأفراد، ولكنه لا يختلف في كونه مطلقاً ودائماً. لأن المبدأ هو ما أسس عليه الفرد حياته، وبتصدعه تنهار حياته. فلا يتخلى عنه إلا بانتهاء حياته.

والهاوي ينتزع من قاعدة الرغبة، سواء أ كانت هوايته منبعثة من داخله، كهواية: جمع الطوابع، أو الصور، أو الرياضة، أو غيرها من الهوايات المعبرة عن الذوق. أو كانت هوايته منبعثة من خارجه، كالهوايات التي لا تعبر عن الذوق، وإنما تعبر عن استجابة رغبة الآخرين، من صديق أو قريب أو عرف...

والمحترف ينتزع من قاعدة المبدأ، سواء أ كان مبدؤه تعبيراً عن إيمانه الداخلي أو كان مبدؤه تعبيراً عن مصلحته.

لأن الهاوي لا يؤسس حياته على هوايته، والمحترف يؤسس حياته على مبدئه. ولا فرق بين الهواية والمبدأ ذاتاً، وإنما الفارق في موقف الفرد منهما: فكل هواية يمكن أن يؤسس عليها الفرد حياته، فتكون مبدأه. وكل مبدأ يمكن أن يصطفيه الفرد لرغبته، فيكون هوايته.

ومن طبيعة الهاوي أنه يمارس هوايته في فضوله، فلا يقود إليها الآخرين، ولا يلتزم بها إن كلفته كثيراً.

ومن طبيعة المحترف أنه يمارس مبدأه في جده، فيقود إليه الآخرين، ويلتزم به وإن كلفه كثيراً.

والمسلمون ينقسمون إلى قسمين:

1- المستسلمون، الذين أسلموا انتزاعاً من قاعدة رغبة: قد يكون سببها الخوف من نتائج الكفر، وقد يكون سببها المصلحة في اعتناق الإسلام، وقد يكون سببها الانسياق مع التيار. فاشتهوا الإسلام، دون أن يؤسسوا عليه حياتهم. ومنهم الذين عناهم القرآن بقوله: ((قالت الأعراب: آمنا، قل: لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا، ولما يدخل الإيمان في قلوبكم...))(2). وهم أشبه بالهواة. وهؤلاء... مسلمون في حدود، وما دام سببه موجوداً.

2- المؤمنون، الذين أسلموا انتزاعاً من قاعدة مبدأ: قد يكون سببه الاقتناع به، وقد يكون سببه المصلحة الدنيوية أو الأخروية. ولكنهم أسسوا عليه حياتهم، فربطوا بين مصيره ومصيرهم، وهؤلاء... مسلمون مطلقاً ودائماً.

وهذا القسم الثاني من المسلمين وإن كان اعتناقهم له بدون اقتناع، إلا أن ممارسته المستمرة تنتهي بتسربه إلى قلوبهم، لأنه حق.

وهؤلاء... يمرون بثلاث مراحل:

1- قبل أن يتسرب الإسلام إلى قلوبهم.

2- عندما يتسرب الإسلام إلى قلوبهم، فيتحول الإسلام إيماناً.

3- عندما يتمكن الإيمان من قلوبهم، فيتحول الإيمان تقوى.

وهم – ما داموا في المرحلة الأولى – يلتزمون بالإسلام طالما هم مع المسلمين (ويتخلون عنه مع أنفسهم ومع غير المسلمين) فيكتفون بالاشتراك في المظاهر الإسلامية، حتى يكون لهم ما للمسلمين.

وإذا انتقلوا إلى المرحلة الثانية، التزموا بالإسلام مع المسلمين ومع أنفسهم.

فإذا وصلوا إلى المرحلة الثالثة، رفعوا الشعارات الإسلامية لدعوة غيرهم إلى الإسلام.

((ومن يعظم شعائر الله)) ويرفع شعارات الإسلام، ((فإنها)) ظاهرة تدل على أنه بلغ المرحلة الثالثة في الإسلام، فشعائر الله ((من تقوى القلوب)). فليس هو متقياً فحسب، وإنما قلبه أصبح متقياً، فهو – في تقواه – يعبر عن واقعه بلا تكلف.

فالإناء ما لم يمتلئ لا يطفح، وإذا طفح فقد امتلأ بوفر. وما لم يتمكن الإيمان من قلب المؤمن، لا يتصدى لغيره.

وهذا التشجيع الأكيد من القرآن على تعظيم شعائر الله، لا بد منه، لأن رفع الشعارات الإسلامية تفيد لأمور:

1- إيجاد الكيان الإسلامي في واقع المجتمع، والدلالة على أن المسلمين بلغوا درجة الإعلان عن وجودهم بدون تحفظ، فهم أقوياء لا يتوجسون خطراً من إبراز هويتهم أمام الآخرين.

2- إيجاد الشخصية المسلمة في نفوس المسلمين، وتصعيد معنوياتهم، وإشعارهم بأنهم قوة لا ترهب قوة، فقد بلغت مستوى التصدي لغيرها.

3- خضد شوكة غيرهم، وتخفيض معنوياتهم، وإشعارهم بأنهم ليسوا أسياد الموقف وحدهم، وإنما هنالك – إلى جانبهم – أسياد آخرون هم المسلمون.

4- توجيه غيرهم، وتحريك ضمائرهم التي – مهما تضاءلت – لا تموت ولا تتلاشى، وإنما تنبض كلما التقفت الضوء من مصدر إشعاع؛ فتتحرك لتقول لأصحابها: (انظروا هؤلاء المسلمين، أسلموا وبلغوا مستوى التصدي، وأنتم لم تدخلوا – بعد – في الإسلام، أنتم متخلفون، أنتم منحرفون). فيقف كل شعار موقف واعظ.

من قبو المعارضة إلى سدة الحكم


((أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وإن الله – على نصرهم – لقدير *

الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا: (ربنا الله). ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت: صوامع، وبيع، وصلوات، ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً. ولينصر الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز *

الذين إن مكناهم في الأرض: أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر. ولله عاقبة الأمور)).

[(سورة الحج: الآيات 39 – 41).


- 1 -


من خلال هذه الآيات، يمكن استشفاف مواضيع عديدة، ندرسها في مباحث:

المبحث الأول:

الوطن، ما هو؟!

وما قيمته الذاتية؟

وكيف يقيم في معادلته بالمواطن؟

1- الوطن، قطعة من الأرض يختارها إنسان مقره الثابت.

2- قطعة أرض، لو تصورناها بعيدة عن الإنسان، لا تكون لها قيمة ذاتية بالنسبة للإنسان. فقيمة الأشياء بالنسبة إلى الإنسان، تقدر بمقياس حاجة الإنسان إليها. فترتفع وتنخفض، بمعدل ارتفاع وانخفاض تزاحم حاجات الناس عليها.

3- طالما تقدر قيمة الأشياء بالنسبة إلى الإنسان، بمقياس حاجة الإنسان إليها وبمعدل تزاحم الحاجات عليها؛ فالمواطن هو الذي يمنح القيمة للوطن، ويقدرها بقدر معين، ويعدلها بمعدل معين. تماماً... كما يمنح القيمة للذهب، وحبة القمح، وقطرة الماء...

فالإنسان، هو أصل القيمة. أما الأرض ومشتقاتها، فتأخذ قيمتها من الإنسان.

المبحث الثاني:

إذن، لماذا يضحي الإنسان لحماية الأرض؟

الجواب:

1- يضحي لحماية أرضه، كما يضحي لحماية ماله، وللدفاع عن حريته... لأن الإنسان – منسلخاً عن حقوقه – يصبح أداة طيعة لقوى الشر. فيكون الدفاع عن أي حق من حقوقه، دفاعاً عن ذاته كمخلوق، أو دفاعاً عن ذاته كإنسان. فلا يكون الدفاع عن الأرض – في واقعه – دفاعاً عن أرضه، وإنما هو دفاعاً عن ذاته. وبما أن الإنسان وجد في هذه الحياة لهدف معين هو تنمية المواهب المغروسة في ذاته، فإذا سيطرت عليه قوى الشر حتى عطلته عن هدفه، فخروجه من دائرة هذه الحياة لمواصلة مسيرته في حياة أخرى، أفضل من بقائه معطلاً في هذه الحياة.

2- في مجال التشريع، لا يؤخذ الإنسان كفرد وجد وحده على هذه الأرض، وإنما يؤخذ كفرد في ضمن مجموعة مستمرة، لها اعتباراتها وحقوقها. والمجموعة تضحي بفرد، أو أفراد منها، لتأمين حق – ولو بسيط – من حقوق المجموعة كلها.

لأن المجموعة تعادل بين قيمة فرد وقيمة حق من حقوق المجموعة، فترجح قيمة الحق – لأنه منتشر ومستمر بانتشار واستمرار المجموعة – على قيمة الفرد، لأنه محدود وغير مستمر، فيضحى بالفرد بلا تردد.

المبحث الثالث:

لا معنى لتضحية الفرد لحماية حقه أو حق المجموعة، لأن الفرد إذا مات انتهت بالنسبة إليه كافة الاعتبارات، فلا تبقى بالنسبة إليه: لا حقوق، ولا مجموعة، ولا وطن، ولا يبقى بخصوصه مفهوم للدنيا كلها. فلماذا يضحي بنفسه، ويغض النظر عن حقه في الحياة، ويقطع علاقته بهذه الدنيا التي يستطيع استثمارها في تنمية ذاتياته – على الأقل –؟!

الجواب:

قد يجد الإنسان أمامه هدفاً كبيراً يحاوله من خلال تضحيته، مثل مرضاة الله – سبحانه – التي قد تتركز في مظهر معين، كالدفاع عن: وطن، أو شخص، أو عقيدة... ففي مثل هذا المورد، لا تكون التضحية في سبيل ذلك المظهر، وإنما تكون في سبيل الله، وإن كان سبيله قد يتجسد: وطناً معيناً في وقت، ونبياً في وقت آخر، وعقيدة في وقت ثالث... والتضحية في سبيل الله ليست تضحية بمفهومها المعروف، وإنما هي أعلى مراتب تصفية الذات، وترفيعها عن مطامح الأرض وعوائقها.

المبحث الرابع:

إن تصفية الإنسان – جسدياً أو وطنياً – لا يصح إلا لإيقاف الاعتداء الجسدي أو الوطني. فتصفية الناس جسدياً تقابل بالمثل، وتصفية الناس وطنياً – بإزعاجهم عن مأمنهم – تقابل بالمثل:

((ولكم في القصاص حياة))(3).

((وكتبنا عليهم فيها: أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن...))(4).

«فمن أعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم» سورة البقرة الآية 151

((إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فساداً: أن يقتلوا، أو يصلبوا، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض...))(125).

أما أن يحمل أحد فكرة حقاً، أو يعبر عن فكرة حق – بدون اعتداء أو تحريض على اعتداء – فلا يبرر تصنيفه معتدياً وتعريضه لعقاب، وإن أضرَّ بمصالح آخرين. وتعريضه للعقاب، اعتداء يعطيه الحق في القصاص.

فالمسلمون – قبل الهجرة – كانوا يقولون: ((ربنا الله))، وكانت تتأثر مصالح الكفار بهذا القول، ولكنه لم يكن اعتداء ولا تحريضاً على اعتداء. فلما رد عليه الكفار بتهجيرهم، أصبحوا معتدين. فأذن الله للمسلمين باستعمال العنف، للرد على هذا الاعتداء.


- 2 -


- الناس مع مصالحهم. ويكرهون الأنبياء والمصلحين والعباقرة، لأنهم يزاحمون مصالح المستغلين النافذين. حتى إذا ماتوا، وأمكن استغلال أفكارهم؛ مجَّد بهم الناس، وجعلوا منهم نجوماً في السماء. لا إخلاصاً لهم، وإنما لاستدرار مصالحهم عن طريق المتاجرة برسالاتهم المقدسة.

والأنبياء والمصلحون والعباقرة، يشعرون بهذا الواقع، ولكنهم يعبرون عن ذاتياتهم أو يؤدون رسالاتهم، ثم لا فرق لديهم ما يفعل بأفكارهم الآخرون.

- أية قضية عندما تطرح للمزاد، يتجمع حولها التجار، ويزايدون. وهذا التنافس الحر، يؤدي إلى محاولة كل منهم أن يظهر للرأي العام أشد تمسكاً بالقضية، وأبرع في كشف زيوف الآخرين.

وهذا التدافع التجاري وإن كان من منطلق تجاري، إلا أنه يمنع أياً من التجار من أن يذهبوا بها إلى حيث يشاؤون، وأن يصبوها في مصالحهم الخاصة. فيؤدي – بالتالي – إلى سلامة أصل القضية للرأي العام.

- ولو استطاع التجار أن يتفقوا فيما بينهم على تقسيم الغنائم، لما سلمت قضية في التاريخ. ولكن هذا الجشع التجاري، هو الذي يمنع التجار من الاتفاق، ولا يصيب المجتمع بالأزمات إلا حينما يظهر الاحتكار، فينفرد تاجر واحد بقضية.

- ومن هنا يظهر: أن الأديان – عندما تطلق الحرية لكل فرد في أن يتخذ موقفه ويعلن رأيه – لا تلبي قضية إنسانية فحسب، وإنما تلقح المجتمع ضد استغلال الأديان ذاتها.

فطبيعة البشر – في أكثريته الساحقة – طبيعة مادية تجارية، لا تخلص للقضايا الروحية والمعنوية. ((ولولا)) تطعيم هذه الطبيعة المتاجرة بالاستئثار والاستغلاء، و ((دفع الله الناس)) عن المتاجرة بالأديان ((بعضهم ببعض))، لحرفت الأديان كلها، و ((لهدمت صوامع)) النصارى، ((وبيع)) اليهود، و ((صلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً)) من قبل المسلمين، وتحولت إلى دكاكين لمصالح التجار المستغلين.


- 3 -


الإذن بالقتال – في القرآن – لا يكون إلا لدفع الظلم، الذي هو تخبط في نظام الكون المتقن الدقيق. الظلم الذي يبدأ بحرمان النملة من قوتها، وينتهي بحرمان الإنسان من رأسماله الذي هو الحياة. فالموت العنيف، لا يكون إلا لإيقاف الموت العنيف. فالظالم الذي يمارس حرمان الآخرين من حياتهم، يوقف عند حده بانتزاع حياته.

فالموت الفردي باب للحياة الجماعية، التي هي سنة الله للإنسان. فالظالم الذي يمارس تشويه آثار الله بالتخبط في نظام الكون، والظالم الذي يمارس محو أغلى آثار الله في الأرض، بإبادة الإنسان؛ هذا الظالم يقتل، لتأخذ عدالة الله مجراها في نظام الكون، وليبقى الإنسان الذي كرمه الله وسخر له ما في السماوات والأرض.

فالقتال – الذي أذن الله به – أفضل أنواع العبادة، لأنه اتجاه المقاتل – بكله – إلى الله، ولتحقيق إرادة الله. فميدان القتال مسجد، والمعركة محراب، ولأمة الحرب صلاة... وكل قطرة دم توحيد، وكل ضربة سجود، وكل نقلة ركوع، وكل صيحة تسبيح...

وكانت أول معارك الرسول الأعظم (ص) (غزوة بدر الكبرى) في شهر رمضان، وخاتمة معاركه (غزوة الفتح) في شهر رمضان. فالفاتحة والخاتمة، كانتا في شهر الله. فأعطتا لشهر الله روحه، وأعطتا للصيام أبعاده.


- 4 -


هذه الآيات الثلاث، بمثابة الضوء الأخضر أمام المسلمين لحمل السلاح، بعد طول كفاح دام ثلاثة عشر عاماً دون اللجوء إلى القوة، حتى أصبح اللاعنف طابع حياتهم. فالتحول من موقع الصمود إلى موقع الدفاع، ومن اللاعنف إلى العنف؛ تحور كبير يحتاج إلى إعداد المناخ النفسي والفكري. فلذلك، كان لا بد من:

1- تنظير الموقف، لإقناع المسلمين بحمل السلاح؛ حتى يحاربوا عن قناعة كافية، لجعل الناسك المتعبد محارباً من الطراز الأول، وإخراج الجندية من إطار السخرة وخدمة السلطان، وإدخالها في إطار الحق والعمل الصالح.

في هذا المجال، ركز القرآن على النقاط التالية:

الأولى: الاعتراف بأن المسلمين ظلموا، فهم مظلومون، وليسوا ظالمين، ومن حق كل مظلوم أن يرفع الظلامة عن نفسه. وجاء الاعتراف بظلامة المسلمين مسبوقاً بدليل هذا الاعتراف، وهو أنهم قوتلوا. والذي يقاتل، معتدى عليه وليس معتدياً. والمعتدى عليه، مظلوم.

الثانية: إعلان أن المسلمين أصبحوا قوة قادرة على اتخاذ قرار الحرب، وعلى تحقيق الانتصار، فلم يعودوا أقلية مسحوقة لا تطيق سوى الانتفاض، بل – بالهجرة – أصبحوا قوة تستطيع أن تفكر وتخطط، فتحررت إرادتها وتحررت قراراتها. فهي قوة مستقلة ذات سيادة تقدر على الدخول في صراع بإرادة حرة، وهي مؤهلة لتحقيق الانتصار إذا وفرت في أنفسها أسباب الانتصار، أي لم تعد – كما كانت – مجموعة محكوم عليها بالهزيمة والاندحار إذا دخلت في صراع.

وهذا الإعلان: ينفع – في الدرجة الأولى – لتصعيد معنويات المعارض الذي لا يفكر إلا في تلقي الضربات وهضمها لمجرد الصمود، إلى معنويات المقاتل الذي يعد الضربات لخصمه قبل أن يفكر في قبول الضربات منه.

وينفع – في الدرجة الثانية – لتخفيض معنويات المعتدين حتى لا يستهتروا في كيل الضربات الرعناء إلى المسلمين في مأمن من الروع، وإفهامهم أن عليكم أن تفكروا – أكثر من مرة – قبل أن توجهوا إلى المسلمين أية ضربة من الضربات التي تعودتم أن تمطروهم بها في السابق بلا مبالاة.

الثالثة: إعطاء الجريمة حجمها، فإخراج الناس من بلادهم – بدون ارتكاب جريمة الإفساد في الأرض، وهو شهر السلاح في وجوه الآمنين – جريمة يصح القتال لرفضها، وليست جريمة خفيفة يصح قبولها وتناسيها. فحق الناس في بلادهم حق كبير لا يبطل إلا بشهر السلاح، وحرمانهم من هذا الحق جريمة يرد عليها بالسلاح.

الرابعة: جريمة المسلمين – حتى في منطق الجاهليين – ليست من الجرائم المسقطة للاعتبار، وإنما هي جريمة عقائدية. وحرية العقيدة من الأصول الأساسية للإنسان، لأنها وإن أدَّت إلى باطل، يبقى ذلك الباطل محصوراً في نطاقه هو – إذا لم يكن عن تقصير – ولا يكون تجاوزاً على غيره، حتى يرد إلى حدوده.

2- استحضار الواقع العام، والمعادلات التي تحكم هذا الواقع. وفي هذا المجال شدد القرآن على نقطتين:

الأولى:

التدافع الاجتماعي بين جبهة الباطل وجبهة الحق. فالقوى الشريرة تتكتل للإغارة على مظاهر الخير، فإذا لم تتكتل القوى الخيرة في المقابل لإيجاد التوازن، فإن القوى الشريرة تواصل زحفها حتى تقضي على كل آثار الخير، وهي مراكز العبادة: الصوامع، والبيع، والصلوات، والمساجد. فلا بد من تكتل القوى الخيرة لحفظ التوازن وإيجاد الاستقرار، ومن ثم إيجاد المناخ الصالح لتكافؤ الفرص أمام أصحاب الخير وأصحاب الشر، حتى يجد كل إنسان نفسه على مفترق طرق بين خيارين، ولا يجد نفسه مضطراً إلى خيار واحد.

الثانية:

البقاء للأصلح. فالحق – إذا دخل في صراع – سينتصر في نهاية المطاف، لأن كل القوى الخيرة مع المقاتل من أجل الخير، والله – الذي هو مصدر كل القدرات – معه، والله قوي عزيز، ليس ضعيفاً، ولا ينال منه. فجدير بالخيرين – المضطهدين في الأرض – أن يطمئنوا إلى مستقبلهم، وأن لا يترددوا في الدخول في أي صراع يفرضه عليهم دعاة الشر.

والهدف الموجه لهذه الآيات، هو نقل المسلمين من عقلية المعارض إلى عقلية الحاكم، بعد أن انتقلوا – في واقع الحياة – من موقع المعارضة إلى مسرح الحكم؛ وإشعارهم بأنهم أصبحوا من محركات الأحداث بعد أن كانوا أحجاراً متحركة بإرادة الآخرين.

فصدق المعارض يقاس بعدد (اللاوات) التي تتكرر على لسانه، وإخلاصه يحسب بعدد الضربات التي استقبلها دون أن يبارح مكانه؛ بينما صدق الحاكم يقاس بعدد المشاكل التي عالجها، وإخلاصه يحسب بعدد الانتصارات التي أحرزها.

ومن الطبيعي والمألوف انتقال المعارضين من مواقع المعارضة إلى مساند الحكم، ولكن من الطبيعي والمألوف أن يبقى المعارض – بعد انتقاله إلى الحكم – رهين عقلية المعارضة والرفض، وقلما يستطيع أن يتساءل: أين أنا اليوم مما كنت فيه بالأمس؟ وأين سأكون غداً مما أنا فيه اليوم؟

والمفارقة في ظاهرة المسلمين، أنهم فوجئوا – بعد الهجرة – بواقع غير متوقع وغير مألوف، ولكنهم استوعبوه وتحركوا بوحيه، فاستوعبوا الأحداث قبل أن تفرض ذاتها عليهم. فيما لم تستوعبه الجاهلية، لأنه واقع غير متوقع وغير مألوف، فلم تستوعب الأحداث حتى فرضت ذاتها عليها، فواصلت اعتداءاتها على المسلمين – رغم تأرجح موازين القوى لصالحهم – حتى أكلتها الحرب.

المهاجرون في سبيل الله


((والذين هاجروا في سبيل الله، ثم قتلوا أو ماتوا؛ ليرزقنهم الله رزقاً حسناً. وإن الله لهو خير الرازقين)).

[(سورة الحج: الآية 58).


((والذين هاجروا)) بلادهم، وضحوا بكل ما بنوه فيها من ذكريات وأمجاد؛ ((في سبيل الله، ثم)) واصلوا السير في نفس الخط حتى ((قتلوا أو ماتوا))؛ فإنهم لا يموتون وإنما يبقون أحياء عند ربهم، و ((ليرزقنهم الله)) لا رزقاً كالذي كانوا يكسبونه عادة، وإنما ((رزقاً حسناً)) لم يكن في استطاعتهم تحصيله بجهودهم، وهو ما يرزقه الله للأصفياء من عباده المهاجرين والشهداء في سبيله.

فالمهاجر والشهيد، كلاهما حيٌّ عند الله.

لأن المهاجر – عندما يهجر بلده في سبيل الله – إنما يضحي بالمقدار السابق من عمره، لأن العمر – كالبذور – ينشره الإنسان على أرضية المجتمع، ليحصده ذكريات وأمجاداً. فإذا أنفق عمره في بلده ثم هاجر منه، كان كالزارع الذي يزرع في أرضه ثم يغادرها، كيف يكون مضحياً بالبذور؟

هكذا... المهاجر، يضحي بما سلف من عمره، فيصبح كالشهيد مضحياً بعمره.

والفارق بين المهاجر والشهيد:

أن المهاجر يضحي بما مضى من عمره، والشهيد يضحي بما بقي من عمره.

وبما أن الله يثيب على كل حسنة بالأضعاف من نوعها، فهو يجازي على التضحية بالعمر بالأضعاف من نوعه، فيمدد في عمر المهاجر والشهيد، فيجعلهما حيين بعد الموت والقتل. وذكر لهما أبرز مظاهر الحياة – وهو الارتزاق –.

فقال في الشهيد: ((ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً، بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون))(5).

وقال في المهاجر: ((ليرزقنهم الله رزقاً حسناً)).

فإذا مات المهاجر في السبيل الذي هاجر من أجله، ولم يعد إلى بلده بعد هجرته؛ كان حياً بعد موته كالشهيد. أما إذا عاد إلى بلده، فقد عاد إلى زرعه حين حصاده.

وقد خصَّ الله المهاجر الذي يموت – أو يقتل – في دار هجرته بهذا الجزاء، لأن الموت في الغربة أليم إلى درجة أنه لا يكافئه إلا الحياة الأبدية. فما من نكبة في الحياة إلا ويفكر المرء في ملافاتها ما دامت له بقية من عمر، أما الانقطاع عن الوطن والأقارب ساعة الموت فشيء لا يمكن التفكير في ملافاته.

من أهداف العبادات


((يا أيها الذين آمنوا! اركعوا، واسجدوا، واعبدوا ربكم، وافعلوا الخير، لعلكم تفلحون)).

[(سورة الحج: الآية 77).


- 1 -


جوهرة الإنسان الروحية – كجوهرته الجسدية – تحتوي على كوامن قابلة للظهور والنمو، وتحتوي على استعدادات ممكنة التكون والوجود.

فكما أن في بعض الأجساد كوامن للرشاقة تعينه على الجمباز والبهلوانية، بممارسة الرياضات المثيرة لتلك الكوامن؛ وفي بعض الأجساد كوامن للكمال الجسماني والصلابة تعينه على المصارعة والملاكمة، بممارسة الرياضات المثيرة لتلك الكوامن.

وكما أن في التراب عناصر قابلة للتطور إلى: الذهب، أو الفضة، أو الحديد، أو النحاس... أو إلى الأحجار الكريمة، أو إلى الفحم الحجري، أو الغاز أو النفط...

وكما أن في الهواء استعداداً لأن ينقلب ماء أو ناراً بتغير النسبة في بعض عناصره.

وكما أن في كل شيء قابليات لتطورات معينة، واستعدادات لانقلابات معينة.

هذه القابليات والاستعدادات ذاتية لا تتبدل، كل ما هنالك: أن القابليات قد تلتقي مع فرص مناسبة فتظهر، وقد تلتقي مع فرص معاكسة فلا تظهر. وتلك الاستعدادات ربما تتفق مع مناخات مساعدة فتتكون، وربما تتفق مع مناخات مضادة فلا تتكون.

هكذا... في روح كل فرد قابليات معينة لا تتبدل، أقصى ما هنالك: أن تلك القابليات قد تتوارد عليها فرص مواتية، وتتجاوب مع هذه الفرص وتشجعها رياضات صحيحة؛ فتظهر. وقد تعصف بها فرص متنكبة، فتظهر هذه القابليات إلى مكافحتها حتى تستنزف في سلبيات يائسة؛ فلا تظهر.

وفي روح كل فرد استعدادات معينة لا تتبدل، أقصى ما هنالك: أن تلك الاستعدادات ربما توفق بمناخات متعاونة، وتتناصر مع هذه المناخات وتشجعها رياضات صحيحة؛ فتتكون. وربما تجابهها مناخات متنكرة، فتضطر هذه الاستعدادات إلى التآكل معها حتى تتقلص في تراجعات يائسة؛ فلا تتكون.

وهذا الاختلاف في القابليات والاستعدادات، يظهر – بوضوح – في اثنين يعيشان فرصاً متكافئة ومناخات متشابهة، ثم يتكشف كل واحد منهما عن هوية تختلف عن هوية صاحبه: فيغدو أحدهما سياسياً والآخر شاعراً، أو يصبح أحدهما طبيباً والآخر مصارعاً... تماماً... كما أن جزءاً من التراب يتطور ماساً والجزء المجاور يتطور حصاة، وتماماً... كما أن نبتة في البستان تكون نخلة، والنبتة المجاورة لها تكون أقحواناً.

ولذلك: قال النبي الأكرم (ص): (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة)(6). ويمكن إضافة: والماس، والعقيق، والفحم، والحديد، والنفط، والزجاج... وبعض الناس همج كالتراب البائس اليائس، لا يمرع ولا ينفع. وبعض الناس مفرقعون كالبراكين. وبعضهم كالحيوانات السامة، والأوبئة، والوحوش، والعقبات، والأشواك...

الناس مثل: معادن، ومراعي

ومجاهل ملعونــة الأكـراع

ومن الرجال: بهائم، وسوائم

ومن النساء: حمائم، وأفاعي

وعندما نزل الإسلام لم ينزل ليغير طبائع الناس، وإنما نزل ليوفر الفرص الكافية للعناصر المستقيمة ويجعلها متكافئة مع الفرص الموفورة للعناصر الملتوية، حتى يجد كل فرد نفسه أمام طريقين هما: طريق الخير والشر.

((وهديناه النجدين))(7)، ولا يجد نفسه أمام طريق الشر فقط؛ فاتبعت العناصر المستقيمة طريق الخير، وبقيت العناصر الملتوية على طريق الشر.

وقد أعلن النبي (ص) – بجرأته الأدبية المعروفة – هذا الواقع فقال: (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام، وشراركم في الجاهلية شراركم في الإسلام)(8).

فالعنصر المستقيم، الذي لم يكن يجد طريقه في الجاهلية وجد طريقه في الإسلام، فتأصلت استقامته. والعنصر الملتوي، الذي كان يختان نفسه ويخون غيره في طريقه في الجاهلية، وجد نفسه مكشوفاً على طريق الالتواء في الإسلام، فتأصل التواؤه.

وإذا كانت العناصر المستقيمة تمضي في مسيرتها، والعناصر الملتوية تواصل في مسارها، كما تمضي نبتة الليمون في مسيرتها حتى تكون شجرة الليمون، وكما تواصل نبتة الشوك في مسارها حتى تكون شجرة الشوك؛ فلماذا العبادات؟ لماذا كل هذه الصلوات، والزكوات، والحج، والصيام، والتسابيح، والتراتيل...؟

الجواب:

1- إنها الرياضات التي تساعد على تظهير وتنمية العناصر المستقيمة، كما أن الجسم يحتاج إلى رياضات مناسبة لتظهير وتنمية كوامنه، وكما أن كل شيء يحتاج إلى حركة معينة في مساره لتظهير وتنمية كوامنه. لأن الجمود على وضع معين لا يساعد على التفتح والنمو؛ بل يكون مساعدا على التقلص والبوار.

2- إن الإنسان يمتاز بمرونته الفائقة. فكما أن جسمه قابل للنمو السريع والتطور النشط، بالقياس إلى الجماد والنبات والحيوان – مع الاحتفاظ بالنسبة –: فيغدو رشيقاً كالغزال، أو مترهلاً كالخروف، وصلباً كأنه هيكل من الفولاذ، أو مهترئاً كأنه من مومياءات الفراعنة، وذكياً لامعاً يتناول الناس والأرض والحياة بنظراته بذات البساطة التي يضم بها الدرهم بأصابعه، أو بليداً متجيفاً يعبث به ذباب ويوجهه طفل.


- 2 -


1- يلاحظ وجود الحركة في العبادات الإسلامية:

فالصلاة: قيام، وقعود، وركوع، وسجود، وقنوت. والحركة سريعة، أي في كل ركعة: قيام – ركوع – قيام - سجود – جلوس – سجود – جلوس.

وفي الحج – وهو أطول العبادات –: الحركات الموضعية والانتقالية والشكلية، عديدة، ظاهرة لا حاجة فيها إلى بيان. بل الحركة فيه أكثر من أصل التوجه العبادي الشفوي: فالإحرام، والطواف، والسعي، والوقوف، والرمي... كلها حركات. وإذا استثنينا التلبية وصلاة الطواف، لا تبقى قراءة واجبة في الحج، ويتمحض في حركات متنوعة. والنوافل، تمنعه عن التمحض في الحركية.

وفي الزكاة: الحركة دائمة في الكم، فنسب الزكاة متغيرة. وكذلك: الكفارات والنذورات... والخمس: وإن كان بنسبة ثابتة، إلا أن ارتفاعه وانخفاضه بمعدلات الفائض؛ يجعل منه ضريبة دائبة الحركة.

ولعل واضعي القوانين أخذوا من الإسلام صرف الضريبة من الرؤوس إلى المعادلات المتغيرة، لأن القوانين – قبل الإسلام – كانت تفرض الضريبة على الرؤوس.

والصوم: – بطبيعته – عمل ثابت، ولكنه عمل إرادي من جهة، وتطعيمه بالمستحبات الرمضانية أدى إلى كونه عملاً متحركاً.

وأما الجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: فهي – بطبيعتها الأولية – أعمال حركية لا مظهر فيها للثبات، سوى المقاييس المبدئية التي تصيبها بشيء من الروتينية المملة.

والتولي لأولياء الله، والتبري من أعداء الله: فهما وإن كانا من الأعمال الفكرية، إلا أنهما أرسلا وفق مقاييس متغيرة: فالتولي ليس لأشخاص معينين والتبري ليس من أشخاص معينين، وإنما الأول لجميع أولياء الله القدامى والجدد، والثاني من كل أعداء الله القدامى والجدد.

وهكذا... نلاحظ الحركية تطبع العبادات الإسلامية، حتى لا تصبح – على ممر الأجيال – روتيناً مملاً.

2- الحركة لا تستأثر بالروح العبادية، فالحركة موجودة ولكن إلى جانب القراءات والتوجهات:

فمثلاً: نجد الحركات – في الصلاة – سريعة حتى كأنها عملية رياضية، والواجب من القراءات والأذكار محدوداً، ولكن المندوب أن يطول كل من الركوع والسجود بقدر القيام.

وقد وقف النبي الأكرم (ص) على كل من الصفا والمروة بقدر السعي.

وعلى هذا المعدل، كان كل أعمال حجه.

فالحركات – في كل العبادات – تكون بالمقدار المناسب، لتنشيط الدورة الدموية، ورفع الملل.

3- إن الأدعية والقراءات – في معظم العبادات – تكون عادة في حالة القيام، كقراءات الصلاة وأدعية القنوت، بينما تكون الأذكار في الركوع والسجود غالباً.

كذلك: أدعية الحج تكون في حالات القيام، سواء في الطواف والسعي أو في المواقف والمشاعر.

وهذا... لا يعني أنها لا تجوز في غير حالة القيام، إنما يعني أنها – أساساً – شرعت هكذا... فيجوز الإتيان بها في بقية الحالات، لأنها – في الأصل – مستحبات.

4- إن الصلاة تبدأ قراءات، ثم تكون قراءات تتخللها أذكار، ثم تتمحض في الأذكار في الركعتين الأخيرتين. شأن كل من يناجي ربه مناجاة القلب والعقل: فإنه يبدأ بالتحميد والثناء والدعاء، حتى يبلغ مرحلة من مراحل التجلي التي تأخذ عليه مشاعره، ثم يسمو ويسمو... قليلاً... قليلاً... إلى أن تتوحد مشاعره في اتجاه واحد، فينسى كل شيء سوى التسبيح؛ كما نجد في مظاهر طقوس المتصوفة – إن صحت –.


- 3 -


س: لماذا الصلاة قراءات وحركات، وليست مجرد نيات، رغم أن النيات هي التي تتفاعل في داخل المتعبد؟

ج: النية أقوى ما يتفاعل في داخل المتعبد. ولكن ما يتفاعل في داخل الإنسان ليست النية وحدها، فكل فاعليات الجسد والفكر تتفاعل في داخل الإنسان: ابتداء من الفاعليات الفكرية، ومروراً بفاعليات الحواس الخمس واللاشعور، وانتهاء بالفاعليات العضلية التي تتجسد في الحركات. ويكون التفاعل أقوى، إذا اجتمع الشعور: ـ الفكر – واللاشعور والعضلة على أداء عمل معين، كما هو المفروض أن يكون في الصلاة.

والقول، ينعكس على الداخل أكثر مما يؤثر في الخارج. فالذي يقول، يتأثر بقوله أكثر ممن يسمع.

والحركات:

أ) تنشط الدورة الدموية، فتحرك خلايا الدماغ للتوجه إلى الله، والتأمل فيما يقوله من قراءات وأذكار.

ب) وإذا كان المصلي ممن يتأثر بالصلاة كثيراً، كالنبي والأئمة – صلى الله عليه وعليهم أجمعين – وكذلك غيرهم من الأولياء، فإن الحركات – ربما – تخفف عنهم وطأة التأثر، حتى لا يصابوا بجلطة دموية. شأن من يفاجأ بخبر مؤثر، فإنه يتعرض لجلطة دموية إن لم يمارس حركات مختلفة.

ج) الحركات تمنع من الملل، خاصة: إذا أطال الصلاة، أو أكثر منها.

د) الحركات تكرس كل الأعضاء والعضلات في الصلاة، وتحرك اللاشعور للانسجام مع الشعور.

هـ) الحركات تلفت الشعور، وتستعيد الفكر الشارد. خاصة: بالنسبة إلى كثير من الرعاع، الذين يمارسون الصلاة أداء للواجب، دون أن يستوعبوها أو يحاولوا التفاعل معها.

و) الحركات الصلاتية منسجمة مع الأقوال الصلاتية، والأقوال إذا تناغمت مع الحركات تكون بالغة التأثير. ويعرف عمق هذه الملحوظة، العاملون في الذبذبات الصوتية المتناغمة مع الحركات.

الجهاد في الله


((وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم، وما جعل عليكم – في الدين – من حرج: ملة أبيكم (إبراهيم)، هو سماكم (المسلمين) من قبل وفي هذا، ليكون (الرسول) شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس. فـ: أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، واعتصموا بالله. هو مولاكم، فنعم المولى، ونعم النصير)).

[(سورة الحج: الآية 78).


- 1 -


((وجاهدوا))

الجهاد، هو تفريغ الطاقة – بتوفر – حتى مبلغ التضحية. لأنه من الجهد – وهو مطلق تفريغ الطاقة – بزيادة في المحتوى، وهي حتى مبلغ التضحية(9). فالجهاد، كل تفريغ للطاقة بتوفر تضحوي، مهما كان الهدف.

وليس لطبيعة الجهاد لون ديني، وإنما ينعكس عليه لون هدفه: فإذا كان الهدف حراماً كان الجهاد حراماً، وإذا كان الهدف تافهاً كان الجهاد تافهاً لا لون له – مباحاً –، وإذا كان الهدف واجباً كان الجهاد واجباً... فمن جاهد لمعاكسة الحق اجترح إثماً، ومن جاهد لمصالحه المشروعة اقترف عملاً مستحباً، ومن جاهد لإزهاق الباطل فعل عظيماً... ومن هنا، ورد في الحديث: (الكادُّ لعياله كالمجاهد في سبيل الله)(10). فالمصالح الخاصة محترمة عند الله، ما لم تقفز على حدود الله – التي هي الحدود الواقعية للصلاح –.

فالجهاد ليس هو التراشق بالسلاح في معركة فقط، وإنما هو مفهوم عام يسع كل جهد تضحوي. وليس محصوراً في حدود: زمانية، أو مكانية، أو مدلولية، أو هدفية... فإن كان الجهد الذي يبلغ التضحية بالنفس، لإحكام كلمة الله في الأرض، أعلى مصاديق الجهاد؛ فإن ذلك لا يحصر مفهومه في حدود. فهو مستمر شامل، يجري في كل زمان، ويدخل كل بيت ومجتمع، وأينما كانت مصلحة مشروعة، معطلة: فالتعليم جهاد، والتربية جهاد، والزراعة جهاد، والصناعة جهاد... وأية خدمة في القطاع الخاص – أو العام – جهاد.

ومن هنا... يبدو الفارق بين الثورة والجهاد: فالثورة – غالباً – هيجة على السائد لتغييره، وهي لا تكون إلا بضغط وتفجر المضغوط عليه، بينما الجهاد عمل مستقل، قد يكون لتنمية السائد وتركيزه، كما يكون لنسفه وتغييره؛ حسب المصلحة التي تقرر نوعية العمل. فالثورة عمل سلبي والجهاد عمل إيجابي، والثورة رد فعل والجهاد فعل، والثورة محدودة بشرائط وقتية وظرفية والجهاد مطلق(11) بلا حدود.

إنما هنالك: جهاد يهدف القطاع الخاص، وهو مستحب – ما لم يتجاوز الحدود –. وجهاد يهدف القطاع العام، وهو الجهاد في سبيل الله – أو في الله – الذي يدعو إليه القرآن كل فرد لتحمل قسطه من المسؤولية العامة، لتكون الأمة – بكل أعضائها – متحركة نحو أهدافها العامة.

((في الله)).

فهو الجهاد الصادق الذي يستمر وينتج، لأنه نابع من عمق الإنسان نفسه، فلا يندفع بخوف من أحد، ولا يمتد بتشجيع من أحد.

وهذه الجملة، تصنف الجهاد صنفين: ففي الكثير من آي القرآن وكذا في الحديث: (جهاد في سبيل الله). وفي هذه الآية وآيات أخر: (جهاد في الله)، كقوله تعالى:

((والذين جاهدوا فينا، لنهدينهم سبلنا. وإن الله لمع المحسنين))(12).

إذن، فالجهاد: قد يكون في سبيل الله، وقد يكون في الله فيؤدي إلى سبيل الله. ولعل الفارق بعض ما يلي:

1- أن يكون دافع الجهاد وهدفه؛ هو (الله)، فيكون متمحضاً في الله، فهو جهاد في الله.

وأن يكون الدافع أو الهدف أو كلاهما، مصلحة مشروعة في مجال القطاع الخاص أو العام، فهو جهاد في سبيل الله التي سير الله عليها الحياة، وبدونها لا تدور عجلة التاريخ، فهو جهاد في سبيل الله.

ولكنه أدنى من النوع الأول، الذي لا دافع إليه إلا إرادة الله، ولا هدف له إلا مرضاة الله.

2- أن يكون الجهاد منطلقاً من إرادة الله، ومتوخياً مرضاة الله؛ ولكن عبر الحياة: كالجهاد للنفس، أو للعرض، أو للمال، أو لأي مما ندب الله إلى الجهاد من أجله لتأمين الحياة الكريمة فهو جهاد في الله، ومن التزم به هداه الله إلى سبيله، التي هي – في صيغتها السطحية – سبل الحياة.

وأن يكون الجهاد منطلقاً من إرادة الله، ومتوخياً مرضاة الله، عبر خط رسالي؛ فهو جهاد في سبيل الله. فالخطوط الرسالية سبل الله، ورسول الله سبيل الله، والعبادات سبل الله، وهكذا... فمن جاهد: في خط رسالي، أو في رسول الله، أو في الصلاة، والصيام...؛ فقد جاهد في سبيل الله. ومن جاهد في خط حياتي، لأجل التقرب إلى الله؛ فقد جاهد في الله.

3- أن يكون الجهاد في مجال القطاع الخاص إجمالاً، فهو في الله.

وأن يكون في مجال القطاع العام إجمالاً، فهو في سبيل الله.

4- أن يكون الجهاد لله، سواء أ كان في مجال القطاع الخاص أو العام؛ فهو جهاد في الله.

وأن يكون الجهاد لمصلحة عامة، فهو في سبيل الله. فـ (سبيل الله) في التعبير الإسلامي، يساوي (المصلحة العامة) في التعبير السياسي.

5- أن يكون الجهاد لله، مثلاً: لإعلاء كلمة الله، أو للإيمان بالله، أو لتحطيم ما يعبد من دون الله، أو أي شيء من متعلقات التوحيد...؛ فهو جهاد في الله.

وأن يكون الجهاد لغير الله ولكن بإذن من الله، مثلاً: للدفاع عن رسول الله، أو عن المسلمين، أو لإقامة الشعائر الإسلامية...؛ فهو جهاد في سبيل الله.

وقد يكون الفارق غير ذلك – والله العالم.

((حق جهاده)).

وحق جهاد الله، منتهى الجهاد، ومطلق الجهاد؛ الذي يعلو على كل الحدود وكل القيود:

فالجهاد قد يتقوقع بالزمان: فيدور في ساعات معينة من اليوم، وفي أيام معينة من الأسبوع، وفي أشهر معينة من السنة... فذلك، حق وظيفة الدولة.

والجهاد قد يتقوقع بالمكان: فيدور في بلده، أو في بيته، أو في مكتبه... فذلك، حق الأجير.

والجهاد قد يتقوقع بمكسب: فيدور في نطاق منافعه. فذلك حق المصلحة.

إذن: فقد يتقوقع الجهاد بقوقعات تحصره. وقد ينطلق من هذه القوقعات: فلا يفرق بين ساعة العمل وساعة الراحة، ولا بين يوم الدوام ويوم العطلة، ولا بين شهر الوظيفة وشهر الإجازة، ولا يفرق بين مكان ومكان، ولا بين مكسب ومكسب... وإنما يكون مطلقاً، يفرغ أقصى طاقاته بسخاء. فذلك، حق جهاد الله.

وأراد الله للمسلمين، أن يكونوا أمام الأمم، فأمرهم بأن يعملوا بكل طاقاتهم. لأنهم إذا وفروا بعضها، فإن الحياة تنجب من لا يوفر شيئاً منها، فيكون أمامهم. كما كانوا بالأمس، وكما حدث اليوم.

((هو اجتباكم)) – من بين الأمم – لأعظم رسالة:

1- لأنكم كنتم شعباً فتياً لم تستنفد طاقاته بعد، كما استنفدت طاقات الفرس والروم – في ذلك الحين –.

2- لأنكم تربضون في وسط العالم، فتطلون على طرق استراتيجية وممرات مائية حساسة، وتملكون ثروات طبيعية ضخمة.

3- لأن بنيتكم البشرية أنضج، فمناخكم المعتدل – تقريباً – يربي لكم مزاجاً معتدلاًً، يمكنكم من أن تطلوا على العالم بقيادة تحمل في ذاتها عنصر البقاء والاستمرار.

4- لأنكم آخر الأمم وأوعاها رسالياً، بينما الأمم السابقة كانت نامية رسالياً، فما كانت تحتمل رسالة كالإسلام.

ولأسباب أخر، اختاركم نواة للأمة.

((وما جعل عليكم – في الدين – من حرج))، كما جعل الأمم السابقة: فأمر الذين عبدوا (العجل) – من بني إسرائيل – بأن يعصبوا عيونهم، ويجردوا أسلحتهم، ويقتلوا بعضهم، حتى يعفو عنهم...

وهذا الدين ليس غريباً عنكم بل هو تراثكم. فهذا الدين ((ملة أبيكم إبراهيم))، وإبراهيم نبي منطقتكم، وأبو جماعات منكم، منها (قريش).

بالإضافة إلى: احتمال تاريخي يرى إبراهيم أبا العرب جميعاً، ويرى إسماعيل أول من تكلم بالعربية. فهذا الدين دين أبيكم إبراهيم، الذي لا تختلفون في تعظيمه واحترام دينه.

و ((هو)) الذي ((سماكم المسلمين من قبل))، في دعائه المعروف:

((ربنا! واجعلنا مسلمين لك))(13). فمن قبل كان يسميكم مسلمين، حيث اعتبر نفسه وأصحاب دينه مسلمين. ((وفي هذا)) الذين سماكم مسلمين، لأنه دعا:

((... ومن ذريتنا، أمة مسلمة لك))(14).

فهو سماكم مسلمين، ((ليكون الرسول شهيداً عليكم، وتكونوا شهداء عل الناس)). فلكم تنظيم هرمي محكم يمكنكم من التوسع والانتشار: فالرسول قائدكم الأعلى، وهو يشكل قمة الهرم. وأنتم – أهل بيته – قاعدته الذين تتلقون منه الرسالة والتوجيه. وكل فرد منكم قمة للناس، فالناس –المنتشرون في الأرض – قواعد لكم. فيكون شكل الهرم هكذا:

قمة، هو الرسول.

وقاعدة أولى، هي أهل بيت الرسول.

وقاعدة ثانية، هي البشرية جمعاء.

فأنتم – أهل بيت الرسول – قاعدة للرسول، وقائدة للبشرية.

والمسلمون الواعون – وبالتعبير الإسلامي: المسلمون الفقهاء – في كل عصر، يقومون بدور أهل بيت الرسول.

فللرسول (ص) جانبان: جانب سماوي به يتلقى الرسالة من السماء، وجانب بشري به يفرغ الرسالة على قاعدته. والرسول لم يكن يتلقى الرسالة – غالباً – من الله مباشرة، وإنما كان يتلقاها بواسطة رسول آخر هو (جبرئيل) – فجبرئيل، رسول الله إلى أنبيائه –.

ولكل واحد من أهل البيت (عليهم السلام)، ونوابهم الفقهاء جانبان: جانب تشريعي يتلقى الرسالة من الرسول، وجانب تنفيذي به يفرغ الرسالة على قاعدته.

فكل واحد منهم، يقوم، بدور رسول، بفارقين:

1- أنه يتلقى الرسالة من الرسول البشري، بينما الرسول يتلقى الرسالة من الرسول الملكي.

2- اختلاف المستوى النفسي: فالرسول وكل واحد من أهل بيته (عليهم السلام) بالغ درجة العصمة، وغيرهم – من الفقهاء – لم يبلغوا هذا المستوى.

أما المنصب الإلهي، فمشترك بينهما بفارق واحد، هو:

أن الرسول معين بتنصيب خاص، والمسلمون القياديون معينون بتنصيب عام.

فهذه الآية: ((وتكونوا شهداء على الناس)) مرسوم يعنى بموجبه كل المسلمين الفكريين في المناصب القيادية، فيكون من حقهم – بل من واجبهم – ممارسة المهام الرسالية.

فهذا... تنصيب عام من الله للمسلمين الفكريين، لم يعرف مثله في سائر الأديان. وإنما كان التنصيب العام في الإسلام دون سائر الأديان، لأن كل قيادة تحتاج إلى دم جديد، والدم الجديد كان متوفراً لسائر الأديان بالأنبياء الجدد، الذين كان يبعثهم الله بصورة شبه متوالية في مختلف بلاد العالم.

وحيث اكتملت رسالة السماء بالإسلام، لم تكن حاجة إلى الأنبياء الذين يعينون بالتنصيبات الخاصة. فأمد الله قيادة النبي محمد (ص) بالدم الجديد من المسلمين الفكريين، الذين عينهم بهذا التنصيب العام.

والأنبياء السابقون لم يكونوا – جميعاً – رسل الله مباشرة إلى الناس، وإنما كان بعضهم رسل الرسل: كالثلاثة الذين أخبر الله عنهم في سورة (يس)، ونسبهم إليه فقال:

((إذ أرسلنا إليهم اثنين، فكذبوهما، فعززنا بثالث؛ فقالوا: إنا إليكم مرسلون))(15).

وفي الحديث: (أنهم كانوا رسل عيسى بن مريم (ع))(16). فكانوا رسل الله بفاصلين، هما جبرئيل وعيسى (عليهما السلام)، بينما كان بعض الأنبياء رسل الله بفاصل واحد، هو جبرئيل. صحيح أن الفاصل يعني شيئاً كثيراً، ولكنه لا ينفي المنصب الرسالي.

فكل مسلم فكري بلغ المستوى الرسالي – وهو في الإسلام الاجتهاد أو نيابته –، وأدى رسالته بإخلاص؛ قام بدور نبي. فالدور نفسه، والتنصيب موجود، وربما كان أفضل من بعض الأنبياء بمقدار فضيلة رسالة الإسلام على رسالات سائر الأديان. واستناد ذلك إلى حديثين عن الرسول الأكرم:

1- (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل)(17).

2- (علماء أمتي، أفضل من أنبياء بني إسرائيل)(18).

وإذا كان الحديث الثاني قد فسر بالأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)، فإنه لا ينفي هذه الصفة عن بقية العلماء العاملين المخلصين. لأن الأئمة الاثني عشر أكمل مصاديق (علماء أمتي)، وكونهم أكمل المصاديق لا ينفي وجود مصاديق أخرى كاملين أو دون الكمال.

وطالما عرفتم أدواركم القيادية، فالتزموا بالوصايا التالية، فهي وصايا مركزية:

1- ((فأقيموا الصلاة))، فهي أوثق الصلات بين الإنسان وربه.

2- ((وآتوا الزكاة))، فهي أوثق الصلات بين الإنسان والإنسان.

3- ((واعتصموا بالله)، فتمسكوا به تمسكاً قوياً:

أمام القوي، فلا تتصاغروا له.

وأمام الضعيف، فلا تستعلوا عليه.

وفي الشدة، فلا ترتكبوا المحرمات للخروج منها.

وفي الرخاء، فلا يستخفنكم البطر لتجاوز حدود الله...

فـ ((هو مولاكم))، الذي بيده مقدراتكم ومصائركم، أمام كل الناس وفي كل الحالات. فلا تتنازلوا عن مرضاته لمرضاة أحد، ولا تغفلوه لتغيير حالة. ((فنعم المولى)) هو، فلا تغفلوه إذا وجدتم أنفسكم أمام الضعفاء أو في الرخاء، فتسول لكم أنكم في غنى عنه، فلا يستغنى عنه. ولو افترضنا المستحيل فكنتم في غنى عنه؛ فلا يجدر بكم تغافله وأياديه سابغة عليكم. ((ونعم النصير)) هو، فالجتئوا إليه أمام الأقوياء وفي الشدائد: فإنه يظهركم على من يحاول استهلاككم، ويغلبكم على الظروف التي يتراءى أنها ستتغلب عليكم.


- 2(19) -


الجهاد، هو تفريغ الطاقة حتى مبلغ التضحية، فهو مشتق من الجهد – الذي يعني مجرد تفريغ الطاقة – بزيادة في المحتوى، وهي: حتى مبلغ التضحية.

وليس لطبيعة الجهاد لون ديني معين، وإنما ينعكس عليه لون هدفه، فإذا كان الهدف تحقيق الباطل كان (حراماً)، وإذا كان الهدف رغبة خاصة صار (مباحاً)، وإذا كان الهدف مصلحة محترمة عد (مستحباً)(20)، وإذا كان الهدف مقدساً حتمياً أصبح (واجباً) ...

فالجهاد ليس هو مجرد التراشق بالسلاح في معركة فقط، وليس محصوراً في حدود: زمانية، أو مكانية، أو مدلولية، أو هدفية...؛ وإنما هو مفهوم عام يسع كل جهد تضحوي، فالتعليم جهاد، والزراعة جهاد، والصناعة جهاد... ولئن كان الجهد الذي يبلغ التضحية بالنفس لإعلاء كلمة الله أعلى مصاديق الجهاد؛ فهو لا يحصر مفهومه في حدود معينة، وإنما هو مستمر يجري في كل: بيت، وحقل، ومدرسة، وأينما كانت مصلحة مشروعة؛ معطلة.

ومن هنا... يبدو الفارق بين الثورة والجهاد: فالثورة هيجة على السائد الفاسد لتغييره، وهي لا تكون إلا بعد كبت وانفجار. بينما الجهاد عمل إيجابي مستقل، قد يكون لتركيع الوضع الفاسد، كما قد يكون لتركيز الوضع الصالح؛ حسب المقاييس التي تقيم الواقع وتقرر المواقف. فالثورة رد فعل سلبي والجهاد فعل إيجابي، والثورة محدودة بشرائط وقتية ونوعية، والجهاد مطلق بلا حدود.

والجهاد: قد يهدف القطاع الخاص، وهو الجهاد الخاص الذي ندب إليه كثير من الحديث. وربما يهدف القطاع العام، وهو الجهاد العام الذي دعا إليه القرآن كل فرد، لتحمل قسطه من المسؤولية، حتى تكون الأمة – بكامل أعضائها – متوثبة نحو أهدافها العامة.

والجهاد العام: إذا استهدف أي شيء من متعلقات التوحيد، كنشر الإيمان وتركيع ما يعبد من دون الله؛ فهو جهاد في الله. وإذا استهدف تظهير إرادة الله في المجتمع عبر خط رسالي، فهو جهاد في سبيل الله. لأن رسول الله سبيل الله، والمجتمع الصالح سبيل الله، والنظام الصالح سبيل الله... ومن جاهد في شيء من ذلك، فقد جاهد في سبيل الله.

((وجاهدوا في الله حق جهاده)).

وحق الجهاد، منتهى الجهاد الذي يتجاوز كل الحدود والقيود. لأن الجهاد:

قد يتوقت بزمان معين، فيدور في: ساعات، أو أيام، أو أسابيع، أو أشهر... فذلك حق الوظيفة.

وربما يتحدد بمكان معين، فيدور في: مكتب، أو معمل، أو حقل... فذلك حق الأجير.

وثالثة: يتقوقع بمكسب معين، فيدور في نطاق منافع محددة. فذلك حق المصلحة.

ورابعة: يتحرر من كل هذه الأطر، فلا يفرق: بين ساعة عمل وساعة راحة، ولا بين يوم الدوام ويوم العطلة، ولا بين شهر الوظيفة وشهر الإجازة، ولا بين مكان ومكان، أو مكسب ومكسب...؛ وإنما يكون مطلقاً يفرغ كل الطاقات بأقصى ما يمكن. فذلك حق جهاد الله.

وقد أراد الله للمسلمين أن يكونوا أمام الأمم، فأمرهم بأن يعملوا بكل طاقاتهم كما كانوا بالأمس. لأنهم إذا وفروا شيئاً منها، فإن الحياة تنجب من يستعملها جمعاء، فيكون أمامهم كما حدث اليوم.

((هو اجتباكم)).

واختاركم – بين الأمم – لأعظم رسالاته:

1- لأنكم تربضون في وسط العالم، فتشرفون على طرق استراتيجية وممرات مائية بالغة الأهمية، وتملكون ثروات طبيعية ضخمة.

2- لأن بنيتكم البشرية أكمل، فمناخكم المعتدل يربي مزاجاً معتدلاً، يمكنكم من أن تطلوا على العالم بقيادة تحمل – في ذاتها – مؤهلات البقاء والاستمرار.

3- لأنكم نهضتم آخر الأمم – بعد أن نضج الفكر الرسالي – فأصبحتم قادرين على تحمل الإسلام.

((وما جعل عليكم – في الدين – من حرج)).

وإنما أتى بها شريعة سمحاء، فقال النبي الأكرم (ص): (رفع عن أمتي تسع: السهو، والنسيان... وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، وما استكرهوا عليه...) (21).

ثم: هذا الدين ليس غريباً عنكم، بل – في أصوله – تراثكم: ((ملة أبيكم إبراهيم)) الذي هو نبي منطقتكم، وجد أنبيائكم، ومصدر سلالاتكم.

فبعض العرب ينتمون إلى إبراهيم بالنسب كقريش، مضافاً إلى احتمال تاريخي يرى (إبراهيم) أبا العرب جميعاً، ويرى (إسماعيل) أول من تكلم بالعربية.

و((هو)) الذي ((سماكم المسلمين من قبل)) في دعائه المعروف: ((ربنا! واجعلنا مسلمين لك))(22)، فاعتبر نفسه وأتباعه مسلمين. ((وفي هذا)) الدين؛ هو سماكم مسلمين حيث قال في دعائه: ((... ومن ذريتنا، أمة مسلمة لك))(23). ،فلا أصل الدين جديد عليكم، ولا اسم جديد عليكم.

وإن الله عندما اختاركم من بين الأمم، وسهل لكم الدين، وأورثكم رسالة إبراهيم؛ أتاح لكم نظاماً محكماً يمكنكم من التوسع والانتشار.

وهذا النظام هرمي، قمته الرسول وقاعدته المباشرة المسلمون الواعون:

((ليكون الرسول شهيداً عليكم)). والمسلمون الواعون، قمم مباشرة للقواعد البشرية العريضة:

((وتكونوا شهداء على الناس)).

فللرسول جانبان: جانب سماوي به يتلقى الوحي، وجانب بشري به يفرغ الوحي على قاعدته من المسلمين الواعين.

والرسول لم يكن يتلقى الوحي ـ غالباً ـ مباشرة من الله، وإنما كان يتلقاه من الله بواسطة رسول ملائكي هو جبرائيل، الذي هو بدوره رسول الله إلى أنبيائه.

وللمسلمين الواعين جانبان: جانب رسالي به يتلقون الرسالة من السماء بواسطة رسول الله محمد بن عبد الله (ص)، وجانب تبليغي به يفرغون الرسالة على قواعدهم العريضة من الناس.

فكل واحد من المسلمين الواعين، رسول الله إلى الناس بفارقين:

1- الرسول الأكرم بلغ أقصى درجات الكمال الفكري والنفسي، حتى تلقاه القرآن بقوله:

((ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله، وخاتم النبيين...)) (24)، والمسلمون لا يبلغون تلك الدرجة.

2- الرسول الأعظم (ص) يتلقى الوحي – غالياً – من رسول ملائكي هو جبرئيل، والمسلمون الواعون يتلقون الرسالة – دائماً – من رسول بشري هو محمد بن عبد الله (ص).

أما المنصب الإلهي فهو مشترك، بفارق واحد، هو: أن الرسول الأكرم عين بتنصيب خاص، والمسلمون الواعون معينون بتنصيب عام.

والأنبياء السابقون لم يكونوا – جميعاً – رسل الله مباشرة، وإنما كان بعضهم رسل رسول الله، مثل الرسل الثلاثة الذين أخبر الله عنهم في سورة (يس)، ونسبهم إليه تعالى، فقال:

((إذ أرسلنا إليهم اثنين، فكذبوهما، فعززنا بثالث، فقالوا: إنا إليكم مرسلون))(25).

وفي الحديث: (إنهم كانوا رسل عيسى بن مريم (عليهما السلام))(26).

فكانوا رسل الله بفاصلين هما عيسى وجبرئيل. صحيح أن الفاصل يعني كثيراً، ولكنه لا يلغي أصل المنصب.

فهذه الآية بمثابة مرسوم يعين الله بموجبه المسلمين العدول الواعين – وهم الذين بلغوا مستوى الاجتهاد – في المناصب القيادية، فيكون من حقهم – بل من واجبهم – ممارسة المهام الرسالية.

يبقى على كل أن يحدد دوره ومكانه، فإذا أدى رسالته بإخلاص قام بدور نبي من الأنبياء السابقين. فالدور نفس الدور، والتنصيب موجود. أ وليس في الحديث عن رسول الله: (علماء أمتي، كأنبياء بني إسرائيل)(27) – في معناه العام –.


- 3 -


الجهاد ثلاثة أقسام:

1- جهاد لله. وهو الجهاد لتحقيق أي هدف مشروع قصد به وجه الله – وإن كان الهدف دنيوياً، ما لم يخرج من إطار الشريعة –: فالكد للعيال جهاد لله، والسعي لصلة الرحم جهاد لله، والضرب في الأرض لطلب الرزق الحلال جهاد لله...

2- جهاد في سبيل الله. وهو الجهاد لتحقيق أي هدف يلزم توفره في المجتمع المؤمن، في أي خط من خطوطه – وإن كان الهدف دنيوياً، ما لم يخرج من إطار الشريعة –: فطلب العلم الديني جهاد في سبيل الله. وطلب العلوم: الاقتصادية، والسياسية، والصناعية، والعسكرية، والتكنولوجية...؛ جهاد في سبيل الله. وصيانة الأمن، والدفاع عن الأرض، والتوسط لدى الفرقاء، والعمل في المؤسسات الإصلاحية...؛ جهاد في سبيل الله. وهكذا...

3- جهاد في الله. وهو الجهاد لتحقيق أي هدف عقيدي – ما لم يخرج الهدف من مجال الفكر –: فالحوار للإقناع بوجود الله، أو عدالته، أو علمه...؛ جهاد في الله. ورد الشبهات الملحدة، جهاد في الله. وقتال أعداء الدين، جهاد في الله... وكلمة (في) لا تعطي – في هذه الإطلاقة – معنى الظرفية الوعائية، التي تجعل ما بعدها محلاً لما قبلها؛ كما يقال مثلاً: (نقاش في الطب)، وكما قال الله تعالى:

((هذان خصمان اختصموا في ربهم))(28).

وحق الجهاد: هو الجهاد الحق، البالغ مداه. لأن الجهاد: قد يؤخذ جانبياً، كإحدى مجالات النشاط، وبجزء من الجد والاهتمام. وربما يؤخذ حاقاً مكرساً لكل النشاط، وبأقصى ما يمكن من الجد والاهتمام. فالجهاد بالجيش وحده جهاد جانبي، والجهاد بالأسلحة القتالية جهاد بجزء من القدرات، والجهاد بالمساعدات جهاد ببعض الجد والاهتمام... وكلها من الجهاد الناقص. وأما في الجهاد الكامل: فيصطف الشعب والجيش معاً في جبهة عريضة، ويلتقي الفكر باليد في الإعداد والتنفيذ، ويشهر القلم مع المدفع في صدور الأعداء، وتنطلق الأرصدة والطائرات من معاقلها... ففي معارك العقيدة: كل فرد جندي، وكل شيء سلاح... ويوضع جميع القدرات والإمكانيات – البشرية، والمادية، والمعنوية – في الساحة، مع الاحتفاظ بقياسات الملائمات والأدوار.

وحق جهاد الله – أي الجهاد المضاف إلى الله –: أعلى درجات الجهاد، الذي يستنفد الطاقات حتى المستحيل، وحتى نهاية النهايات، التي لا شيء بعدها.

فجاهدوا في الله هذا الجهاد الكامل، لـ:

1- أن الله اجتباكم، وفضلكم، ووفر فيكم – من المؤهلات والعناصر الأممية – ما تجعلكم أرقى وأمنع الأمم. وأهم العناصر التي تؤصل الأمة، هي العقيدة.

وطالما زودكم بأصدق وأشمل العقائد، يجدر بكم أن تجاهدوا لصيانتها أصدق وأشمل جهاد. لأنه يعني الجهاد من أجل سيادتكم في الدنيا، وسعادتكم في الآخرة.

2- أن الله ما جعل دينكم ديناً تعسفياً يكلفكم الكثير في سبيل القليل، وإنما جعل دينكم ديناً مرناً واقعياً يكلفكم القليل في سبيل الكثير. والحرج، هو الضيق الذي لا تبرره نتيجته. وأما التعب الذي تعادله النتيجة – أو تربو عليه – فليس حرجاً. وكلنا نستمرئ المشاق التي تكون نتائجها كبيرة، وإن لم تكن مضمونة، فكيف إذا كانت وفق خطط سماوية محتومة النتائج؟!

3- أن الله لم يجعلكم أمة مرتجلة مجتثة من فوق الأرض، بل أسسكم منذ أقدم الحضارات البشرية بعد الطوفان، ومنذ أعرق الرسالات السماوية التي توارثتها الأجيال، فجعلكم ((ملة أبيكم إبراهيم)). فبمقدار ما لكم جذور في الماضي ينبغي أن تمدوا فروعكم في المستقبل، ويجدر بكم أن تتصرفوا كأمة ذات تراث ورسالة بنيت على البقاء، لا كأمة موسمية ولدتها ردود الفعل والتفاعلات الوقتية.

(1) نهج البلاغة – خطبة 23.

(2) سورة الحجرات: الآية 14.

(3) سورة البقرة: الآية 179.

(4) سورة المائدة: الآية 45.

(5) سورة آل عمران: الآية 169.

(6) الروضة من الكافي – ج 8 – باب(39) ـ ص(177)– حديث(197).

(7) سورة البلد: الآية 10.

(8) انظر كنز العمال – ج 10 – ح 28780.

(9) فقد ثبت في علم (فقه اللغة) وعلم (أصول الفقه): أن زيادة المباني تدل على زيادة المعاني. وذلك يعني: أن زيادة الأحرف في كلمة عنها في كلمة أخرى، تدل على زيادة محتوى الكلمة كثيرة الأحرف على محتوى الكلمة قليلة الأحرف. م.

(10) الفروع من الكافي – ج 5 – باب (من كد على عياله) – حديث(1).

(11) ويجدر الإشارة إلى الفارق بين كلمتي (الجهاد والثورة) من الناحية اللغوية: فالثورة مشتقة من (ثار) أي هاج، والهياج يعطي معنى العفوية، فتشبه كلمة (المارد والشقي) من الكلمات التي انعكست عليها حالات من استخدمها، فاكتسبت احتراماً من احترامهم. بعكس كلمة (الاستعمار) التي كانت محترمة – في وضعها اللغوي – فانطبعت بحقارة من تستر بها من الأجانب المستغلين. م.

(12) سورة العنكبوت: الآية 69.

(13) سورة البقرة: الآية 128.

(14) سورة البقرة: الآية 128.

(15) سورة يس: الآية 14.

(16) مجمع البيان – ج 8 – ص 654، والدر المنثور – ج 5 – ص 261، والبرهان في تفسير القرآن – ج 4 ص 8.

(17) بحار الأنوار – ج 2 – ص 22.

(18) مصابيح الأنوار من شرح مشكلات الأخبار للحجة المرحوم السيد عبد الله شبر – ج 1 ص 434 – ح 83، طـ بصيرتي – قم – إيران.

(19) فالمصالح الخاصة محترمة ما لم تقفز فوق حدود الله، ومن هنا ورد في الحديث: (الكاد لعياله، كالمجاهد في سبيل الله). م.

(20) هذا البند إطار آخر لنفس ما تقدم في البند الأول بتكييف ثان، فهما صيغتان لموضوع واحد، ترك على حاله لما نبهنا عليه في مفتتح الجزء الأول. م.

(21) الخصال – للصدوق – ج 2 – ص 417 – الباب 9 – حديث 9.

(22) سورة البقرة: الآية 128.

(23) سورة البقرة: الآية 128.

(24) سورة الأحزاب: الآية 40.

(25) سورة يس: الآية 14.

(26) مجمع البيان – ج 8 – ص 654، وانظر الدر المنثور – ج 5 – ص 261، والبرهان في تفسير القرآن – ج 4 – ص 8.

(27) بحار الأنوار – ج 2 – ص 22.

(28) سورة الحج: الآية 19.