|
(21) ۞ سورة الأنبياء (عليهم السلام) ۞ مكية وهي مئة واثنتا عشرة آية |
|
السائل والمسؤول ((لا يُسأل عما يفعل، وهم يُسألون)). يتصورون: أن الله – تعالى – قوي مقتدر، خلق الإنسان في الحياة، وفرض عليه أحكاماً معينة فرضاً، لمجرد ممارسة سلطانه كإله. ولما وجد أن الناس لا يخنعون تجاهه، خلق الجنة لمن أطاعه وخلق النار لمن عصاه، لمجرد أن أولئك استسلموا له، وهؤلاء تمردوا عليه. فيصورون الله – سبحانه – وكأنه طاغوت مزاجي، يتمتع بقدرة مطلقة، فيتحكم كيفياً، كما لو كان واحداً من البشر، له عواطف البشر ونوازع البشر وقصور البشر، فيحاول أن يسد نقصه بطغيانه. ويشجعهم على هذا التصور، جهلهم بمجموعة من الآيات والروايات: مثل هذه الآيات: ((لا يُسأل عما يفعل، وهم يُسألون)). ((قل: كلٌّ من عند الله))(1). ((فليعلمنَّ الله الذين صدقوا، وليعلمنَّ الكاذبين))(2). ((ومن يضلل الله، فما له من هاد. ومن يهد الله، فما له من مضل))(3). ((قل: من كان في الضلالة، فليمدد له الرحمن مداً))(4). ((إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً، ولهم عذاب مهين))(5). ((وإذا أردنا أن نهلك قرية، أمرنا مترفيها ففسقوا فيها، فحق عليها القول، فدمرناها تدميرا))(6). ((ولولا أن يكون الناس أمة واحدة، لجعلنا لمن يكفر بالرحمن – لبيوتهم – سقفاً من فضة، ومعارج عليها يظهرون))(7). ((ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها، ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين))(8). ((ولو شاء ربك، لجعل الناس أمة واحدة))(9). ((ويوم نقول لجهنم: هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد))(10). ((وعلم آدم الأسماء كلها، ثم عرضهم على الملائكة فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين))(11). ((فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم، إنما يريد الله: ليعذبهم بها في الحياة الدنيا، وتزهق أنفسهم وهم كافرون))(12). ((ويرسل الصواعق، فيصيب بها من يشاء))(13). ومثل هذه الروايات: لولا أنني أستحيي من عبدي المؤمن، لم أترك عليه قطعة يستر بها عورته (14). لو كان المؤمن على قطعة خشبة في بحر لجي، لبعث الله إليه شيطاناً يؤذيه (15). إن الله – تعالى – قبض قبضة من الأرض بيمينه وقال: (هذه... للجنة ولا أبالي)، وقبض قبضة من الأرض بشماله وقال: (هذه... للنار ولا أبالي)(16). من بخل بمالي على عيالي، أدخلته ناري ولا أبالي(17). وعلى أساس هذا التصور، يؤسسون مجموعة من الأسئلة الاستنكارية، تمهيداً لاعتبار أصل: الألوهة فكرة خرافية، يلفها ضباب كثيف من: التناقضات، والتوترات، وكراهية الله للعباد، والجهل... والعياذ بالله. كل ذلك: لضرب أصل فكرة الألوهة، وتعبيد الطريق أمام فكرة الإلحاد. ونجيب على ذلك بما يلي: 1- هل في نظام الكون شيء من التناقض والتوتر، أو هو نظام فيه من الحكمة والعلم أكثر مما يستطيع استيعابه العقل البشري؟. وهل في نظام جسم الإنسان شيء من التناقض والتوتر، أم هو نظام فيه من الحكمة والعلم أكثر مما يستطيع استيعابه العقل البشري؟. وإذا كان نظام الكون حكيماً عليماً، وإذا كان نظام جسم الإنسان حكيماً عليماً؛ فالذي نظم الكون وجسم الإنسان هو الذي أنزل الدين. وكما أننا لو لم نفهم شيئاً من نظام الكون أو جسم الإنسان نتهم أنفسنا بالقصور قبل أن نتهم النظام بالقصور، علينا أن نعمل الشيء ذاته لو لم نفهم شيئاً من الدين، لا أن نتسرع في الارتجال والانفعال فمنهم الدين ومصدر الدين، حتى كأننا نحاول أن نعتبر مصدر الدين غير مصدر الكون ونظامه. 2- إن هؤلاء يعاملون البشر من أمثالهم بأفضل مما يعاملون الله، فإذا وثقوا من خبير من الخبراء – طبيباً كان، أو مهندساً، أو فقيهاً، أو حاكماً، أو حتى محاسباً... – ثم وجدوا منه ما يوحي بالتناقض والتوتر؛ لا يعجلون النكير عليه إلا بعد أن يفكروا أكثر من مرة، ويحاسبوا أنفسهم أكثر من مرة (ونِعْمَ ما يعملون: لأن الخبير في اختصاصه أكثر دراية من غيره، وربما أقوى موهبة من غيره. ونسبة الخطأ والقصور عنده في اختصاصه، أقل من نسبتهما عند غيره في غير اختصاصهم) رغم أن أولئك بشر معرضون للخطأ والقصور؛ بينما يعجلون النكير على الله، حتى كأن الله معرض للخطأ والقصور أكثر من الخبراء العاديين. 3- يجد البشر الحرية في اتباع الدين أو عدم اتباعه، كما يجد الحرية في اتباع نظام الكون أو عدم اتباعه، فهو حر في الانقياد لأحكام: الصدق، والأمانة، والتوحيد، والعبادة... كما هو حر في الانقياد لأحكام: الجاذبية، والطاقة، والقدرة، والنظافة... غير أن الكون يعجل الانتقام ممن يتمرد عليه، والدين لا يعجل الانتقام ممن يتمرد عليه: فالذي لا يعترف بالجاذبية، ويحاول الانتقال من شاهق إلى شاهق بلا وسيلة مقاومة للجاذبية، فيجتاز هذا الشاهق إلى ذاك؛ يسقط ويتحطم. والذي لا يعترف بالكهرباء، فيعبث بأسلاكها العارية، ستمتصه الكهرباء، وتقذفه هيكلاً من رماد. والذي لا يعترف بالقدرة، فيحاول أن يحمل طناً من حديد؛ سوف يصاب بالفتق وانخلاع المفاصل. والذي لا يعترف بالميكروب، سرعان ما يضر به المرض. بينما الذي لا يعترف بالصدق فيكذب على المتعاملين معه، ولا يعترف بالأمانة فيخون الحقوق والحرمات، ولا يعترف بالتوحيد فيعبد آلهة من الأرض، ولا يعترف بالعبادة فيسترسل في عفويته المادية؛ لا يعاقبه الدين بتلك السرعة التي يعاقب بها الكون المتمردين على نظامه، وإن كانت سلبيات هذه التمردات تنعكس عليه. فرغم الحرية التي يجدها البشر تجاه التكوين والتشريع معاً، خاضعاً للتكوين أكثر من خضوعه للتشريع لهذا الفارق. وبما أن التكوين يعجل الانتقام، يفهم كل إنسان فلسفة أحكامه بسرعة، ويقتنع بها، فلا يحاول الخروج عليها إلا في فترات فقدان الأعصاب. ويحمل الآخرون سلبيات مخالفة التكوين على المخالف لا على الله، فيقولون: (كان يعرف نتيجة المخالفة، فلماذا خالف؟!) فيما التشريع – حيث لا يعجل الانتقام – لا يفهم الناس فلسفة أحكامه بسرعة، فلا يقتنعون بها، ويحاولون الخروج عليها كلما وجدوها تزاحم رغبة من رغباتهم، ويحاولون أن يحملوا سلبيات مخالفة التشريع على الله، وإيجاد التبارير للمخالف. لأن البشر معتاد على الاعتراف – وحتى الإيمان – بالقوة المهيمنة ولو بغير حق، وغير معتاد على الاعتراف – مجرد الاعتراف – بالحق إذا لم يكن مهيمناً. ويسعى – عن طريق المناقشة، وإظهار عدم القناعة – إلى إبطال الدين، لإراحة ضميره، وإبعاد اللوم عن نفسه، ظناً منه بأن هذه المحاولات تغير الواقع، بينما الواقع قائم مفروض، يجري أحكامه على المطيع والعاصي، والجاهل والعالم. فالتشريع – كالتكوين – لا يغيره الجهل أو التجاهل، والقناعة أو عدم القناعة. فالجاهل إذا لم يتعلم، وغير المقتنع إذا لم يسع إلى الاقتناع؛ إنما يعرض نفسه، وستنعكس عليه سلبياته. لذلك، ورد في الحديث: (يقال يوم القيامة للعاصي: لماذا لم تعمل؟! فإذا قال: لم أعلم، قيل له: هلا تعلمت؟!)(18). تماماً... كما لا يعذر الجهل أو التجاهل للتكوين، فإذا تناول أحد السم وقال: (لم أعلم)؛ لم ينقذه قوله هذا من التأثر بالسم. وما دام التشريع إرشاداً إلى الجزء غير المنظور من الواقع القائم، فالمتسائل بصدق يعطى الجواب حتى القناعة. وأما المتسائل بعناد، فيقال له: (هذا... الواقع، وإذا لم يعجبك فافعل ما تريد). وتلك التعابير القرآنية والروائية التي أثبتناها مع السؤال، كلها تعابير تعجيزية، لتكبيت المتعنتين. ونجد في القرآن تعابير أقسى منها: ((من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة، فليمدد بسبب إلى السماء، ثم ليقطع، فلينظر: هل يذهبن كيده ما يغيظ؟!))(19). ((يا معشر الجن والإنس! إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض، فانفذوا. لا تنفذون إلا بسلطان * فبأي آلاء ربكما تكذبان؟! * يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس، فلا تنتصران))(20). 4- بالإضافة إلى: أن كل تلك الآيات والروايات – ونظرائها – صحيحة، ونترك بيان كل واحدة منها لموردها من القرآن، ونكتفي ببيان الآية التي نسير في ظلها: ((لا يُسأل عما يفعل، وهم يُسألون)). فالسؤال الجاد – وهو سؤال غير الجاهل – نوع من المحاسبة، والمحاسبة لا تكون إلا نتيجة تعاقد. فمثلاً: إذا تضارب رجلان، فكان لأحدهما مال وضعه تحت تصرف الآخر لاستثماره بشكل معين؛ فإن لصاحب المال أن يحاسب الآخر، لمعرفة ما إذا كان ملتزماً بصيغة العقد أم لا؟! وأما صاحب رأس المال، فليس مسؤولاً من قبل المضارب، لأنه صاحب رأس المال. والحاكم يُسأل عما يفعل من قبل الشعب، لأن الشعب صاحب المصلحة الحقيقية، وينتخب فرداً معيناً وفق دستور معين – وهذا هو التعاقد بينهما –، ثم يضع تحت تصرف ذلك الفرد كل قدراته، فيكون من حقه أن يحاسب ذلك الفرد، لمعرفة ما إذا كان ملتزماً بصيغة العقد أم لا؟ فالحاكم مسؤول بهذا الاعتبار. أما الشعب ذاته، فليس مسؤولاً كاملاً من قبل حاكمه، لأن الشعب هو صاحب المصلحة الحقيقية والحاكم هو المضارب. من كل ذلك نعرف: – طبقاً لتعابيرنا الاقتصادية والسياسية – أن المالك لا يكون مسؤولاً، وإنما المتصرف وفق عقد معين هو المسؤول. وبما أن الله – تعالى – هو مالك كل شيء، وقد وضع بعض الأشياء تحت تصرف الناس وفق عهد معين: ((وإذ أخذ ربك من بني آدم – من ظهورهم – ذريتهم، وأشهدهم على أنفسهم: أ لست بربكم؟! قالوا: بلى... شهدنا))(21)، وفي نهج البلاغة – عند بيان فلسفة بعثة الأنبياء إلى الناس –: (... ويذكروهم منسيَّ نعمته)(22)؛ فمن حقه – وحده – أن يسأل الناس جميعاً عن مدى التزامهم بذلك العقد وعدم التزامهم، وليس من حقهم أن يسألوه عن شيء، لأنهم لم يملكوا شيئاً ليضعوه تحت تصرفه وفق عقد معين. فهو يسألهم عن عقده معهم قبل أن يضع تحت تصرفهم هذه الدنيا، أما هم: فعن أي شيء يمكنهم أن يسألوه؟! ((لا يسأل عما يفعل))، لأنه يفعل كل ما يفعل بممتلكاته. ((وهم يسألون)) عما يفعلونه بممتلكات غيرهم، التي وضعت تحت تصرفهم بعقد معين، لم يلتزم به أكثرهم. لمحة حول الشفاعة ((ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، وهم – من خشيته – مشفقون)). ومن يرضى الله شفاعته، هو الذي يكون قصوره بمقدار الفائض من قدرة الشفيع أو أقل. وأما الذي لا يملك أصحاب الشفاعة سد نقصه، لكون نقصه أكثر من فائض قدرتهم، أو لعدم توفر السنخية بينه وبينهم؛ فلا يشفعون له. والآية – هنا – تعلن ملاحظة هامة، وهي: أن الموقف في يوم القيامة رهيب، ومشحون بشتى المفاجآت والاحتمالات، حتى أن الشفعاء – رغم كل تأكدهم من نجاحهم هم – يحتفظون في المغامرة بكل الفائض من قدراتهم لنجاح الآخرين، فهم يدخرون بعض احتياطهم للتوقعات غير المحسوبة. لأنه يوم مضطرب، لم يمروا بمثله من قبل حتى يكون لديهم مقياس دقيق له، فهو صفحة مطوية حتى بالنسبة للأنبياء، رغم كل اطلاعاتهم عنه، فلذلك ينادون جميعاً (وا أنفساه!)، ما عدا النبي الأعظم (ص) الذي ينادي: (وا أمتاه!)(23). فهو الوحيد الذي لا يتوجس بالنسبة إلى نفسه، وأما الآخرون: فهم جميعاً يتوقعون أن تجابههم – في أية لحظة – مفاجأة جديدة لم يتأهبوا لها. فيدخرون الكثير من احتياطهم لأنفسهم، ولا يرمون بثقلهم كله لنجاة الآخرين. موازين الآخرة 1- الإنسان، بتركيبته الخاصة من تراب الأرض ومن وهج السماء، يبقى تجربة مفتوحة لاشتراك الفعاليات المتناقضة. فلا هو ممحض لتراب الأرض، ولا هو مخلص لوهج السماء؛ حتى يستطيع السير المستقيم – بروية واحدة، على خط واحد – في اتجاه الباطل أو الحق. فيبقى متعرجاً دائم التردد: فلا يختار خط الباطل إلا وتعرجه ومضاته المتوهجة، ولا يختار طريق الحق إلا وتلكئه صبواته المتبلدة. 2- الإنسان – بمدده الخارجي من: الملائكة والشياطين، ودعاة الخير والشر – يبقى ساحة مفتوحة لصراحة القوى الخارجية الكبرى وهي تجد – في الداخل – قواعدها الطبيعية، ونداءات الاستغاثة؛ فتخف لنجدتها. وترفد كل قوة خارجية، ما يسانخها من الفعاليات المتناقضة في الداخل، فيتم تدخل القوى الخارجية بطلب القوى الداخلية. 3- الفعاليات الداخلية والقوى الخارجية، كثيرة مختلفة: فالفعاليات الموجبة هي (الفضائل) والفعاليات السالبة هي (الرذائل). أو ما عبَّر عنهما الأئمة (عليهم السلام) بـ (جنود العقل وجنود الجهل)(24)، أو ما عبر عنهما الفلاسفة بتعبيرات متعددة لا تختلف في الدلالة عليها. وأما القوى الخارجية: فالموجبة منها قوى: الأنبياء، والملائكة، والأوصياء، والموجهين، وأدواتهم من وسائل التوجيه والمشجعات على الخير. والسالبة منها قوى: الجبابرة، والشياطين، وأدواتهم من وسائل الإغراء والمرغبات في الشر. 4- هذه المعركة، لا تعرف الهدنة ولا الصلح ولا المفاوضات، وهي مستمرة في كل فرد – أنَّى كان، وحيثما كان – ولا تهدأ في أي حال من الأحوال، كلُّ ما هنالك أن محاورها تختلف: فعندما يعمل العقل، يكون محورها العقل، وحيثما يعطل العقل بالنوم – أو بالتركيز على شيء معين – ينتقل محورها إلى العقل الباطن. 5- وهذه المعركة لا تختص بالإنسان وحده، وإنما هي شاملة: تسع الإنس والجن، بلا خلاف. وتسع الملائكة أحياناً، بدليل أن بعض الملائكة تعرضوا للخطأ الأولوي والعقاب؛ كـ (فطرس)(25). وتسع الشياطين، بدليل أن (إبليس) كان يعبد فترة زمنية طويلة، حتى رقي إلى درجة (معلم الملائكة)، وحمل لقب (طاووس الملائكة). وتسع الحيوان، لقوله تعالى: ((أ لم تر؟! أن الله يسبح له: من في السماوات والأرض، والطير صافات...)) (26). ((أ لم تر؟! أن الله يسجد له: من في السماوات، ومن في الأرض، والشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر، والدواب...))(27). وللأخبار التي تؤكد أن الحيوانات تحشر يوم القيامة، حتى تثأر الجماء من القرناء(28). وللأخبار الدالة على أنه ما تعرض حيوان لصياد أو حيوان كاسر، إلا لغفلته عن ذكر الله(29). وتسع النبات، لقوله تعالى: ((أ لم تر؟! أن الله يسجد له: من في السماوات، ومن في الأرض، والشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر...))(30). وتسع الجماد، لقوله تعالى: ((ويسبح الرعد بحمده...))(31). ((... وإن من شيء إلا يسبح بحمده...))(32). ((إنا عرضنا الأمانة على: السماوات، والأرض، والجبال...))(33). والأخبار الدالة على تكليف المخلوقات كافة، كثيرة تحتوي على تفاصيل موكولة إلى مظانها. 6- وهذه المعركة قد تعدو غير المعصومين إلى بعض أصحاب المرتبة النازلة من العصمة كبعض الأنبياء غير الرسل، فتشملهم أيضاً، لأن فعالية التراب لا تغفل من له جسم. والمعصومون من البشر، فنادراً في غير الرسل قد يصادف تحملهم لتبعات أجسامهم، وإن كانت أرواحهم القوية تهيمن على أجسامهم وتكبح أنانيتها، ولكنها لا تفتر عن التذبذب والتلمُّض، وإن كانت فاعليتها تبقى في نطاق محدود. ويمكن القول: إن الجسم والروح في صراع، ما دامت الروح متعلقة بالجسد. ولكن إرادة الروح تختلف قوة وضعفاً، كما أن رغبة الجسد تختلف شدة ووهنا – من فرد إلى فرد –: فبمقدار ما تقوى إرادة الروح توهن رغبة الجسد، وبمقدار ما تشتد رغبة الجسد تضعف إرادة الروح. ونتيجة لاختلاف المستويات، يمكن تصنيف الناس إلى ثلاثة أصناف: الأول: أصحاب الأرواح القوية، التي بلغت القمة قبل أن تأتي إلى هذه الحياة. وهؤلاء... يكبحون رغبات أجسامهم، ولكن يتجاوبون مع ضرورات أجسامهم، فيلبون حاجاتها إلى: الغذاء، والكساء، والسكن، والجنس، والنوم... ثم يعترفون بمدى قدرة الجسد، فلا يحملونه أكثر من طاقته على الاحتمال، فيضطرون إلى (ترك الأولى) وإلى (فعل غير الأولى). ورغم أنها ضرورات لا يصح إهمالها، إلا أنها لا تناسب مستوى الروح الرفيعة. فيتجاوبون معها، خجلين من القصور الذي يعانون من أجسامهم التي لا يستطيعون التخلص منها إلا بانقضاء آجالهم المحددة. وكما يعانون من أجسامهم، هكذا... يعانون من مجتمعاتهم وأجوائهم العائلية، التي لم يؤمروا بتجاوزها ولكن لا تليق بهم. فمثلهم مثل: من يضطر إلى الظهور أمام الأضواء بغير ملابسه الرسمية، أو يستولي عليه النوم في احتفال، أو يقدم عليه ضيوف لا يتمكن من استضافتهم... فهو يخجل ويعتذر، رغم أنه لم يرتكب خطيئة، وإنما اضطر إلى ما هو غير مستحب أو غير مستحسن. فهؤلاء... لا يتجاوبون مع رغبات الجسد حتى درجة الكفر، ولا حتى درجة العصيان، وإنما إلى درجة (ترك الأولى) وفعل (غير الأولى). وهو – بالنسبة إليهم – شيء كثير، يعتبر – بالنسبة إليهم – بمثابة الذنب الذي يستوجب الاستغفار. وإذا أردنا الاستعانة بالمقارنات، نستطيع القول: لا شك أن إيمان الأنبياء والأوصياء بالله، أشد من إيمان الملائكة بالله. والملائكة بين: قيام لا يركعون، وركوع لا يقومون، وسجود لا ينتصبون. فالذي يليق بمستوى الأنبياء والأوصياء، أن يكونوا في حالة تكرس كامل أمام الله طول فترة حياتهم. فأي التفات إلى غير الله، لا يليق بهم مهما كان السبب. فأي توجه إلى غير الله: إن كان لضرورة عدَّ قصوراً، وإن كان لغير ضرورة عُدَّ تقصيراً يستغفرون منه. وهذا... يعني أن فاعلية الجسد تتقلص إلى أدنى الدرجات، ولكنها لا تتعطل نهائياً. ولو تعطلت نهائياً، لم يكونوا معرضين للتجربة. الثاني: أصحاب الأرواح الضعيفة، التي انتقلت إلى هذه الحياة بدون رصيد، أو برصيد أقل فاعلية من فاعلية الجسد. وهؤلاء... يندفعون مع رغبات الجسد التي تغالب نداءات الروح، فتقهرها. وانتصار رغبات الجسد – بأية نسبة كان – يعني السقوط في دائرة الحيوان. ولكن إذا ارتفعت النسبة، بلغت حد الكفر أو الكفر ذاته. ورغم سقوط الفرد في دائرة الحيوان، والانحدار إلى الكفر؛ تبقى فاعلية الروح مكملة للنسبة. فلو كان اندفاع الفرد مع رغبات الجسد بنسبة 80%، تكون فاعلية الروح بنسبة 20%. وهكذا... تنخفض نسبة فاعلية الروح بارتفاع نسبة فاعلية الجسد، حتى قد تبلغ 1%أو 2%. ولكنها لا تتعطل، ولو تعطلت نهائياً بطلت التجربة. الثالث: أصحاب الأرواح المتوسطة، التي وصلت إلى هذه الحياة برصيد متوازن مع الجسد فاعلية. وهؤلاء... لا يكبحون رغبات الجسد كالصنف الأول، ولا يقهرون نداءات الروح كالصنف الثاني، وإنما يتأرجحون بين الجسد والروح: فمرة يتغلب الجسد، وأخرى تنتصر الروح؛ فيعملون السيئات والحسنات، استجابة للمغريات ودواعي الإيمان. ولكل واحد من الأصناف الثلاثة، درجات مختلفة كثيرة، حسب اختلاف حصيلة الأعمال اليومية التي يمارس الأفراد. وهذه الأعمال اليومية، وتلك الأرصدة التي يأتي بها الأفراد من العوامل السابقة؛ تقيم يوم القيامة. وبمقتضاها، يصنف الناس في درجات الجنة أو دركات النار. والموازين، هي المعادلات التي تختلف من وقت لآخر... ومن شيء لآخر... وفي عهدنا يوجد: ميزان للأشياء الخفيفة يعتمد على كفتين، وميزان للأشياء الثقيلة يعرف بالقبان، وميزان للفكر يسمى بعلم المنطق، وميزان للتحقق من عملية حسابية هو نوع من الحساب، وميزان لمعرفة استقامة الجدار يعتمد تحرك الزئبق أو الهواء لتشخيص جهة الميل... وهكذا لكل شيء ميزان يتناسب معه. وللأعمال ميزان، أو لكل نوع من العمل ميزان – أو موازين – في الدنيا، حسب ما هو متاح للناس في الدنيا لتقييم الأعمال. وفي الآخرة موازين، حسب ما هو متاح هناك. فلكل نوع من العمل ميزان، أو موازين. وإذا أمكن الخطأ والعطل في موازين؛ فموازين الآخرة موازين القسط، التي لا خطأ فيها ولا عطل. التبليغ عبر المفرقعات الاجتماعية [(سورة الأنبياء: الآيات 51 – 67). س: لماذا فعل (إبراهيم) هذا بآلهتهم؛ رغم أن هذا النوع من العمل استفزازي لا ينسجم مع طبيعة الرسالات؟ ج: إن الله – حيث يبعث رسله إلى الناس، لإيقاظ فطرة الإيمان، ونجدة العقل؛ في الاعتراف بالله – يلزم كل رسول أن يتبع الأساليب الكفيلة بتنشيط ذبذبة الإيمان في القطاع البشري المرسل إليه. فيتبع الرسول – والعالميون منهم بصورة خاصة – خطتين متوازيتين؛ ضمن استراتيجيتهم العامة: 1- الاتصالات المباشرة بالجماهير، أفراداً وجماعات. وهذه الخطة تعتمد: المقابلات الفردية، وإلقاء الخطب في المجامع العامة. وهي تؤدي إلى نتائج عميقة محدودة: فالذين يلتقيهم الرسول مباشرة، يتأثرون به تأثراً عميقاً، فيؤمنون برسالته إيماناً متكاملاً، يمكنهم من تحمل رسالته، والامتداد بها في كل اتجاه، فيشكلون الدور الوسط بين القمة التي هي الرسول وبين القاعدة التي هي البشر أجمعين، فيكونون رسله إلى الناس. ورغم أن هذه الخطة تفرغ الجزء الأهم من رسالة الرسول، لأنها تعطي الرسالة – تفصيلاً – إلى النخبة المنتقاة، إلا أنها محدودة النطاق. لأن الرسول – كشخص واحد – مهما حاول توسيع نطاق اتصالاته المباشرة، لا يستطيع الاتصال بكل من أرسل إليهم. 2- الاتصالات الموجية بالجماهير. وهذه الخطة تعتمد الأعمال المفرقعة، التي تحدث اهتزازات قوية، تشد جميع المشاعر النابضة إلى مصدر الانفجار، لاستقبال دوافعه وخلفياته ومن ثم معطياته؛ بمجرد حب الاطلاع فيتم تبليغ الرسالة. وهذه الخطة تؤدي إلى نتائج سطحية واسعة النطاق، فتوصل مجمل الرسالة إلى كل الذين أرسل إليهم الرسول؛ ولا يستطيع الاتصال بهم مباشرة ولا من خلال أصحابه. ولذلك: كان رسل الله يقدمون تضحيات سخية – من أنفسهم، أو من الطاقات البشرية المتحركة بإرادتهم – من أجل الأعمال المفرقعة، التي يحسنون اختيارها وفق قواعد منطلقاتهم من جهة، وتلبية للمعادلات المتوازنة في عهودهم من جهة أخرى: - فـ (نوح) صفي الله، اختار تجديد الحضارة العالمية، وحصر الحياة البشرية والحيوانية والنباتية في سلالات معينة، اختارها حسب تقييمه الإلهي. ثم: ترك الحياة لـ (الطوفان)، الذي دمَّر الحياة ولم ينج منه سوى ما حمله نوح معه في سفينته، ليكون بذور حياة جديدة على الأرض. وعملية الطوفان، كانت مفرقعة بقي دويها صاخباً حتى اليوم، في ذات الوقت الذي كانت فيه عملية هدم وبناء، شاملة لكل أنواع الحياة على الأرض. - و (إبراهيم) الخليل، اختار أعمالاً عديدة، من جملتها: تحطيم أصنام (بابل) في عهد الطاغية (نمرود)، حيث كانت حكومة بابل تمثل القوة العالمية العظمى، وتحطيم أصنامها أجرأ عمل فدائي، لم يسبق له نظير من قبل، ولا تجرأ على مثله أحد حتى اليوم. فرنَّ دويه في مسامع الدنيا يوم ذاك، وبقيت أصداؤه تتجاوب في جميع القلوب الواعية حتى اليوم؛ معلنة نبذ الآلهة المصطنعة. فكانت عملية هدم لعقلية قديمة. وتبعت هذه العملية، عملية بناء لعقلية صحية جديدة، هي: بناء الرمز التجريدي لله الواحد الأحد؛ فبنى (الكعبة)، ودعا إلى عبادة ربها، لا إلى عبادتها. وتأسيس (مكة)؛ بنقل عائلته المؤلفة من أمته (هاجر) وابنه (إسماعيل) إلى جوار البيت المحرَّم، لتكون هذه العائلة الفتية – بعنصريها الشابين – نواة لمدينة مركزية، مؤهلة للاستقطاب. فتأله إليها القلوب، ويسعى إليها الناس – رجالاً، وعلى متون جميع وسائل المواصلات في البر والبحر والجو – وتجبى إليها ثمرات كل شيء. لتكون جاذبية هذه المدينة، كافية لاجتذاب العقول النيرة من شتى أقاصي الدنيا، مقدمة لشحنها بطاقة التوحيد، ثم إطلاقها لتأخذ محاورها في شتى أقاصي الدنيا، فتمد العقول المترسبة في مساقطها بأسلاك النور. - و (موسى بن عمران)، اختار مجموعة أعمال، لعل أهمها: أنه وضع إصبعه على رأس الطواغيت في الدنيا، فأغرقه – وجيشه الجبار – في البحر الأحمر. ذلك الطاغوت الذي بقي اسمه مثلاً أعلى للطواغيت، والذي بلغ الكبرياء به وبجميع الرؤوس من سلالته وأسرته، أنهم لم يتشبعوا باستعباد الناس حتى ضموا العبادة إلى العبودية، فادعوا أنهم آلهة، ليس من دون الأصنام فقط، وإنما من الله أيضاً. ولم يكتفوا بحياة الآلهة في عهودهم، حتى حاولوا تمديد حياة الآلهة لهم إلى الأبد، فسخروا الفكر البشري لتحنيط أجسادهم، وسخروا العضلة البشرية لتضخيم قبورهم، أهراماً صلدة، تبقى على ظهر الأرض إلى الأبد، أثبت من قمم (هملايا). - و (عيسى بن مريم) اختار أعمالاً، أهمها: الإخبار – بدون وسائط – عما وراء الحواجز والمسافات، وعن الأحداث التي لا زالت تتكون في ضمير المستقبل. ومنحه الشفاء – بدون أدوية – للمصابين بالأمراض المستعصية، وإعادته الحياة إلى الرميم، الذي ابيضت عظامه في ظلام القبر. - و (الرسول الأكرم)، اختار أعمالاً، أهمها: (القرآن) كمعجزة خالدة، ومتعددة الوجوه. وانتصاراته الساحقة في الحروب. ودعوته ملوك العالم – المعروفين في ذلك العهد – إلى الإسلام، برسائل مفتتحة بقوله القوي المطمئن بالله: (أسلم، تسلم). وتحطيمه أصنام (مكة) من منطلق القوة... وهكذا... اختار كل من أصحاب الرسالات العالمية، أعمالاً مفرقعة قوية الانفجار، لتفجير الركود المخيم على الرأي العام العالمي، واختار كل من أصحاب الرسالات الموضعية، عملاً مدوياً، تغطي اهتزازاته المنطقة التي أرسل إليها، وربما تتجاوز حدودها إلى سائر مناطق الدنيا، أو إلى بقية الأجيال: - فالنبي (صالح)، أخرج من جبل، ناقة عظيمة فريدة في التاريخ، تسقي – بحليبها – جميع قوم (ثمود) مرة كل يومين. - والنبي (هود)، أهاج الرياح على قوم (عاد)، حتى أهلكتهم ودمرت بناياتهم الشامخة. الأمة الواحدة ((إن هذه أمتكم أمة واحدة، وأنا ربكم، فاعبدون)). الفلسفة الإسلامية – التي تعبر عن الواقع – ترفع قواعدها على ركيزتين: الأولى: وحدة مصدر الكون. فالله – وحده - رب الكون، كل الكون. لا تعدد في الإله، ولا تخصص في الألوهية. الثانية: وحدة نظام الكون. فالكون كله – من الذرة حتى السديم – خاضع لنظام واحد، وهو نظام (الثابت والمتحرك)، ودوران المتحرك حول الثابت؛ أو نظام (السالب والموجب)، كما يقول القرآن الكريم: ((... كل في فلك يسبحون))(34). من هاتين الركيزتين، تنطلق الفلسفة الإسلامية في اتجاه الإنسان – في القسم الاختياري من تصرفاته – لتنسيقه مع بقية الكون في ذلك النظام الواحد. وركزنا على (القسم الاختياري من تصرفات الإنسان)، لأنه – في القسم الآخر – خاضع لذلك النظام: فابتداء من الخلية الواحدة إلى الأجهزة المعقدة في الدماغ، متناسق لا ينحرف. وإذا فرض انحراف على أي جزء من أجزائه؛ يرفضه الكون، فيطرده إلى المشافي أو المقابر. وكما هو خاضع للنظام الكوني العام في القسم غير الاختياري من تصرفاته الذي ينعكس على جسمه، هكذا – وبذات الدقة – يلزم أن يخضع للنظام الكوني العام في القسم الاختياري من تصرفاته الذي ينعكس على روحه، حتى يكون فرداً سليماً في مجتمعه. وكما لا ينحرف عن النظام – في الجزء التكويني منه – إلا ويكون مريضاً إن كان انحرافه في عضو فرعي، ويكون ميتاً إن كان انحرافه في عضو رئيس؛ كذلك: لا ينحرف عن النظام – في الجزء التكليفي منه – إلا ويكون فاسقاً إن كان انحرافه في حكم فرعي، ويكون كافراً إن كان انحرافه في حكم رئيس. فالخارجون عن النظام في حكم رئيس، كفار؛ شأنهم شأن الأموات، في أنهم يشكلون العناصر المرشحة للتفسخ، التي يلزم مواراتها عن الأحياء. وأما الملتزمون بالأحكام الرئيسية، فهم مؤمنون؛ يشكلون المجتمع الذي يعبر عن الحياة: فإذا كانوا ملتزمين بكل الأحكام الرئيسية والفرعية، فهم الأصحاب الذين يمثلون قوام المجتمع. وإن لم يكونوا ملتزمين بكل الأحكام الرئيسية والفرعية، وإنما التزموا بالرئيسية وأهملوا الفرعية؛ فهم المرضى الذين يمثلون عثرات المجتمع. فإلى هذا المجتمع – بما فيه السليم والسقيم – تتوجه الفلسفة الإسلامية؛ بأنكم جزء من هذا الكون الموحد، ولا يمكنكم الانسجام معه إلا إذا توحدتم في أمة واحدة: ((إن هذه أمتكم أمة واحدة)). خاصة: وأنكم صدرتم من مصدر واحد، وستعودون إلى ذلك المصدر الواحد، وقد صحَّ إيمانكم به. فأنتم موحدون في أصل الأصول، وهو الإيمان بالله الواحد الأحد، فتملكون أهم عناصر التوحد، فلا مبرر لتفرقكم بعد اتفاقكم على الإيمان به؛ ((وأنا ربكم فاعبدون)). * * * وإذا تجاوزنا هذه الحقيقة الإيمانية، تواجهنا حقيقتان علميتان، نشهدهما في كثير من التغيرات الكونية: الأولى: أن كل شيء يبتعد عن مجمعه، يساوره حنين العودة، حتى يعيده إلى مجمعه: فالماء، إن هربته الحرارة وارتفعت به؛ فسرعان ما يهوي به الحنين مطراً يبحث عن مساربه إلى البحر. والتراب، إن ارتفع شجراً أو بناءً؛ فإن الحنين ينخر فيه ويقلقه، فلا يطمئن إلا حينما يعود إلى الأرض. الثانية: أن كل شيء – ما دام في مجمعه – يبقى أصيلاً يعبر عن واقعه، ولا ينفصل عن مجمعه إلا ويرشح للانحلال، ويعرض واقعه وأصالته للضياع: - فالماء – ما دام في البحر – يبقى ماءً صالحاً، يحافظ على كل مقوماته ومواصفاته، ويتغلب على كل ما يقتحمه لتغييره أو التأثير عليه. ولا يغادر البحر – إلى أي مناخ – إلا ويتغلب عليه المناخ الجديد، فيفسده أو يستهلكه. - والذهب – ما دام في منجمه – يزداد صفاء ويستهلك ما حوله لينمو أو ليكثر. وإذا انتقل إلى أي مجال – حتى إلى صدور الحسان – يتعرض للصدأ والتآكل. - وحتى التراب – الذي هو أقوى ما في هذه الكرة على التغيير والتأثير – لو خطفت قبضة منه إلى أي مناخ، بعيدة عن أمها الأرض؛ فإنها تستحيل إلى ما يلائم مناخها الجديد، وتنسى أنها عاشت مليارات السنين ثاوية في أحضان الأرض. س: أ ليس التراب أكثر نفاقاً وتلوناً من بقية موجودات هذه الكرة؟! أولا يجد حبة تسقط فيه إلا ويتذرع بها للخروج على وضعه ومجتمعه؟! إن التراب سريع التلون بكل ما يوجد فيه أو عليه من: معدن، ونبات، وحيوان، وإنسان...؛ فكيف هو أقوى ما في هذه الكرة على التغيير والتأثير؟! ج: إن عمر التراب طويل، ولذلك يعمل بالنفس الطويل. ولو درسنا أعمال التراب بالنفس الطويل؛ لوجدنا أنه ينافق كل شيء، ولا يخلص لشيء إلا لأمه الأرض: فالتراب يحتال على: المعادن، والنبات، والحيوان، والإنسان...؛ ليمتص – من خلالها – الجزئيات الحيوية من الهواء والنور، ثم يعود بها إلى الأرض. لأن مقدرة التراب – في صيغته الترابية – على الاستفادة من الهواء والنور، محدودة. فيرتفع شجرة، ويتحرك حيواناً؛ ليأخذ أكبر قدر ممكن من: الهواء، والنور، والذرات الكونية...؛ فيسمد بها الأرض. وبالنتيجة: لا يوفر شيئاً، حتى البذرة الضائعة التي تسقط فيه. وهذا... من جملة الأسباب التي تناصر لتكبير حجم الأرض. * * * وكما يكون الماء والذهب والتراب، يكون كل شيء – في مجمعه – منسجماً مع واقعه، ويكون ـ خارج ـ مجمعه عرضة لفقدان واقعه. وقد وردت – في الفقه الإسلامي – أحكام تشير إلى استبطان هذه الحقيقة، ثم جاء العلم ليكشف للرأي العام واقعية هذه الأحكام: - مثلاً: (إذا كان الماء قدر كرٍّ، لم ينجسه شيء)(35). فالماء القليل يتنجس بملاقاة العين النجسة، بينما لا يتنجس الماء الكثير (الكر) إلا إذا غلبت العين النجسة على: لونه، أو طعمه، أو ريحه. - مثلاً: المتنجس بالبول لا يطهر إلا إذا غسل بالماء القليل مرتين، ولكنه يطهر إذا غسل بماء المطر أو بالماء الجاري مرة واحدة. - مثلاً: إذا تنجست الأرض – أو الأجسام الثابتة عليها، كالمباني والأشجار – بسائل نجس؛ فإنها تطهر إذا جففتها الشمس، بينما لا تطهر الأشياء المنقولة وإن جففتها الشمس. - مثلاً: إذا سقط الكلب في المملحة، مع الرطوبة في أحدهما تنجست به. وإذا استحالته، طهر هو والملح على الأصح، بينما ينجس الملح – وإن كان كثيراً – بولوغ الكلب فيه للرطوبة المسرية. - مثلاً: ماء البحر طاهر مطهر، فيما المضاف ليس مطهراً. مع العلم: بأن تلك النسبة من الأملاح لو أضيفت إلى الماء، اعتبر مضافاً غير مطهر، خاصة: لو أخذنا بنظر الاعتبار نسبة الأملاح في (البحر الميت). هذه الأحكام – والعشرات من أمثالها – تنطوي على دلالة واضحة على أن كل شيء في مجمعه، يمتاز بعاصمية لا يجدها عندما ينقطع عن مجتمعه. * * * وكما يكون الماء والأرض والأعيان الطاهرة والنجسة، يكون سائر الأشياء: فالشمس كانت وستبقى مشتعلة، وأي جزء منها يبقى مشتعلاً ما دام متصلاً بها، ولكنه لو انفصل عنها لا يلبث أن ينطفئ ويبرد. والأرض باردة مطفية، ولو انفصل أي جزء منها والتحق بالشمس؛ لا يلبث أن يشتعل. والماء ضد النار، ولو أضيف شيء منه إلى المحروقات السائلة؛ زاد في اشتعالها. * * * وهاتان الحقيقتان، تضمان الإنسان إلى غيره من مظاهر الوجود: فأما الحقيقة الأولى، فنجدها في الإنسان بشكل صارخ، حتى قيل إنها أبرز مميزات الإنسان، حتى قالوا: (الإنسان، حيوان مدني بالطبع). فلا يبتعد الإنسان عن نظيره الإنسان، إلا ويستوحش من كل شيء حوله مهما كان مغرياً، وتهيج به الهواجس حتى يتصور أن كل الأرواح الشريرة قد اجتمعت على افتراسه، ويندفع للاستئناس بالإنسان حتى لو كان عدواً، فيفضله على وحشة الوحدة. وأنت إذا خرجت وحدك إلى أجمل متاحف الدنيا ومنتزهاتها، لا تلبث أن تشعر بقبضة حديدية تعتصر حشاشة صدرك، حتى لا تتنفس إلا بجهد، ولكنك لوتنزهت مع صديق في شارع ضيق مزدحم، تشعر بالانفراج. ولو رأيت: تحفة أثرية، أو وردة نادرة، أو منظراً بديعاً، أو أي شيء ملفت...؛ فلا تتملاه مهما تأملته، إلا إذا ألفت إليه زميلك، وتبادلت معه الحديث حوله، حتى كأن الإنسان لا يتنزه إلا بالإنسان، أما سائر الأشياء: فلا تصلح إلا مادة لتغيير الحديث والحركة. وأما الحقيقة الثانية، فتطبع جميع مظاهر حياة الإنسان: فالفرد يبقى مسترسلاً مع فطرته، وادعاً مطمئناً؛ ما دام مجتمعه يعامله بشكل مرض. فإذا جرحه مجتمعه أو نبذه، يضطر إلى الابتعاد عن من يطمئن إليهم. فإذا اعتزلهم، تهيج به العزلة وتستبد به الوحشة بشكل لا يطاق، فيبحث عن أي مخرج ولو إلى الهاوية. وفي هيجة محاولته الاستعلاء على عزلته، يطلق عنانه لخلفياته، التي قد تقوده إلى الانتحار، وربما تدفعه إلى الجريمة. وإذا كان مفكراً يملك قدرة التأثير، فإن خلفياته تسول له إيجاد مجتمع جديد حوله، يحتمي به، ويطاول مجتمعه السابق الذي رفضه؛ باختلاق: مبدأ، أو دين، أو فكرة، أو نظرية، أو أي شذوذ يجمع حوله الناس... ولذلك: نجد أن كل الذين ابتدعوا: المذاهب، والمبادئ، والأفكار الهدامة، أو عملوا عصابات إجرامية، أو التحقوا بأحد هؤلاء...؛ نجد أنهم – جميعاً – كانوا منبوذين في طليعة شبابهم من قبل مجتمعاتهم الطبيعية، فاستعاضوا عنها بمجتمعات مصطنعة. بينما نجد أصحاب الرسالات والدعوات الإصلاحية، محترمين في باكورة حياتهم من قبل مجتمعاتهم الطبيعية. ولعل هذا الفارق يميز أصحاب الدعوات الصالحة الذين يشقون لإسعاد البشرية، عن أصحاب الدعوات الفاسدة الذين يحاولون أن يسعدوا بإشقاء البشرية. والسبب الوحيد الذي يؤدي إلى الانحراف المصيري هو: تصاعد توقعات الأفراد من مجتمعاتهم، وتصاعد توقعات المجتمعات من أفرادها؛ في خطين متوازيين، وعدم تقدير كل طرف موقف الطرف الآخر: فالفرد – إذا لم يكن معصوماً – معرض للخطأ وللخطيئة، بحجم الشذوذ في ذاته وفي تربيته. وكل من يخطىء يشعر بأنه أخطأ، و– في ذات الوقت – يجد الذرائع لتبرير خطئه، فينتظر لوماً من مجتمعه، ولكنه – مهما كان حجم خطئه – لا ينتظر الرفض من مجتمعه. بينما مجتمعه – في هيجة الاستنكار – قد يجد الرفض أقل عقاب يرد به الخطأ، وخاصة: إذا كان كبيراً لا تهضمه عقلية مجتمعه بسهولة. ومن ثم يتولد رفض المجتمع للفرد، وعقوق الفرد للمجتمع، ثم بحثه عن مخرج... أي مخرج. ولا ينقذ من هذه الأزمة، إلا أحد أمرين: 1- تعقل المجتمع في احتواء الخطأ، عن طريق الرد عليه بأي عقاب دون الرفض. فأي عقاب – حتى القتل – أهون على المخطئ وعلى مجتمعه من الرفض: لأن المرفوض قد يعيش طويلاً، وهو يقتل كل يوم ألف قتلة. ولأن المجتمع الذي يرفض أحد أبنائه، يقطع عليه خط الرجعة إليه، ويفتح أمامه باب التوغل في الخطأ، والثأر من المجتمع. وقد يؤثر على مجموعة كبيرة، تمكنه من قلب مقاييس المجتمع كله: فيصبح الرافض مرفوضاً، والمرفوض رافضاً. 2- تعقل الفرد في التكفير عن خطئه: فتحمل أي عقاب، وحتى التشرد، من مجتمع إلى مجتمع، أسهل من التوغل في الخطأ والرد على المجتمع. * * * من هذا المنطلق، نجد أن القرآن يؤكد على الالتزام بالمجتمع، ويركز الرسول الأعظم (ص) على هذا الحكم في مناسبات عديدة، فيقول – في المراسيل المرويات –: (لا تجتمع أمتي على ضلال)(36)، (يد الله مع الجماعة)(37) ... ويوجه إلى حقيقة أن المرفوض – إذا قبل الرفض، وحاول الرد عليه – يصبح عنصراً هداماً بقوله: (من شذَّ، شذَّ في النار)(38)، (الشاذ من الناس للشيطان، كما أن الشاذ من الغنم للذئب)(39) ... * * * وهذا... لا يعني أن الفرد – دائماً – هو المخطئ، وهو المسرف في اتخاذ التدابير ضد مجتمعه، فقد يكون الفرد مخطئاً، وربما يكون المجتمع مخطئاً. وفي كلتا الحالتين، على الفرد أن يبقى ملتزماً بمجتمعه، فإذا كان الفرد مخطئاً، فمن مصلحته التزامه بمجتمعه. وإذا كان مجتمعه مخطئاً، فمن حقه على الفرد أن لا يتركه لخطئه. ولا فرق في ذلك: بين المجتمع الصغير الذي يعني الأسرة أو الأرحام، وبين المجتمع الكبير الذي يعني الشعب أو الأمة. جنون الغرور ((إنكم – وما تعبدون من دون الله – حصب جهنم، أنتم لها واردون)). أ رأيت البناء؟ إنه ثورة الأرض بشكل هندسي معين وبتركيبة معينة، ولكن سرعان ما تنطفئ الثورة ويفقد البناء هندسته وتركيبته، ويعود – كما كان – جزءاً مسترخياً من التراب. أ رأيت الشجرة؟ إنها انتفاضة الأرض بشكل هندسي آخر وتركيبة أخرى، ولكن سرعان ما تأخذ الانتفاضة مداها، وتبدأ في التقلص، لتتخلى عن هندسته وتركيبته. أ رأيت الحيوان؟ إن أي نوع من أنواع الحيوان، وحتى الإنسان؛ إنه نزوة الأرض بشكل هندسي مميز وتركيبة مميزة، ولكن سرعان ما تبلغ النزوة أوجها لتأخذ في الانحدار، فتخلع – تدريجياً – هندسته وتركيبته، بعد أن تترك آثار تجربة، وتحمل آثار تجربة. فالحيوان – بأنواعه المختلفة – لون ثالث من هيجة الأرض، بأشكاله الهندسية المعروفة ومركباته الخاصة. ولكن سرعان ما ينفد زخمه وتتوتر حرارته، فيتساقط على الأرض – كقطعة العجين – لترجع تراباً لا يميز عن بقية التراب. والإنسان، نوع رابع من نهضة الأرض، بشكل هندسي أجمل ومركبات أفضل. ولكنه لا يعدو فخاراً ثميناً، سرعان ما ينتهي وقوده، وينهار تراباً نجساً في التراب. وهذا التراب... فور ما ينهض من الأرض، ينسى أنه نهض من الأرض وأنه سينهار عليها، ويتراءى له أنه أمير الكون مدى الأبد، فتأخذه العزة بالإثم، ويتيه حتى على الله، فيتمرد على أحكامه. وربما يتمادى به جنون الغرور، حتى يتطاول على مقام الربوبية، فيجحده ويلحد في آياته. وكما يذهب الغرور بالإنسان مذاهب، هكذا – وبذات العنفوان – يذهب الغرور مذاهبه بالحيوان والنبات والجماد، ما دامت – جمعاء – من فصائل الأرض، وتعاني من مركبات الأرض، وتتقلب في مشاعر الأرض. أ وهل تعجب؟ إذا قيل لك: كما قد يتورط الإنسان في سلبياته، فيكون (فرعون) و (نمرود) وسائر الطواغيت، هكذا – تماماً – قد يتورط الحيوان والنبات والجماد في سلبياتها، فيكون – منها – فرعون ونمرود وسائر الطواغيت، إن لم يكن بذات المستوى فبنفس الخط. أوليس في الحديث: (إن الله عرض الإيمان على الأراضي، فما آمنت منها خصبت وما لم تؤمن منها سبخت. وعرضه على المياه، فما آمن أصبح حلواً وما لم يؤمن أصبح مراً)(40). وكما يرتفع الإنسان بإيجابياته فيكون أنبياء وأولياء، كذلك: قد يرتفع الحيوان والنبات والجماد بإيجابياتها فيكون منها القمم الشاهقة؛ إن لم يكن بذات المستوى فبنفس الخط. وإلا: فلماذا أوصى الله إلى (النحل) دون (العقرب)، وبارك في أشجار وأراض دون غيرها؟؟!! إننا نعايش الحيوان والنبات والجماد، ولكننا نعيش بمعزل عنها. كما نعايش الملائكة والجنة والشياطين، وكما نعايش الروح والعقل وسائر الطاقات الفاعلة في الكون؛ ولكن بمعزل عنها. ولعل كل الطاقات الفاعلة في الكون، أكثر وعياً من الإنسان. لأنها تؤدي دورها في الإنسان، ولم يعرف الإنسان منها شيئاً – حتى اليوم – ليؤدي دوره فيها أو لا يؤدي. ولذلك: لا نستطيع تقييم شيء مما في الكون ما لم نتعمق في عوالم الكون، ونبقى محتاجين إلى أن تسقط المعلومات من مصادر الوحي، إلى أن يظهر الإمام المنتظر – عجل الله تعالى فرجه الشريف – فيأتي ببقية العلم، ويهيىء الإنسان للتفاهم مع الكون، والتعاون معه على مستوى الواقع. أما الآن... فنحن في عزلة تامة عن الكون. ولعل كل شيء في الكون يضحك من جهل الإنسان وغبائه، وليست الملائكة فقط هي التي تضحك من نزقه ورعونته – كما في السنة المطهرة –. |
|
(1) سورة النساء: الآية 78. (2) سورة العنكبوت: الآية 3. (3) سورة الزمر: الآيتان 36 – 37. (4) سورة مريم: الآية 75. (5) سورة آل عمران: الآية 178. (6) سورة الإسراء: الآية 16. (7) سورة الزخرف: الآية 33. (8) سورة السجدة: الآية 13. (9) سورة هود: الآية 118. (10) سورة ق: الآية 30. (11) سورة البقرة: الآية 31. (12) سورة التوبة: الآية 55. (13) سورة الرعد: الآية 13. (14) انظر الجواهر السنية، لمحمد بن الحسن الحر العاملي، ص 160. (15) انظر بحار الأنوار، ج 64، الباب 12، ح 56 – 61. (16) انظر بحار الأنوار، ج 5، باب الطينة والميثاق، ص 230. (17) انظر الأمالي، للشيخ الطوسي، ص 531. (18) بحار الأنوار – ج 7 – ص 285 – باب ما يحتج الله به على العباد يوم القيامة – ح 1. (19) سورة الحج: الآية 15. (20) سورة الرحمن: الآيات 33 – 35. (21) سورة الأعراف: الآية 172. (23) بحار الأنوار – ج 7 – ص 125 – باب(6) – ط مؤسسة الوفاء. (24) أصول الكافي – ج 1 – ص 21 – ح 16 – 106. والخصال – ج 2 – ص 589 – ح 3. (25) بحار الأنوار – ج 43 – ص 251 – ط مؤسسة الوفاء. (26) سورة النور: الآية 41. (27) سورة الحج: الآية 18. (28) انظر بحار الأنوار – ج 7 – ص 265 – ح 21. (29) الاختصاص – للمفيد – ص 25 – ط مؤسسة الوفاء. (30) سورة الحج: الآية 18. (31) سورة الرعد: الآية 13. (32) سورة الإسراء: الآية 44. (33) سورة الأحزاب: الآية 72. (34) سورة الأنبياء: الآية 33. (35) وسائل الشيعة – ج 1 – ص 159 – ح 396. (36) بحار الأنوار – ج 2 – ص 225 – حديث 3. (37) نهج البلاغة – الخطبة 127. (38) انظر مجمع البحرين – ج 3 – مادة (شذذ). (39) شرح نهج البلاغة – لابن أبي الحديد – ج 8 – ص 112. (40) انظر بحار الأنوار – ج 23 – ص 282. |