الفهرس

التفسير وعلوم القرآن

الصفحة الرئيسية

 

(20)

۞ سورة طه (ص) ۞

مكية وهي مئة وخمس وثلاثون آية

موقف المؤمن من المنحرف


((اذهبا إلى (فرعون)، إنه طغى * فقولا له قولاً ليناً، لعله يتذكر أو يخشى)).

[(سورة طه: الآيتان 43 – 44)]


المؤمن – دائماً – يمثل القوة المؤثرة، والمنحرف – دائماً – يمثل القوة المتأثرة. وموقف المؤمن المسؤول أو غير المسؤول، من المنحرف المسؤول أو غير المسؤول، يحدده ميزان القوة في الساحة بينهما، فـ:

1- المؤمن يجسد القوة الراجحة. وعندئذ: يحاول تعديل المنحرف بالمنطق، فإن أصر المنحرف يعدله بالعنف. ويتدرج في العنف حسب درجة الانحراف، وبأقل ما يكفي من درجات العنف؛ وفق التعاليم الفقهية في النهي عن المنكر.

2- المؤمن يجسد القوة الموازنة.

وعندئذ: يحاول نفس المحاولة، بفارق واحد، هو:

أن المؤمن الأول يجد المرونة الكافية لتصعيد الموقف، فينتقل من كل مرحلة إلى الأعلى منها بعد فشل التجربة فيها، لاطمئنانه إلى أنه اليد العليا؛ بينما المؤمن الثاني لا يجد مثل تلك المرونة، فيستغني عن التجربة بالدراسة، ويعتمد المباغتة.

3- المؤمن يجسد القوة المرجوحة.

وعندئذ: يدور في نطاق المنطق، فيحاول التأثير الفكري على المنحرف بإيقاظ ضميره، فإن أصر يشهر في وجهه الحرب الفكرية بإيقاظ ضمائر من حوله، لإجباره – بتأثير من حوله – على السير المستقيم، بقناعته – هو – أو بقناعة من حوله.

ورغم أن محاولة التأثير الفكري على المنحرف، تبدو محاولة محتومة الفشل في كثير من الأحيان، وخاصة: عندما يكون المنحرف قد أسس حياته على الانحراف، ونجح نجاحاً باهراً مكَّن منه مركب العظمة، بحيث يكلفه التراجع عن الانحراف كل أمجاده وربما حياته – وهذا... يحتاج إلى نفس قوية مخلصة ليست للمنحرف وإلا لما انحرف –؛ حتى تبدو كلمة المؤمن لديه مثاراً للغضب أو مثاراً للسخرية، فتكون انطلاقة الكلمة المرشدة أشد على المؤمن منها على المنحرف.

وفي مثل هذه الحالة، يحاول بعض المؤمنين التهرب من المسؤولية باللجوء إلى اليأس، فيحاول كل: تجميع وتربية اليأس في نفسه، وتيئيس الآخرين.

ولكن هذا اليأس مختلق، يتكون بالإيحاء المنبعث من الشعور بثقل المسؤولية، وينقشع بمقارنة سلبيات المنحرف مع إيجابياته.

- صحيح أن في الانحراف نوعاً من الإغراء الذي ليس في الاستقامة.

- صحيح أن التراجع عن الانحراف قد يكلف كثيراً.

ولكن:

- صحيح – أيضاً – أن في الانحراف نوعاً من القلق ليس في الاستقامة.

- وصحيح – أيضاً – أن التراجع عن الانحراف يفتح على المنحرف أبواباً جديدة.

ثم: إن المنحرف مهما توغل وتمادى، حتى ولو أصبح (فرعون)؛ فإنه لا يعدو إنساناً من لحم ودم، فيه من العاطفة والضمير مثل ما في الآخرين.

فكما أن أي فرد يمكن أن يتأثر بالحق، كذلك المنحرفون.

وقبل ذلك كله، للمؤمن رصيد في داخل المنحرف، وهو: ((... فطرة الله التي فطر الناس عليها...))(1). وهذا الرصيد يتحرك ويتفاعل فور ما يأتيه مدد من الخارج، فلا يتكلم المؤمن إلا ويجد صداه في عمق المنحرف.

إذن: فلا يأس، مهما كان المنحرف متوغلاً في انحرافه، ومهما كان متعجرفاً في غلوائه.

ومن هنا... ورد التأكيد على رفض اليأس، فقال النبي الأكرم (ص): (... ألا إن أفضل الجهاد، كلمة حق عند سلطان جائر)(2)، وقال الله تعالى:

((اذهبا إلى فرعون))، اذهبا ولا تيأسا منه. ((إنه طغى)) وتجاوز حدوده حتى غمر غيره. وهذه... هي اللحظة التي تساعدكما على رده إلى حجمه الصحيح، ووضعه في مكانه الطبيعي.

فلحظة طغيان الظالم هي لحظة فوران ضميره، وتفاقم عذابه الداخلي. فلا تأتيه النجدة من خارجه، حتى يتغلب ضميره عليه، ويتقهقر، فلا يزداد الإنسان طغياناً، إلا ويزداد استعداداً للعودة. لأن الضمير لا يستقر من نشاطه إلا بمقدار ما يجد النفس قد استنفرت من نشاطها، ولا يقوى انفجار الضمير إلا بمقدار ما يقوى كبته. فإذا استنفدت النفس كل طاقاتها، واستوفت كل أغراضها؛ فليعلم بأن الضمير قد استنفد كل طاقاته على التحشيد، وأنه في حالة التأهب القصوى للرد الكافي. فذروة طغيان الظالم، هي ذروة نضوجه. ففي قوله تعالى: ((إنه طغى))، إغراء لموسى وهارون بالذهاب إلى فرعون، لاشتداد الأمل فيه.

وفرعون، مثلاً للقمة، لا بد أن تطاله الدعوة:

1- أنه كبشر له الحق في الدعوة، حتى يتعرض للتجربة، فيتخذ مساره عن وعي كامل، أي: حتى تتم الحجة عليه، ويشمله قول الله تعالى:

((إنا هديناه السبيل: إما شاكراً وإما كفورا))، فيجد نفسه على مفترق طريقين، أحدهما طريق الحق، والآخر طريق الباطل؛ لا أن يترك لنداء العفويات حوله، فيجد نفسه على طريق هو طريق الباطل، دون أن يجد الطريق الآخر الذي هو طريق الحق.

2- إن الدعوات الرسالية التي تنتشر في المجتمعات، تحدث اهتزازات تؤدي إلى انشقاقات. لأن فعل الرسالة يتعاظم حتى يفرز جبهة، وردود فعل الرسالة تتكاثف حتى تفرز جبهة، وينشب الصراع، ويتفاقم حتى يأخذ مداه، فينتصر جانب وينهزم جانب.

وارتفاع الجانب المنتصر يؤدي إلى غروره، وانحسار الجانب المنهزم يؤدي إلى غيرته، فينقلب الميزان، حتى يرتفع المنهزم إلى أقصى انتصاره، وينحدر المنتصر إلى أدنى انهزامه، لينقلب الميزان مرة أخرى، فيأخذ كل دور الآخر، وهكذا... باستمرار.

ويضطرب الإنسان بين المدَّين: كما تضطرب القشة على الماء، عندما تطاول موجتان. تماماً... كما يتأرجح الإنسان على الأرجوحة، بفعل حركته المعاكسة للجاذبية والجاذبية المعاكسة لحركته.

فالاتجاه نحو الانحراف يحمل – في هيولاه – عنصر العودة إلى الاستقامة، ولكن بعد أن يبلغ مدى اندفاعه. وبمقدار ما تكون السرعة نحو الانحراف، تكون السرعة نحو الاستقامة. فالمنحرف عائد – غالباً – إن بقي حتى يبلغ مدى انحرافه.

والدعوة تخفف من السرعة نحو الانحراف لتقصير مداه، لأنه يعيق التأرجح نحو الانحراف، وللمعوقات فعلها الطبيعي. إذن: فلا بد من الدعوة للمنحرفين، لأن الدعوة معوقة، لا يمكن أن لا يكون لها أي أثر.

المعيشة الضنك


((ومن أعرض عن ذكري، فإن له معيشة ضنكاً)).

[(سورة طه: الآية 124).


كل خط في الحياة – إن بلغ مداه – فله نتائجه الراشدة، غير أن الخط المستقيم حسناته أكثر من سيئاته، والخط المنحرف سيئاته أكثر من حسناته. كما أن كل شجرة – إن بلغت نضجها – فلها ثمراتها الراشدة، غير أن الشجرة الطيبة فوائدها أكثر من مضراتها، والشجرة الخبيثة مضراتها أكثر من فوائدها. فلكل خط حياتي بالغ، حسنات؛ كما أن لكل شجرة ناضجة فوائد.

فكل من سار في خط حياتي برهة من الزمن، ثم عدل عنه إلى خط آخر فسار فيه برهة أخرى؛ فقد تحمل صعوبات الخطين، دون أن يجني حسنات من أي الخطين، لأن أي الخطين لم يبلغ به مداه حتى يثمر. فيشبه من زرع أرضاً بشجرة، وقبل نهاية الموسم اقتلعها وزرع شجرة أخرى؛ فقد دفع نفقات الشجرتين ولم يربح ثمار أي من الشجرتين.

ولكل إنسان – في الحياة – طاقة محدودة، إن أنفقها وعوض بمكاسب – مهما كانت محدودة – فقد اكتسب سعادة ولو محدودة، وأما من استهلك طاقة ولم تعوض، فقد شقي شقاء غير محدود.

وكما أن ربيع السنة لا يحتمل شتلين، كذلك: ربيع العمر لا يحتمل خطين.

وكما هو حق بالنسبة إلى من عدل عن الحق إلى الباطل، فلا يبلغ مدى الباطل كمن تقطر منه، كذلك: هو حق بالنسبة إلى من عدل عن الباطل إلى الحق، فهو لا يبلغ مداه كمن تبرعم عنه. غير أن من يعدل عن الباطل إلى الحق، حيث يتحول من الأدنى إلى الأعلى، فأدنى ما يربحه أفضل من أقصى ما يخسره، فيطمئن إلى القليل من ريع الحق لأنه كثير في تطلعاته.

وأما من يعدل من الحق إلى الباطل، فحيث يتحول من الأعلى إلى الأدنى، فأقصى ما يربحه لا يعادل أدنى ما يخسره، فلا يطمئن حتى إلى الكثير من ريع الباطل – لو توفر له – لأنه قليل في تطلعاته. فيشعر بضيق خانق لسببين:

1- لأنه – بالفعل – تحول من الأعلى إلى الأدنى، فيشعر بالضيق لتنزله.

2- لأنه تحول من الحق إلى الباطل، بحثاً عن الأكثر والأفضل، فخسر الأكثر والأفضل. فيشعر بالضيق، لخيبة أمله.

شأن (أنصاف المؤمنين)، الذين لم يلتزموا التزاماً مطلقاً بالخط الإيماني حتى يجنوا مكاسبه، ولم يتسيَّبوا تسيباً مطلقاً مع الخط الانفلاتي حتى يستمرئوا لذائذه. وإنما أخذوا يتعرجون بين. بين، خطوة نحو هذا الخط، وخطوة نحو ذاك، يدفعون ضريبتين ولا يكسبون أي مكسب.

فهم – في عرف المؤمنين – مؤمنون من الدرجة الثانية، وهم – في عرف المنفلتين – حياتيون من الدرجة الثانية أيضاً.

الخط الإيماني يدفع بهم إلى الدرجة الثانية، والخط الانفلاتي يدفع بهم إلى الدرجة الثانية أيضاً.

فهم: أنصاف مؤمنين، وأنصاف أحياء.

وقد وقعوا في زاوية حادة، بين خطين قويين يضيقان بهم الخناق.

فلهم، معيشة ضنك.

الإسراف والمسرف


((وكذلك: نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى)).

[(سورة طه: الآية 127).


(الإسراف) هو إهدار الشيء، واستهلاكه بدون استيفاء الفائدة المعتادة منه. والإسراف – ذاته – يكشف عن النزق الحاكم على تصرفات المسرف، لأنه ممارسة بلا جدوى. وكل ممارسة بلا جدوى، محاولة لملء فراغ – في النفس – بغير المضمون المناسب له. وهذه المحاولة، من النزق الذي: يكرهه كل فرد في الآخر، ويستحبه في نفسه.

والإسراف أقسام:

1- الإسراف في المواد الكونية التي ليست تحت حيازة أحد. كإتلاف: النباتات البرية، والمياه، والمعادن، والحيوانات الوحشية...

2- الإسراف في مال الغير – سواء كان بعلمه وموافقته، أو بدون علمه، أو بدون موافقته ـ كإتلاف الأشياء النقدية أو العينية، الداخلة في حيازة الغير.

3- الإسراف في مال المسرف نفسه. كإتلاف الإنسان بعض الأشياء النقدية أو العينية، الداخلة في حيازته.

4- الإسراف في نفس المسرف نفسه. كإتلاف الإنسان بعض أعضائه أو طاقاته؛ ببتر إصبع من أصابعه، أو تعطيل سامعته...

وإذا أردنا تقويم الإسراف، فلا بد من النظر فيما يلي:

1- الحد الذي يميز الإسراف، يبتدئ بالقليل والتافه الذي يملك ولا يمول. وهو كل ما يمكن الاستفادة منه بشكل من الأشكال، وإن لم يكن باستطاعته الاستفادة منه، ففي الحديث: (إلقاء النواة، وثمالة الإناء ولو على الشاطئ؛ من الإسراف)(3).

فكل شيء موجود؛ وجد بحكمة، واتخذ مساره برسالة. وفي مقياس الكون، كل موجود عضو في الكون وله رسالته؛ مهما كان في تقييمنا. لأن تقييمنا ناتج عن حاجتنا، وحاجاتنا – أو عدم حاجاتنا – إلى شيء، لا يغير شيئاً من واقعه. وأما الكون: فهو بحاجة إلى جميع أشيائه، وهو أعرف باستهلاك ما يستغني عنه.

2- لا يشترط في تحقق الإسراف أن يكون كل ما تعمله نزقاً، فإعطاء أي شيء أكثر مما يناسبه إسراف: فالأكل أكثر مما يحتاج إليه الجسم، إسراف في المادة التي تأكلها، وفي جسمك الذي تحمله أكثر من طاقته. وإعطاء الوقت لأصدقائك وأسرتك وعملك... أكثر مما ينبغي، إسراف في القسم الزائد منه.

3- كل الأقسام الأربعة من الإسراف، تتساوى في المسؤولية، وتختلف في التعبير عن درجة النزق: فالإسراف في المباحات التي ليست تحت حيازة أحد، قد يكون أقل نزقاً من الإسراف في مال الغير. وهو أقل نزقاً من الإسراف في مال نفسه، وإن كان الإسراف في مال الغير يؤدي إلى الضمان.

4- بما أن المسرف يحاول أن يملأ فراغاً يلح عليه ويعذبه، فالإسراف – في منطق المسرف – عمل مشروع لسد حاجة يشعر باستبدادها به. ولكن هذا... منطق يلزم أن يدرس قبل أن يصبح منطلقاً لعمل، لاحتوائه على مغالطة، نابعة من تصور صحية جميع الفراغات التي يشعر بها الإنسان. وهذا... خطأ، للأسباب التالية:

الأول: إن الإنسان – بمقتضى تركيبته الأرضية – يشعر بفراغات توسعية، لا يمكنه الاسترسال معها. فلا مطامع الإنسان تتوقف عند حدود هذه الحياة، ولا رغباته قابلة للاستجابة بإمكانات هذه الحياة. فلا بد من ترويض أكثر مطامحه ورغباته، حتى يتخلص من التخبط في المستحيل.

الثاني: إن الإنسان يعاني من فراغات مرضية، لا يصح الاعتراف بها، أو السماح لها بالتحرك: كحب الاستئثار، والاستعلاء... وغريزة الغضب، والجشع... وهذه الغرائز، كفيلة بإخراج الفرد من نطاق حقوقه إلى حقوق الآخرين، وهذا التجاوز، يجعل من يمارسه مجرماً هداماً، يلزم تحديد نشاطه بالعقاب. فلا بد – قبل التفكير في التجاوب مع الفراغات – من معرفة ما: إذا كانت صحية، يلزم التجاوب معها. أو مرضية، يلزم معالجتها.

الثالث: فإذا كانت الفراغات صحية، فلا بد – قبل التجاوب معها – من دراسة الجواب المناسب لها: فإذا شعر بالجوع فليس الصحيح أن يأكل إلا بعد معرفة الغذاء الصحي. وإذا شعر بالجنس، فلا يجوز أن يمارس إلا بعد تحديد المورد المشروع.

5- إن المسرف، وإن شاء أن يبقى منفلتاً: لا يعترف بالحقوق الكونية والإنسانية، ولا يؤمن بالله والأديان والآخرة، ولا يبالي برد الفعل، ويجحد قدرة الآخرين على الاقتصاص منه؛ فهنالك حد لا يستطيع تجاوزه إلا بالجنون المطبق، وهو حد نفسه.

فرأسمال كل الرساميل للإنسان، هو نفسه، أي: جسمه، مقترناً بمواهبه وسنوات عمره. فإذا أسرف في شيء من أعضاء جسمه، أو في شيء من طاقاته، أو أسرف في بعض مواهبه، أو في بعض عمره؛ فهذا الإسراف ينعكس – سلبياً – عليه فوراً، بشكل يرفض الجحود واللامبالاة.

فأبشع أقسام الإسراف، هو الإسراف على النفس. ولذلك: ركَّز القرآن – في تحذيره من الإسراف – على هذا القسم، لأنه لا يقبل أي جدال.

وارتكاب المحرمات – من الإسراف على النفس. فما من حرام إلا ويؤدي إلى ضرر في جسم الإنسان أو مواهبه أو عمره، بالإضافة إلى: أن الحرام ينعكس على واقعه الإنساني، فيصاب بالمسخ الكامل، أو بالتشويه في جانب منه. وإن لم يظهر عليه المسخ والتشويه في الدنيا، لكرامة أمة النبي الأكرم (ص) على الله، فإنهما سيظهران عليه في الآخرة.

أما المسخ الكامل، فتدل عليه نصوص كثيرة تقول: بأن صفات الإنسان تنعكس عليه في الآخرة:

فإذا كانت صفاته حسنة تلائم إنسانيته، انعكست عليه مواثفات كريمة في الآخرة، فحشر عملاقاً ضخماً قوياً، جميلاً طيب الرائحة، له نور يسبقه أينما يتجه.

وإن كانت صفاته سيئة، انعكست عليه مواصفات قبيحة، فحشر قزماً هزيلاً، بشع المنظر، نتن الرائحة.

((يوم ينفخ في الصور، ونحشر المجرمين – يومئذ – زرقاً))(4)، ((قال: رب! لِمَ حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا))؟! ((قال: كذلك، أتتك آياتنا فنسيتها، وكذلك، اليوم تنسى))(5)...

وإذا كان متخلقاً بأخلاق حيوانات، حشر عليها: فحشر أحدهم كلبً، والآخر خنزيراً، والثالث ذئباً، والرابع قرداً(6) ...

إشباع الحاجة، لا إشباع الخيال


((ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم – زهرة الحياة الدنيا – لنفتنهم فيه. ورزق ربك، خير وأبقى)).

[(سورة طه: الآية 131).


إن يدك لا تصل إلى كل جسمك، لئلا تتوقع أن تصل إلى كل الدنيا. وإن قدميك لا تحملان جسمك طويلاً، لئلا تحاول أن تضعهما في كل مكان. وإن فكرك لا يستوعب كل ما يدور في جسمك، لتعرف أنه لا يستوعب كل شيء. وإن أذنيك يملاَّن أحسن الأنغام، لتعلم أنهما لا تستطيعان الإصغاء إلى كل الأصوات. وإن جسمك – كله – لا يستقبل من: الطعام، والشراب، والكساء، والسكن، والجنس... إلا بقدر، لكي لا تنهم بأكثر من حاجته... فلماذا تمد عينيك إلى كل جميل؟!

إنك لن تنال كل شيء، ما دامت الدنيا لكل من فيها، وهم يغالبونك عليها. أقصى ما يمكن أن تنال، أكثر من حاجتك؛ ولكنك لن تتمتع بأكثر من حاجتك. فيكون حسرة عليك: أن تحاول ما لا تنال، أو أن تنال ما لا تستفيد منه. والتحسر على ما لا تنال أو لا تستطيع التمتع به، يفوت عليك السعادة بما نلت وتستطيع التمتع به. فروض نفسك على التزود بالميسور، واترك المعسور لحينه – إن حان – تسعد بما لديك، ولا تشقى بما ليس لديك.

((ولا تمدن عينيك إلى)) كل ما يتهافت عليه الناس وترغب فيه، من ((ما متعنا به أزواجاً منهم)). فإن كل ذلك: لم يخلق لك، ولا تستفيد منه إن أتيح لك. وإنما خلقنا كل ذلك ((زهرة الحياة الدنيا))، ليتمتع بها جميع الناس، فيتمسكوا بالحياة.

ولولا هذه المغريات، لتذمر الجميع من الحياة الدنيا فور تفتحهم على مشاكلها ومآسيها، ولفشلت تجربة الحياة. فهي أشبه بالطعم الذي تتصيد به الفريسة، لا أكثر. فلماذا التناحر على طعم، تحيط بكل واحدة منها شبكة، تجر إلى مأساة؟!

إحدى شارات أهل البيت


((وأمر أهلك بالصلاة، واصطبر عليها...)).

[(سورة طه: الآية 132).


قال الإمام الرضا (ع):

(كان رسول الله (ص) يجيء إلى باب علي وفاطمة – بعد نزول هذه الآية – تسعة أشهر، كل يوم، عند حضور كل صلاة، خمس مرات؛ فيقول: (الصلاة، رحمكم الله). وما أكرم الله أحداً من ذراري الأنبياء (عليهم السلام) بمثل هذه الكرامة التي أكرمنا بها، وخصنا من دون جميع أهل بيتهم...)(7).

في هذه الآية دلالة، وفي هذا الحديث إيضاح لواقع قائم، وهو:

إن (التعليم) إلقاء فكرة، لجهة التعريف بها، أو إقناع المتعلم بها – في أقصى التقديرات –. و (التربية) هي ممارسة فكرة، لجهة التعويد عليها.

و (التعليم) يتم بطرح الفكرة مرة أو مرتين، وخاصة: إذا كان المعلم من نوع الرسول الأكرم (ص) الذي يروى كلامه، ويردد حتى ينتشر – انتشار المؤمنين به – عبر الأقطار والأجيال.

بينما (التربية) لا تتم إلا بالاستمرار الممارسي المركز، قولاً وعملاً ومحافظة، حتى يصبح الأمر طبيعة ثانية، لو تخلى عنها الطرف الآخر شعر بفراغ مقلق لا يطمئن إلا بالعودة إليه.

ولذلك، أمر الله رسوله الأكرم (ص): ((وأمر أهلك بالصلاة)). ولم يكتف بهذا الأمر، حتى أمره بالاصطبار على الصلاة: ((واصطبر عليها)). و (الصبر) هو التجلد وعدم الشكوى من ألم البلوى، و (الاصطبار) هو الصبر الشديد. وهذا... يعني أن مجرد الأمر بالصلاة لا يكفي، بل لا بد من المواظبة الأكيدة عليها. وهذه المواظبة الأكيدة، تحتاج إلى صبر شديد.

وهذه الاعتبارات التربوية، تفسر الاهتمام الكبير الذي كان الرسول الأكرم (ص) يوليه: أمير المؤمنين وسيدة نساء العالمين، والإمام الحسن، والإمام الحسين – على جميعهم أفضل الصلاة والسلام – في مراحل حياتهم، بشكل يتجاوز كل التوقعات من مثله، وخاصة: في أخريات أيامه، حيث كان رسول دين ورئيس دولة.

(1) سورة الروم: الآية 30.

(2) كنز العمال / 43588.

(3) فروع الكافي – ج 4 – باب (كراهية السرف والتقتير) – حديث(10) – ص (56).

(4) سورة طه: الآية 102.

(5) سورة طه: الآيتان 125 – 126.

(6) البحار – ج 7 – باب صفة المحشر – ص 89.

(7) تفسير نور الثقلين، للعلامة الحويزي – ج3 / 409.