الفهرس

التفسير وعلوم القرآن

الصفحة الرئيسية

 

(9)

۞ سورة التوبة ۞

مدنية وهي مئة وتسع وعشرون آية

 

سورة التوبة: الإطار العام

هذه السورة، سورة عقاب في الدنيا؟! وسورة عذاب في الآخرة؟!

هل يبست الرحمة، فنفرت السيوف تمتص آخر نبض باكر يعاني هاجس التجربة؟! ونفضت جهنم عطاء المغفرة، فقفزت من فوق سور الآخرة إلى حرم الدنيا، تلتقط اللاجئين تحت مظلة الرحمة المهداة؟!

وهل تهدم الأمل بالإنسان الخارج على الله، فحتى لا محاولة، وحتى أقيلت السورة عن استقلالها، ونزع عنها تاج (بسم الله)، حتى لا يهتك (الرحمن الرحيم) عنق الظلام، وحتى لا يكون – من أول المبدأ – سياج ولا باب، أمام الرياح الوحشية، التي هاجت لتوقف دورة الزمان، وتغسل الأرض من آخر تعبير للشيطان؟!

فالقتل... القتل... للأدنى والأقصى، في كل مخبأ ومهرب:

((... فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم...))(1)..

((... فقاتلوا أئمة الكفر...))(2). .

((ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم...))(3) .

ولا يكفي الجهد البشري في قتلهم، فلا بد من الاستعانة بالله في قتلهم:

((قاتلهم الله أنى يؤفكون...))(4) .

والعذاب... العذاب... للمشرك والكتابي، واغتيلت المعاني، فأسفرت الكلمات الربيعية عن لوافح الخريف:

((... وبشر الذين كفروا بعذاب أليم*))(5) .

((... فبشرهم بعذاب أليم*))(6) .

((... والله لا يهدي القوم الكافرين*))(7). .

لقد اهتزت شجرة القربى البشرية، فتناثرت أوراق العهود والاتفاق، لتترك مكانها لأشواك الثأر تغري بالتشفي:

((... ويشف صدور قوم مؤمنين*))(8).

هل وقفت مركبة الشمس، وانمحى لفظ الأمس، وانتهت الدنيا، فلا همس ولا حنين: فالبراءة، من مصدر الرحمة ومظهرها:

((براءة من الله ورسوله...))(9).

والنجس، والابتعاد عن مهبط الخير:

((إنما المشركون نجس، فلا يقربوا المسجد الحرام...))(10).

والصراحة الفاضحة تنزف رياضية المعركة:

((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله...))(11)؟

فكل شيء في ذمة معركة جادة يلحنها الفناء.

أو هي – حقاً – كلك؟!

كلا... إنها إعلان حرب محددة شريفة، على أثر نقض غادر ولئيم، لمعاهدة سلام بين جانبين متحاربين: جانب مؤمن، لا يطالب إلا بحقه في الحياة. وجانب مشرك يريد أن لا يشاركه غيره في الحياة. وكانت بينهما معاهدة سلام، فنقض الجانب المشرك معاهدته، وقتل عدداً من الجانب المؤمن، فكان من حق الأخير أن يباغته، بالحرب أو بالانقضاض على من تحت رحمته من الجانب الملحد. ولكنه لم يحاول استقصار حقه، لأنه يتورع عن الدم – مهما استطاع –، وإنما حاول إرجاع الجانب المشرك إلى المعاهدة، توفيراً لفرص السلام له، فـ:

1- أعلن إلغاء المعاهدة من قبله، كرد طبيعي على عدم التزام الجانب الآخر بها:

((براءة من الله ورسوله، إلى الذين عاهدتم من المشركين*))(12). .

وأعلن أن إلغاء هذه المعاهدة، لا يعني إلغاء كل معاهدات السلام التي كان الجانب المؤمن طرفاً فيها، وإنما تبقى سارية المفعول من قبل الجانب المؤمن طالما الجوانب الأخرى باقية على التزامها بها:

((إلا الذين عاهدتم من المشركين، ثم: لم ينقضوكم شيئا، ولم يظاهروا عليكم أحداً. فأتموا إليهم عهدهم إلى مدَّتهم، إن الله يحب المتقين*)) (13).

ويأتي التأكيد على الالتزام بالمعاهدة التي عقدت عند المسجد الحرام – بصورة خاصة –، فهي نافذة المفعول ما لم ينقضها الجانب الآخر:

((... إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام، فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم. إن الله يحب المتقين*))(14).

إذن: لم تنته الدنيا، ولم ينقلب الجانب المؤمن إلى رواد حرب، وإنما لا معنى لمعاهدة من جانب واحد.

وإعلان إلغاء المعاهدة لا يساوي الحرب، وإنما يساوي الاستعداد للحرب، الذي يمنع من الحرب.

2- أعلن إمهال الجانب الآخر أربعة أشهر، وهي فرصة كافية للعدول عن الإصرار على الحرب:

((فسيحوا في الأرض أربعة أشهر...))(15).

((فإذا انسلخ الأشهر الحرم، فاقتلوا المشركين...))(16).

إذن: فلا حرب عاجلة من الجانب المؤمن، وإنما هو يعطي المبادرة للجانب الآخر، لينال أقصى حريته في قرار الحرب أو السلام.

3- أعلن أن المعاهدة قابلة للتجدد من جانبه تلقائياً، بمجرد إعلان الجانب الآخر عودته إلى الالتزام بها:

((فإن تبتم فهو خير لكم، وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله...)) (17).

((... فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فخلوا سبيلهم. إن الله غفور رحيم*))(18)، ((فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فإخوانكم في الدين...))(19).

إذن: فهذا الإعلان محاولة شريفة لإعادة الجانب الآخر إلى صوابه، ودفعه إلى الاستغناء عن الحرب بالسلام.

4- أعلن أن إلغاء هذه المعاهدة لا يعني سلب حرية اتخاذ القرار عن رواد السلام وإن كانوا أفرادا، فالقادة لم يلتزموا بالمعاهدة ـ وعادة يحترق الأفراد بنار القادة – ولكن الجانب المؤمن لا يحرق الأخضر باليابس، فالباب مفتوح أمام أي فرد يريد السلام أن يحاوله، وسيوفره له الجانب المؤمن. فهو يتيح لكل فرد حرية اتخاذ القرار، وعلى هذا الأساس يتعامل مع القادة والأفراد سواء بسواء:

((وإن أحد من المشركين استجارك، فأجره حتى يسمع كلام الله، ثم أبلغه مأمنه...))(20).

إذن: فالجانب المؤمن داعية سلام، ويراه حقاً مشروعاً للجماعات والأفراد. وأما تجار الحروب، فعليهم أن يعلموا: أن الجانب المؤمن قادر على تطويقهم، وامتصاصهم، وممارسة الحرب ضدهم.

5- أعلن كل ذلك في المؤتمر العالمي، لينور الرأي العام، ويضعه أمام مسؤوليته، عساه يسعى إلى حمل الجانب المشرك على العودة إلى المعاهدة:

((وأذان من الله ورسوله، إلى الناس يوم الحج الأكبر: أن الله بريء من المشركين ورسوله...))(21).

6- أعلن أنه إذا قام بحرب فعلية، إنما يقوم برد الاعتداء، والاعتداء بدءاً من الجانب المشرك، والبادئ هو الظالم:

((ألا تقاتلون قوما: نكثوا أيمانهم، وهموا بإخراج الرسول، وهم بدؤوكم أول مرة...؟!))(22).

وأما استخدام ((براءة من الله))، ((قاتلهم الله))، ((يشف صدور قوم مؤمنين))، ((إنما المشركون نجس))، ((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً))... فهذه.. مواد تستخدم في الحرب النفسية، ليعلم تجار الحروب مدى غنى الجانب المؤمن الباحث عن السلام، حتى يتهيبوا المغامرة بالحرب، فلا يخوضوها إلا بعد ألف حساب... وحساب... والحساب يؤدِّي إلى التروي والأناة، وهما يمنعان من نشوب الحرب.

بالإضافة إلى: أن ذلك كله، واقع بالنسبة إلى جانب مؤمن، يقوده رسول يعبر عن الله.

وهنا... يرتسم سؤال:

هل الدين الحق يأذن بالعنف؟ وهل يمكن أن يكون العنف من الدين، ومن الله؟؟

والجواب:

أن العنف نوعان:

1- العنف الفعل، وهو العنف المستأثر. والعنف المستأثر تصاعد مستمر في عنف أقسى، لأنه موجه إلى الداخل، أي: إلى الذات الإنسانية نفسها، ضد الإنسان الآخر الذي هو الوجه الثاني للـ (أنا). وإذا توجه عنف الإنسان إلى الذات، يتوسع، لأنه وليد التنافس والمزاحمة. وإذا انقاد الإنسان للتنافس، فإنه لا يقف عند حد لأنه لا يستطيع أن يغزل طريقه إلى القمة إلا إذا سقط كل الناس في دربه، ولا تطمئن فيه غريزة التنافس ما دام هنالك رأس واحد يرتفع أمامه.

وهذا العنف ليس موضوعياً، لأنه ليس ضد الطبيعة من أجل السيطرة عليها، ولا ضد العدو الأصيل الذي يحاول إنهاكه وإذلاله – وهو الشيطان –؛ وإنما هو عنف شخصي محض، عنف الآكل للمأكول.

وحين يتجسد هذا العنف في صيغة استيطانية، فيصبح نظاماً يجمع حوله المبررات – كالشرك مثلا –، فإنه ينحط من مستوى الإنسان إلى مستوى الوحش.

ومجرد القبول بهذا العنف – أو السكوت عنه – أشد خطراً منه، لأن العنف المستأثر – بذاته – ظاهرة قد تحدث بعوامل كثيرة، كبقية الأمراض الاجتماعية. وأما القبول به – أو السكوت عنه – لا يعني تمريره فحسب، وإنما يعني – إلى ذلك – تسويغه، وتوفير الإمكانية له ليتوسع ويترسخ، بتمييع الإرادة الإنسانية تجاهه، والانجراف فيه.

ومن هنا... كان الساكت عن الحق، شيطاناً أخرس.

2- عنف رد الفعل، وهو العنف المحرر، والعنف المحرر تخفيف مستمر للعنف، لأنه موجه إلى الخارج، ضد العدو الأصيل – الشيطان – متجسداً في شخص؛ من أجل تصعيد الحياة إلى مستواها، وخلع الإنسانية على الناس.

ومهما يكن العنف المجرد قاسياً، فإن مسؤولية التضحيات لا تقع عليه، وإنما تقع على العنف المستأثر، لأنه رد فعل، فهو من نتائج الفعل – الذي هو العنف المستأثر –، وكل فعل يتحمل نتائجه.

أضف إلى ذلك: أن التضحيات التي يسببها العنف المجرد، أقل – بما لا يقاس – من التضحيات التي يسببها العنف المستأثر، لأنه إسقاط رأس واحد لترتفع كل الرؤوس، والعنف المستأثر إسقاط كل الرؤوس ليرتفع رأس واحد.

صحيح: أنه لا يمكن تفضيل العنف الأقل على العنف الأكثر، فليس هناك عنف أقل وعنف أكثر، إنما هنالك عنف ولا عنف. وأما العنف، فهو واحد قلَّ أو كثر، والموقف منه يجب أن يكون واحداً في الحالين، فنصف العنف أو ربعه... عنف كامل، تماماً... كالخير والشر، فليس هنالك نصف خير أو نصف شر.

ولكن: العنف المحرر ليس عنفاً، وإنما هو لا عنف، لأنه سعي لتخليص المجتمع من العنف، بتوجيهه إلى الطبيعة والشيطان، وجعل الإنسان رأس ماله الأعلى الذي تجري كل الحسابات على أساسه. وأما العنف المستأثر فهو عنف، لأنه سعي إلى تأسيس المجتمع على العنف: بدءاً من البيت والعائلة، ومروراً بالمؤسسات والتنظيمات الاجتماعية والثقافية والتشريعية، وانتهاءً بالحكم؛ بتوجيه العنف إلى الداخل، وجعل الإنسان رأس ماله الأدنى، الذي يرخص على مذبح كل الممارسات، حتى يسف به الهوان إلى أن يكفي مجرد كونه حاملاً لوجهة نظر غير رسمية، لينفى من الحياة الاجتماعية: سجنا، أو تشريداً، أو قتلاً...

فالدين الحق، لا يأذن بالعنف، ولا يمكن أن يكون العنف من الدين أو من الله، وإنما هو اللاعنف قد يتقمص صيغة العنف.

وصفوة القول: قتل الإنسان أكبر الجرائم العملية التي يعاقب عليها كل الشرائع والقوانين بعنف شديد، وهو – بالفعل – أكبر الجرائم العملية التي لا بد أن يعاقب عليها كل الشرائع والقوانين بعنف شديد، لأنه تعطيل لهدف الكون، فالكون وجد للإنسان، فإذا تعرض الإنسان للقتل فقد تعرض هدف الكون للعطل.

ومع ذلك: نجد كل الشرائع والقوانين، تفرغ خيرة الناس، وتزودهم بأفضل الأسلحة المصنوعة بالضرائب الرسمية المعقولة، وتدربهم، وتدفعهم إلى القتل بصورة علنية، وتكافئهم عليه... أ ليس ذلك غريباً؟!

ولكن: هنالك ظاهرة أخرى تشبهها في الغرابة، فالجرح مما يعاقب عليه كل الشرائع والقوانين بعنف، ومع ذلك: نرى كل الشرائع والقوانين تثقف خيرة الناس بالجرح، وتوفر لهم كل الإمكانات اللازمة، وتأمرهم بالجرح... والناس – أنفسهم – يسعون نحو الجراحين، ويدفعون إليهم الأموال ليجرحوهم، وهذه الظاهرة، غريبة أيضاً.

وظاهرة ثالثة: أن الناس يجهدون لكسب الأموال، ثم تأمرهم الشرائع والقوانين بدفع بعضها أو كلها، وهم يدفعونها بعمق الرضا.

هكذا... الكثير من ظواهر الحياة. فالحياة العامة أسست على التعامل، الذي هو الأخذ والعطاء، فكل أخذ يعادله عطاء معقول، تأمر به الشرائع والقوانين، أو تباركه، لأنه يؤسس الحياة العامة، وكل أخذ لا يعادله عطاء معقول، تطارده الشرائع والقوانين بعقاب، لأنه يربك الحياة:

فالقتل – الذي هو أخذ الإنسان من الوجود –: إن كان يعادله توفير الوجود للآخرين، فهو قتل صحيح، وإن كان بدون توفير الوجود على الآخرين، فهو قتل ملعون.

والجرح – الذي هو فتك بعضو ـ: إن كان مقابل تأمين الأعضاء الأخرى، فهو جرح واجب. وإلا، فهو جرح مكروه.

وأخذ الأموال من الناس: إن كان عوضاً عن مالٍ صحيح، فهو حلال. وإلا، فهو حرام.

الأفصح والقتل البدائي، هو الذي يعطل هدف الحياة، فتمنعه الشرائع والقوانين. والقتل التعاملي = العقاب المناسب، فهو الذي يؤصل هدف الحياة، فتأمر به الشرائع والقوانين.

المحتوى والإطار


((أ جعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله؟! لا يستوون عند الله، والله لا يهدي القوم الظالمين *)). [(سورة التوبة: الآية 19)].


في كل مجتمع متخلفون روحياً، كما في كل مجتمع متخلفون صحياً.

غير أن المتخلف قد يكون واقعياً في توقعه من المجتمع، فيرضى أن يعامل على أساس أنه متخلف، ولا يغضب إذا أعطيت الأفضلية للمتفوقين. وربما تزداد واقعيته، فيهلل لهم اعترافاً بتفوقهم.

وأما المتخلفون الذين يتوقعون من المجتمع أن يعاملهم كمتفوقين، فحسابهم عسير مع أنفسهم أكثر مما عسير مع المجتمع، فسرعان ما يتجاوزهم المجتمع، ولا يقف للإجابة على توقعاتهم، وإنما يتركهم يتجرعون توقعاتهم أو تجرعهم توقعاتهم.

فكلما لمع متفوق ينجز دوراً باهراً، تشاغلوا بدور باهر، ونعوا على المجتمع جهليه، لأنه يكبر ذاك.. ويحقرهم، وكأنهم إذا غالطوا أنفسهم غلطوا على المجتمع حسابه.

ويقف معهم القرآن وقفة موضوعية – في الآية – ليتأكدوا من أن المغالطات لا تغير شيئاً من الواقع.

صحيح: أن الأمة الحية يجب أن تتحرك، حتى لا يفوتها الدور، ولا تبدوا في غيبوبة: هائلة الحجم. ولكن: حركة تختلف عن حركة.

فالحركة نوعان – غالياً –:

1- الحركة حول النفس، وإلى جانب الأزمات. وهذا... هو النوع الأسهل والأتفه، إذ يبدو – معه – الناس يتحركون بينما هم في أمكنتهم، فهم يريدون إيهام أنفسهم – وأمتهم – بأنهم باذلون قصارى جهدهم، فيما هم يوجهون حركتهم إلى داخل الأمة كبراءة ذمة، لأنه – في خارج الأمة – ضائعة، كلحن بغير صدى. لأن العالم – خارج الأمة – لا يجري حساباته على أساس وقع الخطى ورنين الكلمات، وإنما يجري على أسا قياس الطاقات، فكل حركة لا تعبر عن طاقة قادرة على التأثير، صخب تائه.

2- الحركة نحو الهدف، وأمام الأزمات لمواجهاتها. وهذا... هو النوع الأصعب والأجدى، إذ يتقدم إلى ساحة الأزمة، ويصبح طرفاً مباشراً فيها، ويتحمل مسؤوليته في إدارتها وتوظيفها لصالح الهدف الذي يسعى إليه.

ويكمل هذا التنويع تنويع آخر، هو أن الحركة نحو الهدف نوعان:

1- حركة غير محسوبة، تمليها نزوة عاطفة أو نوبة انفعال. والذين يقومون بها يجدون أنفسهم في ساحة الأزمة فعلاً، ولكنهم ليسوا طرفاً مؤثراً فيها وإنما طرفاً متأثراً بها، ولا يصبحون قوة فاعلة، وإنما ضحية خاسرة، فبينما يتقدمون إليها ليمدوا يد المساعدة إلى غيرهم، سرعان ما يجدون أنفسهم متلفتين بحثاً عمَّن يمدُّ إليهم يد المساعدة.

2- حركة محسوبة، تمليها إرادة عاقلة. والذين يديرونها يرون هدفهم – منها – بوضوح، ويميزون وسيلتهم بدقة.

وهذه... هي طريق الالتزام المسؤول، الذي يستثمر الجهد المبذول، مهما كان قليلاً وهامشياً.

والآية تقارن – في استفهام استنكاري يرتسم أمام المتعنت – بين سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام من جهة، والإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيله من جهة أخرى: فسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، من الفرعيات الديكورية، التي لها الدور الأخير، ولا هدف منها غير المساعدة على الحج. فيما الإيمان بالله واليوم الآخر، هما الأساس الأول، والهدف الوحيد من كل العبادات. والجهاد في سبيل الله، هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق ذلك الهدف الأساس. فلا قياس بين هذين النوعين من العمل.

ولكن = وكأنما – يحاول القرآن إعذار هؤلاء المتخلفين، الذين يقومون بهذه المقارنة التبريرية، فيحذرهم بأنهم متخلفون، ويقف منهم موقف المعلم النصوح:

((لا يستوون عند الله)).

الإنسان بين القيم والمصالح


((قل: (إن كان: آباؤكم، وأبناؤكم، وإخوانكم، وأزواجكم، وعشيرتكم، وأموال اقترفتموها، وتجارة تخشون كسادها، ومساكن ترضونها؛ أحب إليكم من: الله، ورسوله، وجهاد في سبيله؛ فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، والله لا يهدي القوم الفاسقين *)). [(سورة التوبة، الآية 24)].


لكل شيء ثمن بقدره: فلا تولد حبة قمح، إلا إذا ضحَّت الشمس والأرض والهواء والماء... بشيء معادل لحبة القمح، ولا تسقط قطرة من المطر على نبتة، إلا ويتحرك السحاب والهواء والبحر... بمقدار ما تتطلبه حركة قطرة، ولا يكسب الإنسان شبعاً أو رياً أو غيرهما...؛ إلا إذا كان قد بذل جهداً مساوياً لما اكتسب.

وهنالك من يريد الله والرسول والآخرة، ولكن من دون أن يدفع شيئاً، وهذا... ما لا يكون. فالكون – كله – منتظم بمقاييس، لا تخطأ حركة ذرة أو خلية: فمن أحبَّ شيئاً، وأراد تحقيقه، عليه أن يضحي بشيء قد أحبه من قبل. ومن أحب ولم يضحِّ له بحب سابق، فقد برهن على أن حبه الأول أقوى، وأنه لا يريد تحقيق حبه الثاني.

وبما أن عاطفة الإنسان تتحرك قبل عقله، فهو يحب – بعاطفته – كل ما ألف من آباء وأبناء وإخوان... ثم يحب – بعقله – الله ورسوله والآخرة. فإذا لم يضحِّ بحبه العاطفي، كان حبه العقلي ضعيفاً لم يبلغ قوة المحاولة. فهو لا يستثمر ذاته حتى يتوقع نتيجة، وإنما ينتظر ما تمليه إرادة غيبية. ومعلوم، ما تمليه الإرادة الغيبية، لمن يتمسك بحبه العاطفي على حساب حبه العقلي.

وهذا... منشأ الصراع بين التجرد في التقييم والهوس في التقييم، أو بين الواقع وبين – ما تعودنا أن نسميه بـ – المصلحة. فللواقع أحكامه، وللمصلحة أحكامها، وكثيراً ما تتناقضان. ولا يمكن أن يتجاوب الإنسان مع الواقع: إلا إذا ألغى مصلحته، فالمصلحة تعني صلاح الوضع القائم، وما دام الإنسان أسير مصلحته لا يستطيع التغيير، ولا يوجد الأفضل إلا بتغيير. بل ما دامت المصلحة توجِّه الإنسان، يكون الإنسان مجرد إرادة لتصوراته القديمة، فيوجه كل وضع شيء إلى طريق مشابه للذي كان عليه أو أسوأ، فيوجه أناس – ضد أنفسهم وغيرهم – لمصلحتهم، ويظلون يتخبطون ويئنون ما لم يتحرروا من المصلحة.

والإنسان يحتاج – في حياته – إلى الاستقرار على ركيزة ثابتة، تلملم تلفتاته وبعثراته، وترد شذوذه وانعطافه؛ حتى ينفض القلق من أعصابه وتصرفاته. ولا يمكن أن تكون المصلحة هذه الركيزة، لأن المصلحة – ذاتها – قلقة متقلبة، فهي تحتاج إلى ركيزة تثبتها. بينما القيم المنطلقة من الإيمان بالله، يمكن أن تكون هذه الركيزة، لأنها ثابتة مستقيمة.

ثم: أن المصلحة إذا كانت قيمة تربك الحياة، لأنها تغري بالتزاحم، فالصراع، فيحتد التوتر، وتنفصم العلاقات التي بدونها يصبح كل فرد غريباً تائهاً، لا يجد من يطمئن إليه ويشاطره مشاعره.

ونقطة أخرى: إذا لبَّت المصلحة رغبة الفرد، بطر بها، فتجاوز على الآخرين. وإذا تنكرت المصلحة له، استبد به الشعور بالتفاهة، فاسترخص الحياة، ووضع لها حداً بالانتحار، فخسر رأس ماله.

فيما القيم المنطلقة من الإيمان، تقوم الحياة، فتنسق الأفراد في تلاحم عضوي صادق، فيأخذ كل عنصر حياتي حدوده، وينتهي التناقض.

فإذا سيطرت القيم على المصلحة، كان الالتزام والاطمئنان، وإذا سيطرت المصلحة على القيم، كان الانحلال، وتقننت الجريمة. فلا بد أن تبقى المصلحة موجهة بتوجيه القيم، وأن تبقى القيم سيدة إرادة الإنسان.

والآية، تأخذ بالخطوط الرئيسة للمصلحة، وتعمل لتركيزها في مكانها المناسب. وتأخذ بالخط الرئيس للقيم – وهو الإيمان –، وتعمل لإعطائه مكانه المناسب.

ومن جهة ثانية: تعمل الآية لفرز الأفراد، على ضوء مواقفهم، فلا بد أن يعلن كل فرد موقفه: فأما أن يقف في صف الإيمان، وأما أن يقف في صف المصلحة، ولا يمكن أن يضطرب بين الصفين، إلا إذا شاء أن يخسر الجانبين.

ومدرسة (أرسطو) تذهب إلى أن القائد الصالح، لا يصدر منه إلا الصالح، فلا يتصرف – في مجال النظام والشعب – إلا التصرف الصالح. ومتى التزم جانب الصلاح، يكون النظام والمجتمع صالحين، وهو يحميهما من الانحراف والانجراف. وهذه النظرية، بقيت – مع منافستها – في عالم النظريات والحوار البيزنطي: فالقائد الصالح، لا يعد منفذاً صالحاً ما دامت له مصالح ورغبات يجب تحقيقها، ولا يوجد نظام يحدده ويكشف ما له وما عليه، والأفراد والجماعات، لا يصلحون مشرعين – مهما حاولوا التحليق إلى المثاليات – ما داموا لا يستطيعون التحرر المطلق من مصالحهم ورغباتهم.

والحق – في هذا المجال – أنه: لا النظام الصالح وحده، ولا القائد الصالح وحده، يستطيع صياغة المجتمع الصالح. بل لا بد من تداعم النظام الصالح والقائد الصالح – معاً – في صياغة المجتمع الصالح. وهما لا يستطيعان ذلك، ما لم تحرسهما القوة المطلقة، التي لا تنتابها المصالح والرغبات.

أساس المجتمع الصالح


((هو الذي أرسل رسوله بـ: الهدى، ودين الحق. ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون *)).

[(سورة التوبة، الآية 33).


تختلف النظريات في تحديد أساس المجتمع الصالح: فمدرسة (أفلاطون) ركزت (المدينة الفاضلة) على أساس النظام الصالح، مدَّعية أن النظام الصالح يقود المجتمع وقادته إلى الصلاح، وأن الشعب – متى عرف النظام الصالح – يحرسه، ويراقب قادته، فيصون المجتمع من التأرجح والانهيار.

وهذه المدرسة فشلت، و (المدينة الفاضلة) بقيت حلماً إلى جانب النظرية التي انبثقت منها: فالنظام الصالح لو وجد، سرعان ما يشوهه القادة، بالملاحق التي يذيلون بها نصوص النظام. كما شوه الحكام الزمنيون وذيولهم، نصوص القرآن، بالتفسيرات المصلحية والأحاديث المختلقة.

ومن هنا... كانت الحاجة إلى التدخل الإلهي المباشر، في وضع النظام الصالح وحمايته، وتعيين القائد الصالح ورعايته.

وهكذا... كان التدخل الإلهي المباشر، بإرسال القائد، لا بتعيينه فقط. فالقائد الصالح يصمم عند الله، وعندما يكمل بناؤه يرسل لقيادة البشر. ويعبر عن ذلك، الرسول الأعظم بقوله: ((كنت نبياً وآدم بين الماء والطين))(23) ، كما تعبر عنه التعبيرات القرآنية: ((أرسل رسوله)). إذن: فالله ((هو الذي أرسل رسوله)).

وهكذا... كان التدخل الإلهي المباشر بإنزال النظام الصالح من عنده إلى البشر (بالهدى ودين الحق).ثم كان التدخل الإلهي المباشر، برعاية القائد الصالح. فالقائد البشري ـ مهما تسامى ـ يبقى قائداً بشرياً معرضاً للتأرجح، لولا الرعاية الإلهية:

((ولولا أن ثبتناك، لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً*))(24) . فكانت العصمة، شرطاً أساسياً من شروط القائد الأعلى.

وكان التدخل الإلهي المباشر، بحماية النظام الصالح. فالبشر – بتركيبته المعروفة – يحاول أن يعلو على كل شيء حتى لا يبقى عليه حاكم، فإذا ترك له النظام فإنه لا يترك النظام على وضع معين، فيكون النظام معرضاً للتجاوب مع كل تقلبات البشر:

((إنا – نحن – نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون *))(25). . فكانت الحماية الإلهية، شرطاً أساسياً من شروط النظام الصالح.

هكذا... أرسل الله الرسول شفعاً بالقرآن، ولم يكتف بأحدهما عن الآخر، ثم عصم الرسول وحفظ القرآن لتأسيس المجتمع الصالح.

ومن بعد الرسول، قام بدوره أهله الأطهار، وأعلن استمرار أهله بدوره قائلاً: (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي)(26).

وهكذا... أرسل الله القائد والنظام معاً، حتى يتكامل الحاكم المؤلف من شقَّي: القائد والنظام، ليكون الإسلام أقوى وأمتن من كل النظريات والمبادئ الحاكمة في المجتمع:

((ليضهره على الدين كله))، سواء أ كان مما يسمى ديناً أو مما يسمى نظرية ومبدأ...

((ولو كره المشركون*)) الذين لا يريدون الإخلاص لله، وإنما يشركون معه غيره من مصالحهم ورغباتهم، فيريدون أن يعبدوا الله وأنفسهم، ويكرهون أن يروا أنفسهم تحت سلطة حاكم كامل من شقَّي القائد والنظام.

الهجرة، والنبي، وأبو بكر


((إن لا تنصروه فقد نصره الله: إذ أخرجه الذين كفروا، ثاني اثنين إذ هما في الغار، إذ يقول لصاحبه: (لا تحزن، إن الله معنا). فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا، والله عزيز حكيم*)). [(سورة التوبة، الآية 40)].


- 1 -


((إن لا تنصروه)) أيها المسلمون! فلا تظنوا أنكم تخذلونه بتخليكم عنه، فانتصاراته ليست من صنعكم، وإنما هي من صنع القوة المطلقة، من صنع الله الذي زوَّده بقوة ((الحكمة))(27) في تصريف الأزمات، وبقوة (العسكرية السماوية): ((جنود لم تروها)). نصره في أحرج المواقف التي استبدت به في حياته. فهو منصور بالله، كنتم أو لم تكونوا حوله، والله الذي نصره يوم لم تكونوا معه، لا يتخلى عنه إذا تخليتم عنه. ((فقد نصره الله)) في أشد موقف يمكن أن يتصور، وكانت مواصفات ذلك الموقف كما يلي:

1- كان مشرداً من وطنه: ((إذ أخرجه الذين كفروا)) من مكة = موطنه: الذي سمع استهلاله وهو يعلن دخوله في حلبة الحياة. وشهد خطرات صباه وهو يسابق الريح، أو يتخطى الرقاب في جوار الكعبة حتى يطمئن إلى أحضان جده (عبد المطلب).

وسجل تلفتات فتوته وهو يرمي الأصنام المسندة فوق الكعبة بنظرات ازدراء حيناً، ويلف أسياد مكة الذين يرتعون في مقدرات الجماهير بنظرات عارمة حينا آخر، ويحتضن الجموع بالكوابيس والأغلال بنظرات إشفاق ثالثاً. وردد نبضات نبوته، وهي تخترق جدران السجون التي حصر الناس فيها مطامحهم، وتكسر الأغلال التي قيدوا بها مواهبهم...

إنه يودع – بحسراته الملتهبة المكظومة – موطنه الذي: روَّى رماله الظامئة بعاطفته الرقيقة، ونثر على روابيه المجندة حول الكعبة، ذكرياته وأفكاره وأحلامه؛ عن قيمة الإنسان، وكرامة الحق، وقدرة الإيمان بالله على الترفيع والتطوير. يترك – الآن – موطنه المفعم بأصدائه، بدون أبهة أو هيبة، مع أحد أفراده، بشكل متواضع لا يميزه عن صاحبه، حتى لو نظر إليهما ناظر لم يعرف لهما أولاً وثانياً، وإنما كل واحد منهما أحد اثنين، وكل منهما ((ثاني اثنين))، ماشيين على الأقدام، يخترقان الظلام، يختبئان في الهوينا، ويتوجسان في نقل أقدامهما، عبر الرمال المتقلبة والصخور المتعجرفة، تاركاً عنفوان الظلام. اتجه إلى الصحراء، تاركاً كل رأس ماله من الدنيا، وكل عدته لرسالته: (علياً – فاطمة) (عليهما السلام) في بيت، ترعاه شفرات السيوف كالأهداب على العين، فلا ينبض قلبه بومضة سيف حول قلبه، الذي حمل عاطفة قلبه وعصارة فكره: (علي – فاطمة) (عليهما السلام).

2- كان محصوراً – هو وصاحبه – في (غار ثور):

((إذ هما في الغار))، بعيداً عن كل أقربائه وأنصاره، قريباً من كل الاحتمالات، أعزل بلا زاد أو راحلة.

3- كان معزولاً، لا يجد حتى من صاحبه الذي معه، لا سلوة ولا كنفاً، وإنما كان صاحبه بحاجة إلى سلوته وكنفه:

((إذ يقول لصاحبه: لا تحزن))، فصاحبه حزين يشعر بأنه خسر كل آماله. وصاحبه لم يكن خائناً، وإنما كان حزيناً، لأن الخوف هو توقع مكروه لم يقع، والحزن هو التفجيع على مكروه قد وقع، فمن يخشى أن ينكل به عدوه فهو خائف، وإذا نكل به عدوه حزن على معاناته. وقد كان موسى بن عمران خائفاً (يوم الزينة) فقال الله له:

((لا تخف، إنك أنت الأعلى*))(28)، لأنه كان يخشى تنكيل (فرعون).

وكان صاحب النبي حزيناً في الغار فقال النبي له:

((لا تحزن، إن الله معنا))، لأنه كان يعاني خسارة ثمار جهوده السابقة. فما كان في موقف يهيئه لإسداء أي عون إلى النبي، وإنما كان النبي يجد نفسه مضطراً إلى اعتزال التفكير في نفسه، والتهيؤ لإسداء العون إلى صاحبه، وتذكيره بأن آماله التي تبخرت بمرافقة النبي لا تعني خسارة، فمع النبي كل شيء، معه الماضي الميت منشوراً في المستقبل المتحفز، فلا حزن مع النبي:

((إذ يقول لصاحبه: لا تحزن)) على ما فاتك، فـ:

((إن الله معنا))، وهو كل شيء.

في هذه الأزمة الخانقة، نصر الله نبيه، فأنزل عليه قوتين:

1- قوة روحية لمواجهة الأزمة بمعنوية أعلى من الأزمة:

((فأنزل سكينته عليه)) حتى يتصرف – هو – في الأزمة فيديرها كما ينبغي، ولا تغمره الأزمة فتحجب رؤيته، وتدفعه إلى اتخاذ موقف مترجرج.

2- قوة مادية دفعت (قريش) عن اقتحام الغار، بعدما تتبعت آثاره، واستهدت إلى الغار. ولعل فعل (العنكبوت) التي نسجت على فتحة الغار. وفعل (الحمام) الذي عشش وباض عندها؛ كانا من مظاهر نلك القوة المادية:

((وأيده بجنود لم تروها)).

وهكذا... ألقى الله خطة الكافرين على الماء، فأحبط تآمرهم، وأعلن أن إرادتهم ساقطة مهزومة:

((وجعل كلمة الذين كفروا السفلى)). وأما إرادة الله، فهي الإرادة العليا التي لا تطاول، مهما تكاتفت المكائد وتركزت: ((وكلمة الله هي العليا)) فلا يمكن أن ترجرج أو تهزهز.

((والله عزيز حكيم*)).


- 2 -


1- إعطاء الدور الثانوي للنبي الأعظم (ص) في لقطتين من لقطات هذه الآية، وإعطاء الدور الأول لصاحبه فيهما، رغم أن صاحب القضية هو النبي لا صاحبه؛ دلالة على أن القرآن أراد إبراز صاحب الرسول بهذه الصورة. فلقطات هذه الآية – كلها – مركزة على شخص الرسول:

((إن لا تنصروه))، ((فقد نصره الله))، ((إذ أخرجه الذين كفروا))، ((فأنزل الله سكينته عليه))، ((وأيده بجنود لم تروها)).

وهنالك لقطة مشتركة:

((إذ هما في الغار))، تمهيداً لانتقال العدسة إلى صاحبه. فارتكزت العدسة على صاحبه في داخل الغار:

((ثاني اثنين))، ((إذ يقول لصاحبه: (لا تحزن، إن الله معنا))).

فالهجرة هي قضية الرسول وحده، ليس لصاحبه دور فيها. فالعدسة – في: أصل الهجرة، ومقدماتها، وتوابعها – مرتكزة على الرسول وحده. ولكن في داخل الغار، حيث توقفت حركة الهجرة مؤقتاً، لتتابع المسيرة بعد استراحة المهاجر؛ فإذا بالعدسة تنتقل إلى صاحب المهاجر، لتظهره حزيناً على تحقق الهجرة، والنبي ينهاه عن حزنه، ويحذره فإذا النبي ثاني الاثنين وصاحبه أول الاثنين، وإذا للنبي دور المعزي والناهي والمحذر، وصاحبه صاحب القضية فهو حزين.

2- إن النهي عن الخوف، يدل على:

أن الحزن لم يكن على النبي، وتألب المشركين عليه، وإلجائه إلى الهجرة. لأن مثل هذا الحزن، فضيلة لا ينهى النبي عنها.

ولم يكن الحزن على تركه بلده وأسرته خلفه، وهجرته – هو – تحت تأثير شخصية الرسول، وأمره باتباعه. لأن الحزن على ترك البلد والأسرة، حزن مشروع أذن الله – تعالى – في القتال على أثره:

((أذن للذين يقاتلون، بأنهم ظلموا، وإن الله على نصرهم لقدير * والذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، إلا أن يقولوا: (ربنا الله)...))(29) ؛ فلا ينهى النبي عنه.

وعندما نجد أن النبي نهاه عن الحزن، وأقر الله نهي النبي فأثبته في القرآن؛ نعرف أنه كان حزناً غير مشروع يضع علامة الاستفهام على هذا الموقف من صاحب رسول الله. وإصرار القرآن على إبراز هذا الموقف، دون أن يكون موقفاً مشرفاً، يؤكد صحة علامة الاستفهام هذه.

3- أن تكتيك النبي في هجرته، يرتكز على انفراده بالهجرة. فلم يخبر أياً من المسلمين بهجرته، ولم يستصحب – معه – أحداً من المقربين منه. حتى (أبا ذر) الذي كان مع النبي ساعة هجرته، وخرج مع النبي من داره؛ لم يستصحبه الرسول، وإنما أبقاه في مكة، وسار في الطريق وحده. و (أبو بكر) بالذات، لم يخبره الرسول بنيته الهجرة، ولا طلبه لمصاحبته في هجرته. ولكنه، عندما فوجئ به في الطريق، استخدم تكتيكاً آخر، فاستصحبه، بينما لم يستصحب ـ حتى ـ (أبا ذر). وهذا التكتيك الجزئي المغاير لتكتيكه العام، يضع علامة استفهام جديدة على هذا الشخص بالذات.

4- النبي لم يكن حزيناً ونزلت عليه السكينة، وصاحبه كان حزيناً ولم تنزل عليه السكينة. رغم أن القرآن كلما ذكر نزول السكينة على النبي، عممها على من معه، كما عممها في قصة واقعة بدر:

((... فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين...))(30).

5- إن جملة ((إن الله معنا)): إن وردت بعد الأمر أو ما هو في مقام الأمر – كالتشجيع على شيء – كانت للتطمين، كما لو ورد (قاتل، فإن الله معنا) وأما إذا وردت ؟؟ النهي أو ما هو في مقام النهي ـ كالشفيري شيء للتحذير كما لو ورد لا تحزن فالله معنا أي لا ؟؟ فان الله معنا وهو يراقبنا ويسجل حركاتنا ويحاسبنا ويعاقبنا عليها وفي هذه س؟؟؟؟؟؟أو الانطلاق من هذا الحزن في تحرك كان النبي يوجس صدوره منه، ويمنعه من القيام به. وهذا... ما يضع علامة استفهام ثالثة على موقفه: لماذا كان حزيناً؟ وماذا كان النبي يتوجس منه؟

6- تكتيك النبي في هجرته؛ أن لا يطلع المسلمون على هجرته. وأن لا يستصحب معه أحداً، لما يلي:

أ‌) حتى لا يتسرب الخبر بمكانه؛ أو مسيره إلى الطريق، فيزعجوه.

ب‌) أن يبقى المسلمون في داخل مكة ليثيروا المشاكل الداخلية على المشركين، أو يكون وجودهم في مكة تهديداً بإثارتها، حتى لا يرتاح بال المشركين من الداخل، فيوجهوا قوتهم للقضاء على النبي – ومن معه – في الطريق. والمسلمون غير مستعدين لقتال، فإبقاء المسلمين داخل مكة نوع من إلهاء المشركين بالداخل، حتى لا يسهل لهم الهجوم على المسلمين في الخارج. ولم يستثن من هذا التكتيك عدا صاحب الغار، لسبب واحد هو: أن النبي فوجئ به في الطريق، ولم يكن وضعه كوضع أبي ذر، حتى يستطيع صرفه، والاستمرار في هجرته وحده، كما فعل بأبي ذر.


- 3 -


في ثلاث لقطات الأولى، العدسة مركزة على النبي (ص) والقضية هي قضية الهجرة، والمشاهد كما يلي:

- الرسول مطارد.

- الكفار يخرجونه من بلده.

- المسلمون يتخلون عن نصرته.

- الله يتدخل فينصره.

والرسول – في هذه المشاهد – هو البطل الذي تدور الأحداث من حوله، وله الدور الأول. وفجأة، وفي مضاعفات مشاهد الهجرة، تقفز قضية أخرى صغيرة ولكن حساسة، وهي قضية حزن صاحب الغار. فحجبت دور الهجرة، فتركزت العدسة عليه، وأعطي للنبي دور ثانوي، وجاءت المشاهد:

- يبرز صاحب الغار، فيكون أول الاثنين، ويكون الرسول ثاني الاثنين.

- صاحب الغار حزين، والرسول يعزيه.

- الرسول ينهاه عن الحزن.

- الرسول يعده بأن الله معنا.

وبعد ذلك، تعود العدسة والأضواء لتتركز من جديد على رسول الله:

((فأنزل الله سكينته عليه...))

وهنا... تتبادر أسئلة:

س:

1- على ماذا كان حزيناً؟

ج: لعله كان شريكاً في المؤامرة، فحزن على فشل المؤامرة.

س:

2- ما هو الذي يربط بين حزنه وبين قول النبي له – معزيا –: ((إن الله معنا))؛ والحزين لا يعزى بمثل ذلك، وإنما يعزى بمثله الخائف؟

ج: لعل النبي كان يريد أن يقول له: (إن أدوارك لا تنتهي بفشل المؤامرة، فلك جولات قادمة باسم الله والإسلام).

س:

3- صاحب الغار كان حزيناً والرسول معزياً، فلماذا أنزل الله سكينته على رسوله دون المعزى؟

ج: لعل حزنه كان يؤثر على مسيرة الهجرة، وتنقلب نتائجه على رسول الله الذي كان صاحب الهجرة، فطمأنه الله بأن المناورة بالحزن لن تؤثر على مجرى الهجرة.

الساقطون في التجربة


((فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا، وتزهق أنفسهم وهم كافرون *))

[(سورة التوبة، الآية 55)]


نعم... يريد الله ليعذبهم، ولكن نتيجة لسوء تصرفهم، فهي إرادة نتيجية لإرادة مبدئية. فأنت – يا محمد! – لا تتأسف عليهم، لأن الأسف على الشخص ينتج من استمرار الأمل فيه، وهؤلاء خرجوا من دائرة الأمل فقد سقطوا في التجربة، وقطعوا على أنفسهم خط الرجعة، وانتهى أمرهم – بإرادتهم – إلى الانغلاق كالمريض إذا مات، لا يداوى، لأنه انتهى.

الصدقة: صدق عملي

((إنما الصدقات لـ: الفقراء، والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل. فريضة من الله، والله عليم حكيم *)). [سورة التوبة: الآية 60].

(الصدق) هو الاستقامة الواضحة في: الحديث، أو في العمل، أو في غيرهما... فكل شيء لا التواء فيه ولا غموض، فهو صدق؛ حتى ولو كان جماداً: فالجدار المتداعي داخل مظهر قوي متين، جدار كاذب. والمتظاهر بواقعه، صادق. وإن كان الصدق يظهر – بسرعة أكبر – في الحديث منه في الأعمال والأشياء.

و (الصدقة) هي الوحدة الصادقة من العمل: فكلمة حق، صدقة. وكلمة علم، صدقة. وكل ما يقوم به إنسان تجاه الآخرين – إذا كان تعبيراً دقيقاً عما ينطوي عليه – صدقة...

فليست (الصدقة): يداً عليا مستطيلة ببخس العطاء، ويداً سفلى متوسلة بذل السؤال. إنما هذه... صورة مشوهة، يوحي بها سوء استعمال كلمة (الصدقة) في غير معناها النزيه.

الذنب واقع، يستدعي استغفاراً واقعياً


((استغفر لهم أو لا تستغفر لهم؛ إن تستغفر لهم سبعين مرة، فلن يغفر الله لهم. ذلك: بأنهم كفروا بالله ورسوله، والله لا يهدي القوم الفاسقين *))

[(سورة التوبة، الآية 80)]


- 1 -


(الذنب) ممارسة غير صحيحة من جملة ممارسات الإنسان. وكل ممارسة من ممارسات الإنسان، تخلع على كيانه المزدوج: الروحي والجسدي، أثرها. فكما أن كل طعام يتغذى به يولد فيه خلايا معينة، وكما أن كل هواء يستنشقه يوجد فيه تفاعلات محددة، وكما أن كل حركة يبعثها ترفد إليه طاقة خاصة...؛ هكذا.. كل ممارسة يباشرها تترك فيه أثرها الطبيعي.

وكما أن الأكل والاستنشاق والحركة، تنقسم إلى: صحية ملائمة للتركيب الكيمياوي للجسم، وغير صحية متنافرة مع التركيب الكيمياوي للجسم – حسب مقاييس الصحة –، كذلك الممارسات تنقسم إلى:

صحيحة ملائمة للتركيب المعنوي للروح، وغير صحيحة متنافرة مع التركيب المعنوي للروح – حسب مقاييس الشرع –.

وكما أن مقاييس الصحة لا تفرض أشياء وهمية، وإنما تنظر وقائع تفاعلات التركيب الجسمي؛ هكذا... مقاييس الشرع لا تفرض أشياء وهمية؛ وإنما تنظر وقائع تفاعلات التركيب الروحي.

وكما أن آثار الأعمال الصحية وغير الصحية، تبقى ثابتة في الجسم، ولا تزول بشتى المحاولات، ولكن قد تغطى وتستر؛ كذلك: انعكاسات الأعمال الصحيحة وغير الصحيحة، تبقى ثابتة في الروح، ولا تزول بشتى المحاولات، ولكن قد تغطى وتستر.

وكما أن الأعمال غير الصحية، تولد انحرافاً في الجسم نسميه بالمرض – الذي يعني تحطماً في الخلايا الحية للجسم –؛ هكذا... الأعمال غير الصحيحة، تولد انحرافاً في الروح نسميه بالذنب – الذي يعني تراجعاً إلى الذيل للروح –. فالذنب يؤدي إلى رجعية، تترك تخلفاً لا يمكن محوه، وإنما يمكن تغطيته فقط، وعملية التغطية هي عمليه الغفران. كما أن المخالفة الصحية تؤدي إلى صمود، يترك تخلفاً لا يمكن محوه، وإنما يمكن تغطيته فقط، وعملية التغطية هي عملية المداواة.

وكما أن الله – سبحانه – يشفي من الأمراض بالمزيد من الممارسات الطبية، التي تغطي آثار الممارسات غير الصحية؛ ونسميها بالمداواة؛ كذلك: الله – سبحانه – يهدي من الذنوب بالمزيد من الممارسات الصحيحة، التي تغطي انعكاسات الممارسات غير الصحيحة، ونسميها بالتوبة.

وكما أن هنالك خبراء في الجسم نسميهم بالأطباء، هكذا... هنالك خبراء في الروح نسميهم بالأنبياء.

وكما أن الله يشفي بعملية المداواة، لا بمجرد الندم على الممارسات غير الصحية، كذلك: الله يتوب بعملية التوبة، لا بمجرد الندم على الممارسات غير الصحيحة.

فالذنب والتوبة والغفران، ليست من المعاني الميتافيزيقية، وإنما هي وقائع في مجال الروح، تماماً... كالمخالفة الصحية ومراجعة الطبيب والمداواة، في مجال الجسم.

وكما أن الطبيب لا يستطيع منح الشفاء طالما المريض مصرٌّ على المخالفة، هكذا... النبي لا يتسنى له الغفران طالما المذنب مصرٌّ على المخالفة. فكيف إذا كان المريض مصراً على الانتحار، أو إذا كان العاصي مصراً على الكفر – الذي هو انتحار الروح؟؟!!

إذن: فالتوبة عملية التصحيح، لا كلمة: (تبت إلى الله)، ولا انحناءة ندم؛ كما أن الاستشفاء عملية التصحيح، لا كلمة؛ (عدلت عن المخالفة)، ولا صدمة مخالف.

والاستغفار عملية التغطية: لا مجرد: (أستغفر الله)؛ كما أن الاستشفاء عملية التغطية، لا مجرد: (أستشفي الله).

فالله يغفر ولا يغفر سواه. كما أن الله يشفي ولا يشفي سواه. وأمامه مجال الروح ومجال الجسد سواء، سواء في السلبيات أو في الإيجابيات، في المخالفات أو في الالتزامات. وعملية التوبة والاستغفار، عملية إيجابية، تماماً... كعملية المداواة والاستشفاء.

فالنبي مهما حاول غفران الكافر لا يتسنى له، كما أن الطبيب مهما حاول مداواة المنتحر لا يستطيع. لا لقصور النبي أو عجز الطبيب، وإنما لفقدان المشاركة المفروضة بين مصدر التوجيه ومورد التوجيه، تلك المشاركة التي أعلن القرآن حتميتها بقوله:

((... ولو أنهم – إذ ظلموا أنفسهم – جاؤوك، فاستغفروا الله، واستغفر لهم الرسول، لوجدوا الله تواباً رحيماً *))(31).

فاستغفار الرسول – وحده – لا يجدي، كما أن إرشاد الطبيب – وحده – لا يجدي. وهكذا العكس: فاستغفار العاصي – بدون توجيه الرسول – لا يكفي، كما أن استشفاء المريض – بدون إرشاد الطبيب – لا يكفي.

وبكلمة أدق: عملية الغفران من جملة الأعمال الكونية – في مجال الروح – والله تعالى جعل للأعمال الكونية نظاماً لا يخترقه. وهذا... يبدأ بتحرك الإنسان في الخط الصحيح، الذي ينتهي إلى الهدف الذي يحاوله، فلو انحرف عن ذلك الخط – عمداً أو خطأ – لا ينال هدفه:

فلو زرع وأخطأ الزراعة، أو صنع وأخطأ الصناعة، أو تاجر وأخطأ التجارة...؛ لا يحصل نتيجة من عمله، مهما توسل وتضرع إلى الله، لأن الله أتم حجته عليه عندما أوضح له سنته في الحياة.

هكذا... العمل الروحي – باعتباره جزءاً من الأعمال الكونية – فله خط لو انحرف الإنسان عنه، عمداً أو خطأ، لا ينال هدفه: فلو صلى وأخطأ الصلاة، أو جاهد وأخطأ الجهاد، أو زكى وأخطأ الزكاة، أو استغفر وأخطأ الاستغفار...؛ لا يحصل نتيجة من عمله، مهما توسل وتضرع إلى الله، لأن الله أتم حجته عليه عندما أوضح له سنته في الحياة. نعم... يحصل نتيجة التوسل والتضرع، ولكن تفوته نتيجة العمل الذي أخطأه.

وربما يشير – إلى نوعية معاملة الله للعباد الذين يتجاوزون سنته، ويضغطون على التوسل والتضرع، حتى يغير الله لهم سنته – حديث الإمام الصادق (ع):

(أربعة لا تستجاب لهم دعوة: رجل جالس في بيته يقول: (اللهم! ارزقني)، فيقال له: (أ لم آمرك بالطلب)؟!، ورجل كانت له امرأة فدعا عليها، فيقال له: (أ لم أجعل أمرها إليك)؟!، ورجل كان له مال فأفسده، فيقول: (اللهم! ارزقني)، فيقال له: (أ لم آمرك بالاقتصاد؟! أ لم آمرك بالإصلاح؟! ثم قال: ((والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا، وكان بين ذلك قواما *))(32)، ، ورجل كان له مال فأدانه بغير بينة، فيقال له: (أ لم آمرك بالشهادة)؟!) (33).

وقول النبي للأعرابي الذي لم يداو بعيره، معتذراً بأنه يداويه بالدعاء: (أضف إلى الدعاء شيئاً من القار)(34)، ،وقوله للأعرابي الآخر الذي أرسل بعيره، معتذراً بأنه تركه متوكلاً على الله: (اعقل وتوكل)(35)...

وإذا اتضح أن الجانب الروحي من الأعمال الكونية، كالجانب المادي من الأعمال الكونية؛ ظهر – بوضوح –:

أن من يطلب المغفرة بمجرد التوبة الشفوية، يشبه من يطلب الزرع بمجرد الزراعة الشفوية، وظهر: أن كل تغيير – روحي أو مادي – عمل، لا كلام. وأن دور الكلام، هو دور التعبير، لا دور التغيير. ويجهر القرآن بهذا الواقع:

((إلا الذين تابوا – من بعد ذلك – وأصلحوا، فإن الله غفور رحيم *)) (36).

فأنت – يا رسول الله! – لا تحاول في المحل غير اللائق فـ:

((استغفر لهم أو لاتستغفر لهم)) سواء، فأنت رغم ما منحك الله من قدرة عظيمة على التصحيح، ((إن تستغفر لهم سبعين مرة))، وتمارس سبعين لوناً من المحاولة، تذهب محاولاتك سدى، لأنها من محاولات في المحل غير اللائق، ((فلن يغفر الله لهم))، لعدم التجاوب من جانبهم.

ولا تقل أنا أحاول، ويكفيني – خدمة لهم – أنني حاولت، فلتكرس المرونة فيَّ بمحاولة حتى ما لا يتحقق من أجلهم، وليكرس التعنت فيهم برفضهم كل المحاولات الحميدة والبناءة المبذولة لخدمتهم فالمحاولات الحميدة للمتعنتين، تصور لهم أنك في مركز الضعف، وأنهم في مركز القوة. وجدير بمثل هذا الموقف، أن يزيد من تعنتهم.

ولا تقس موقفك من الكافرين، على موقف إبراهيم الخليل من عمه (آزر)، حيث استغفر له رغم كفره، لوجود الفارق من جهتين:

1- إن إبراهيم كان قد وعد (آزر) بالاستغفار له – في حالة خاصة، لحق سابق لآزر على إبراهيم، حيث تولى تربيته – فإذا كان إبراهيم لا يستغفر له بعد وعده إياه، كان إخلافاً منه بالوعد، وعقوقاً لمعنى الأبوة التي تمثلت فيه. وأنت لم تعد أحداً من الكافرين بالاستغفار له، لعدم وقوعك في حالة مماثلة:

((ما كان استغفار إبراهيم لأبيه)): عمه الذي تولى تربيته، فاعتبر أباه، ((إلا عن موعدة وعدها إياه ((37) .

2- إن إبراهيم عندما وجد التعنت من عمه، حدد من تعنته بقطع كل صلاته به، وفي قطع ابن الأخ صلاته بعمه ما يحدد من تغطرسه. وأنت لست قريباً من الكافرين، حتى يكون قطع صلاتك بهم أثيراً فيهم:

((فلما تبين له)): لإبراهيم، ((أنه)): عمه، ((عدو لله)) وسادر في غيه، ((تبرأ منه))(38) فقطع كل صلاته به.


- 2 -


س: – هذه الآية، ومجموعة من الآيات، تدل على أن استعداد المغفرة كان متوفراً في النبي لكثير من المنحرفين، ولكن الله كان يمنعه من الغفران.

مثل قوله: ((ولا تصل على أحد منهم مات أبداً، ولا تقم على قبره...)) (39). . ومثل قوله: ((ولا تقم فيه أبداً...))(40)...

فهل يعني ذلك، أن النبي أسرع مغفرة وأوسع رحمة؟

ثم: الشفاعة تعني، عدم وجود المبرر للرحمة من قبل الله لولا الشفيع:

((ولسوف يعطيك ربك فترضى *))(41). . فهذه... تدل على أن المغفرة لإرضاء النبي؟

ج: إن النبي (ص)، رحمة مهداة من الله إلى العالمين، فهو يمثل بعض رحمة الله. فالله يريد أن يرحم، ولكنه يريد أن لا يحطم المقاييس التي قررها للكون، فيوجد المبررات لإيجاد التطابق بين الرحمة والمقاييس. والنبي والشفاعة، من جملة تلك المبررات.

وهنالك حقيقة تساعد على بيان الموضوع، وهي: أن رحمة الله مطلقة لا يغيب عنها شيء، وبالمقابل عدل الله مطلق لا يغيب عنه شيء، وهذان المطلقان يلتقيان بمطلق ثالث هو حكمة الله، وهي التي تنظم الرحمة والعدل وفق المقاييس التي قررها بحكمته.

والنبي معلم البشرية جمعاء، ولكنه بحاجة إلى توجيه الله في تنظيم صفاته حتى لا تخرج من دائرة الحكمة، كما هو بحاجة إلى وحي الله في نطقه حتى يبقى خارج محيط الهوى:

((وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى*))(42).

فليس من حقه أن يستأثر بها أو أن يحتكرها، وإنما من حق المجتمع عليه أن يسيرها...

مدخل إلى الآيات


(من 81 إلى 96)


هذه الآيات تدور حول الذين يتهربون من مسؤولياتهم، ويتذرعون بأعذار. والأعذار لا تعدو أن تكون كلاماً، والكلام لا يغير شيئاً من الواقع. فبعد الاعتذار يظلمون – كما كانوا من قبل الاعتذار – مقصرين، والمقصر آثم. لأنه جمع بعضاً من طاقات المجتمع: الاقتصادية، أو السياسية، أو العسكرية، أو غيرها...؛ ولم تكن ملكاً له، وإنما كان شريكاً، بمقدار سعيه فقط، لا بمقدار ما جنى من مساعي الآخرين. فطالما شاءت الظروف أن يسيطر عليها، فليس من حقه أن يسيرها في مجاريها المتناسبة، إلى تحقيق أهداف المجتمع.

والمعذرون من الأعراب – إذ يحتكرون ما يستولون عليه من طاقات المجتمع، ويسخرونها لأنفسهم، ثم يمنعونها من المجتمع، صاحبها الحقيقي – هؤلاء... سراق، يسرقون طاقات المجتمع وأهدافه. فهم – في منطق القرآن – رجس:

((سيحلفون بالله لكم – إذا انقلبتم إليهم – لتعرضوا عنهم. فأعرضوا عنهم، إنهم رجس، ومأواهم جهنم؛ جزاء بما كانوا يكسبون *))(43).

ويستثني من المعذرين أربعة أصناف من الناس:

1- الضعفاء، وهم العجزة من الكبر.

2- المرضى، بالأمراض التي تقعدهم عن القيام بواجباتهم العامة.

3- الذين لا يجدون ما ينفقون.

ولكنهم معذورون، إذا كانت منطلقاتهم سليمة. فمع أنهم لم يتحركوا تحت القيادة الصحيحة للمسلمين، ولكنهم ظلوا معاً بمواهبهم الفكرية والبلاغية، فأعطوا ما يملكون من فكر وكلمة:

((ليس على: الضعفاء، ولا على المرضى، ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون؛ حرج إذا نصحوا لله ورسوله. ما على المحسنين من سبيل، والله غفور رحيم *)) (44).

فهؤلاء... لا يؤاخذون على قصورهم، لأنهم وضعوا مواهبهم تحت القيادة الصحيحة والإرادة العامة، ولكن مواهبهم كانت محدودة، ومحدودية المواهب ليست تقصيراً، بل هؤلاء... يصنفون في المحسنين، و ((ما على المحسنين من سبيل))، لأن طاقاتهم في الإحسان كانت قليلة.

4- الذين تحركوا بكل مواهبهم العضلية والفكرية، ولكنهم لم يحققوا هدفاً، لأن الموقف كان يستدعي طاقات أكبر:

((ولا على الذين – إذا أتوك لتحملهم، قلت: (لا أجد ما أحملكم عليه) ـ تولوا وأعينهم تفيض من الدمع، حزناً أن لا يجدوا ما ينفقون *))(45).

هؤلاء.. معذورون، رغم أنهم لا ينجزون شيئاً لأنهم من سقط التاج.

فالناس ثلاثة أقسام:

1- ينتج كثيراً، ولكنه يسيطر على قليل ويستهلك قليلاً.

2- ينتج كثيراً أو قليلاً، ولكنه يسيطر على أكثر مما ينتج، ويستهلك كثيراً أو قليلاً.

3- ينتج قليلاً أو لا ينتج، ولكنه يسيطر على أقل مما يحتاج.

فالقسم الثاني يأخذ الفائض من القسم الأول، فعليه أن يدفعه إلى القسم الثالث، حتى يسير المجتمع – كله – بأمان.

فإذا رفض أن يحمل القسم الثالث، فإن القسم الثالث يسخر – بفكره – القسم الأول: (العمال، والفلاحين، والطلبة...)، ويثوران على القسم الثاني، لإبعاده عن موقعه، وربما تصفيته.

المعذرون


((وجاء المعذرون – من الأعراب – ليؤذن لهم، وقعد الذين كذبوا الله ورسوله. سيصيب الذين كفروا – منهم – عذاب أليم *)).

[(سورة التوبة، الآية 90)]


للكائنات الحية سيرة حسنة في تطويق نقاط الضعف، وهي تركيز ما يمكن من الطاقات لإخراجها من منطقتها وإعادتها إلى منطقة القوة، ثم الاستغناء عنها إن فشلت المحاولة لعاهة قاهرة.

وهذه السيرة جارية في النبات، وحتى الجماد، ولكنها تبدو أكثر وضوحاً في الحيوان. فكلما تعرض عضو حيواني لإصابة، تفتحت الشرايين فيه، ونشطت حركة الدم ومشتقاته، وبدا العضو متورماً، في محاولة – بحجم الإصابة – لإزالة آثار الإصابة، وإنقاذ العضو من العطل. فإن استجاب العضو للمحاولة، وإلا سحب الجسم نشاطه، وأعلن استغناءه عن العضو الكسول، ورشحه لمبضع جراح يبتره. فالجسم الحي، لا يتحمل عضواً عاطلاً، يحسب عليه ولا يتجاوب معه.

وكما هي سيرة الكائنات الحية، فهي سنة الأمة الإسلامية، لأنها كيان حي تجري عليها سنن الحياة. فهي تركز على المستفيدين الذين يريدون الإسلام ملجأ يحتمون به، ولا يريدونه نظاماً يتحركون به.

ويختار القرآن – هنا – أسلوب تسليط الأضواء عليهم، لإسقاط الأقنعة التي يبررون بها كسلهم، وكشفهم للرأي العام، علهم يحتشمون أو يتهيبون من معاملة الرأي العام الإسلامي لهم كمحسوبين، فيعودون إلى الأمة كأعضاء منسجمين.

وعادة المستفيدين: أنهم من صميم الأمة عند الرخاء، ويختلقون الأعذار في الشدة.

فالأعذار المختلقة، لا تبرر الغيبة عن مقدرات الأمة وكما يريد أي فرد أن يشترك في المكاسب العامة، كذلك: تريد الأمة أن يشترك كل فرد في الضرائب العامة.

إذن فلا اعذار مختلقة في الإسلام، وهذه الآية ترفض الأعذار المختلقة.

وإذا أردنا أن نتبع سيرة الكائنات الحية، نجدها ترفض قبول الأعذار الواقعية: فالشجرة لا تمد الغصن المعطل بالغذاء، وتغري به مقص التشذيب. والجسد يهمل العضو المشلول، ويتركه للجفاف...؛ فهل يمكن أن تعترف أمة حية بأصحاب الأعذار، مهما كان نصيبها من الواقعية؟!

ويكفي الأمة الإسلامية إنسانية أنها تنظر في المعذرين، وترصد للصادقين منهم الصدقات. ولكنها لا يمكن أن تساويهم بغير المعذرين، وتبقيهم في أدوارهم. فالعذر يسقط صاحبه من دوره،أو يسقطه من الأمة.

إذن: فلا عذر مختلق في الإسلام.

المنافقون من الصحابة


((وممن حولكم من الأعراب، منافقون، ومن أهل المدينة. مردوا على النفاق. لا تعلمهم، نحن نعلمهم. سنعذبهم مرتين، ثم: يردون إلى عذاب عظيم *)).

[(سورة التوبة، الآية 101)]


((و)) جمع ((من أهل المدينة)) – كأهل أية مدينة أخرى – باعتبارهم مجموعة من البشر. وأية مجموعة بشرية، تبقى متنافرة المواقف من أية فكرة – جديدة أو قديمة –، مهما تناسقت وتظافرت عليها دواعي التناسق وعوامل التوحد، لأنها مؤلفة من البشر. والبشر مختلف المواقف من كل شيء، وإن اتحد غذاؤه الفكري، كما أنه مختلف الأشكال وإن اتحد غذاؤه الجسمي؛ تبعاً لاختلاف نواه الروحية كاختلاف نطفه المادية.

واختلاف النوى يؤدي إلى اختلاف النتائج، مع وحدة الموارد التي يتغذى بها. وكما يصح ذلك في النبات والحيوان – مع تعدد الأنواع – يصح ذلك في البشر مع تعدد الأفراد، لاختلاف تيارات الأرواح وتراكيب النطف. ونتيجة لاختلاف تيارات الأرواح وتراكيب النطف، فجمع من أهل كل مدينة – ومن ضمنهم أهل المدينة – ((مردوا)) وجبلوا ((على النفاق)). لأن الصراحة والنفاق سجيتان من السجايا البشرية المتنافرة، تبعاً لتنافر ذاتيات البشر وتياراته الروحية. فالمنافق(46) يجد – في ذاتياته – ما يريحه إلى الرقص على حبلين، كما أن المصارح يجد – في ذاتياته – ما يريحه إلى توحيد مخبئه ومظهره.

والمنافقون – عادة – أذكياء، لأن غير الأذكياء لا يستطيعون التفريق بين مخبأهم ومظهرهم، وينكشفون – بسرعة – إذا لبسوا قبعتين.

والمنافقون – عادة – يوظفون أقصى ذكائهم، حتى يغطوا عليك، فيحكموا عملية الالتفاف، ويظهروا أمامك بموقف يختلف تماماً عن موقفهم الواقعي وراءك، دون أن تكتشفهم.

فأنت – يا محمد (ص)! – ((لا تعلمهم))، ولا تكشفهم بذكائك البشري الطبيعي، الذي يفسر الناس على ظواهرهم، وينظر إلى الناس – جميعاً – بمنظار واحد. وإنما ((نحن)) – يقول الله تعالى – ((نعلمهم)). وأنت بحاجة إلى أن نسلط نحن عليهم الضوء = الإيكس، لترى ضمائرهم الغامضة، ومواقفهم الداخلية المعاكسة.

ونحن سوف لا نتركهم يلعبون بمقدرات الناس كما يحلو لهم، بل ((سنعذبهم مرتين)): مرة في الدنيا بكشفهم لك – وللرأي العام من خلالك –، وحبط خططهم الجهنمية التي طالما أرهقوا أنفسهم لتمريرها، وإسقاط اعتبارهم حتى يتجنب الناس منهم حتى فيما يصدقون، فيصبحوا منبوذين. وذلك: بإظهار نواياهم عبر كلمات وحركات تنفلت منهم، فتلقي الضوء على هويتهم المكتومة؛ كما قال الإمام علي (ع): (ما نوى امرؤ شيئاً إلا وظهر في: صفحات وجهه، وفلتات لسانه)(47).

ومرة في الآخرة، بجعلهم في الدرك الأسفل من النار(48).

شهيد المعركة، وشهيد خدمة


((إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون. وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله؟! فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك: هو الفوز العظيم *

التائبون، العابدون، الحامدون، السائحون، الراكعون، الساجدون، الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر، والحافظون لحدود الله. وبشر المؤمنين *)).

[(سورة التوبة، الآيتان 111 – 112)]


(الموت) هو انتهاء طبيعي لدورة الحياة، في هيكلية معينة من مركبات الأحياء. فيموت الإنسان، كما يموت الحيوان، وكما يموت النبات، بل وكما يموت الشهاب وتموت النجمة، وكما تموت الخلية، وكما تموت الصخرة بتفرق أجزائها، وكما تموت المركبات الصناعية، وكما يموت كل شيء مما خلقه الله... سواء في ذلك: المركبات المادية، والمركبات الطاقية. فلكل شيء أجل، إلا لخالق الأشياء، فهو خالق الآجال، فلا يحتويه أجل. ولا يمكن الهروب من الموت، لأنه من سنن الله في خلقه.

والموت بالنسبة إلى الإنسان على أقسام:

1- الموت الطبيعي. وهو الذي يحدث نتيجة لتعطل أحد الأجهزة الرئيسة في الجسم، لانتهاء قدرته الطبيعية على مواصلة العمل، وهو ما يسمى بالموت حتف الأنف.

2- الموت شبه الطبيعي وهو الذي يحدث نتيجة لتعطل بعض الأجهزة الرئيسة في الجسم، لعارض في الطبيعة العامة، يؤثر على الفرد، كالطوارئ الكونية من: الزلازل، والانفجارات، والانهيارات، والبراكين، والفيضانات، والحرق، والغرق، والحر، والبرد...

ويلحق بها: الأمراض، والآفات، والعاهات...

3- الموت = القتل. وهو الذي يحدث بدون إرادة المقتول، بل بإرادة القاتل. كالقتل الذي يقع بفعل الطواغيت، والحيوانات المفترسة.

4- الموت = الانتحار. وهو الذي يحدث بإرادة المقتول نفسه. سواء: أ كان بفعله هو، كتناوله المواد المميتة. أو بتعرضه لما يؤدي إلى قتله. كإلقاء النفس في التهلكة.

ويلحق به: ارتكاب الجرائم التي تؤدي إلى قتله ولو كان قصاصاً.

5- الموت = الشهادة. وهو الذي يحدث نتيجة لتحدي الظالمين، الذين يحاولون تغيير حكم من أحكام الله.

والقسم الأول: لا ثواب عليه، ولا فضيلة له. لأنه مجرد انتهاء، لا أكثر.

والقسم الثاني: يثاب عليه المقتول، لتحمله انحراف الطبيعة دون أن يكون له يد في ذلك الانحراف. ولكن لا فضيلة له، لأنه لم يستقبل الموت بإرادته.

والقسم الثالث: وإن كان يكفر عن ذنوب المقتول، لأنه ذهب كفارة ذنبه من حيوان أو إنسان؛ إلا أنه لا فضيلة له أيضاً لأنه ذهب بلا هدف.

والقسم الرابع: يعاقب عليه المقتول، لأنه تعاجز عن تحمل سلبيات الحياة، ورفض الحياة التي هي تحية الله إلى خلقه، وأهم عطية من عطاياه.

والقسم الخامس: يثاب عليه المقتول، وله فضيلة كبرى. لأنه أرخص حياته في سبيل تنفيذ إرادة الله في الأرض.

وهنا... نستطرد إلى ذكر أمرين:

1- الشهيد على قسمين، شهيد معركة وشهيد خدمة:

فشهيد المعركة، هو الإنسان الذي يراق دمه دفعة على أرض معركة، يتقابل فيها الحق والباطل من خلال جبهتين.

وشهيد الخدمة، هو الإنسان الذي ينفق دمه قطرة... قطرة... لأداء خدمة رسالية، من خلال بناء شخصية أو تثقيف جاهل.

وفي المعركة: الضحية شهيد، والبطل مجرم والمستفيد من الشهادة غيرهما ممن اعتبر بتلك الشهادة.

وفي الخدمة: الضحية شهيد، والبطل هو المستفيد من الشهادة، أي: ذلك الشخص الذي تلقى شخصيته أو ثقافته من الشهيد.

وشهيد المعركة وإن كان يقتل مرة، وشهيد الخدمة يقتل كل لحظة مرة؛ إلا أن المقصود من (الشهادة) الواردة في القرآن والسنة، هي شهادة، رغم أن بعض مصاديق شهيد الخدمة، قد يكون أفضل من شهيد المعركة، كشهيد (العلم الديني) الذي أشار إليه الحديث: (مداد العلماء، أفضل من دماء الشهداء)(49).

2- الشهادة تكون – غالباً – في مجتمع يتمزق ويتعذب، ويتحكم فيه الأغبياء، وتفرض معادلات القوة نفسها على مصائر الشعوب. فيندفع أصحاب القيم نحو الموت، ليشهروا منه سلاحاً على منطق القوة، واستبداد الأنانية. فتكون الشهادة تأكيداً للمعنى في مقابل المادة، وللعام الإنساني في وجه الخاص الحيواني.

والإنسان حين يحتضن هموم أمة وآمالها، لا يبقى هو ذاته، وإنما يتجاوز حدوده المادية، ومحاور الزمان والمكان، وعلاقات السبب والنسب، ويكبر... ويكبر... حتى يسع الأهداف التي حققها، ويتجرد ليدخل كل العقول والقلوب التي حرَّكها فيغدو رمزاً معبراً عن المعنى الإنساني في أنقى حالاته. وهذا... هو الخلود الحياتي.

فالخلود – في هذه الدنيا – أن يتحول إنسان أو حادث، إلى حقيقة دائمة التفاعل مع الناس، فيعودوا إليه كلما ألحَّ بهم القحط والجدب، فيلبي حاجة دائمة في العقل والقلب، ويرفد المطامح والآمال.

دروس من غزوة (تبوك)


((لقد تاب الله: على النبي،

والمهاجرين والأنصار، الذين اتبعوه في ساعة العسرة، من بعدما كاد يزيغ قلوب فريق منهم. ثم تاب عليهم، إنه – بهم – رؤوف رحيم *

وعلى الثلاثة الذين خلفوا. حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه. ثم تاب الله عليهم ليتوبوا. إن الله هو التواب الرحيم *)).

[(سورة التوبة: الآيتان 117 – 118)]


هذه الآية تعرض مضاعفات الأزمة وذيولها – من خلال الأزمة التي عصفت بالمسلمين في غزوة: (تبوك) – فأما مضاعفات الأزمة، فهي أن أية جماعة تتعرض لأية أزمة، تنقسم فيها إلى ثلاثة فرقاء:

1- فريق يمتص الأزمة، فيرشح للمكافأة.

2- فريق يستسلم للأزمة، فينهزم، فيرشح للعقاب.

3- فريق يتردد، فيرجف، ولكن لا ينهزم، فيرشح للعتاب.

وأما ذيول الأزمة، فهو تتلخص في مواقف القائد الأعلى من هذه الفرقاء الثلاثة:

فهل يكافأ الفريق الأول؟

وهل يعاقب الفريق الثاني؟

وهل يعاتب الفريق الثالث؟

والله – تعالى – يكافئ الفريق الأول، على سنته في مكافأة الحسنة بعشر أمثالها. ويفتح – أمام الفريق الثاني والفريق الثالث – باب الاعتذار، طالما كانوا نادمين على سوء نيتهم.

1- لأن الأزمة قد انطوت بفضل الفريق الأول، فلماذا خسارة هذين الفريقين؟

2- لأن فتح صفحة جديدة أمامهما، قد يساعد على محاولتهما محو العار الذي لحقهما، بأعمال إيجابية.

3- لأن تعريض الفريق الثاني للعقاب والفريق الثالث للعتاب، يؤدي إلى شقهما عن تلك الجماعة، وتكتلهما في جانب معاكس، وقيامهما بأعمال سلبية. خاصة: وإن هذين الفريقين يشكلان أكثرية الجماعة – غالباً –، لأن الصامدين قليلون، وليس هناك إلا المنهزمون والمترددون.

وفي معالجة ذيول الأزمة – بهذه الموضوعية الهادئة – توجيه تربوي للقادة، بعدم معالجة ذيول الأزمات بالعاطفة، وتوزيع العقاب والعتاب بالجملة.

- ((لقد تاب الله على النبي)). لم يخلق الله من هو أطوع من النبي لله، وهو خير صفوة الله من خلقه، وخير من رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكان النبي – منذ ميلاده – مرضياً عند الله، ولم يرتكب – في أي حين – ما يحجب مرضاة الله عنه. فمنذ كان، كان مغموراً بمرضاته تعالى وتحصيل الحاصل محال، فكيف تاب الله عليه؟

1- إن ((ساعة العسرة)) كانت تجربة جديدة للنبي، كما كانت تجربة لأصحابه، مع الاحتفاظ باختلاف مستوى التجربة: فتجربة النبي كانت تجربة القائد مع المقود. وتجربة أصحابه، كانت تجربة المقود مع القائد، لاختبار مدى ثباته أمام الزعازع. فالتجربة تكون لتصعيد المستوى: فهي بالنسبة إلى القائد، لتصعيد مستوى قيادته. وبالنسبة إلى المقود، لتصعيد مستوى انقياده. فلما تصرف النبي في ((ساعة العسرة)) كما ينبغي، وخرج من التجربة بنجاح؛ أزلفته إلى الله موجة جديدة من مرضاته تعالى.

2- صحيح أن الله كان راضياً عن النبي منذ ميلاده، ولكن بما أن (ساعة العسرة) كانت تجربة صعبة للمهاجرين والأنصار، وكان انقيادهم للنبي في هذه الساعة نجاحاً كبيراً لهم؛ أجازهم الله بجائزتين:

أ‌) رضاه عنهم.

ب‌) عرض رضاه عن النبي وعنهم في تعبير واحد، لإشعارهم بدقة تقييم الله لموقفهم. فكما وقفوا مع النبي في تلك الساعة، اعتبر الله نبيه أحد أفراد هذه المجموعة التي عبرت التجربة بنجاح، فأشملها الله برضاه عنها. ومن أقصى أنواع التكريم، أن يستعرض الله أعظم أنبيائه مع عدد من خلقه؛ لمرضاته تعالى. ومعنى ذلك: أنه فضلهم على هذه البلايين المتلاحقة من خلقه.

((و)) هل تاب الله على جميع ((المهاجرين))، وهم كل الذين هاجروا إلى (المدينة المنورة) ليكونوا مع النبي، سواء أ كانت هجرتهم من (مكة المكرمة) أو من غير مكة. وعرضهم الله بعد النبي مباشرة، لأنهم نجحوا في سابقة، هي تجربة (الهجرة)، فرضوا التضحية ببلادهم – وبكل ما يشدهم إليها من علاقات – من أجل إعلاء دينهم؟

((و)) هل تاب الله على جميع ((الأنصار))، وهم أهل (المدينة) الذين وضعوا تحت تصرف النبي أنفسهم – وكل ما لهم، وفي حوزتهم – لنصرة دينهم؟

كلا... وإنما تاب الله على ((الذين اتبعوه)): النبي، ((في ساعة العسرة))، من المهاجرين والأنصار، لا عليهم جميعاً. فكل عمل رتيب كدقات ثابتة، ينقل خطواته على أرض واضحة؛ تكون قيمته محدودة، ولا تبلغ مرضاة الله.

وأما العمل الإبداعي، الذي يرمي في مجاهل المستقبل الغامض لتطويره؛ فلا بد أن تتربص به أزمة في كل مخبأ: فإذا شق طريقه عبر الأزمات، تكون قيمته غير محدودة فتقابل بمرضاة الله. وإذا تقهقر بالهزيمة، عد خيانة كبيرة، تخفض معنويات المبدعين، الذين يسابقون الزمان.

وكل عمل حياتي، يعتمد على القلائل الذين يعرفون كيف يوظفون شحنات الأزمات في عزائمهم، ولا يعرفون انهيار المنهزمين. وهم – في كل عمل كبير – أفراد معدودون بأصابع اليد الواحدة – ربما –، وربما بأصابع اليدين، ولكنهم – غالباً – لا يتجاوزون هذا العدد. وهم المحرك والوقود، أما الجماهير التي تلتف حولهم: فليست أكثر من القشور والأوراق التي تلتف حول اللباب والثمر، وليست أكثر من الأشواك التي تحفظ الورود من الأفواه والأقدام؛ لا بد من وجودها:

1- لأن يكون للعمل حجم محترم، ووزن يبرر دخوله في الموازين.

2- لأن يكون لأولئك الأفراد العاملين أرضية وعمق. فالجماهير أرضية يمكن للعاملين أن يقفوا عليها، ويظهروا من خلالها – لأن العاملين أفراد مجهولون من الجماهير، تكتشفهم التجارب – والجماهير عمق للعاملين، تمدد وجودهم، وتوسع أفقهم في المناورات.

ولكن العاملين يبقون هم المحرك والوقود، اللذين بدونهما لا تجدي الجماهير، وهم الذين تاب الله عليهم.

((من بعدما)) تصاعدت الأزمة فانهزم من انهزم وتردد من تردد، حتى بلغ فعل الأزمة أن ((كان يزيغ قلوب فريق منهم)) عن أصل الإسلام.

وهؤلاء المنهزمون والمترددون، يشكلون القسم الفاشل في التجربة.

((ثم)) لما هدأت المشاعر، وسكنت خفقات الأرواح؛ لم يعرض المنهزمين والمترددين للعقاب والعتاب، وإنما ((تاب عليهم))، وقلب الصفحة، وفتح لهم صفحة جديدة، ((ليتوبوا))، فيثبتوا حسن نواياهم بأعمال إيجابية في المستقبل.

التقوى، والقيادة الصادقة


أرضية العمل الصالح

((يا أيها الذين آمنوا! اتقوا الله، وكونوا مع الصادقين *)).

[(سورة التوبة: الآية 119)]


- 1 -


لخط المؤمن الحياة جزءان:

1- التقوى من الله، بتنفيذ إيمانه في المجال العملي، لـ:

أ) أن الإيمان لا يحصر في القلب، وما القلب إلا جزء من الإنسان. فإذا آمن الإنسان آمن قلبه وآمنت جوارحه كلها، وإذا لم يؤمن الإنسان لم يؤمن – كله – قلبه وجوارحه. أما أن يؤمن قلب الإنسان ولا تؤمن جوارحه فقط، فمعنى ذلك تناقض الإنسان لنفسه، فكيف يمكن أن يؤمن القلب وهو قائد ولا تؤمن الجوارح وهي جنود؟ فإذا لم تؤمن الجوارح دلَّ على عدم إيمان القلب.

ب) أن الإيمان طاقة، فإذا لم تمارس تضاءلت وتلاشت، كأية طاقة في الإنسان: فالعلم إذا لم يمارس يفقد معالمه، والقوة البدنية إذا لم تمارس ترجع إلى الحد الأدنى، والذاكرة إذا لم تمارس تفقد فاعليتها... والإيمان إذا لم يمارس، أصابه الضمور.

ج) أن الإيمان ليس مجرد معلومات عن الله والكون والحياة، حتى يمكن أن يبقى قائماً بنفسه من دون تعبير عملي عنه. وإنما الإيمان نور يشرق في القلب، نتيجة للمعلومات الصحيحة عن الله والكون والحياة. وهذا النور إذا أشرق في القلب بصيص منه، يلزم تغذيته بالعمل الصالح، حتى يبقى ويقوى. وإذا انقطع عنه الإمداد العملي، وناقضه السلوك؛ خفت وانطفأ، وترك مكانه لظلام الكفر.

د) أن الإيمان كيف يمكن أن يكون في القلب ولا يتأثر به الإنسان في عمله؟! والإنسان يتأثر حتى بأبسط معلوماته:

فلو علم أن هذه المادة (سم) تجنبها، وإذا علم أن تلك المادة (دواء) تجرعها... وإذا خالف بعض معلوماته لمؤثرات متناقضة، فلا يخالفها باستمرار، ولا يخالف إذا تأكد من شدة الضرر وكثرة المنفعة، وإنما يتهاون في الأمور البسيطة إهمالاً لها، أما في الأمور الحاسمة فيحتاط، حذراً من أبسط مخالفة، ومن احتمال مخالفة. فكيف يمكن أن يكون الإنسان مؤمناً، ويعرف المخاطر الرهيبة والمنافع الهائلة، ثم يخالفها باستمرار؟! ومن أين ينبع العمل، إلا من القلب؟! فإذا كان القلب مؤمناً فكيف يوحي بالإجرام؟!

ولذلك ورد في الحديث: (الإيمان: تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان)(50). فمن أراد ان يكون مؤمناً دون لسانه أو دون أركانه، فليطمئن إلى أن الإيمان الواقع ليس في قلبه أيضاً، وإنما هو إيمان وهمي يتخيله، ليوقف تأنيب الضمير، من باب خداع النفس.

فالذي يقول: (نظف قلبك)، إنما يسوِّل لنفسه شيئاً لا يعترف به – هو – في أي مجال حياتي:

فإذا كان مديراً لدائرة، فهل رضى أن يكون موظفوه مخلصين له بقلوبهم ومخالفين له بأعمالهم؟!

وإذا كان رب بيت، فهل يقبل من أبنائه أن يتوددوا إليه ويناقضوه في كل تصرفاتهم؟!

وإذا كان صاحب معمل، فهل يوافق أن يكون عماله موالين له حتى درجة الفداء، و – في نفس الوقت – سراقاً مهملين كاذبين محتالين؟!

وإذا كنا لا نقبل ممن تحت أيدينا شيئاً، فكيف نريد أن يقبله الله منا؟!

ثم: كيف يمكن تنظيف القلب، إلا بالعمل؟! فإذا كانت الأعمال – كلها – نكراء قذرة، فبم ينظف القلب؟!، إن القلب يوحي بالعمل المناسب ويستلهم من العمل المناسب، فالتجاوب ثابت بين القلب والعمل، فإذا ساء أحدهما دلَّ على سوء الآخر، وإذا حسن أحدهما دلَّ على حسن الآخر، ولا يمكن فصل حساب أحدهما عن حساب الآخر، إلا إذا أمكن فصل المؤثر عن المتأثر، وتجزئة الدليل عن المدلول.

2- اتباع ((الصادقين)). فالصادقون الذين عينهم الله لقيادة عباده، يحصنون المؤمنين من الزلل والانحراف: فمن سار معهم، لا يتسرب إليه الهوى في تحديد الخط العام. ومن شذَّ عنهم، تملي عليه مصالحه خطاً، كلما سار فيه ازداد بعداً عن الخط السوي.

ثم: إن الالتزام بالخط القيادي جزء مهم من الدين، وربما يكون الجزء الأهم، كما توحي به مجموعة من الروايات.

فهذان الأمران: (التقوى، واتباع الصادقين)، يؤديان إلى النتيجة المرجوة، وهي صلاح الأعمال. والأعمال التي يصلحها (التقوى واتباع الصالحين) ليست الأعمال العبادية فحسب، وإنما هي أعمال الإنسان كلها، الدينية والدنيوية على حد سواء. ومن لم يصلح الدين دنياه حريٌّ به أن يعيد النظر في دينه، ومن لم يؤمن دينه دنياه الظاهرة الواضحة كيف يمكنه الاطمئنان إلى أن دينه يؤمن آخرته المستورة الغامضة؟!

أوليس في الحديث: (من لا معاش له لا معاد له)(51) ؟!

وقد قال أمير المؤمنين (ع): (إن المتقين أكلوا الدنيا بأحسن ما أكلت، وسكنوها بأحسن ما سكنت، ونكحوها بأحسن ما نكحت...)(52).

نفير معركة، ونفير فكرة


((وما كان المؤمنون لينفروا كافة.

فلولا نفر من كل فرقة – منهم – طائفة: ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم – إذا رجعوا إليهم – لعلهم يحذرون *)).

[(سورة التوبة: الآية 122)]


هذه الآية تصنف النفير إلى نفيرين: نفير معركة، ونفير فكرة. فالنافر إلى المعركة، يقاتل أذناب الشيطان، ليدافع عن نظام إيماني. والنافر إلى فكرة، يقاتل أشباح الشيطان، ليدافع عن عقيدة إيمانية. والنفير الأول يحتاج إلى كمال جسماني، والنفير الثاني يحتاج إلى كمال عقلاني. وإذا كان الكمال الأول متوفراً لأكثر الناس، فالكمال الثاني نادر ندرة العقلاء.

فلا يحق لكل المؤمنين أن يتطوعوا للقتال، كما لا يحق لهم – جميعاً – أن يتجندوا للعلم، وإنما هنالك مواهب ترشح للأعمال: فالذين يتمتعون بالكمال الجسماني، عليهم أن يتطوعوا لحمل السلاح. والذين ينعمون بالكمال العقلاني، عليهم أن يتجندوا للتبليغ والإنذار.

(1) سورة التوبة: رقم 9 الآية 5.

(2) سورة التوبة: رقم 9 الآية 12.

(3) سورة التوبة: رقم 9 الآية 13.

(4) سورة التوبة: رقم 9 الآية 30.

(5) سورة التوبة: رقم 9 الآية 3.

(6) سورة التوبة: رقم 9 الآية 34.

(7) سورة التوبة: رقم 9 الآية 37.

(8) سورة التوبة: رقم 9 الآية 14.

(9) سورة التوبة: رقم 9 الآية 1.

(10) سورة التوبة: رقم 9 الآية 28.

(11) سورة التوبة: رقم 9 الآية 31.

(12) سورة التوبة: رقم 9 الآية 1.

(13) سورة التوبة: رقم 9 الآية 4.

(14) سورة التوبة: رقم 9 الآية 7.

(15) سورة التوبة: رقم 9 الآية 2.

(16) سورة التوبة: رقم 9 الآية 5.

(17) سورة التوبة: رقم 9 الآية 3.

(18) سورة التوبة: رقم 9 الآية 5.

(19) سورة التوبة: رقم 9 الآية 11.

(20) سورة التوبة: رقم 9 الآية 6.

(21) سورة التوبة: رقم 9 الآية 3.

(22) سورة التوبة: رقم 9 الآية 13.

(23) بحار الأنوار – ج 16 – ص 402 – باب(12).

(24) سورة الإسراء: رقم 17 الآية 74.

(25) سورة الحجر: رقم 15 الآية 9.

(26) بحار الأنوار – ج 23 – باب(7) – ص 106 – 107 – 108.

(27) سورة النساء: رقم 4 الآية 113.

(28) سورة طه: رقم 20 الآية 68.

(29) سورة الحج: رقم 22 الآيتان 39 – 40.

(30) سورة الفتح: رقم 48 الآية 26.

(31) سورة النساء: رقم 4 الآية 64.

(32) سورة الفرقان: رقم 25 الآية 67.

(33) أصول الكافي، لثقة الإسلام الكليني: ج 2 / 370.

(34) انظر جامع السعادات: ج3 فصل اعقل وتوكل ص 228.

(35) عوالي الآلي: ج 1 ص 75 ح 149.

(36) سورة آل عمران: رقم 3 الآية 89.

(37) سورة التوبة: رقم 9 الآية 114.

(38) سورة التوبة: رقم 9 الآية 114.

(39) سورة التوبة: رقم 9 الآية 84.

(40) سورة التوبة: رقم 9 الآية 108.

(41) سورة الضحى: رقم 93 الآية 5.

(42) سورة النجم: رقم 53 الآيتان (3 – 4).

(43) سورة التوبة: رقم 9 الآية 95.

(44) سورة التوبة: رقم 9 الآية 91.

(45) سورة التوبة: رقم 9 الآية 92.

(46) كلمة (النفاق) مشتقة من النفق، وهو المسير تحت الأرض. والمنافق هو الذي عمل لنفسه نفقاً يسهل له التحول من موقف إلى موقف، فبينما هو يظهر لك – أمامك على الأرض – موادعاً، إذ هو مختبئ – خلفك تحت الأرض – متربصاً. فيما المصارح هو من لم يتخذ لنفسه نفقاً، فهو أمامك – دائما – مسالماً كان أو محارباً. م.

(47) نهج البلاغة، الجزء الرابع، ح25.

(48) هذه الآية تكشف عدم صحة ما ينسب إلى الرسول الأعظم – صلى الله عليه وآله وسلم – من أنه قال: (أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم). فالمقصود من (أهل المدينة) ليس اليهود، فهم يهود، وقد كشف الله مواقفهم في آيات أخرى. ثم: اليهود لم يكونوا منافقين، وإنما كانوا يهوداً لهم موقفهم ككتابيين، دخلوا في الذمة ولم يدخلوا في الإسلام. وإنما المنافقون هم الذين دخلوا في الإسلام ظاهراً ليكيدوا له واقعاً. ففي الظاهر: كانوا من صحابة الرسول – لأن الصحابي كل من رأى الرسول وسمع حديثه –، وفي الواقع: كانوا متآمرين على الرسول والإسلام معاً. م.

(49) بحار الأنوار: ج 2 ص 14 ح 26 – 35.

(50) المستدرك – ج 2 – ص 271.

(51) بحار الأنوار: ج 100 باب الحث على طلب الرزق ح 16 و 18 و 24.

(52) نهج البلاغة – صبحي الصالح – الكتاب(27).