الفهرس

التفسير وعلوم القرآن

الصفحة الرئيسية

 

(3)

۞ سورة آل عمران ۞

مدنية وهي مئتا آية

التأويل


{هُوَ الّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مّحْكَمَاتٌ هُنّ أُمّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمّا الّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللّهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلّ مّنْ عِندِ رَبّنَا وَمَا يَذّكّرُ إِلاّ أُوْلُواْ الألْبَاب}.

(سورة آل عمران: الآية 7)


(1)


التأويل من الأول، وكلمة (الأول) تعني الأصل: فأول الشيء أصله، وآل إليه عاد إليه. والتأويل ـ من باب التفعيل ـ هو التصريف إلى الأصل، والإعادة إليه. وتأويل الآية، إرجاعها إلى أصل فكرتها.

فالأفكار القرآنية، أفكار عامة واسعة المساحة. فهي تمسح ـ يومياً، وبشكل تطبيقي ـ كل الناس والأعمال والأحداث، وتعطي أحكامها ودلالاتها ـ اليوم ـ للأفراد والأعمال والأحداث، بالوضوح الذي كانت تعطي به أحكامها ودلالاتها للأفراد والأعمال والأحداث، في ربع القرن الذي تنزلت فيه.

وإن كانت اتخذت من الأفراد والأعمال والأحداث المعاصرة لنزولها أو السابقة عليه، مناسبات لنزولها ونماذج تصويرية وأمثلة لتطبيقها؛ ولكنها لم تتقولب بتلك الأفراد والأعمال والأحداث، وإنما استدرجتها إلى أهدافها العامة.

مثلاً: آية:

{وَنُرِيدُ أَن نّمُنّ عَلَى الّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِي الأرْضِ}(1)، وردت في عرض قصة (بني إسرائيل) حينما استضعفهم (فرعون). ولكن القصة لم تستطع احتواء مضمون هذه الآية، ولا استطاعت تأطير جملها. فبقيت عامة كاملة الصلاحية، للتطبيق على كل الجبهات المحقة المستضعفة بسلطة غاشمة. فبقيت هذه الجمل على عموميتها، كما لو لم تكن في عرض قصة معينة تتعلق ببني إسرائيل وفرعون.

ومن هنا نجد: أن الآيات كثيراً ما تجد في الأفراد والأعمال والأحداث التي تلي نزولها، مصاديق أدق انطباقاً عليها. كما وجدت هذه الآية أكمل مصاديقها في أهل البيت (ع)، فكانت إحدى المؤشرات إلى رجعتهم، وإحدى الآيات المؤولة إليها.

إذن: فالأفكار القرآنية ـ في حد ذاتها ـ أفكار عامة دستورية للأبد. ولكن صيغت بهذا الأسلوب المتحرك مع الأفراد والأعمال والأحداث المعاصرة لنزولها، أو السابقة عليه، لتكون جماهيرية متجاوبة مع كل ذوق. فتأويلها ليس أكثر من تخليصها من تلك الأفراد والأعمال والأحداث الماضية، وإعادتها إلى أصولها العامة الدستورية، حتى يتم تطبيقها الموضوعي على جميع الأفراد والأعمال والأحداث ـ الماضية، والحاضرة والمستقبلة ـ على قدم المساواة.

وهذا العمل الدستوري ليس في متناول كل فكر، وإنما يحتاج إلى: خبرة متضلعة، واستئناس بالمنهج القرآني، وتعمق متمرس في تناول شمولية الأفكار القرآنية.. فلا يعلم التأويل الصحيح إلا الله الذي أنزل القرآن، وإلا الراسخون الثابتون في العلم: الذين يعرفون كيف توجه الأفراد والأعمال والأحداث كلها إلى الله، ويعرفون كيف يتم تصنيفها جميعاً على ضوء الأفكار القرآنية، ويؤمنون بأن كل شيء من عند الله، ولا شيء يمكنه الهروب من حكم الله وقضائه:

{وما يعلم تأويله إلا: الله، والراسخون في العلم}(2).

ومن الطبيعي أن يكون الله الذي أنزل القرآن عالماً بكل شيء منه، ولكن ذكر الله ـ في رأس الذين يعلمون تأويل القرآن، بمثل هذه الصيغة الاستثنائية ـ إشعار بأهمية تأويل القرآن حتى لا يقتحمه غير أهله، وتكريم للراسخين. فهم يمثلون أكبر العقول البشرية، لأنهم يعرفون ما لا يعرفه غيرهم، إلا الله وحده. وهذا.. أفخم تأطير لهم.


ـ 2 ـ


1ـ التأويل، مصدر مشتق من مادة (أول). فتأويل شيءٍ من آيات القرآن، يعني إرجاعه إلى معناه الأول.

ذلك: أن القرآن، وكل كلام دستوري أو توجيهي ينزل من الأعلى، يتخذ من الأحداث الجماعية والأعمال الفردية منطلقات لإصدار حكم عام. فلا يتناول حدثاً معيناً، ولا عمل فرد خاص، وإنما يطلق الحكم لكل حدث له مواصفات معينة، وكل عمل له طابع خاص.

فذلك الحدث ـ المنطلق، الذي يحرك النص الدستوري أو البلاغ التوجيهي؛ هو أول ذلك النص أو البلاغ.

فتأويل آية، إعادتها إلى مبدأ انطلاقها. وبتعبير المفسرين: هو فهم (شأن نزولها). ويشهد بذلك تأريخ آيات القرآن.

2ـ إن آيات القرآن عامة تطلق على كليات. والكلي لا وجود له إلا في الذهن، وأما وجوده الخارج الذهني فبوجود (جزئياته): مصاديقه التطبيقية.

والقرآن لم يعالج تصورات طوباوية لا تطبيق لها إلا في الخيال، وإنما تنطبق كل آية في القرآن ـ كل يوم ـ على البشر وأعماله.

فتأويل الآية، تطبيقها على أجلى مصاديقها. ويختار لهذا التطبيق ـ عادة ـ أهل البيت (ع) وخيرة الصحابة: لأنهم عاشوا نزول القرآن، ولأنهم كانوا الأوائل الذين حركوا نزوله، ولأنهم المصاديق المثالية له.

المفهوم الواقعي للإسلام


{إن الدين عند الله الإسلام... }

(سورة آل عمران: الآية 19)


1ـ الله تعالى، يدين الناس كونياً ـ في الدنيا والآخرة سواء بسواء ـ حسب المقاييس التي يجمعها اسم واحد هو (الإسلام) فمحاسبة الناس تتم حسبه، لا باعتباره نظاماً شرع كمجرد التشريع ـ قد يحلو للبعض أن يفسر الدين بذلك ـ وإنما لأنه واقع. فهو علم بالسلوك الصحيح للإنسان ـ لا غير ـ تماماً. كعلم الطب، وعلم النفس، وعلم الحساب، وعلم الهندسة، وبقية العلوم.. فهي لم توضع لمجرد أن توضع، وإنما لأنها الواقع.

فالإسلام علم. والدين لا يعني إلا ما يدان به الإنسان ويحاسب كونياً. لأن المحاسبة في الدنيا والآخرة، محاسبة واحدة في مرحلتين من حياة الإنسان. لأن الإنسان واحد، {بلى قادرين على أن نسوي بنانه}(3)، والحياة واحدة، وخالق الدنيا والآخرة واحد.

ففي القرآن محاولات كثيرة، لتغرس في وجدان الإنسان، أن التشريع والتكوين جزآن من نظام واحد لا نظامان مستقلان.

ولعل قمة هذه المحاولات، هي مسألة التوحيد. فهي ليست مسألة مفروضة على الناس اعتباطياً أو أنانية، وإنما هي الواقع ولذلك: نجد القرآن يرجع الناس إلى الكون في هذه المسألة:

ـ {إِنّ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ الْلّيْلِ وَالنّهَارِ لاَيَاتٍ لاُوْلِي الألْبَابِ}(4).

ـ {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}(5).

ـ {فَانظُرْ إِلَىَ آثَارِ رَحْمَةِ اللّهِ كَيْفَ يُحْيِيِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ}(6).

ـ {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ}(7)...

إذن: فالكون يدل على التوحيد، وما يفهم من الكون ليس ديناً ـ بالمفهوم الذي يحلو للبعض أن يكون مفهوم الدين ـ.

وبالنسبة إلى الدين، نجد القرآن ـ أيضاً ـ يرجعنا إلى تجارب البشر للكون. وعندما يرجعنا القرآن إلى استيعاب تجارب الأجيال السابقة، إنما يحاول أن يركز في مفاهيمنا أن الدين علم تجريبي وليس حتى علماً نظرياً.

وما يستخلص من التجارب المتكررة، ليس ديناً ـ بالمفهوم الذي يحلو للبعض أن يكون مفهوم الدين ـ، وإنما هو دين بمعنى أنه يعاقب الإنسان بمناقضته، تماماً.. كنظام الجاذبية، وتماماً.. كنظام الحساب وسائر أنظمة الكون:

فكما أن الإنسان لو لم يعترف بنظام الجاذبية، فحاول أن ينتقل من سطح بناية إلى سطح بناية أخرى كما ينتقل الطائر ـ بلا وسائل ـ؛ فإنه يدان بنظام الجاذبية، ويحطمه النظام.

وكما أن من لم يعترف بنظام الحساب، فاعتبر أن 2+ 2= 5؛ فإنه يدان بنظام الحساب، فيتغلب عليه النظام، ويخسر.

وكما أن من لم يعترف بنظام الطب، فتناول السم؛ فإنه يدان بنظام الطب، وينتصر النظام عليه، فيموت.

وكما أن من لم يعترف بنظام الهندسة، فحمل القوائم أكثر من طاقتها؛ يدان بنظام الهندسة، ويعلوه النظام، فيخر عليه السقف.

وكما أن من لم يعترف بأي نظام من أنظمة الكون، يدان به، فيستمر النظام، وينهار هو...

كذلك: الدين مجموعة من المعادلات الكونية. فمن حاول التمرد عليه، يسحقه الكون، ويبقى الكون ومعادلاته.

فكل العلوم: دين يدين الله به خلقه، والدين: علم يشرح مقاييس الكون:

فمن ترك فريضة، لا يعاقبه الله، لأنه خالف الله فحسب، وإنما ترك الفريضة ـ ذاته ـ يعاقبه. كما أن من ترك التغذية يعاقبه ترك التغذية ذاته، وكما أن من ترك التنفس يعاقبه ترك التنفس ذاته...

ومن ارتكب حراماً، لا يعاقبه الله، لأنه خالف الله فقط، وإنما ارتكاب الحرام ـ ذاته ـ يعاقبه تماماً.. كمن تناول السم، أو طعن نفسه.

والأنبياء جاؤوا بالأديان لا ليفرضوا على الإنسان فرضيات، ولم يبعثهم الله لمجرد ممارسة ألوهيته، وإنما أرسلهم الله ليشرحوا له الحياة العامة ـ عبر الدنيا والآخرة ـ. فكما أتوا بجذور كل العلوم واللغات، هكذا.. أتوا بجذور الدين. وكما أن الإنسان تابع مسيرة الأنبياء في العلوم واللغات استجابة لحاجاته، كان عليه أن يتابع ذات المسيرة في الدين استجابة لحاجاته. ولكنه أهمل مسيرتهم في مجال الدين، لأن المعادلات التي نسميها بالدين أبعد من أحاسيسه اليومية ـ في أدلتها ونتائجها ـ من المعادلات التي نسميها بالعلوم واللغات.

يبقى سؤال: إذا كان الدين عبارة عن المعادلات الكونية، فالمجتمعات الدينية يلزم أن تكون بريئة من العقد والمشاكل. فلماذا كانت المجتمعات الدينية تشكو من العقد والمشاكل؟

والجواب: إن المجتمعات الدينية كانت بريئة من العقد والمشاكل بمقدار تمسكها بالدين، ومريضة بالعقد والمشاكل بمقدار انحلالها عن الدين. كما أن مجتمعات اليوم التي هي ـ بصورة عامة ـ مجتمعات صحية، تشكو من الأمراض، لا لأن علم الصحة غير واقع، وإنما لأنها لا تنفذ علم الصحة مئة بالمئة، فهي صحيحة بمقدار التزامها بعلم الصحة ومريضة بمقدار إهمالها لعلم الصحة.

ـ ويدل على ذلك: أن الإسلام ـ كمثال للدين الكامل ـ يعالج مشاكل الإنسان، ويلبي حاجاته، منذ انعقاده جنيناً وحتى تفرقه تراباً.

وإن كنا قد لا نفهم ـ بسرعة ـ معالجته وتلبياته للجانب الروحي من خلال العبادات، ولكن عدم استيعابنا ـ بسرعة ـ لدوافع ونتائج العبادات، لا يعني عدم مواكبة الإسلام للإنسان في مسيرته الأبدية عبر الحياة من خلال العبادات، أو أنه يحاول جر الإنسان إلى توجهات بعيدة عن مشاكله وحاجاته. فالبشر ـ على العموم، وخاصة: بشر اليوم المبهور ببهرجة الحضارة المادية ـ بعيد عن جانبه الروحي، لأن الجانب الروحي هو الجانب المظلم أو الغامض من الإنسان. ولأن البشر ـ على العموم ـ لا يعنى بمستقبله البعيد عنايته بيومه المعاصر أو القريب، وأكثر اهتمام العبادات بالجانب الروحي والمستقبل البعيد.

ـ ويدل على ذلك: أن القرآن يبدأ ـ مسيرته الفكرية ـ بـ(الله) في: {بسم الله الرحمن الرحيم} من سورة الفاتحة، وينتهي بـ{الناس} في سورة الناس؛ مما يبرهن على أن القرآن يساير البشر من بدئه إلى انتهائه.

ـ ويدل على ذلك: أنك لا تجد كلمة (الله) في القرآن إلا وتحسن استبدالها بكلمة (الناس) أو (الشعب) ـ فيما عدا الآيات الموجهة إلى الباري تعالى ـ، دون أن تفقد الآية دلالتها في المفهوم الديمقراطي.

فمثلاً: (في سبيل الله) قل: (في سبيل الناس)، أو (عند الله) قل: (عند الناس)، أو (لله خمسه) قل: (للناس خمسه)... مما يشير إلى أن الله ـ في أحكامه ـ لا يمارس حق ألوهيته، وإنما يمثل المصلحة العامة، ويمارس حق المجموع على الفرد، الذي هو ـ بحصته ـ من المستفيدين من هذه الممارسة، ومن أصحاب ذلك الحق الذي يفرض عليه وعلى غيره أداؤه، لتتحرك مصالحهم جميعاً إلى حاجاتهم جميعاً.

ـ من كل ذلك يمكن أن نفهم: أن الثواب والعقاب في الآخرة، يتمان كما يتم النجاح والفشل في الدنيا، إنهما من النتائج العادية لعمل الإنسان، وليسا من الأمور الفوقية، وحتى ليسا من نوع ثواب أو عقاب الإنسان للإنسان، وإنما من نوع حصاد النتائج فقط.

وربما يمكن أن نفسر الشفاعة بـ: أنها من نوع إعانة القوي للضعيف، وإمداد الناجح للفاشل. وليست: من الأمور الفوقية أيضاً، ولا من نوع (الوساطة) التي تكون في المجتمعات التي تشكو من عدم تكافؤ الفرص، ولا من نوع (المحاماة) للاطمئنان على أخذ العدالة مجراها.

ولذلك: نجد القرآن والحديث، يضعان للشفاعة حدودها ومقاييسها:

{وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَىَ وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ}(8)، {يَوْمَئِذٍ لاّ تَنفَعُ الشّفَاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرّحْمَـَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً}(9).

وفي الحديث النبوي: «يا فاطمة بنت محمد! اعملي، فأنا لا أغني عنك من الله شيئاً»(10)، «ائتوني بأعمالكم لا بأنسابكم»(11)، وعن الإمام الصادق (ع): «لا ينال شفاعتنا ـ أهل البيت ـ من استخف بالصلاة»(12)...

ـ وربما يمكن أن نفسر الاستغفار بـ: أنه تغليب الحسنات على السيئات، وانتصار نقاط القوة على نقاط الضعف، وأن الجانب الأقوى من الخير والشر في الإنسان هو الذي يتحكم في مصيره.

ـ وهذا.. لا يعني إغفال دور الله ـ فالله هو المصدر والمنتهى، وله الدور كله. لأنه الذي خلق الكون والإنسان، وخلق لهما نظاماً دقيقاً حكيماً، وهو الذي أراد أن يبقى هذا النظام سارياً، فبقي سارياً وهو يستطيع أن يخرقه متى يشاء، ولكنه لا يريد أن يخرقه إلا في حالات معينة تشبه الحالات الاستثنائية، وخرقه النظام هو (المعجزة) التي تتم على أيدي أنبيائه وأوليائه (ع) وهذه الحالات المعينة ـ هي بدورها ـ من ضمن النظام، كما أن مستثنيات كل نظام من ضمنه، وليست ثغرات فيه.

الأفضلية المحدودة، والأفضلية المطلقة


{إن الله اصطفى: آدم، ونوحاً، وآل إبراهيم، وآل عمران؛ على العالمين}.

(سورة آل عمران: الآية 33)


{إن الله اصطفى} وفضل {آدم} على الملائكة والإنس والجن والشيطان ـ في عهده ـ إلى نوح، فلم يبرز ـ في تلك الفترة ـ من آل آدم من يمتاز بدرجة الأفضلية. حتى الأنبياء الذين ظهروا في تلك الفترة، ما نالوا هذه الدرجة، التي تعين الأفضلية المطلقة على جميع الخلائق في تلك الفترة الطويلة جداً.

{و} اصطفى الله بعد تلك الفترة، {نوحاً} على العالمين، الذين عاصروا المدة التي انسحبت إلى عهد إبراهيم. ولم يظهر أطوال تلك القرون، من آل نوح أو من غيرهم، من يستحق درجة الأفضلية.

{و} أما في عهد إبراهيم الخليل، الذي تقدمت فيه تجارب الرسل وتعمقت المفاهيم الدينية؛ فلم يك إبراهيم ـ وحده ـ الأفضل، وإنما اصطفى الله إبراهيم وكوكبة كبيرة من {آل إبراهيم}، نالوا درجة الأفضلية على جميع الخلائق، الذين خلقوا في الفترة التي انسحبت من عهده إلى عهد موسى بن عمران.

{و} أما في عهد موسى بن عمران، حيث انتشرت المفاهيم السماوية وتأثر الكثيرون بالرسالات والرسل؛ فقد اصطفى الله موسى وكوكبة أكبر من {آل عمران}، على جميع الخلائق في الفترة التي انسحبت من عهد موسى بن عمران إلى عهد عيسى بن مريم. حيث وضع حداً لعهد موسى وبدأ عهد عيسى، الذي كانت له الأفضلية على جميع المخلوقات حتى عهد الرسول الأكرم. ولم يكن له (آل) حتى ينالوا درجة الأفضلية كآل إبراهيم أو آل عمران، أو لا ينالوها كآل آدم وآل نوح.

ودرجة الأفضلية ـ هذه تعني ـ تفوقاً نفسياً وفكرياً لا نستطيع تصورها: فأفضلية طالب على طلاب صفه، أو طلاب مدرسته، أو طلاب بلده؛ تعني الكثير. وأفضلية فرد على المشتركين في مباراة صفة جسمية أو فكرية، لسنة واحدة؛ تؤدي إلى حمله لقب: (بطولة العالم)، رغم أنه تفوق في خاصة واحدة على أفراد معدودين أتاحت لهم ظروفهم الاشتراك في مباراة. فكيف بالأفضلية العامة، ليس على المشتركين في مباراة، وليس على البشر فقط؛ وإنما في جميع الكمالات وعلى جميع الخلائق، عبر أجيال ممتدة أطوال قرون؟!

وهذه الافضلية ـ رغم أهميتها التي تفوق التصورات ـ تبقى محدودة إذا قارناها بالأفضلية المطلقة، التي تعني الأفضلية على جميع العالمين من الأولين والآخرين. أي: جميع الذي خلقوا أو يخلقون عبر الزمان في مجموعتنا الكونية.

وبانتهاء عهد عيسى بن مريم انتهت (عهود) الأفضلية المحدودة، فقد انتهت مرحلة الكمال النسبي وبدأت مرحلة القمة، مرحلة الكمال النهائي. فقد توفرت أقصى مؤهلات الارتقاء، وظهرت على الأرض أعلى القمم الروحية. فبدأ بعهد الرسول الأكرم عهد الأفضلية المطلقة، فكان النبي وآله أفضل الخلائق أجمعين من الأولين والآخرين، أي: لم يكن ولا يكون ـ في جميع من خلق الله: من الملائكة، والجن، والإنس، وغيرها من الخلائق المكلفين ـ أي فرد يتطاول على النبي وآله، أو يتساوى معهم في الفضيلة.

وقد يستوحش البعض ويقول: (كيف يمكن أن يكون محمد بن عبد الله (ص) ونفر من آله، أفضل من كل من خلق ومن يخلق)؟!

فمن الطبيعي أن يكون في كل مجموعة فرد أفضل، ولا بد أن يكون في مجموعتنا الكونية فرد أفضل. وماذا يثير الدهشة إذا أشارت أوساط الوحي إلى أن النبي محمد بن عبد الله (ص) هو الفرد الأفضل، ثم المعصومون من آله؟! فهم هم الواقفون على قمة المجموعة الكونية، ولذلك: حمله الله أعظم رسالاته، وكانت أمته {خير أمة أخرجت للناس}(13).

ثم: ما يبرر الاستيحاش؟ ألأن جسمه بشري؟ وماذا يمنع أن يكون أفضل خلق الله من البشر؟!

ولو لم يكن الرسول (ص) أكمل خلق الله، لكان الله ـ بمقتضى اللطف ـ يتابع رسله ورسالاته، حتى يرتفع الخلق إلى قمة كماله. فلما جعل محمد بن عبد الله (ص) خاتم رسله، والإسلام خاتم رسالاته؛ عرفنا أنه بلغ قمة الكمال، الذي ليس بعده في الخلائق مدى لكمال.

وهذا الكمال الذي نبحث عنه، هو الكمال في الخلق، الذي لا يخلو من نقص الخلق، أي: نقص (الإمكان). وأما الكمال الحقيقي على الإطلاق، فهو كمال الله. وكل كمال في الخلق، فهو من فيض الكمال الحقيقي على الإطلاق، أي: من فيض الله.

فاطمة سيدة مريم


{وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىَ نِسَآءِ الْعَالَمِينَ}.

(سورة آل عمران: الآية 42)


هنا.. سؤال تقليدي :ـ

س:ـ إن الله نص في القرآن على أن (مريم) سيدة نساء العالمين، فكيف تقولون أن (فاطمة) سيدة نساء العالمين؟

ج:ـ (العالمون) تشمل جميع المخلوقات العاقلة، التي فيها الذكر والأنثى، من الإنس والجن وغيرهما. وتكون المفاضلة في مرحلة واحدة، مثلاً: عندما يقال: (فلان.. سيد العرب)، فالمعنى أنه سيد العرب في مرحلته. أو: (فلان ملك الروم)، فالمعنى أنه في حين هذا القول. أو: (فلان.. أمير الشعراء)، أي: في ذلك الحين، وإن لم يكن قبله أو بعده كذلك.

فإذا قيل: (مريم سيدة نساء العالمين)، يعني في عهدها وهذا.. لا ينافي أن تكون لكل جيل نسائي، سيدة تفوق نساء العالمين في ذلك العهد.

كما لا ينافي أن تكون سيدة واحدة من سيدات الأجيال ـ سيدة عليهن أيضاً. وهذا.. يعني أن لكل جيل سيدة أولى، ولجميع الأجيال سيدة أولى.

وهذا.. ما عناه النبي (ص) عندما سئل: (أوليست تلك مريم بنت عمران؟)، فقال: «نعم.. تلك سيدة نساء عالميها، وأما ابنتي فاطمة: فهي سيدة نساء العالمين، من الأولين والآخرين)(14).

ويرشد إلى هذا المفهوم قوله تعالى ـ في معرض الحديث عن ثمانية عشر نبياً متنوعي الدرجات:ـ {... وكلا فضلنا على العالمين}(15)، فإنه يدل على أن كلاً منهم ـ في عهد ـ كان مفضلاً على العالمين، ولم يناف ذلك كون الرسول الأعظم أفضل العالمين، من الأولين والآخرين.

عطاء التجمع


{واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا... }

(سورة آل عمران: الآية 103)


الرغبة الدافعة إلى الشيء المرغوب فيه، تتدرج من الأدنى إلى الأعلى. ودرجة الرغبة في الشيء، تظهر في نوعية الأخذ به ضعفاً وقوة: فإذا كانت رغبة الإنسان في شيء ضعيفة تناوله، وإذا صارت رغبته فيه قوية أخذه، وإذا اشتدت رغبته فيه تمسك به، وإذا بلغت رغبته فيه دور العنف العاصف اعتصم به.

ومادة (عصم) تختص بالمقدسات، التي يولد الالتزام بها وازعاً داخلياً يوجه صاحبه توجيها يقيه التهور في المهالك، فيقال: (اعتصمت بالله)، لأن الالتزام به يولد العصمة عن الانحرافات الفكرية والمسلكية. ولا يقال: (اعتصمت بالمال، أو بالكرسي، أو بالشهرة...)، لأن هذه الأشياء لا تولد الاستقامة العاصمة في الراغب فيها.

{و} هكذا.. أيها المسلمون! {اعتصموا}، ولا تأخذوا مجرد أخذ، بل خذوا بأقوى درجات الأخذ القداسي: {بحبل الله}. وحبل الشيء كل ما يوصل إليه، استعارة من حبل السفينة الذي يلقى به إلى الغرقى لانتشالهم إليها. وحبائل الصياد، شبكته التي توصل الطيور أو الأسماك إليه. وحبائل العنكبوت، تصيد صغار الحشرات لها. وحبائل الشيطان، المغريات...

فحبل الله، رسالات السماء التي توصل إليه.

ومن هنا.. كان القرآن حبل الله الممدود بين السماء والأرض لأنه يجسد رسالات السماء إلى الأرض.

فاعتصموا به {جميعاً}، لأن الاعتصام الجماعي هو الاعتصام الصحيح. وأما الاعتصام الفردي فهو اعتصام باهت، لا عمق فيه، ولا شعاع له، ذلك:ـ

1ـ إن الاعتصام هو الأخذ القوي الذي يولد العصمة الداخلية، والناس العاديون لا تتولد لديهم العصمة بمبدأ ـ مهما كانت أصالته، ومهما قوي إيمانهم به ـ ما لم يدعمه روح الجماهير. فالناس، وخاصة: العاديون منهم يتفاعلون مع الروح الجماعية تفاعلاً عميقاً، يطغى حتى على الإيمان الفردي في كثير من الأحيان.

وأما الأفراد القلائل الذين يواجهون الجماهير بإيمانهم الفردي، فأولئك هم الأنبياء والمصلحون، الذين تختلف تركيبة نفوسهم عن تركيبة النفوس العادية. وحتى أولئك، لا منجى لهم من التفاعل مع الروح الجماعية، ولكنهم لم يعطوها أكثر مما يأخذون منها، فلا يسقطون تحت وطأتها، وربما ينتشلونها من مصرعها.

وهذا.. يعني أن تفاعل الناس مع بعضهم قائم،غير أن العبقري يؤثر أكثر مما يتأثر، وغير العبقري يتأثر أكثر مما يؤثر. وطالما المسلمون ليسوا عباقرة ـ جميعاً ـ فعليهم أن يتفقوا على الأخذ بحبل الله جميعاً، ينصب الإيمان والروح الجماعية ـ معاً ـ في اتجاه حبل الله، حتى يكون لهم اعتصام به. وأما إذا تفرقوا، وفارقتهم الروح الجماعية؛ فلن يكون لهم اعتصام به. حتى لو اتجه كل من موقعه إلى حبل الله، لأن الإيمان ـ وحده ـ لا يحرك كل الناس، حتى لو لم يكن هنالك تناقض.

وأما إذا حدث التناقض، فكان الإيمان في جبهة والروح الجماعية في جبهة؛ فإنها تجرف أكثر الناس، كما تفعل التيارات الحديثة ـ رغم تحجرها ـ بالشعوب، لأنها تحارب الواقع والفكر بالغوغاء.

2ـ إن لكل شيء حجماً محدوداً أو فاعلية محدودة، سواء أكان وحده أم كان إلى جانب، مثاله: فالطن الواحد من الحجر يبقى طناً واحداً من الحجر، سواء أكان معزولاً عن بقية الأحجار أم في ضمن جبال همالايا. ورقم الـ(5) يبقى (5)، سواء درسناه وحده أم مضموماً إلى رقم آخر كان(5) أو غيره. وعشرة عقول إلكترونية، لا تزيد على عقل إلكتروني واحد مكرراً عشر مرات... فالجمع في الأشياء ـ كلها ـ يضمها إلى بعضها، ولا يزيدها شيئاً، إلا في الإنسان، فإن الجمع يزيدهم، وربما يفيد مؤدى الضرب المكعب: فالخمسة من الأفراد ـ مجتمعين ـ قد يعملون عمل مئة وخمسة وعشرين فرداً، وقد يعملون عمل الأكثر من هذا العدد، وخاصة: في مجال الأعمال المعنوية، حيث أن كل فرد يتقمص روح الجماعة، فيؤدي عمل الجماعة، ويتأثر بحجم الجماعة.

ومن هذا النوع تكون الأعمال الإيمانية، التي ليست حواراً ولا حركات ولا تمتمات... بمقدار ما هي تفاعلات روحية بعيدة الأغوار.

ومن هنا.. كانت الأعمال الإيمانية في الإسلام جماعية: كالصلاة، والصيام، والحج...

ومن هنا.. نجد ثواب الصّلاةيرتفع ارتفاعاً هائلاً بارتفاع عدد المشتركين في الجماعة، حتى لا يحصيه إلا الله ـ كما في بعض الأحاديث ـ.

الطليعة القائدة


{وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

(سورة آل عمران: الآية 104)


1ـ الذي يتصدى لتوجيه الآخرين لا بد أن يكون فوق الآخرين وإن لم يكن بالفعل،فإن هذا التصدي يلقنه ذلك.

وهذا التلقين، يحرك أقصى مواهبه ليكون ذلك بالفعل. وإن لم تساعده مواهبه على أن يطوي المدى إلى القمة: فإنها تطلق مداه وتدفعه إلى قمته.

2ـ المحيط هو المرشح الطبيعي للتأثير على أبعاضه، لأن رصيده واسع ومنتشر يرفض الاحتواء. فكل كثير، يحافظ على أصالته ويظهر حواشيه باستمرار:

فالبحر يتابع تياراته العميقة للمحافظة على معادلاته، ويواصل أمواجه السطحية لتطهيره من العناصر الغريبة التي يصدرها إليه البر.

والجو يوالي رياحه لترميم العطل والخلل الذي يطرأ على:

الأوكسيجين، أوالهيدروجين، أو أي عنصر آخر من عناصره.. على أثر الاستهلاكات والانفجارات... ولا يدع معادلاته تصاب بأي سوء.

وهكذا.. كل محيط.

وإذا خالف جزء محيطه، فهو يواجه أحد مصائر ثلاثة :ـ

أ:ـ إما أن يتأثر بالمحيط، ويتخلى عن خلافه، فيتطبع معه.

ب:ـ أو أن يرفضه المحيط، ويلفظه مع الأجسام الغريبة بعيداً عنه.

ج:ـ أو أن يتأثر به المحيط، ويبدأ في التجاوب معه، حتى ينقسم المحيط، وتستمر الأجزاء الحدودية في تقلبات التأثير والتأثر، إلى أن يتحول المحيط كله إلى حالة الجزء المخالف، وتنتهي تقلبات التأثير والتأثر.

ولا تتم الحالة الثانية أو الثالثة، إلا إذا استند الجزء المخالف إلى رصيد أقوى من رصيد المحيط.

مثلاً: الماء سائل بالطبع، ولكنه يحتاج إلى بعض درجات الحرارة للمحافظة على طبيعته السائلة، فإذا تجمد جزء من الماء على أثر انعدام الحرارة فيه، فلا يجمد البحر ـ بعضه أو كله ـ إلا إذا كان رصيده من البرودة أقوى من رصيد بقية ماء البحر من الحرارة.

3ـ الفرد في المجتمع يشبه الجزء في الكل فإذا خرج عليه في اتجاه الخير أو الشر، فسرعان ما يتطبع بالمجتمع، إلا إذا كانت نسبة معنوياته أعلى من نسبة معنويات المجتمع. ومدى ارتفاع مستوى معنوياته، هو الذي يحد نطاق تأثيره.

4ـ الشعب يلد القائد كونياً، بمعنى أنه من الشعب. ولكنه لا يستطيع أن يقود الشعب إلا إذا كان يتمتع بدرجة عالية من المعنويات تفوق كل ما يتفرق في الشعب من عوامل معاكسة. وبهذا المعنى، فالقائد هو الذي يلد الشعب، أي: يؤثر فيه، ويقوده في اتجاه هدفه.

مواصفات الأمة الاسلامية


{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}

(سورة آل عمران: الآية 110)


ـ 1 ـ


{كنتم} ـ أيها المسلمون! ـ بمقتضى تصميمكم {خير أمة}.

و(كان) ـ في مثل هذا الاستعمال ـ لم ينسلخ عن الماضوية ولم ينف الفعلية، فليس معناه أنكم الآن لستم خير أمة، كما أنه لا يعطي الدلالة على أنكم الآن خير أمة. وإنما معناه أن التصميم الذي صممه الله لكم تصميم لخير أمة: فإن تقمصتم ذلك التصميم فأنتم خير أمة، وإذا ابتعدتم عنه ـ بعد غيركم عنه ـ كنتم إحدى الأمم، وإذا ابتعدتم عنه ـ أكثر من غيركم ـ كنتم شر أمة.

كما أنه قد يوضع أفضل تصميم لآلية طائرة، فيقال: (هذه.. أفضل طائرة) ـ بمقتضى تصميمها ـ. فإذا خرجت متطابقة لتصميمها كانت ـ بالفعل ـ أفضل طائرة، وإذا لم تحمل مميزات تصميمها كانت إحدى الطائرات، وإذا فقدت حتى الشرائط المتوفرة في سائر الطائرات كانت شر طائرة.

وبهذا المعنى قد يفسر (كان) في قوله تعالى:

{... وكان الإنسان عجولا}(16).

فمعناه أن الإنسان بمقتضى تصميمه البشري عجول: فإذا بقي إنسان في مستوى تصميمه البشري كان عجولاً، وإذا ارتفع على مستوى تصميمه البشري كان صبوراً، وإذا انحدر عن مستوى تصميمه البشري كان هلوعاً كالمنتحر.

فيا أيها المسلمون! لقد وضع الله لتنظيمكم الأممي أرقى تصميم في الحياة، فأنتم بمقتضاه لا خير أمة فحسب، وإنما {خير أمة أخرجت للناس}. لأن لكل شيء نمواً عادياً يسير به نحو كماله، وهذا العادي ناتج من الزخم الداخلي الذي جعله الله فيه، وذلك الزخم الداخلي يحدد كمية نموه وكيفية نموه، فمثلاً:

الزخم الداخلي للبعوض محدد ببلوغه حجماً معيناً هو حجم البعوض، وبعمر أقصاه أقل من أسبوع.

فيما الزخم الداخلي للبقرة محدود بحجم البقرة، وبعمر عشرات السنين.

والزخم الداخلي لنبتة القمح مقدر بساق قصير ضعيف لا يحمل إلا عدة سنابل، وعمر أقصاه ستة أشهر.

بينما الزخم الداخلي لبعض الأشجار كالأرز، والجنار... مقدر بساق وأغصان صلبة ضخمة، وعمر مئات أو ألوف السنين...

وهكذا... لكل شيء زخم معين يحدد كل أوضاعه، ويجعل تلك الأوضاع بالنسبة إليه عادية: فإذا عاش شيء بأقل من أوضاعه العادية، فلا بد أن طارئاً استنزف زخمه، كما لو زرعت شجرة كبيرة إلى جانب أخرى ضعيفة؛ فلأن الأولى تمتص الثانية.

وإذا عاش شيء بأكثر من أوضاعه العادية، فلا بد أن طارئاً أقدره على امتصاص زخم شيء آخر، كما يحدث ذلك ـ بشكل واضح ـ في التربة بالتلقيح والتسميد...

ومهما تظافرت الطوارىء السلبية أو الإيجابية، يبقى لكل شيء فلك معين من النقص والكمال لا يستطيع الخروج منه: فالبقرة لا تصبح بعوضة، ونبتة القمح لا تصبح أرزة... وإذا خرج شيءٌ عن مداه المعتاد ـ إيجابياً أو سلباً ـ فلا بد أن الإرادة الإلهية قد تدخلت في إخراجه من مدى فلكه ـ وهي المعجزة ـ.

وكما لكل شيء، كذلك للبشر زخم معين في سيره التكاملي، فأقصى تقدم كل جيل: خطوة أو بعض خطوة. ومهما تناصرت المؤهلات العادية على دفع جيل معين إلى الأمام، فإنه لا يمكن أن يتقدم خطوتين. بل البشرية كلها، عبر كل أجيالها، لم تتقدم إلا ثلاث خطوات ـ حسب التفسير المادي الوهمي للحياة ـ: خطوة من الغاب إلى الزراعة والإقطاع، وخطوة من الزراعة والإقطاع إلى الصناعة والرأسمالية، وخطوة من الصناعة والرأسمالية إلى الاشتراكية والجماعية في الحكم.

فإذا وجد جيل واحد، قفز من فوق كل هذه الخطوات، ووصل إلى ما لعل البشر يصل إليه بعد قرون من هذا التاريخ، وهو الإسلام: فأكمل نظامه في أقل من عمر جيل، وأسس ـ في أقل من ربع قرن ـ أكبر دولة في التاريخ، بسطت ظلها على أوسع رقعة من الأرض حكمتها دولة واحدة حتى الآن، واستمرت ثلاثة عشر قرناً...؛ فإذا أوجد جيل قفز من البداوة البدائية إلى الدولة الإسلامية الكبرى، فلا بد أن الإرادة الإلهية تدخلت في إخراجه من مدى فلكه بصورة معجزية، وإلا فالزخم البشري لا يتيح لأي جيل أن يتقدم أكثر من خطوة.

فالأمة الإسلامية لم تخرج ـ بطاقاتها ـ من تحت ركام التخلف إلى النور، وإنما أخرجها الله.

والأمة الإسلامية ليست الأمة الوحيدة التي أخرجتها الإرادة الإلهية من ظلمة التخلف إلى النور، وإنما أخرج الله ـ قبلها ـ أمة (نوح) من ظلمة الانغلاق القاتل: فعلم كل فرد منها لغة اللغات، ووجهه إلى تشييد حضارة تركت آثارها للتاريخ. وأخرج الله ـ قبلها ـ أمة (إبراهيم) من ظلمة عبادة الأحجار، ووجهها إلى تفهم قيمة الإنسان، حتى استعلت على الأحجار المنحوتة. وأخرج الله ـ قبلها ـ أمة (موسى) من ظلمة عبادة البشر، والاستسلام لـ (الفراعنة)، ووجهها إلى الثورة على حاكم يتخذ السلطة وسيلة للتسخير والاستعباد. وأخرج الله ـ قبلها ـ أمة (عيسى) من ظلمة عبادة المال والنفس، ووجهها إلى تقدير كل شيء بقدره، ووضع كل شيء في موضعه. وأخرج الله أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم ) من كل هذه الظلمات ـ وغيرها ـ مجتمعة، ووجهها إلى نور التقدم اللائق، الذي تنهار أمامه الحواجز والعقبات، وتتضح أمامه آفاق تطل على آفاق، فكانت خير أمة {أخرجت} من الظلمات كلها.. إلى النور كله..

والله ـ تعالى ـ لم يخرج هذه الأمة من الظلمات إلى النور، لتنعم وحدها بالنور، وإنما أخرجها {للناس} كافة، حتى تقود البشرية ـ جمعاء ـ في كل مظهر من مظاهر التخلف والانغلاق إلى كل مدى من آماد التقدم والانطلاق. فهي الأمة القائدة التي لم يسمح الله لها بالأهداف الوطنية والقومية وإنما وضع أمامها الأهداف الأممية والعالمية: فكل البشر إخوان في الدين أو نظراء في الخلق، وعلى أية أرض عاش المسلم فهي وطنه.

فأنتم ـ أيها المسلمون! خير أمة أخرجت للناس، لأنكم الأمة القائدة: {تأمرون بالمعروف}، وهو كل خير وتقدم وانطلاق...

{وتنهون عن المنكر}، وهو كل شر وتخلف وانغلاق... فما دمتم تمارسون صلاحيتكم كأمة قائدة، فأنتم خير أمة أخرجت للناس. وإذا تخليتم عن ممارسة صلاحيتكم كأمة قائدة، لم تكونوا خير أمة أخرجت للناس.

فصفات البشر تتبع ممارساته: فما دام يمارس السماع بأذنه فهو سميع، وإلا فهو أصم. وما دام يمارس النطق بفمه فهو ناطق، وإلا فهو أخرس. وما دام يمارس البصر بعينه فهو بصير، وإلا فأعمى... والقائد: ما دام محتفظاً بمؤهلاته، وممارساً لصلاحياته؛ فهو قائد، وهو خير المجموعة التي يقودها. وإذا تخلى عن ممارسة صلاحياته، انقلب مقوداً. وإذا فقد مؤهلاته نتيجة لترك ممارستها، فقد يغدو شر المجموعة التي كان ـ يوما ما ـ خيرها.

والأمة الإسلامية، حيث تخلت عن ممارسة صلاحياتها القيادية، فقدت مميزاتها كأمة، حتى أصبحت كما تنبأ به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ): «... تتداعى عليكم الأمم كتداعي الأيدي على القصعة...»(17)، وكما أضاف: «... تأتيكم الفتن كقطع الليل المظلم...»(18)، وكما انتهى: «... غثاء كغثاء السيل...»(19)؛ فقد انقلبت شر أمة. فلا توجد ـ على خريطة عالم اليوم ـ أمة فقدت إرادتها وهويتها، وأصبح كل عضو منها يتملق أمة لترضى به ذيلاً لها؛ كالأمة الإسلامية. فهي ـ بالفعل ـ شر أمة، رغم أنها كانت ـ في طلائعها المتقدمة ـ خير أمة.

ولكن التاريخ لا ينفع إلا للشعر. أما في مجال الواقع، فالتاريخ المجيد يصبح لعنة على الحاضر المتوتر: فقد يعذر الذي لم يكن له مجد في أن يكون ذيلاً، ولا يعذر الذي تقطر من الأمجاد أن يغدو معه.

ولقد كان لها عذر لو أنها انهزمت أمام قوة عادية، أو ركعت في شدة. ولكن الذي يبعدها عن أي عذر، أنها انحلت بلا صراع، حتى لكأن الإرادة الإلهية التي رفعتها بشكل معجزي، هي التي خفضتها بشكل معجزي، وإلا فلماذا انهارت؟! وأمام من ركعت؟!

وأعجب ما في الأمر، أن الأمة الإسلامية تلاشت رغم توفر مؤهلاتها: فلا زالت استراتيجية بلادها وحيدة في العالم، ولا زالت كتلتها البشرية تضاهي أضخم كتلة بشرية، ولا زالت أرضها أخصب أرض، ولا زالت مواردها الطبيعية أغنى موارد طبيعية، ولا زال نظامها الذي تقدمت به، محفوظاً لم تعبث به الأيدي، كما عبثت ببقية النظم السماوية... فالتصميم الذي جعل منها خير أمة، قائم لم يوضع تصميم أفضل منه.

إنها لا زالت الأسد على الأرض، ولكنها الأسد النائم. وإذا نام الأسد، تراقصت فوقه الفئران. فإذا انتفض لليقظة، فالفئران تترامى عنه، متسارعة للاختفاء تحت الأرض. صحيح أن لهذه الفيران مخالب ذرية، ولكن إذا أخذنا نسبة المسلمين اليوم بكل القوى الكبرى مجتمعة، لم تكن أقل من نسبة المسلمين في ابتداء الإسلام بكل القوى الكبرى مجتمعة. وكما استعلوا عليها يوم ذاك، يمكنهم أن يستعلوا عليها اليوم. وكما أبدعوا ـ يوم ذاك ـ خططاً فاجؤوا بها عالم الأمس، يمكنهم ـ اليوم ـ أن يبدعوا خططاً يفاجئون بها عالم اليوم.

فالمسلمون بحاجة إلى اليقظة فقط، ليعودوا خير أمة. ولكن الأمم ـ كالأفراد ـ كلما طال سهادها عمق رقادها، وكلما عمق رقادها طال سهادها. وقد بقي المسلمون يقظين طوال ثلاثة عشر قرناً، وها هو القرن الأول من رقادهم، والله يعلم متى ينتهي رقادهم.

ويبدو: أن الله ـ تعالى ـ لا زال يرحمهم ببركة بقية مؤمنة تستدر رحمة السماء، فيعوض الله على ما فيهم من نقص بما يفجر في بلادهم من خير، ولكنهم لا يلبثون هكذا.. طويلاً، ولسوف يثيرون غضب الله، وستدور بهم الطواحين، ويصبحون كما أخبر أمير المؤمنين (عليه السلام ):

«لتبلبلن بلبلة ولتغربلن غربلة، ولتساطن سوط القدر؛ حتى يعود أسفلكم أعلاكم، وأعلاكم أسفلكم...»(20).

فهذا.. رقاد الغفلة عن ذكر الله، ولا تؤخذ الأمم إلا بغفلتها عن ذكر الله. وهذا.. رقاد عميق كرقاد الفيلة، لا يصحون منه إلا على جلبة المقامع فوق رؤسهم، وهيجة الأزمات تعصرهم نكداً وتذروهم بدداً، حتى لا يجدوا ملجأ من الله إلا إليه، فيؤمنوا به إيمان قوم (يونس) لما أحاطت بهم خطيئاتهم، وسام البلاء رؤوسهم، فاتجهوا إلى الله اتجاه الفكر والضمير، فكشف عنهم بلاء الخزي.

فالله هو الحق المبين، وكل ابتعاد عن الله لا بد أن يؤدي إلى اصطدام بالواقع، وهو كفيل ـ بقوة رد الفعل ـ بالإعادة إلى الله.

وكل أمة منحها الله السيادة، لا بد أن تشعر بالاستغناء عن الله، فتبطر، وتقودها رقدة البطر إلى هاوية لا ينتشلها منها إلا شعورها بالحاجة إلى الله، فـ{... إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم...}(21).

وإذا استيقظت الأمة الإسلامية، فإن الله لن يخذلها، بل سيرسل إليها من يعيدها إلى مركزها الطبيعي كخير أمة أخرجت للناس.

وما لم تستيقظ، فالأحرى بها أن ترفع محسوبيتها على الإسلام، كي لا تسبب في حرمان الآخرين منه، وحرمانه من قدرات الآخرين.

وليكن عملنا ـ اليوم ـ عرضه كما هو كاملاً غير منقوص، لا عرضه من خلال واقعنا نحن.

فالإسلام هائل التقدمية والواقعية، بحيث لا يمكن أن يعرض ـ بصورته الصحيحة الكاملة ـ في معارض الفكر إلى جانب النظم الأخرى، إلا ويشد إليه الأذهان، فيعلو ولا يعلى عليه. أوليس في تنبؤات الرسول (ص): أن الإمام المهدي (ع) عندما يظهر ويعلن الإسلام، يسلم على يديه النصارى في العالم، وينقادون له بلا صراع؟!

فلو ترك الإسلام ـ كمبدأ أو كدين ـ يشق طريقه إلى الوجود، لوجد في العالم أنصاراً يتقدمون به في كل مكان. ولكنا فرضنا عليه قيمومتنا ـ ولم نكن في مستواه ـ، فأعطينا عنه صورة ناقصة ومشوهة، واعتبرنا أنفسنا مسلمين، فظن العالم أننا الصيغة العملية للإسلام، وحملوه كل أمراضنا، واعتقدوا أنهم إذا أسلموا أصيبوا بأمراض، فتحاموا عنه مبتعدين. وهكذا.. أصبح الإسلام محجوباً بالمسلمين، وكان الإسلام بألف خير لو لم يمثله المسلمون هذا التمثيل المشوه.

وكان لكثير من المسلمين ـ اليوم ـ شرف الإنصاف لو يملكون الجرأة على أن يعدلوا الإسلام، فيصارحوا العالم بـ: (أنهم ليسوا مسلمين عقيديين، وإنما هم مسلمون عاطفيون، جاءهم الإسلام بالوراثة، ولم يتخذوه بالفعل). حتى يرفع الحيف عن الإسلام ـ على الأقل ـ.


ـ 2 ـ


1ـ مواهب الله للأفراد أكثر مما يستخدمونها، بل أكثر مما يستطيعون استخدامها. فلكل مخزون احتياطي، هائل من المواهب المتنوعة، التي يختار ـ عادة ـ واحدة منها، ويعرضها، للبلورة والتنمية، حتى يبلغ فيها درجة التخصص، ثم يعيش منها... ويهمل بقية المواهب، ليعيدها خامات إلى التراب. ويؤكد توفر المواهب الخامة في الإنسان بنوعيات كثيرة، وكميات هائلة :ـ

أـ إن كل فرد عندما يدخل أي مجال تمليه عليه ظروفه، يجد الخامة المناسبة في وجوده: فلو دخل في المجال السياسي، أو الاقتصادي، أو الاجتماعي، أو العسكري، أو العلمي، أو الأدبي، أو الفني... بمختلف فروع هذه المجالات؛ ينجح في ذلك ولو دخل في مجال ثم تركه إلى غيره، ينجح أيضاً. وهذا.. يكشف عن توفر كل الخامات في وجوده. إلا أن ثقل جسمه في الحركة العضلية والفكرية؛ تخلفه عن استخدام كل مواهبه، وتضطره إلى الاكتفاء باستخدام واحدة منها، أو اثنتين في أحسن الحالات. بينما المناجم غير البشرية، ليست غنية إلا بنوع واحد: فمنجم الحديد غني بالحديد دون الذهب، ومنجم الذهب غني بالذهب دون الفضة... فكل منجم غني بمعدن واحد، والإنسان غني بكل المعادن.

ب ـ إن كل فرد عندما يختار إحدى مواهبه لاستخدامها يجدها وفيرة بمقدار ما يحتاج إليها: فلا يدخل المجال السياسي أوا لاقتصادي أو غيرهما... إلا ويجد أن في استطاعته أن يستزيد.. ويستزيد.. وأن يعلو.. ويعلو.. كثيراً ولا يصل إلى وقت يشكو فيه من نضوب الخامة المناسبة في وجوده. فيما المناجم غير البشرية، ليست غنية إلا بكمية محدودة من المعدن، ويأتي على كل منجم زمان يشكو فيه نضوب معدنه. فخامات الإنسان قابلة للامتداد بلا حدود قريبة، أو هي ـ على الأقل ـ أكثر من قدرته على الاستهلاك كماً، كما هي أكثر من قدرته على الاستهلاك نوعاً.

وربما تساعد على إهمال المواهب (عقدة الصغار) التي يتلقاها كل فرد من أوليائه في دور الصبا، ثم لا يبارح سرطانها رغم تفتق الحياة في جسمه وروحه وفكره... فيبقى صغير المطامح مهما كبر، وتبقى مواهبه أوسع من طموحه مهما توسع.

2ـ إن كل فرد يجد ـ في ذاته ـ مادة التوسع والامتداد أكثر مما يشاء، فكل فرد هو الذي يحدد محيط شعاعهم في المكان والزمان: فكم من فرد يبتلع شعاعه، حتى لا يكون له شعاع بمقدار أبعاد جسمه، فيعيش بلا وجود، ولا يعمر لحظة من الزمان، لأنه يعيش تحت تأثير غيره. وفي المقابل: يكون فرد يعيش الملايين من البشر، ويعمر آلاف السنين، لأنه يحتضن الملايين آلاف السنين.

3ـ إن العظماء لا يختلفون عن غيرهم في كمية المواهب أو نوعيتها، وإنما يختلفون في هندسة أعمالهم: فالعظيم هو الذي يهندس قبل أن يضع اللبنة، وغيره يرمي اللبنة ثم ينتظر وقعها. والفاشلون ليسوا هم الذين لم يجدوا المواد الكافية لبناء أنفسهم، وإنما هم الذين فرطوا فيها فلم يجدوا أنفسهم.

4ـ إن المجتمع يمنح كل فرد مدى محدوداً يحدد مداه الاجتماعي وفترة نشاطه من العمر، ويبدأ بعمل يكون قدر مداه ونشاطه، حتى ينجز في حياته عملاً يساوي عمر إنسان. وأما إذا أخطأ هذا الحساب، فبدأ بعمل أكبر من مداه ونشاطه، أو أصغر منهما، أو زرع نشاطه في أراضي الآخرين؛ فقد انتهى كما بدأ، وربما أسوأ مما بدأ.

5ـ إن الهندسة الصحيحة هي التي تحمل توقيع السماء فالصحيح هو (المعروف) في لغة الأنبياء، والخطأ هو (المنكر) في لغتهم. فما أرقته العقول الكونية فهو (الصحيح)، وما شجبته العقول الكونية فهو (الخطأ).

والأمم ـ كالأفراد ـ: فالأمة التي تتبنى (المعروف) و(ترفض المنكر)، ثم تحتضن سائر الأمم، فتدعوها إلى تبني (المعروف) و(رفض المنكر)، فهي الأمة القائدة، التي تبني البشرية، ويكون لها شعاع يسع البشرية. والأمة التي تنتظر من يبنيها، وينفض عنها غبار القدم؛ فهي الأمة التي ابتلعت شعاعها، فتعيش بلا وجود ولا عمر:

{... ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور}(22).

6ـ إن الفرد الذي يعي فلسفة الإنسان، ويتفهم العوالم التي يمرره الله بها؛ يستطيع أن يعيش خارج حدود جسمه وحاجاته، فيستطيع أن يستوعب الآخرين. ومن يجد في واقعه هذا الامتداد، وسيتنفده، فيرتفع فوق ذاته، ويرعى الآخرين؛ تكون قماشته قيادية، فيصبح فوقهم، فيكون رئيسهم الطبيعي، رغب أم زهد، وقبلوا أم رفضوا.

7ـ إن الأمة الإسلامية التي نواتها إنسان الشرق الأوسط، أمة متفوقة. لأن إنسان الشرق الأوسط إنسان متفوق على غيره ـ بمقدار ما أرض الشرق الأوسط بمناخها وملابساتها أغنى من غيرها ـ. ويكشف هذا التفوق: أن في الشرق الأوسط يوجد الرجل الواحد ينهض وحده بالعبء الكثير، أو يقتل الخلق الكثير، أو يطعم الجمع الغفير... وإنسان الشرق الأوسط هو صاحب الأنانية، والأوحدية، والفردية، والتحدي... في أعماله العضلية، والفكرية، والسياسية... وفي أي مجال يدخله. وهذه المواصفات والمحاولات ـ وإن كانت في جانبها السلبي سيئة، لأنها تعطل الآخرين، وتجعلهم أدوات وإمعات ـ إلا أنها، في جانبها الإيجابي، تدل على أن إنسان الشرق الأوسط طموح روحياً، وقادر جسدياً، فهو يحاول التفوق، ويستطيع التفوق.

وبالفعل، عمل إنسان الشرق الأوسط ـ كأفراد ـ ما عجز عنه الآخرون. وبالفعل اختار الله الكثير من أنبيائه، والكبار من أنبيائه؛ من إنسان الشرق الأوسط. فالأمة الإسلامية، كمجموعة بشرية، هي ـ بالفعل ـ خير أمة أخرجت للناس، لأنها غنية بمؤهلات متفوقة ـ ولأسباب طبيعية ـ. ففي أي وقت تحسن استخدام مؤهلاتها، تعود ـ عملياً ـ خير أمة أخرجت.

وإنسان الشرق الأوسط يبقى نواة الأمة الإسلامية، رغم انحرافه وانجرافه حالياً ـ نتيجة لسلسلة النكسات والارتباكات التي تعتري الأمم عادة في تواريخها ـ، لأنه يجد في واقعه رواسب تاريخية لا يستطيع الانسلاخ عنها. وهذه الرواسب كفيلة بإعادته إلى مكانه الطبيعي، عندما يتخلص من عقد هزائمه، ويعود إليه الاتزان والاطمئنان.

ولعل القرآن استخدم كلمة (كنتم) دون كلمة (أنتم)، للدلالة على أنكم بشرياً ـ في التقييم حسب المؤهلات ـ خير أمة أخرجت للناس، وعملياً ـ في التقييم حسب الأعمال ـ عندما تحسنون التصرف بمؤهلاتكم. فلكم القماشة القيادية المفضلة، التي هي أفضل القماشات البشرية التي تولت القيادية العالمية. فأنتم {كنتم} ـ كبشر ـ {خير أمة أخرجت} قائدة {للناس}، ويبقى عليكم العمل. وتبقى سائر الأمم التي تصدت للقيادة العالمية، دون مستواكم ـ بشرياً للملابسات المختلفة ـ وإن تفوقت عليكم ـ عملياً.


ـ 3 ـ


1ـ الأمر، هو (الصوت الأقوى)، وليس مجرد (صوت الأقوى): فقد يكون الفرد أقوى ـ بمقياس: المال، أو السلاح، أو المنصب، أو الشهرة... ـ ويكون صوته الأضعف، وربما يكون الفرد أضعف ـ بذلك المقياس ـ ويكون صوته الأقوى.

ذلك: أن الفرد قد يمتلك الإيمان الأقوى(23) بقضاياه، ويجد في ذاته الإرادة الأقوى لتحريك تلك القضايا، فينزل إلى المعركة ـ أية معركة خاضها ـ بكل ثقله، فينتظر. وقد لا يمتلك الإيمان الأقوى، ولا الإرادة الأقوى ، فلا يحشد للمعركة كل ثقله، فينهزم رغم ما تكون لديه من طاقات لأن قرار مصير المعارك ليس بذات الشخص المعترك، وإنما بحجم القوة المعتركة، وبنوعية استعمالها: فالذي يجد حنجرة الأسد، قد يخرس أمام صيحة من لا يجد تلك الحنجرة، لأنه لم يصحب حنجرته فقط، وإنما جند كل دمه، وعضلاته، وأعصابه، وحنجرته... فصاح بها كلها. والذي يمتلك مئة ألف، ولكنه بتاجر به، وبشخصيته، وبفكره، وبكل وقته... قد ينتصر على من يملك مليون ولكنه لا يتاجر إلا بجزء منه.

ومن هنا.. يبدو أن العظماء ـ غير المعصومين طبعاً ـ لم يكونوا أعلى مواهب من غيرهم، وإنما كانوا أقوى إيماناً بقضاياهم، وأجرأ إرادة على تنفيذها. أولم يقيم الإمام علي (ع)، وضعه في الوسط الذي عاصره ـ يوم الإنذار وعمره الشريف آنذاك عشر سنين ـ بقوله: «كنت أحمشهم ساقاً، وأضعفهم صوتاً، وأقصرهم قامة...»(24)، وعاش أميراً حيث لم يرد ولم يريدوا أن يكون أميراً؟! ولعل إلى هذا العامل، أشار الله تعالى بقوله:

{... كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله...}(25).

والله ـ تعالى ـ لم يردنا أن نكون أمراء حتى نأمر بالمعروف أو ننهى عن المنكر، ولا أراد ذلك من أمرائنا فحسب، وإنما أراد منا أن نزج بكل طاقاتنا في معارك الحق، لنتأمر حتى على أمرائنا، فيكون الدين ـ كله ـ لله على الجميع، لا أن يكون سلاحاً يضاف إلى أسلحة القوي على الضعيف.

2ـ (المعروف) كل ما عرف، أي: كل ما استحب. و(المنكر) كل ما لم يعرف، أي: كل ما استكره. و(المعروف والمنكر) تعبيران واسعان، يشملان أكثر الأشياء والأعمال والأقوال... فأكثر ما في الحياة، إذا عرض على مقياس الضمير الحرّ السليم، إما يصنفه (معروفاً) أو (منكراً) سواء: في المجال العبادي، أو في المجال العقيدي، أو في المجال الاقتصادي، أو في المجال الاجتماعي، أو في المجال العسكري، أو في المجال الخلقي، أو في سائر مجالات الحياة، أو في مجال تقييم ما في الحياة من أشياء أو مواد... فليس (المعروف والمنكر) محصورين في المجال العبادي، كما قد يوحي بذلك ترديدهما كثيراً في هذا المجال وحده.

3ـ إن الوجدان الإنساني واحد ثابت، لا يتغير من جيل إلى جيل ولا يتبدل من مجتمع إلى مجتمع، سميته (الضمير) أم سميته (العقل). فهو وديعة الله في البشر، والقيم عليه في سلوكه، وإشراقة النور على دربه.

ففي كثير من الحديث: «إن لله على الناس حجتان: عقل ظاهر هو الرسول، ورسول باطن هو العقل»(26)، «أول ما خلق الله العقل، فقال له: ... بك أثيب، وبك أعاقب»(27)... فـ(المعروف) في محكمة الضمير واحد، في كل الأجيال والمجتمعات، لا يتغير من ضمير إلى ضمير. و(المنكر) في محكمة الضمير واحد، في كل الأجيال والمجتمعات، لا يتبدل من ضمير إلى ضمير. وإن كان الضمير قد يسحق تحت وطأة المصلحة، كما قد يقتل الرسول. أو يشوش عليه بضجة الدعاية المنحرفة فيخفت صوته، كما قد يكبت صوت الرسول.

فيكون الشيء الواحد معروفاً في هذا الجيل، ومعروفاً في ذلك الجيل؛ بمقدار تحكم المصالح والدعايات. ولكن هذه الظاهرة لا تكشف تناقض الضمائر، من جيل إلى جيل أومن مجتمع إلى مجتمع، وإنما تدل على أنه ليس أقوى سلاح حتى تنهار أمامه مختلف أنواع الأسلحة. فهو صوت الضمير الذي قد يسحق، وقد يخفت، ولكن لا ينجو من محيط المؤثرات إلا ويعود إلى إجماع الضمائر، فيصدر أحكامه الواقعية المطمئنة بعدالتها.

4ـ الجسم الحي السليم، وهو الجسم الذي يتمتع بمناعة: فيزيل زوائده، ويبلسم جروحه، ويعقم العناصر الغريبة عنه... بسرعة تتناسب مع مقادر حيويته وسلامته.

والجسم غير الحي أو غير السليم، هو الذي لا يتمتع بمناعة: فيرزح تحت زوائده، ويرحب بجروحه، وبالعناصر الغريبة عنه... بعفوية تتناسب مع مقدار ما يعاني من نقص في حباته أو سلامته، والجسم الحي السليم، ليس أكثر من مجموعة مترابطة من الوحدات الحية السليمة. والجسم غير الحي أو غير السليم، ليس أكثر من مجموعة مترابطة من الوحدات غير الحية أو غير السليمة.

فالمجتمع ـ بدوره ـ جسم: قد يكون غنياً بالحياة والسلامة، وقد يكون فقيراً إلى الحياة أو السلامة.

والمقياس هو: مناعته، ومدى مناعته، أو عدم مناعته. وقد صمم الله المجتمع الإسلامي حياً سليماً، فكان من الطبيعي أن يكون منيعاً يحافظ على عوامل صحيته، ويتحفظ على عوامل مرضه.

وأما المجتمع الذي يفقد الإصلاح الذاتي، فينتظر النجدة من غيره، فهو المجتمع غير الحي أو غير السليم، الذي قد تأتيه النجدة وقد لا تأتيه.


ـ 4 ـ


(المعروف) كل ما عرفه العقل والقلب والضمير، حتى امتد على مدى الإنسان السليم. و(المنكر) كل ما أنكره العقل والقلب والضمير، حتى أنكر على مدى الإنسان السليم. و(المعروف والمنكر) ليسا محتكرين على مجال العبادات، وإنما هما شائعان في مجالات: العقيدة، والاجتماع، والأخلاق، والسياسة، والاقتصاد، وكل مجالات الكون والحياة والإنسان... بحيث لا يسع مجال العبادات فيها إلا محيطاً محدوداً جداً.

وإذا كان (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) من مظاهر الأمة الخيرة المفضلة، فليسا محدودين بحدود الفقه، وإنما هما من مظاهر هذه الأمة في المجالات الأخر قبل مجال الفقه.

لماذا المسارعة؟


{وسارعوا: إلى مغفرة من ربكم، وجنة عرضها السماوات والأرض؛ أعدت للمتقين}.

(سورة آل عمران: الآية 133)


أوليس الله لا تزيده كثرة العطاء إلا جوداً وكرماً؟

أوليس الإنسان باقياً عبر الدنيا والآخرة؟

أوليس باستطاعته أن يعمل في الآخرة؟ بعد أن يرى كل شيء، أفضل مما يعمل في الدنيا؟

فلماذا المسارعة؟

لأن الإنسان ـ في هذه الفترة من حياته الطويلة ـ مراهق، والأشياء كلها مراهقة، فهذه.. فترة التحول. فإذا نضج الإنسان، ونضجت الأشياء؛ يستطيع أن يعمل، ولكنه خارج عن فترة التحول فعمله لا يجدي كثيراً، آلاف السنين من عمله لا تعادل يوماً في عمله الآن فيكون كمن يعمل في الربيع أو في الخريف، وكمن يزرع في التراب أو في الصخر. الأشياء تصل إلى فترة الثبات.

الرسول الأعظم: مديراً


{فبما رحمة من الله لنت..المتوكلين}.

(سورة آل عمران: الآية 159)


ـ 1 ـ


يا محمد! أنت ـ في مستواك الرفيع.. الرفيع.. ـ فوق الآخرين. وسيبقى الآخرون دونك، مهما حلقوا. ومهما حاولت أن تحلق بهم، فإنهم لن يرتفعوا إليك. أنت تنتشلهم عن حمأتهم بقدرتك المتفوقة على انتشال الساقطين، وهم يتسامون باتخاذك قدوتهم ومثلهم، ولكن يبقى الفاصل بينك وبينهم بعيداً.. بعيداً.. وهذا الفاصل ـ في المستوى ـ يجعلهم مخطئين تجاهك حتى عندما يحسنون، فكيف بهم عندما يسيئون؟! لأنهم ـ أمامك ـ أدنى من أن يتعرفوا عليك، حتى يكتشفوا الحسنى في مستواك. فحسناتهم إليك: حفنة تمر، قصعة لبن، تحية بدوية...؛ سيئات يستحقون عليها العقاب. وأما سيئاتهم إليك: فجرائم، يصغر فيها العقاب. فأنت لا تحاسبهم بمقاييس مستواك، بل حسابهم بمقاييس مستواهم الذي يصنفهم في مصاف الأطفال. والطفل يظلم وهو بريء، فإذا أساء يقابله وليه بثلاثة أعمال:

1ـ يحاول أن يبرئه حتى لا يحقد عليه، فيلقن نفسه أن هذا.. طفل لا يملك المقاييس الصحيحة لمعرفة الأمور، فإساءته لا تحمل معنى الإساءة. وأنت عامل الآخرين ذات المعاملة، {فاعف عنهم}.

2ـ يحاول أن يبرر موقف الطفل إذا صدرت إساءة منه أمام غيره، حتى لا ينظر إليه أحد بازدراء. وأنت حاول أن توجد المبررات للآخرين أمام الله، حتى لا يعاقبهم بمواقفهم منك: {واستغفر لهم}؛ كما كان يفعل ذلك وهو يدعو: «اللهم! اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون»(28).

3ـ يحاول أن يقابل إساءته بمعالجة تربوية تمنعه من تكرر تلك الإساءة، كالطبيب الذي يراقب المريض لاكتشاف الظواهر المرضية من أجل معالجتها، لا كالعدو الذي يراقب عدوه لاكتشاف نقاط الضعف من أجل اقتحامه منها. {و} أنت إذا رأيت من الآخرين سيئة ناتجة من انحطاطهم عنك، اعمل على تصعيد مستواتهم، فـ{شاورهم في الأمر} المطروح أمامك، حتى توحي إليهم بأنهم كبار، لهم آراء يؤخذ بها في مجالات المصالح العليا للأمة، ليحركوا أدمغتهم، وليعاملوا أنفسهم على أنهم كبار عليهم أن يرتفعوا عما لا يليق بالكبار، ولا يظلوا في حلقة الصغار التي لا تفرق بين ما يليق وما لا يليق.

ولكنك ـ أنت ـ نبي، تختلف نظرتك إلى الأمور عن نظرة الآخرين :ـ

1ـ نظرتك إلى الأمور نظرة كاملة. فلك جانبان: جانب سماوي به تتلقى الوحي، وجانب أرضي به تفرغ الوحي. وبهذين الجانبين تشرف على الأمور من أعلى، فتحيط بها من كل جوانبها، على أساس الرؤية الكاملة. فيما للآخرين جانب واحد هو الجانب الأرضي، وهو جانب محدود، فنظرتهم إلى الأمور جانبية، على أساس الرؤية الناقصة.

2ـ نظرتك إلى الأمور نظرة منطلقة. لأنك تنظر إليها بالعين المجردة، التي ترى الأشياء رؤية موضوعية، فحكمك عليها منطلق من واقعها. بينما الآخرون ينظرون إلى الأمور نظرة شخصية، لأنهم ينظرون إليها بمنظار مصالحهم، الذي يشيع عليها الدخان، فحكمهم عليها منطلق من واقعهم.

3ـ نظرتك إلى الأمور نظرة دقيقة. فلك من قدراتك الذاتية الهائلة، ومن مقاييس الوحي؛ ما يمكنك من استيعاب الأمور استيعاباً كلياً، ومن قياسها قياساً صحيحاً. فيما نظرة الآخرين إليها سطحية، فقدراتهم ضعيفة، ومقاييسهم ارتجالية، لا يتمكنون بها من استيعاب الأمور، وقياسها قياساً صحيحاً.

فتقييمك للأمور، تقييم كامل موضوعي دقيق. وتقييم الآخرين، تقييم ناقص جانبي سطحي.

فأنت شاورهم في الأمر المطروح أمامك: لتربيتهم على التفكير، وللإيحاء إليهم بالمشاركة، وعدم اعتبارهم مجرد أدوات تنفيذية. ولكن لا تتقيد بآرائهم: فإذا كانت رؤيتك تدعوك إلى اتخاذ موقف معين، ورؤية الآخرين تدعو إلى معاكسة موقفك؛ فامض أنت في الطريق الذي تراه صحيحاً. {فإذا عزمت} على أمر، فلا تبال بما يراه غيرك، فعزيمتك هي الصحيحة.

ثم: إن لك حصانة من قبل الله، فهو وليك الذي يرشدك، ويسددك بالوحي وبالملائكة، فلا يدعك على موقف غير مناسب. فإذا عزمت على أمر ولم يعترض الله، {فتوكل على الله}، واعتمد على عدم اعتراضه، فإنه دليل على سلامة موقفك.

فالشورى التي أمر بها الله رسوله (ص)، طريقة تربوية للأمة، وليست طريقة لكيفية حكم الرسول (ص). وهذا.. ما يرشد إليه سلوك الرسول (ص) مع الأمة، وسيرته الكريمة، فـ: ـ

1ـ إن رسول الله لم ينظم مجلساً للشورى، مؤلفاً من أصحاب الرأي في الأمة، بأي شكل من الأشكال، حتى يرجع إليه للتداول في الأمور، واتخاذ المواقف والقرارات، كما كان ينبغي لو أن الشورى كانت طريقة للحكم. وإنما كان يجمع المسلمين، ويطرح أمامهم الأمر الجديد، ويستطلع آراءهم، لمجرد تحريك أدمغتهم وإشعارهم بالمشاركة، ثم يتخذ الموقف المناسب.

2ـ لم يضع أي نظام للشورى ـ في عهده أو بعد عهده ـ: فلم يعين ما إذا كانت الشورى تعني مجلساً لأصحاب الرأي، أو استفتاءً عاماً من كل الأمة؟ ولا عين مواصفات أعضاء المجلس ـ إذا كان هناك مجلس ـ. ولا حدد نسبة الأصوات التي يتخذ بها، هل هي نسبة معينة، أو لا بد من الاجماع؟ وما هو العلاج إذا اختلفت الأصوات بنسب متعادلة أو متفاوتة؟ ولا أشار إلى نوعية الأمور التي يجب ـ أو ينبغي ـ الشورى لها. ولا ورد عنه نص يتعلق بأي شيء من تفاصيل الشورى.

3ـ لم يتقيد رسول الله (ص) بآراء المسلمين فيما يخالفونه الرأي ـ في مجال الحكم ـ ولو بالإجماع أو بما يشبه الإجماع، كما اتفق في (صلح الحديبية)، وفي تقسيم غنائم (معركة أحد)، وفي قطع يد السارقة وإنما كان يمضي حسب رؤيته الصادقة بتسديد الوحي، ثم يكتشف خطأهم وصوابه.

4ـ وفي كثير من الأحيان، لم يكن الرسول (ص)يطلع المسلمين على اتخاذ موقف، وإنما يأمرهم بأمر لا يعرفون وجهته، وإذا خرج إلى غزوة ورى بغيرها، وهكذا كان يكشف لهم بعد ذلك صواب الرسول (ص) وخطأهم.

5ـ وإذا كان أحد من المسلمين يعترض على رأي رآه رسول الله، كان القرآن يوقفه عند حده، بالتقريع القاطع:

{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}(29).

فلا رأي ولا شورى ولا خيار... إذا كان لرسول الله رأي؛ ولو كان في ما يخص الأفراد، بل:

{النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم...}(30).

6ـ وعملياً، لم يستشر رسول الله (ص) المسلمين إلا في عدة أمور، لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة بل لا تبلغها؛ وهو يقوم بـ ـ:

تأسيس نظام، وتكوين أمة، وإقامة دولة؛ هذه الأمور الشائكة الضخمة، التي تستدعي مجلساً مفتوحاً طوال فترة رسالته، لو أن الشورى كانت طريقة للحكم بالنسبة لرسول الله (ص).


ـ 2 ـ


7ـ والمسلمون فهموا أن الشورى تربوية، فلم يسألوا عن شيءٍ من تفاصيلها وهم يجدون رسولهم يؤمر بها من قبل الله تعالى، رغم أنهم المكثرون من الأسئلة فيما يعنيهم وفيما لا يعنيهم.

نزعات الخير منتشرة في الناس، جميع الناس. ونزعات الشر منتشرة في الناس، جميع الناس ـ باستثناء المعصومين (ع) ـ.

وعليك: أن تكافح الشر في مصدره، لا أن تقضي على مصدره، وإلا لاقتضى ذلك أن تقضي على جميع الناس.

وعليك: أن تجمع الخير من مصدره، لا أن تقدس مصدره، وإلا لاقتضى ذلك أن تقدس جميع الناس.

إن الخير والشر خيوط متداخلة، وباستطاعتك أن تفعل كالعدسة، فتجمع خيوط الخير والشر.

أما أن تنزه الناس جميعاً فتجعلهم ملائكة، فمستحيل، لأنهم بشر وأما أن تشوه الناس جميعاً فتجعلهم شياطين، فمستحيل، لأنهم بشر.

ومشكلة العالم: أن فيه معارك كثيرة، وصلوات قليلة. وإذا كانت المعارك تنشب في القلوب، فإن الصلوات ترتفع في العقول وأعقد المشاكل هي الصلوات التي ترتفع في القلوب، للانتصار المنفرد، لا للنجاح المشترك.

عالم الشهداء


{وَلاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ(169) فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مّنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.

(سورة آل عمران: 169 ـ 170)


ـ 1 ـ


الناس يتصورون المقتول في سبيل الله خاسراً، فهل يمكن تصور خسارة أكبر من خسارة الحياة؟! إنها خسارة كل شيء ـ دفعة واحدة ـ خسارة لا يمكن ملافاتها. فمن قتل: خسر رأس ماله كله، فانتهى، وانتهت محاولاته، وأقفلت الفرص أمامه.

ويناقض القرآن هذا التصور بشيء من الاستخفاف، فيستخدم كلمة: (تحسبن) التي تعبر عن رؤية بلا ضوء، التي هي ضرب أخماس بأسداس. وبصيغة المفرد: (لا تحسبن)، لا بصيغة الجمع، وكأنه حسبان فرد لا حسبان جماعة، فهو حسبان معرض لبعد كبير من الواقع.

{ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله}؛ لا تحسبنهم ـ أيها الإنسان! المسجون في جسم ثقيل، مقفل بالحواس الخمس ـ:

{أمواتاً} معطلين عن الحركة والنشاط. {بل} القتلى في سبيل الله {أحياء}، ولكن ولكن لا عندك في حياتك الضعيفة المظلمة، وإنما {عند ربهم} في حياة أرحب وأنور.

وعند ربهم لا عند ربك، وكأنما الآية تربط هذا الحسبان بعدم الإيمان بالله. فأنت ـ عندما تحسب ذلك ـ تعبر عن عدم إيمانك بربك، وقد تكون مؤمناً بالمادة. ولكنهم ـ عندما ضحوا بحياتهم ـ كانوا مؤمنين بربهم، فنقلهم ربهم من عندك إلى عنده. فهم أحياء عنده. ويتمتعون بكل مظاهر الحياة المادية والروحية، فهم:

1ـ {يرزقون} فيتنعمون بأفضل مما كانوا يتنعمون.

2ـ يفرحون، فهم في نشاط روحي، ومغتبطون على عمليتهم الشجاعة التي نقلتهم إلى الأفضل. ويرون المكسب الذي نالوه أكبر من تضحيتهم، فهم لا يرونه جزاءً، وإنما يرونه فضلاً من ربهم بلا استحقاق:

{فرحين بما آتاهم الله من فضله}.

3ـ لا يرون أنفسهم قتلى، ولا يعتبرون أنفسهم منفصلين عن هذا العالم، وإنما يرون أنفسهم متقدمين ويرون أقرباءهم وأصدقاءهم متخلفين، فيبعثون إليهم عواطفهم، ويطمئنونهم على أحوالهم:

{ويستبشرون بالذين} تخلفوا عنهم، و{لم يلحقوا بهم}، وظلوا متخبطين {من خلفهم} في مخاطر الدنيا. فيستبشرون بالمتخلفين {أن} التحقوا، و{لا خوف عليهم} من اختراق جدار الدنيا، ولا خسارة في التسلل منها إلى رحاب الله، {ولا هم يحزنون}، لأنهم لا يخسرون شيئاً، بل هم الرابحون الربح الأكبر فيعاملون أهليهم كما يعامل أهله من انتقل من مجتمع متخلف إلى مجتمع متقدم.

ولكن: ما هي ماهية حياة الشهداء؟ هل هي حياة الروح ـ بعد تعطل الجسد ـ المتوفرة لكل الأموات، أم نوع آخر من الحياة؟؟

الآية تلقي ضوءاً قوياً على حياة الشهداء خاصة، وتعدد لها مظاهر مشابهة للحياة الدنيوية. فـ{يرزقون} و{فرحين}، هذه النقاط ـ بالذات ـ تهدف إلى إيضاح تشابه كبير بين الحياتين.

فيحتمل:

1ـ أن يكون الله قد قص الشهداء ـ الذين ضحوا بحياتهم في سبيله ـ بنوع من الحياة مشابه لحياتهم قبل الشهادة، زيادة على حياة الروح المتوفر لجميع الأموات، فهم بعد الموت ـ في عالم البرزخ ـ لا يختلفون كثيراً عنهم قبل الموت. وبذلك توحي الآية الكريمة، حيث تحاول إيضاح: أن الشهيد يختلف عن الذي يموت حتف أنفه، فالأول يبقى حياً، بينما الثاني يغدو ميتاً. فلا بد أن الله يخلع على الشهيد نوعاً من الحياة خاصاً به دون سواه.

ويقول أقرباء الذين قتلوا بالقنبلة الذرية في (هيروشيما): أن قتلاهم يزورونهم في حالة اليقظة، ويبادلونهم العواطف ـ كما عندما كانوا أحياء ـ ولكن من دون أن يروا. فهل هذا... شيءٌ من حياة الشهداء؟.

2ـ أن تكون الحياة بمعنى هدفها، وهو التأثير. فالحي هو الذي يؤثر، والميت هو الذي يتأثر فالذي يؤثر ويغير، فهو حي وإن كان تحت الأرض. والذي يتأثر ويتغير، فهو ميت وإن كان فوق الأرض.

فالحياة والموت لهما مفهومان، مفهوم مادي ومفهوم معنوي:

1ـ فالحياة بالمفهوم المادي هي الثبات، والموت بالمفهوم المادي هو الفناء. وثبات الإنسان يمكن أن يتصور باعتبارات ثلاثة:

أـ باعتبار جسمه المادي الظاهر. ولا حياة للإنسان بهذا الاعتبار، إذ لا ثبات للجسم: فخلاياه تحترق بحرارة الجسم، وتعوض بخلاصة المأكولات. وبعض خلاياه، تفنى وتعوض باستمرار. وكل الجسم يتبدل ـ تماماً ـ كل بضع سنوات مرة. فهو أشبه بماء النهر، الذي يدخل من جانب وينصرف من كل الجوانب فتدخل الجزيئات في الجسم من طريق فمه، وتستهلك من كل أطرافه. فكل جزيئة تحترق وتعوض، إنما تموت وتنشر، فالجسم ليس أكثر من مسرح للصراع بين الموت والحياة، فهو لا حي ولا ميت، إذ ليس له ثبات كلي ولا فناء كلي، وإنما ثبات جزئي مقرون بفناء جزئي. فلا ثبات للإنسان، باعتبار جسمه المادي الظاهر.

ب ـ باعتبار الزمان. ولا حياة للإنسان بهذا الاعتبار، إذ لا ثبات للزمان. فالزمان وليد حركة الكواكب، والحركة ـ ذاتها ـ ليست ثابتة، فكيف يكون ما يتولد منها ثابتاً؟!

بالإضافة إلى: أن الزمان ليس شيئاً، وإنما هو مجرد اعتبار، كالأبعاد الثلاثة.

وفي الزمان آراء كثيرة، فمن الفلاسفة من يقول: (إن الزمان ليس موجوداً. لأن الماضي منه فان، والمستقبل منه غير متحقق، والحال غير موجود. لأن كل جزء ذهني من الحال، ينقسم ـ بالدقة ـ بين ما مضى فهو فان، وبين ما يأتي فلم يتحقق بعد).

ج ـ باعتبار جسمه المادي المستور. وذلك الجسم، كيان كامل ضمن هذا الكيان. وهو جسم مادي ولكنه لا يتحلل، ويتجزأ بعد الموت ولكنه لا يهضم إذا دخل في معدة، وهو يمثل ثبات الإنسان ـ رغم احتراق خلاياه ـ، فنحن نقول لصديق ـ مثلاً ـ: (كنت قبل عشرين عاماً تفعل كذا.. وتقول كذا.. )رغم علمنا ـ معاً ـ بأن جسمهم المادي الظاهر الذي كان قبل عشرين عاماً، قد احترق ولم يبق منه شيءٌ، ولكنا نخاطبه ونعاقبه أو نثيبه بآثار أعماله قبل عشرين عاماً، باعتبار جسمه المستور الثابت، وهو: (الجسم المثالي) في مصطلح بعض الفلاسفة ـ.

ولكن: هذا الجسم المستور لا يمثل حياته، فهو يرافقه حتى بعد موته.

فحياة الإنسان، بمفهومها المادي وهو الثبات المادي، غير موجودة.

وعندئذٍ: تبقى الحياة بمفهومها المعنوى، وهو الثبات المعنوي، أي: التأثير الذي هو هدف الحياة. فالحي هو الذي يؤثر وإن كان تحت التراب، والميت هو الذي يتأثر وإن كان فوق التراب: فمن كانت له إرادة فاعلة، ولو بمقدار: تقديم نفسه، أو تربية عائلته، أو تحصين بيته، أو توجيه أسرته الكبيرة: شعبه أو أمته؛ فهو حي، تقدر درجة حياته بدرجة فعل إرادته. ومن لم تكن له إرادة، أو انهزمت إرادته أمام الإرادات الفاعلة في الحياة، باقتحام أسرته الكبيرة: أمته أو شعبه، أو بتكييف بيته، أو بتغيير عائلته، أو بجرف نفسه؛ فهو ميت، تقدر درجة موته بدرجة انهزام إرادته. أولم يقل الإمام علي (عليه السلام) لجيشه: «فالحياة في موتكم قاهرين، والموت في حياتكم مقهورين»(31)؟!

والشهيد هو الذي تصدت إرادته لأ على درجات الفعل، وهو الاقتتال في سبيل توجيه أسرته الكبيرة: شعبه أو أمته. فهو حي بأعلى درجات الحياة، وإن كانت حياته مختلفة عن حياتنا، المحجوبة بحجب الجسم.

وتستمر حياة الشهيد ما دامت ذكرى شهادته تفعل لتقويم الأفراد وتوجيه الجماعات، وقد ينسى اسم شهيد، ولكن نتائج شهادته، ونتائج نتائجها؛ تتسلل في الصراع الدائم بين الحق والباطل.


ـ 2 ـ


{ولا تحسبن} ولا يخيل إليك ـ يا أيها الإنسان! ـ أن {الذين} كرهوا الحياة الرخية الرخيصة، وأحبوا الحياة المانحة المحركة، ورفضوا الاسترسال مع التيار، وقبلوا السير بإرادة، فاشتركوا في احتكاك قوى الخير والشر، وضحوا حتى {قتلوا} لا في سبيل الأفكار الجانبية، ولا في سبيل المصالح المحدودة بحدود الشعوب والبلاد، وإنما قتلوا في سبيل المصالح العليا العامة، الذي هو قتل {في سبيل الله}؛ لا تأخذ ـ أيها الإنسان! ـ هذه الطليعة الرائدة من البشر مأخذ الحواس المحدودة، ولا تقودك جثتهم الهامدة إلى اعتبارهم {أمواتاً}، فهم ليسوا كسائر الناس إن همدت أجسادهم فهم أموات، {بل} هؤلاء {أحياء}.

فمن لم يمت حتف أنفه، يبقى متمتعاً بنوع أفضل من الحياة، حتى يحين أجله المحتوم(32)، فعند ذلك: ينتقل إلى عالم الآخرة.

وليس الشهداء في سبيل الله أحياءً في حياة مليئة بالآلام، وإنما هم أحياء {عند ربهم} في دنيا أفضل، في دنيا لا نعرفها، ولا تسهل معرفتها علينا، فيكفي أن نعلم عنها أنها حياة عند الله.

وتلك الحياة التي يعيشها الشهداء عند الله، ليست حياة (الجنة) يوم القيامة، وإنما هي حياة تشبه حياتنا ـ وربما هي داخلة في عمق حياتنا الدنيا ـ، ولها كل مظاهر حياتنا الدنيا.

فهم:ـ

1ـ {يرزقون} كما نرزق نحن، وإن كانت نوعية الرزق تختلف قليلاً أو كثيراً. فهم ـ على أي حال ـ في طريق النمو والكمال، اللذين لا يتمان إلا بالارتزاق، الذي هو السبب المباشر للنمو والكمال.

2ـ تعتريهم الحالات النفسية المختلفة، التي تعترينا على أثر الملايمات والمعاكسات. ولكنهم لا يعانون ما يكرهون، وإنما يتمتعون بما يستريحون إليه. فهم يقضون {فرحين بما آتاهم الله من فضله}، حيث من عليهم بالشهادة حتى استحقوا الانتقال إلى تلك الدنيا الحبيبة.

3ـ {ويستبشرون} بأن أجيالاً من ذرياتهم، ستصل إليهم في قوافل الشهداء، فتنعم بما ينعمون به. وكل سلف فاز بنعيم، يتمناه لخلفه.

سؤال:ـ

ولماذا الشهداء وحدهم؟! أليس من عقيدة الإسلام، أن الإنسان لا يموت بروحه، وإنما يموت بجسده وحده، الذي هو مجرد وعاءٍ لجوهر الإنسان، الذي هو الروح؟!

جواب:ـ

1ـ نعم.. ولكن من لا يموت حتف أنفه، وإنما يموت بالأجل المعلق؛ يبقى في عالم ثالث بين الدنيا والآخرة، حتى يحين أجله المحتوم، فينتقل إلى عالم الآخرة، وذلك العالم للشهيد أفضل من عالم الدنيا.

2ـ إن الذي يموت حتف أنفه، ينقل به ـ برغمه ـ من عالم إلى عالم. كالجندي المكلف، ليس له في انتقاله من الدنيا فضل يستحق به جزاءً، بينما الذي يستشهد في سبيل الله، كالجندي المتطوع الذي له في انتقاله من الدنيا فضل يستحق به جزاءً. لأنه ترك كل آماله ورغباته في سبيل الله، فلا بد أن يثيبه الله على ذلك بما لا يثيب به غيره.

الخوف من الله فقط


{إِنّمَا ذَلِكُمُ الشّيْطَانُ يُخَوّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مّؤْمِنِينَ}.

(سورة آل عمران: الآية 175)


كل عمل يستنزف الإنسان، فإذا استنزف كل الإنسان أدى إلى رهق، وإذا تركز الاستنزاف في جزء من الإنسان أدى إلى ألم والإنسان لا يخاف الرهق والألم وإنما يكرههما، ولكنه يتقبلهما إذا رأى من ورائهما مكسباً جديراً بالاحتمال من أجله، بينما يخاف الضياع: ضياع الذات، أو ضياع شيء ثمين.

وبما أن الله محرك الكون في مجريات حكيمة، فالاصطدام بإرادة الله التشريعية ـ كالاصطدام بإرادته التكوينية ـ يعني الانفجار والضياع، فيخاف منه. ولكن لا يخاف من الاصطدام بالمنفجرين، لتطويقهم وفق ضوابط سليمة، إذ لا ضياع فيه، وإنما فيه الرهق وربما فيه الألم، وهما مكروهان، ولكنهما مقبولان بالنظر إلى ما ورائهما من مكسب جدير بالاحتمال من أجله، وهو: عدم اتساع الانفجار حتى يشمله، وكسب مرضاة الله بالانسجام مع الكون.

فالخوف من الله، لا من المنحرفين:

{فلا تخافوهم، وخافوني}.

ثم الخوف من المنحرفين، يعبر عن الجهل بالله وبمجريات الكون. فالخوف من الآخرين، ومسايرتهم لكسب ودهم، واتقاء غضبهم؛ يساوي التخلي عن الإرادة المستقلة والاستسلام لإرادة الآخرين، ويعني الانتحاء إلى الفكر السائد وليس إلى الفكر الذي يجب أن يسود. وهذه.. علائم عدم الإيمان بالله ومجريات الكون، فلا معنى لخوفكم من المنحرفين {إن كنتم مؤمنين}.

اتكال المؤمن، واغترار الكافر


{وَلاَ يَحْسَبَنّ الّذِينَ كَفَرُواْ أَنّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إِنّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوَاْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مّهِينٌ}.

(سورة آل عمران: الآية 178)


بما أن الله ـ تعالى ـ أراد الكون حقل تجارب لذاتيات الإنسان، جعله مسخراً بنظام الأسباب والمسببات. فالمقدمات الطبيعية تؤدي نتيجتها الطبيعية، والمقدمات غير الطبيعية تؤدي نتيجة غير طبيعية: فالاحتكاك يولد الحرارة، وتكتل المواد الكثيفة يؤدي إلى جاذبية، وجاذبية الكتلة الأكبر أقوى، وامتزاج الأوكسجين والهيدروجين ـ بنسبة معينة ـ يكون الماء... ولا يمكن أن نطلب الحرارة بلا احتكاك، ولا أن نطلب الجاذبية بلا تكتل مواد كثيفة... وإذ طلبنا ذلك تكون محاولتنا فاشلة.

وبعد أن نظم الله الكون بهذا النظام، أطلق فيه أيدي الناس، حتى يعبر كل عن ذاتياته، ويربي مؤهلاته: فالكافر إذا أحسن استخدام هذا النظام، يسيطر عليه. والمؤمن إذا أساء استخدام هذا النظام، أزيج إلى المجاهل. لأن الله لا يريد إلغاء هذا النظام، وإلا بطل أن يكون الكون حقل تجارب.

وكثير أولئك المؤمنون الذين يسيئون فهم معنى (التوكل على الله)، فيتصورنه: (الاتكال على الله)، وعدم الانسياق مع نظام الكون للتغلب عليه، ظانين أن الله يتدخل لهم على حساب الكافرين، فيلغي نظام الكون ليجعل المؤمنين به أسياداً على الكافرين، كما يعمل لإثبات نبوة الأنبياء.

ولذلك: لا يحركون الطاقات التي خزنها الله فيهم، وأمرهم باستنفادها كما فعل الأنبياء، بينما الكافرون يستنفدون طاقاتهم دون انتظار أمر من الله. فيناقض المؤمنون سنة الله في الكون. مبررين موقفهم الخامل بالتوكل على الله، متجاهلين قول الله لهم:

{لّيْسَ بِأَمَانِيّكُمْ وَلآ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوَءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً}(33).

ولذلك: يخسرون فرصاً كثيرة، ويهدرون طاقات وفيرة، ثم يحزنون، ولكنهم يسلون أنفسهم بأنها لم تكن خسارتهم، وإنما كانت خسارة إيمانهم، وأن الله سيعوضهم عنها أضعافاً مضاعفة في الآخرة، متناسين أن الله يعوض خسارة العمل، ويعاتب على خسارة الكسل، كما قال:

{إن الذين توفاهم.. مصيرا}(34).

بينما ينتهز الكافرون كل الفرص المتاحة، ويستغلون كل الطاقات الممكنة، ثم يفرحون، ويفسرون مكاسبهم بأنها لم تكن مكاسبهم، وإنما كانت مكاسب الكفر بالله، فيشنون الغارة على المؤمنين بأن الهكم لو كان صدقاً ـ كما تقولون ـ لنصركم علينا، ولم يدعنا ننتصر عليكم.

وهكذا.. يخسر المؤمنون موقفين:ـ

1ـ موقفاً مادياً، نتيجة الكسل.

2ـ موقفاً معنوياً، نتيجة خسارة الموقف المادي.

فيما يربح الكافرون الموفقين معاً.

وبعض الكافرين يفسرون مكاسبهم بأن الله يحبهم، بدليل أنه وفقهم، ولو لم يكن يحبهم لما وفقهم. ومن هذا المنطلق يكرون على المؤمنين، بأنكم مخطئون في فهم الله ونحن مصيبون، بدليل أن ينصرنا عليكم في كل المباريات.

وهنا.. يتدخل القرآن ليلقي الضوء على الموقفين:ـ

1ـ فالمؤمنون مخطئون في اتكالهم على الله، وسوء فهمهم لمعنى التوكل على الله. لأن الله أمرهم بالعمل، ونهاهم عن الكسل، وهيأ لهم الاستفادة من الفرص والطاقات، فأهملوها، فخسروا وغلبوا.

والله يعوض خسارة العمل، ويعاتب على خسارة الكسل:

{إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم...}(35).

2ـ والكافرون مخطئون. فالله ـ تعالى ـ عندما أطلق أيديهم في الكون، لم يطلقها حباً لهم أو تصديقاً لفهمهم الله، وإنما أطلقها ليجربهم. ولم تكن تجربتهم ليعرف الله واقعهم، حتى يغل أيديهم فور ما يسيئون، وإنما تجربتهم تعني تربية ذاتياتهم، حتى يبلغوا قممهم وتتفتح صفاتهم الغمضة، التي هي النار أو تلتقي مع النار. ولا يمكن أن يبلغ الكافر مداه، إلا إذا بقيت الفرص مفتوحة أمامه، وإلا تصبح صفاته مكبوتة فلا تتفتح.

فالله يمهله، حتى تسول له نفسه أن الله يملي عليه السيئات، ويشجعه على الكفر. ولكن من دون أن تختلط لديه الحقيقة، لأن الله يوضحها له بحججه وآياته، وإلا لبقي قاصراً لا يصح عقابه.

ولكن: كما كسل المؤمنون فبرروا كسلهم بالإيمان، من غير أن ترتبك عندهم الحقيقة، كذلك: ينحرف الكافرون فيبررون انحرافهم بنفي الله، وبأن الله يحب خط الانحراف، من دون أن تختلط أمامهم الحقيقة.

وكما أشار القرآن إلى نقطة الضعف لدى المؤمنين، حتى لا يظلوا مخطئين، فقال:

{إن الذين توفاهم الملائكة...}، هكذا.. يشير القرآن إلى نقطة الضعف لدى الكافرين، حتى لا يظلوا مخطئين، فيقول:

{ولا يحسبن الذين كفروا: أن ما نملي لهم} من إطلاق أيديهم في الكون رغم معرفتنا بهم؛ لا يحسبوا أنما نملي لهم {خير لأنفسهم}، فهم على صواب في كفرهم، أو على صدق في فهمهم المنحرف لله؛ و{إنما نملي لهم}، ونتركهم يتحركون بلا قيود تكوينية، ليكشفوا هوياتهم كشفاً كاملاً لا مهرب فيه: {ليزدادوا إثماً} حتى لا تبقى لهم حجة على الله، فلا يستطيعوا أن يقولوا لماذا يعذبنا الله؟ فقد أثبتوا أنهم أهل للعذاب. فإننا نعلن ـ من الآن ـ وهم لا يزالون في الدنيا، ولا يزالون قادرين على تغيير خطهم؛ نعلن لهم: أن هذا الإملاء إنما هو لكشفهم، {ولهم} بكفرهم وانحرافهم {عذاب مهين}.

فلا كل إمهال تقرير، ولا كل باب مفتوح يصح اقتحامه. ومن يكفر بالله إنما يطوق نفسه، ومن يقترف السيئات إنما يستهلك ذاته.

وقديماً: ـ يوم كان الناس يزنون البضائع بقطع من الطين ـ ذهب رجل يشتري السكر، فوضع البائع قطعة من الطين في الميزان وذهب ليأتي بالسكر، فاستغل المشتري غياب البائع، فسرق شيئاً من الطين الوزنة، وأكله ـ لأنه كان مصاباً بحب أكل الطين ـ، ورمقه البائع بطرفه، فأكثر من الذهاب والإياب، ليوفر للمشتري فرصة استراق أجزاء من الطين، لأنه يخفف الوزن، فيدفع سكراً أقل ويستوفي الثمن الكامل. والذي استرق الطين، أضر بنفسه من أكل الطين، وأخذ سكراً أقل من حقه.

وهكذا.. يكون الذي يغترون بإمهال الله لهم، فيغترفون السيئات؛ يضرون بأنفسهم، ويفوتون فرصهم: فالزاني ـ مثلاً ـ يدفع تكاليف الزنا من أعصابه وماله، ويفوت على نفسه فرصة استغلال طاقته الجنسية في الطريق المطمئن. والذي يأخذ الربا، يدفع ثمن ضعضعة الاقتصاد والصراع الطبقي، ويفوت فرصة استغلاله في التجارة. والذي يكفر بالله، يتحمل مردود الإلحاد، ويفوت فرصة الاستفادة من عقيدته في الشجاعة والاستقرار.

التفكر في دلالات الوحدات الكونية


{إِنّ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ الْلّيْلِ وَالنّهَارِ لاَيَاتٍ لاُوْلِي الألْبَابِ(190) الّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكّرُونَ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النّارِ(191) رَبّنَآ إِنّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}.

(سورة آل عمران: 190 ـ 192)


إذا ألف الإنسان شيئاً أهمله، لأنه يعتبره مفروغاً عنه، حتى ولو كانت في الاهتمام به فوائد جديدة. وخاصة: إذا ألفه من قبل أن يتفتق وعيه، فإنه يتوغل في إهماله إلى درجة الإنكار وإذا جد عليه شيء، اهتم به وربما أكثر مما يستحق، وبنى عليه أحلامه، واعتبره شيئاً حصل عليه بجهده، وخاصة: إذا جد عليه بعد تفتق وعيه، فإنه يتوغل في الاهتمام به إلى درجة العبادة.

فالإنسان يهمل أباه وأمه، رغم أنه وجد عن طريقهما وقدما إليه خدمات لا تثمن، في الوقت الذي ما كان يفكر فيه غيرهما وهو في حاجة ماسة إليهما، ولا يهتم بكل ما يقدمان من خدمات بعد ترعرعه، وربما عنفهما في طلب ما يريد وكأنه يطلب ديناً أنكراه.

وإذا قدم إليه إنسان آخر خدمة بسيطة، اهتم به، وشكره، وتملقه. وإذا طلب شيئاً من غيرهما، طلبه بتواضع واستحياء. لأنه يعرف أبويه مفروغاً عنهما، فهما يسهران عليه بلا مقابل. بينما يعرف من يقدم إليه خدمة، متفضلاً يعطي بمقابل، فلا بد أن يحافظ عليه بجهده، وأن يستدر عطفه بالتذلل له، فيعمل لا كتسابه، ولو بالتخلي عن ذاتيته والذوبان فيه.

وكل منا يهتم بمعطيات (العلم الحديث) اهتماماً لا يسمح بجزءٍ منه لمعطيات (العلم القديم)، وإن كانت في الاهتمام بها مكاسب جديدة، لأنه يعتبرها محرزة مفروغاً عنها.

وهكذا.. نهتم بحركة (الأقمار الاصطناعية)، ونتابع منجزاتها باهتمام وترقب، كلما انتقلت من كوكب إلى كوكب. بينما لا نهتم بـ(الأرض) التي نحن ـ جميعاً ـ جزء منها ابتداء واستمراراً وانتهاء، ولا نتدبر في عظمتها، ككرة ضخمة منطلقة في الفضاء الغامض المجهول، بدقة وسرعة فائقتين، في حركاتها الدورية والانتقالية، ولا نفكر في (الشمس)، هذه الكتلة المشتعلة الهائلة، التي لا زالت تشتعل من دون أن تنتهي مادتها بالاشتعال أو يقل حجمها فيحترق، رغم أن كل مادة مشتعلة تحترق فتنتهي بالاشتعال أو تقل، مع أننا وكل مظاهر الحياة على الأرض موجودة بحرارة الشمس، ولولاها لكانت الأرض كتلة من جليد. ولا نتأمل في (القمر) ـ هذه الجزيرة المنيرة ـ الذي ننعم بجماله، ويؤمن لنا كثيراً من ضرورات الحياة على الأرض.

ولا نهتم بـ(المجرات) الضخمة الخيالية: الأحجام، والدقة، والحركات... المنتشرة ـ بالملايين ـ في الفضاء الرحب المديد.

لا نعمل شيئاً من ذلك، لأننا تكونا على (الأرض) تحت هذه الخيمة الزرقاء المرصعة بآلاف الملايين من الكواكب والنجوم والسدوم السابحة الجبارة، بينما نهتم ـ وكل أجهزة الإعلام في العالم ـ بكل حركة من حركات (الأقمار الاصطناعية) البسيطة الصغيرة والضعيفة، كلما انتقلت من كوكب صغير إلى كوكب قريب.

لأننا نعتبر (السماوات والأرض) ـ بكل ما فيها ـ قديمة مفروغاً عنها، ونعتبر (الأقمار الصناعية) أشياء جديدة، لا بد من تتبعها والاهتمام بها.

وقد يطيش الوهم ببعض الناس، فيتصور: أن الإنسان الذي انتقل من كوكب إلى كوكب، قد خرج على نواميس الكون، وتحدى إرادة الله في خلقه. ولا يعلم: أن انتقال الإنسان من كوكب إلى كوكب، بالنسبة إلى جسم مجرتنا التي تسمى بـ(طريق التبان)، أقل من انتقال ميكروب من خلية إلى خلية في جسم إنسان، فكيف إذا قيس بكل فضائنا الخيالي الأبعاد، الذي كله ـ وبكل ما يحفل به من مجرات وفراغات ـ مضموم في قلب السماء الأولى من السماوات السبع، التي زينها الله بكل هذه المجرات، فكأنها ـ جميعاً ـ معلقات في سقف حسب تعبير القرآن:

{ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح... }(36).

وهذا الإهمال للقديم والاهتمام بالجديد، ناتج من النزف العاطفي في أصحاب المقاييس المرتبكة. أما أصحاب العقول المتزنة، فإنهم يهتمون بكل شيء قدر استحقاقه من الاهتمام، سواء أكان قديماً أم جديداً، فليس المهم هو تاريخ ذلك الشيء، وإنما المهم ما نكتسب من الاهتمام به. فلذلك: يهتمون بخلق (السماوات والأرض)، ويفكرون فيها حتى التملي من التفكير.

ولا يكتفون بمجرد الاهتمام بها، وإنما يحاولون استنباط دلالاتها لأن دلالة كل شيء أجدر بالاهتمام من ذلك الشيء نفسه، لأنه طريق، والدلالة هدف، والهدف أجدر بالاهتمام من الطريق. ففلسفة الكون أجدر بالاهتمام من الكون نفسه، لأن الكون وجد تعبيرا عن فلسفة هي بالذات موضع الاهتمام.

فالعلم المادي الحديث، مهما اهتم بدراسة الكون واستنتاجه، فإنه إنما يهتم بالكون نفسه. بينما يهتم أصحاب العقول المتزنة بدلالات الكون، والفلسفة التي سببت إيجاد الكون، وربطه ببعضه بهذا الشكل الحكيم الجميل.

والفارق بين العلماء الماديين والعلماء الروحيين في تقييم الكون، هو الفارق بين الطفل والفيلسوف في تقييم كتاب فلسفي جميل: فالطفل يقيمه من خلال زخرفة الورق وجمال الخط، بينما الفيلسوف يقيمه من خلال محتوياته. وهو الفارق بين التاجر والطبيب في تقييم وردة: فالتاجر يقيمها من خلال ما تدر عليه من الربح، والطبيب يقيمها من خلال فائدتها وما يبرأ بها من مرض.

وهكذا.. يأتي القرآن ليوجه اهتمام الإنسان إلى الظواهر الكونية:

{إِنّ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللّيْلِ وَالنّهَارِ} ما يجدر بالاهتمام، أيها الإنسان! وإن فيها {لآيات لأولي الألباب} التي هي العقول المتزنة التي تكتنه الأسرار. وهم {الذين: يذكرون الله قياماً} في حالات الاستقامة على الأرجل، والسعي في الحاجات، {وقعوداً} في حالات الانكباب على مختلف الأعمال، {و} حتى وهم مسترخون {على جنوبهم} لطلب الراحة، أو في انتظار النوم.

{و} كلهم ـ عندما { يتفكرون في خلق السماوات والأرض} ـ لسان يقول: {ربنا! ما خلقت هذا.. باطلا}، بل خلق ذلك لفلسفة عميقة. {سبحانك}، فأنت المنزه عن العبث، فلم توجد هذا الكون العجيب عبثاً وبلا هدف عظيم. {فقنا عذاب النار}، ونجنا من إهمال دلالات هذا الكون، الذي يؤدي إلى الغفلة عنك ويهوي في النار، بل اجعلنا ـ دائماً ـ في مستوى الهدف العظيم، الذي خلقت له الكون، وخلقتنا من أجله.

فالإنسان الذي لا تقوده دلالات هذا الكون الكبير، ولم يستنبط منه هدف الحياة، وبقي أعمى هائماً في المتاهات حتى ينكب في النار؛ تافه محكوم عليه بكل النقائص.

{ربنا! إنك من تدخل النار فقد أخزيته}، ولا يشفق عليه أحد، لأنه بركوبه رأسه ـ رغم الإنذارات الشديدة، ورغم ما يصعقه كل آية في كل موضع قدم ـ لا يدع لنفسه عذراً يبرر به انزلاقه إلى الهاوية، فلا يدافع عنه أحد.

{وما للظالمين من أنصار}.

ذكر الله على كل حال


{الّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ}

(سورة آل عمران: الآية 191)


{الذين} استوعبوا فلسفة الكون والحياة والانسان، وعرفوا أن مكانة الكون والحياة والإنسان من الله ليست أكثر من مكانة المخلوق من الخالق، وعرفوا أن مكانة الفرد من الكون والحياة ليست أكثر من مكانة فرد من مجموعة مؤلفة من المليارات في كل جيل على كرة لا ترى من عمق الفضاء إلا بالمجاهر القوية، وعرفوا أنهم ما جاؤوا إلى هذه الحياة إلا ليمروا بتجربة معينة في طريقهم إلى مرحلة أسمى وأوسع؛ فهؤلاء.. يكسوهم من الخشوع الدائم أكثر مما يكسو الطالب ساعة الامتحان، حتى يطبعهم خشوع يغلب على سائر مميزاتهم.

فهؤلاء الخاشعون {يذكرون الله} لا ترديداً وتمتمة شفاه فحسب، وإنما سلوكهم ـ كله ـ يعبر عن تذكر الله، والالتزام بإرادته أكثر من التزام المتدرب ـ حين الفحص ـ بتذكر مدربه، تذكر كل توجيهاته في كل تصرفاته. فيذكرون الله ـ بسلوكهم ـ {قياماً وقعوداً}.

والقيام والقعود: زمزان عن كل الحالات والأطوار، بكل نبضة فكر، ونفضة عصب. {و} حتى عندما ينامون {على جنوبهم}، لا يمسكون عن ذكر الله باللاشعور ـ وهو جهاز واع، يعمل باستمرار من الميلاد إلى الوفاة. وهو مستقل عن جهاز الشعور، إلا أنه يعمل لمصلحة الخط الشعوري للإنسان: فيتلقى المعلومات، ويفرزها، ويتفاعل مع جهاز الشعور وغيره. وهو الذي يحرك الرؤيا في المنام ـ.

هؤلاء الخاشعون، تسهل عليهم الصلاة، ويهون عليهم الالتزام الدائم بمواقيتها. لأنها جرت فيهم، وانسجمت معهم، حتى أصبحت تسلية يستريحون إليها، ومفتاحاً يستفتحون بها المعضلات. فالإنسان ـ عندما يتخلص من علاقات الأرض، ويتكرس أمام الله بالصلاة ـ يتأهب فيه اللاشعور، لاستقبال موجات الوحي المتواصلة، بحساسية مرهفة، يتلقى الكثير مما يعينه على معالجة القضايا التي استعصت عليه.

ومن هنا: كانت الصّلاةفي تصوير النبي (ص): «معراج المؤمن»(37). ولهذا: كلما تكاثرت المشاكل على رسول الله (ص) حتى غامت على وجهه الشريف، قال لمؤذنه (بلال الحبشي): «روح عنا، يا بلال»(38) أي: أذن للصلاة، حتى يروح عنا الضباب.

(1) سورة القصص: آية 5ـ 6.

(2) سورة آل عمران: آية 7.

(3) سورة القيامة: آية 4.

(4) سورة آل عمران: آية 190.

(5) سورة يوسف: آية 109.

(6) سورة الروم: آية 50.

(7) سورة الحج: آية 46.

(8) سورة الأنبياء: آية 38.

(9) سورة طه: آية 109.

(10) مضمون ما في مسند أحمد بن حنبل ج2 ص333 و350 و360 و399 و519.

(11) بحار الأنوار ج7 ص241 ح11.

(12) وسائل الشيعة ج3 باب تحريم الاستخفاف بالصلاة ص16 ح3.

(13) سورة آل عمران: آية 110.

(14) بحار الأنوار ج43 الباب 3 ح40 ص37.

(15) سورة الانعام: رقم 6 الآية 86.

(16) سورة الإسراء: آية 11.

(17) مسند أحمد بن حنبل ج5 ص278، النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير الدمشقي ج1 ص33، والملاحم والفتن لابن طاووس ص157 الباب الخامس.

(18) نفس المصدر.

(19) الملاحم والفتن لابن طاووس ص157 الباب الخامس، ومسند أحمد بن حنبل ج5 ص278.

(20) نهج البلاغة الخطبة 16 وبحار الأنوار ج5 ص218.

(21) سورة الرعد: آية 11.

(22) سورة النور: آية 40.

(23) نقصد من الأقوى والأضعف، بالنسبة إلى الطرف الآخر. م.

(24) البرهان ج3 ص191 ح5.

(25) سورة البقرة: آية 249.

(26) تحف العقول ص 43.

(27) بحار الأنوار ج1 ص96 باب 2.

(28) مجمع الزوائد للهيثمي ج6 ص117.

(29) سورة الأحزاب: آية 36.

(30) سورة الأحزاب: آية 6.

(31) نهج البلاغة ـ صبحي الصالح ـ الخطبة(51).

(32) كما يدل على ذلك: ما يروى من بقاء قتلى القنبلة الذرية في هيروشيما. م .

(33) سورة النساء: آية 123.

(34) سورة النساء: آية 97.

(35) سورة النساء: آية 97.

(36) سورة الملك: آية 67.

(37) أنظر نهج الفصاحة.

(38) بحار الأنوار ج80 ص16.