|
۞ مقدمة المؤلف ۞ |
|
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وآله الطاهرين، واللعنة على أعدائهم أجمعين. حول الكتاب لا أدري: هل لفمي طهارة تسمح له بتلاوة القرآن الكريم؟ وهل ليدي قداسة تجوز لها لمس كتاب الله؟ وهل لي وعي يبرر لي التملي من آيات الله؟ وهل يأذن الله لي بالاقتراب من كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنا البشر حلبة للشيطان والملاك، ولا أعلم أيهما المنتصر في وجودي؟ وإذا اقتربت من الحبل الممدود بين السماء والأرض، فكيف أستقبل كهربته، التي امتصت أحياءً وأيقظت أمواتاً؟((1)). ولكن: سأتجرأ على هذه المغامرة، وأقتحم هذا التيار الخطر، لأنها تجربة لا يمكنني أن أنمو وأتسع بدونها، وهو الذي ناداني إليه في آيات كثيرة(2). سأسير خلفه ـ متوكلاً على الله ـ فهو إمامي(3)، وهو المسؤول عني إذا أحسنت اتباعه، وأسأل الله حسن اتباعه، فهو يملك مني أكثر مما أملك من نفسي. وسأجلس على مائدته، بانتظار أن يفتح الله لي حرفاً أو يطردني، فهو وليي الذي دلني عليه. وسوف لا أفتح التفاسير، فما دام البحر أمامي فلماذا أدوخ في المختبرات. ولا أتحمل مسؤولية التفسير. فأنا أدون ما أفهم من القرآن، ولست واثقاً من صحة ما أفهم ما دام الامام الصادق (عليه السلام) قال لبعض أصحابه: «ما ورثك الله من كتابه حرفا»(4)؛ فربما أخطىء أكثر مما يسمح لي به حق الخطأ. وكفاني سعادة أن لا أعق القرآن. *** كثيراً عشت وحشة قاتلة وأنا بين الناس، وكثيراً عشت وحدة خانقة وأنا أهرب من الناس؛ فأستسلم للأفكار الهوجاء التي تبدأ بن من حيث أنا، فتطوف بن في كل اتجاه، حتى تنتهي إلى آية قرآنية منسية في ذاكرتي، تطل علي من حيث لا أدري، فتسلمني الأفكار المتناقضة إليها، وتنسحب بهدوء، وإذا بي أصحو في جو رحيم مفعم بالحنان، وإذا بي لا أعرف أين همومي التي لم أشأ أن أعتبرها كثيرة، ولكنها كثيرة على أعصابي. وكانت الآيات القرآنية، لم تعلق ببالي إلا لتؤنس وحشتي ووحدتي. وكثيراً رفرفت آية علي وأنا لا أجد ما أسجلها به، ثم أنسى رفيفها الحبيب. وإذا تنفست علي آية وتحمل القلم شيئاً من نسيمها، كتبت ما يتحمله الورق وأنا غير راض عما أكتب: فقد بدأت بكتابة هذا الكتاب وأنا في سجن، وسرت فيه وأنا مسترخ على سرير في غرفة صغيرة، خلال أسفاري التي تكثر فيها أحيان وحشتي ووحدتي، خلافاً لأكثر الناس. *** يجنح بعض الباحثين ـ بشكل عفوي ـ إلى تظهير أنفسهم محور الحركة التي يكتبون عنها، ليخيلوا إلى القارىء أن تلك الحركة إنما قامت على كتفي الكاتب وحده، وإن سائر العناصر التي كانت تضمها إنما كانت عناصر ثانوية أو مساعدة. ويفعل ذلك بعض المؤلفين الفكريين وبعض المفسرين، وكأنه يوحي بأن غيره لم يعرف الفكر أو لم يفهم القرآن. وقد يكون في هذا الجنوح بعض العذر للكاتب، لأنه يحاول أن يعلي مركزه ليمكن رأيه من ذهن القارىء، وإن لم يكن له في الكتاب مركز إلا بحجم جسمه. ومثل هذا الأسلوب كان شائعاً في الأدب القديم، الذي استبدت به محاور: المدح، والهجاء، والوصف، والحماسة.. وسرى عدوى الأدب إلى الفكر. ولكن هذا التبرير لا يسوغ تمرير العدوى إلى الكتابة الفكرية المعاصرة، ولا يحل الكاتب من التقيد بالموضوعية في عرض الآراء. وقد خطر ببالي هذا المعنى ـ عندما بدأت بكتابة هذا الكتاب ـ ففكرت أن أعرض في ظل كل آية ما أستطيع جمعه من أقوال المفسرين. ثم رأيت أن ذلك يتيه بالقارىء في غابات من الآراء، تكون بالنسبة إليه أشبه بـ(تيه بني إسرائيل). فعمدت إلى عرض ما أقتنع به، وأدعو القارىء إلى قراءة ما كتبت، بالإرادة الكاملة، والفعالية الذهنية البعيدة عن الأنانية والاستسلام معاً. كما أرغب قارئي أن يستأنس ببعض كتب التفاسير، ولا يعتبر ما كتبته وحياً منزلاً، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. مع العلم بأنني لا أعتبر هذا الكتاب (تفسيراً) للقرآن، فتفسير القرآن مختص بأهل البيت عليهم السلام، الذين تلقوا علومهم من منزل القرآن: «من فسر القرآن برأيه، فليتبوأ مقعده من النار»(5)؛ وإنما أنا كتبت ما فهمت من القرآن، ولا أتحمل مسؤولية تفسير القرآن. *** أنا.. لا أحاول تفسير القرآن ـ من خلال هذا الكتاب ـ، فتفسير القرآن لمن نزل القرآن في بيوتهم، فـ«إنما يعرف القرآن، من خوطب به»(6)ـ كما في الحديث ـ. وما أردت أن ادخل في مباحث بيزنطية تفرض على القرآن، ولا أن أحمل القرآن ما أبهض العقل البشري، وإنما حاولت ـ مجرد محاولة فقط ـ أن أتابع القرآن. وإنما وضعت على الورق ما فهمت من القرآن، ولا أكتم أن أكثره خطر لي من مجرد التأمل في آيات القرآن ذاتها، من دون استعانة برأي أو كتاب. فربما كنت في طريق أو في مجلس، فيمر حادث أو تعترض كلمة تذكرني بآية من القرآن، فأتأملها، وتخامرني خواطر، وأسجلها عندما أجد قلماً وورقاً. ولذلك: كتبت أكثرها في الأسفار، على أوراق الفنادق وبأقلام ناشفة، وبدون مراعاة لتسلسل في الآيات، وبدون الاعتماد على الروايات. وإن كنت حاولت ـ بعد ذلك ـ أن أجد سندها في روايات الأئمة عليهم السلام، وقد وجدت سند بعضها ـ بالفعل ـ ولم أجد سند بعضها. والأئمة عليهم السّلام غم استيعابهم للقرآن ـ ما استطاعوا تفسيره: 1 ـ فكم تمنوا أن يجدوا أوعية يفرغون فيها بعض علومهم! ولكنهم أصيبوا بخيبة أمل. فالمناخ البدائي الذي عاشوه في ذلك الوقت المبكر، بين الزوابع والأعاصير المختلفة، شح عليهم إلا بعقول عقيمة اضطروا إلى إعطائها بقدرها. 2ـ ووجدوا آفاقاً واسعة في بعض الرواة، ولكنهم ـ بدورهم ـ اضطروا إلى الاحتفاظ بالمعاني العميقة السامية، خشية أن تنهشهم التهم. ألم يقل عبد الله بن العباس: «حدثني أمير المؤمنين، ليلة كاملة، عن تفسر البسملة...»(7)؟! ثم: كتم ما قاله الإمام، لقصور الرأي العام. أو لم يقل الإمام زين العابدين، في الستينات من القرن الأول الهجري: يا رب جوهر علم لو أبوح به لقيل: ذلك ممن يعبد الوثنا ولا ستحل رجال المسلمين دمي يرون ـ أقبح ما يأتونه ـ حسنا؟!(8) 3ـ ولم يصل إلينا ما روي عنهم، لكثرة ما أحرق ومزق من أحاديثهم حقداً وحسداً، إذ ضاعت وأكلتها الأرضة زهداً فيها وإهمالاً. وحيث لم أجد السند لهذه الخواطر لم أتأكد من صحتها، رغم قناعتي بكل واحدة منها عندما أراجعها. ولكني لست من الذين يحتكرون الحق ـ كله ـ لقناعتهم، فلعلي أصبت ولعلي أخطأت. فلا أتوقع من احد أن يأخذ بشيء من هذه الخواطر، وإنما أتمنى على من يقرؤها أن يتأملها، ويقدر أنني لم أطلق حرفاً على ورق، إلا بعد أن شحنته بشيء من الوقت وبشيء من الجهد، ووجدته قادراً على الانطلاق. أنا.. لا أأمل من هذا الكتاب أن يعد (تفسيراً)، كل ما أأمل منه أن يكون ضوءاً أخضر على مدخل جديد إلى القرآن. وهذا .. يروي طموحي من هذا الكتاب. *** أنا .. أعلم أن هذا الكتاب يثير جدلاً حاداً وخاصة: في بعض الأوساط من الذين تعودوا نمطاً واحداً من التفسير. والسبب: أن هذا الكتاب، ليس من النمط الذي ألفوه. وليكن حوله جدل ـ فاتر أو حاد ـ أو لا يكون، فالجدل لا يخيف من يحاول تحريك الأدمغة، واحتكاك الفكر. فالحق لا يقدح إلا من احتكاك، كما أن الإبداع لا يكون إلا شرارة احتكاك، وكما أن الحرارة لا توجد إلا باحتكاك، والنور لا يتحرك إلا من احتكاك... ولكن: لا أتمنى أن يؤخذ هذا الكتاب للمزايدة، والتحدي، والمباراة ... فأنا لم أكتبه لشيء من ذلك. ولا أتمنى أن يؤخذ لإحصاء نقاط القوة والضعف فيه، فأنا أقول: إن نقاط الضعف فيه كثيرة جداً { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً}(9). وأي كتاب يحتضن القرآن تبدو ضآلته ويتضاءل، بمقدار ما تبدو ضآلة مؤلفه ويتضاءل عندما يقف أمام الله الذي نزل القرآن. *** إذا كان من حقي أن أفتح القرآن، فهل من حقي أن أتأمل آياته، بركائزي ومنطلقاتي؟ أنا لم أكن أمنح لنفسي مثل هذا الحق، بالنسبة إلى كلمات صدرت من عمق الألوهية، التي لا يجد إليها الفكر البشري سبيلاً على الإطلاق. وإذا كنت أمنح لنفسي مثل هذا الحق فكرياً، فلم أكن أسمح لنفسي بممارسته عملياً؛ لو لم يجرئني عليها بعض آيات من القرآن نفسه: (أفلا يتدبرون القرآن؟! أم على قلوب أقفالها؟!(10)، {....إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ}(11). وهذه .. تأملاتي أنا شخصياً، لا أسميها أنا (تفسيراً)، لأنني لا أعرف نفسي في مستوى القرآن حتى أفسره. فتفسير القرآن لعدل القرآن وهو (العترة)، وسواهم إذا وضع نفسه في مستوى القرآن فقد وضع نفسه في مستوى من النار، إذ لا يصل إلى مستواه فيسقط في النار، كالذئب الذي يقفز من قمة جبل ليلتقط القمر فيتحطم في الهاوية. ولا أدعي صحة هذه التأملات، فأنا لا أستطيع أن أحكم على إنتاج من هذا النوع، وإنما حكمه خاص بمن يستطيع تفسير القرآن، وهو غيري. ولا أطالب أحداً بأن يدعم شيئاً من هذه التأملات، لأنها تأملات أولية، وليست أحكاماً حتى يمكن إقرارها أو رفضها. إنما .. مجرد تأملات بدائية بسيطة، كل ما أتمناه على الله ـ بصددها ـ أن يكون هو رائدي بفضله لا باستحقاقي، فهو المبتدىء بالنعم قبل استحقاقها؛حتى أكون قد تدبرت بعض آياته، ونلت في رحلتي المقدسة هذه بعض متاع، فأنا لست أكثر من ذلك حتى أتمنى على الله أكثر من ذلك. *** أنا.. لا أريد أن يقرأ هذا الكتاب كـ (تفسير): 1ـ فهذا .. ليس أكثر من (مذكراتي عن القرآن)، التقطتها خلال رحلتي العابرة حول القرآن. ولا يعلم: كم من هذه المذكرات مصيبة؟ وكم منها خاطئة؟ إلا من خوطب بالقرآن. أنا لا أتحمل مسؤولية تفسير القرآن، لأني أحاول أن أكسب بهذا الكتاب أجراً، ولا أريد أن أتبوأ به مقعدي من النار. *** لي حق واحد، بهذا الحق أتمسك بالقرآن، وهو أن القرآن نزل كافة للناس، وأنا واحد من الناس، فلي الحق في أن أتناوله. ولعلي أخطىء فهمه ولعلي أصيب، إنما المهم أن أتفاعل معه، أن لا أنافقه، ولا أتخذه ظهرياً. وأنا .. لا أستطيع استيعابه، كما لا أستطيع استيعاب الكون، الذي هو دون كلام الله. إنما يكفيني أن أكون حبة رمل يمتد إليها المرج عساها تصفو، أو يشرق عليها وهج السماء عساها تتبلور. *** هذا .. ما أفهم من القرآن، ولا يضيرني أنه محدود، فكل إنسان يستنشق من الهواء في حدود رئتيه. ولا أحاول أن أفسر القرآن، فأنا لا أفهم القرآن على حقيقته، كما لا أفهم الكون على حقيقته. فليس القرآن إلا مجموعة من آيات الله أوجدها بهذا الشكل، وليس الكون إلا مجموعة أخرى من آيات الله أوجدها بشكل آخر. وليس معيباً أن يقول أحد: (أنا.. لا أفهم الكون حتى أفسره)، أو (لا أفهم القرآن حتى أفسره). أنا.. لم أرد التفسير، ولم أتفرغ له، وإنما هي حركة القرآن. كانت الآيات تتحرك في ذهني، لمناسبة وغير مناسبة، وغالباً كانت الآيات تهاجسني دون أن أعي المناسبة. حتى جاء الوقت الذي وجدت الأفكار تثقل ذهني، وتدفعني إلى إراحتها على الورق، وكأنها لا تطمئن إلى بنك الذاكرة، وتطمع إلى رباها في محفظة الورق. *** أنا.. لا أتحمل مسؤولية تفسير القرآن، لقول المعصوم عليه السلام: «من فسر القرآن برأيه، فليتبوأ مقعده من النار..»(12)، وأنا لا أجرؤ على أن أتبوأ مقعدي من النار. فأنا.. لا أفسر القرآن، ولا أدعو أحداً إلى فهم القرآن كما فهمته، وإنما أكتب ما فهمته من القرآن مع ملاحظة ما اطلعت عليه من الأحاديث في تفسير القرآن، عله يكون مساعداً على التفسير. *** نحن نعبر عن أهل البيت (ع)، لأننا أخذنا الخطوط العريضة منهم. ولا نضيف شيئاً من أنفسنا أو آرائنا، إنما نوضح ونسهب من الشواهد والأمثلة. *** (السور القصار) في أواخر القرآن، تحتوي على شحنات مكثفة ومبسطة، توكب تدرج الفكر الجاهلي في سلم التصاعد الاسلامي، فتشبه الكتب المختصرة التي توضع للصفوف المبتدئة، التي تراعى فيها البساطة والاختصار. بينما (السور الطوال) في أوائل القرآن، تحتوي على شحنات مفصلة ومركزة، تلائم استقرار الفكر الاسلامي على قاعدة الحكم والمجتمع، فتشبه الكتب المفصلة التي توضع للصفوف المنتهية، التي تراعي فيها الموسوعية والشمول. ومن هنا.. حملت السور القصار بواكير الرسالة، فكان أكثرها (مكية). وحملت السور الطوال تفتحات الرسالة، فكان أكثرها (مدنية). فاختلفت الخواص التاريخية والتنظيمية: فتعددت السور الطوال لأنها طليعية شاملة، وتلتها السور القصار لأنها مكرسة حافلة لأنها مكرسة حافلة. ولم يستثن منها إلا سورة (الفاتحة)، التي جمعت خصائص كثيرة، فتوجت القرآن كله. وأحببت مواكبة تاريخية الرسالة، ومتابعة تفتقاتها، وتصورت نفسي وراء المسلمين الأوائل، الذين تموج بهم القرآن، ابتداءً من نافذة الفجر في سورة (القلم)، وانتهاء بجلال المغيب في سورة (المائدة). ولكني عزمت على تكميل ما استلهمت منها ابتداء من سورة الفاتحة، متناسياً تتابع النزول، لأن الذي نظمه ابتداء بـ (الفاتحة) وانتهاء بـ (المعوذتين)، كان الوحيد الذي استدر القرآن من السماء. |
|
(1) {... يضل به كثيراً، ويهدي به كثيرا...} (سورة البقرة: 26).م. (2) {أفلا يتدبرون القرآن...}النساء/ 82 {أفلم يدبروا القول...} المؤمنون/ 68.{ليدبروا آياته..} سورة ص/ 29. (3) في حديث شريف: «القرآن إمام أوليائه». م كنز العمال ح4029. (4) بحار الأنوار ج2 ص293. (5) تفسير الصافي ج1 المقدمة الخامسة. (6) بحار الأنوار ج46 ص349ــ 350. (7) بحار الأنوار ج40 ص186 باب 93 ح71. (8) روح المعاني للآلوسي ج6 ص190. (9) النساء: 82. (10) سورة محمد: 34. (11) سورة الرعد: 3. (12) تفسير الصافي الجزء 1 المجلد 1 ص20 المقدمة الخامسة. |