الفهرس

التفسير وعلوم القرآن

الصفحة الرئيسية

 

۞ سورة الأنفال ۞

مدنية وهي خمس وسبعون آية

* التوكل على الله


(إنما المؤمنون، الذين: إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً، وعلى ربهم يتوكلون*).

[ سورة الأنفال: الآية 2].


( التوكل) هو: قبول وكالة المتوكل عليه. وهو الاعتماد على قيادة معينة، تتولى إصدار القرارات التشريعية، حتى يتفرغ الآخرون للتنفيذ.

فالمؤمنون، عندما يتوكلون على الله، إنما يعتمدون عليه مصدراً متيناً للتشريع.

فالتوكل على الله هو الاعتماد على نظامه، مقابل التوكل على الشعب في النظام الديمقراطي، أو التوكل على الفرد الحاكم في النظام الديكتاتوري.

فليس معنى التوكل على الله: إهمال الأمور، ليتصرف بها الله بالطرق المعجزية، بدون تدخل الإنسان.

* الموت عبر المشاهدة


( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون* يجادلونك في الحق بعد ما تبين، :كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون*).

[ سورة الأنفال: الآيتان 5 ـ 6]


الإنسان ربما تأتيه رصاصة من حيث لا ينتظر، فيموت، فلا يفترسه هاجس الموت، لأنه لا يصاب – في هذه الحالة – إلا ويفقد وعيه، فلا يشعر بأنه على حافة الموت.

وربما يحكم عليه بالإعدام في وقت معين، فيعدد الساعات والدقائق والثواني، حتى يأتي الوقت المعلوم، فيساق إلى ساحة الإعدام وتعصب عيناه، ويستمع إلى قرار الإدانة، ويلف حبل المشنقة حول عنقه، ويشد الحبل. فيكون قد عانى من هاجس الموت، أكثر مما يعانيه من عملية الموت – ذاتها – ألف مرة.

* الإسلام: دعوة إلى الحياة


( يا أيها الذين آمنوا! استجيبوا لله والرسول، إذا دعاكم لما يحييكم ...).

[ سورة الأنفال: الآية 24]


هل الإسلام يعبأ للآخرة أم يعبأ للدنيا ؟ وهل مهمته في توجيههم إلى الموت وما بعده، أم في تركيزهم في الدنيا؟ وهل ينفتح الموت إلى الحياة ؟ .....

إن هذه الآية تشير إلى عكس ما يفهم ا لناس – عادة – من الإسلام. فالرسول يدعو الناس إلى الإسلام، وهو يحييهم، إذن: فهم أموات الآن، والإسلام يحييهم. وهم – بدون الإسلام – أموات، مهما تواترت منهم الآثار الحياتية، لأنهم لا يبلغون مستوى حياتهم إلا به.

فالإسلام، طاقة حياتية شديدة الانفجار، نفخ راعي (غفار) فجعل منه (أبا ذر) الثائر. ونفخ الرسول في الشاب المدلل (مصعب بن عمير) فجعل منه العاصفة التي هبت على (يثرب) فحولتها إلى( المدينة)، - ولذلك: لما طاردت (مكة) الرسول، آوته (المدينة) في استقبال حافل بالأهازيج، لأن مصعباً كان قد أعد يثرب للرسول، فلجأ إليها الرسول دون سواها – ونفخ الرسول في سائح (فارس) فجعل منه (سلمان المحمدي). ونفخ الرسول في (بدو الحجاز) فما تحسب إلا والرمال تتحرك، والصخور تنشط من خمول الأبد، فتعبر القارات، لتأخذ زمام الأمم.

إن الإسلام هو نفس (الطاقة) التي جعلت الواحد أكثر من عشرة:

( ... إن يكن – منكم – عشرون صابرون، يغلبوا مئتين. وإن يكن – منكم – مئة، يغلبوا ألفاً من الذين كفروا....)(1).

إن الإسلام هو نفس (القدرة) التي تحدث عنها رسولها فقالك (الإسلام: يعلو، ولا يعلى عليه)(2).

إن الإسلام هو نفس (القوة) التي قلبت كل المفاهيم السطحية، حتى أن: (الموت في حياتكم مقهورين، والحياة في موتكم قاهرين)(3).

فالإسلام (حياة) إذا فهمناه كما عرفه رسوله العظيم، وكما يلهمه قرآنه الحكمي. أما إذا فهمناه صيغة جديدة للطقوس القديمة، فهو (موت) لا ريب.

ونحن – الآن – نعيش الإسلام موتاً – أو تمويتاً – ، نموت به ويموت بنا، لأننا نحاوله طقوساً، جامدة باردة، لا نبض لها ولا عصب. أما إذا أقمناه (ديناً) يستوعب الحياة – كل الحياة – فسيحيا بنا، ونحيا به.

ولكي يكون ذلك، لا بد أن نصحح انطباعنا عنه:

فنحوّله من دور (الطقوس) التي تحيا بين الإنسان وربه، إلى دور (النظام) الذي يبرمج حياة الإنسان.

وننقله من موقف (المعلم) الذي يلقي الأفكار لمجرد الأفكار، إلى موقف (الطبيب) الذي يصف الدواء للتنفيذ السريع.

وندرسه كـ (قانون) يؤثر في مجرى حياتنا اليومية، لا كـ (تراث) لترضية الترف الفكري.

ولا نتركه على الأبواب (سائلاً) – أو متملقاً – يحصد الفضول من التفاتنا، وإنما نمنحه مركز (القائد) والحاكم.

ونعتبره (سكناً) نأوي إليه من الطوارئ، لا (أثراً) ينقل إلينا ذكريات الأسلاف.

ولا نتبرع – نحن – له بدور (المحامي) والموجه، بل ندعه يتحمل: (مسؤوليته) – بنفسه – و(مسؤوليتنا) إذا شئنا.

أي: عندما نقف – نحن – أمامه، ولا يقف – هو – أمامنا.

أي: عندما نتصوره كما هو، فنكون – نحن – في مكاننا الطبيعي، ويكون – هو في مكانه الطبيعي.

عند ذلك، يبدو: كم هو من طاقة! وكم لها من شدة انفجار!

وعند ذلك، يتضح: هل هو حياة أو موت؟! ويبدو: هل الرجال الأقوياء – بدونه – أحياء أم أموات ؟!

* فلسفة الخمس


(واعلموا: أنما غنمتم من شيء، فأن لله خمسه، وللرسول، ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، إن كنتم آمنتم بالله...)

[ سورة الأنفال: الآية 41]


ـ 1 ـ


كل ما يغنمه المؤمن في قتاله مع المشركين، أو في صراعه مع القوى الفاعلة في الحياة، من: مال، ووجاهة، ومنصب، وثقافة .. وحتى من: طاقة، فكرية أو جسدية، وحتى: أولاده، وشعبه، وحياته ... وأي شيء ينسبه – كلياً – إلى نفسه، كل ذلك، ليس له. ذلك:

1ـ إن الإنسان لا يملك شيئاً – في الحياة – سوى تصرفاته الإرادية، التي يمارسها كما يختار هو، وبدون مشاركة من آخر. هذه التصرفات – سواء أكانت حسنات أو سيئات – ملكه الذي لا ينازع فيه:

(وأن ليس للإنسان إلا ما عسى *)(4). وأما ما عدا سعيه وجهده، فليس ملكه الشخصي.

2ـ ما عدا الجهد الشخصي، لا يوجد شيء في الحياة، مما يعدّه الإنسان ملكه، إلا وهو مشارك فيه بحصة معينة من جهده، قد تزيد وقد تنقص، ولكنها لا تخرج عن كونها حصة معينة، تجعله مالكاً جزئياً، أي: مشاركاً، ولا تجعله مالكاً كلياً، أي؛ مالكاً وحيداً.

فالمخترع، ليس الاختراع الذي يتوصل إليه ملكه الشخصي، وإنما ساهم في اختراعه: كل من درس عليه، وكل من ترك له نظرية أفادته، وكل موظف ساعده في مختبره، وكل من أنفق عليه في مرحلة من مراحل حياته السابقة، وكل من أمده في لباسه، أو غذائه، أو مسكنه... أو أي شيء من ظروفه المعيشية، أو النفسية، أو الاجتماعية ... التي تعاونت معه – مجتمعة – على اختراعه.

فلذلك: قد تخترع أمة التلفزيون، أو الطائرة، أو الباخرة.... ولكن الشخص الأخير الذي يتولى إعلانها، ينسبها إلى نفسه، بينما لم يكن إلا جزءاً بسيطاً من الجهود الضخمة، التي تفاعلت وتوالدت حتى أنتجتها.

والتاجر، الذي يقوم – في ساعة أو بعض ساعة – بصفقة مربحة، ليس هو وحده الذي ربح الصفقة، وإنما الكثيرون هم الذي هيؤوا الصفقة للربح، من: المنتجين الذين وفروا له البضاعة، والمستهلكين الذين أكثروا الطلب ورفعوا السعر، وآخرون .. وآخرون .. ممن تعاونوا، من قريب أو بعيد، أياماً أو سنين، في الصفقة، هم الذين اشتركوا في الصفقة وربحها.

كما أن الغصن الذي يتشرف بحمل التفاحة، ليس هو وحده الذي أنتج التفاحة، وإنما الكثير من:الأيدي البشرية، والعضلات الحيوانية، والعناصر الطبيعية ... هي التي أنتجت التفاحة، وجاء الغصن – أخيراً – ليكون قناة تفرغ عبرها التفاحة في صيغتها الزاهية.

وكما أن رئيس الدولة، الذي يزهو بـ : انتصار مجيد، أو إنجاز ضخم، أو دخل قومي هائل .... ليس هو الذي عمل كل ذلك، وإنما كان التوفيق أن يجني كل ثمار شعبه، ويقدمها إلى الرأي العام، مستعلياً على أنداده بأنه قمة شعب عظيم.

فعلى كل إنسان يغنم شيئاً، مادياً أو معنوياً، أن يعلم: أنه أتى إلى السباق في نهاية المطاف، فهو صاحب الخطوة الأخيرة في السباق، وله من الحق في الغنيمة بمقدار من له خطوة، كبقية زملائه على الطريق. وليكن له الضعف من حق واحد من السائرين، لأن الحظ جعل خطوته الواحدة الخطوة الأخيرة. وليغال في حقه كما يشاء، ولكن مهما غالى لا يمكن أن يصبح، هو وحده صاحب الحق كله، وأن لا يدع لزملاء الدرب أي شيء. ليكن الواحد بالمئة – رغم أن المشاركين في كل عمل أكثر من مئة إذا أحسنا الحساب – وليكن له اثنان بالمئة، وليغال فليأخذ ثلاثة بالمئة، وليضرب هذا الرقم بعشرة وبعشرين، وليطغ، وليفعل ما يشاء ... ولكنه - أخيراً – لا بد أن يعترف بشيء من الحق للمساهمين معه.

إذن: فليعلم أن كل ما وصلت إليه من غنيمة، ليست كلياً له وحده، وإنما هي ملك له ولغيره. وليعط لنفسه الأفضلية، فليأخذ ثمانين بالمائة، وليعط لغيره – من أصحاب الحق – عشرين بالمائة.

ولكن: من هم أصحاب هذا الحق، حتى يعطيه لهم؟

أصحاب هذا الحق، جنود مجهولون، لا يمكن أن نضع قائمة تفصيلية بأسمائهم، ولا يشترط أن نعرف التفاصيل، إنما يكفي أن نعرف مجمل فصائلهم.

ومجملهم: المجتمع الذي ينوب عن المجهولين، في أخذ الحقوق ودفع الحقوق، فيأخذ المال ( المجهول المالك)، ويرعى (من لا ولي له).

والمجتمع شقان:

1ـ شق النظام: الذي هيّأ المناخ المناسب للعمل والإنتاج ومصادر النظام هم: الله مشرعاً، والرسول وأوصياؤه منفذين.

2ـ شق المعذبين الذين كسرتهم معاكسات المجتمع. فعلى المجتمع أن يكفّر عن خطاياه فيهم، ولا يدعهم يتمزقون ببراثن: الفقر والجهل، والمرض....

هذا الخمس 20% الذي يدفعه من اغتنم غنيمة، ليس (فضلاً) نابعاً من أريحية، وإنما (حق) لم يكن له في الأساس، وإن جاء عبره، لأن المجتمع اشترك معه في (الإنتاج)، فهو شريكه في (النتاج).


ـ 2 ـ


ربط الخمس بالله، ليس لأن الله يملك بالفعل فقط 20% مما يغنمه الإنسان، فالله يملك الإنسان وكل ما يغنم والكون جميعاً، وإنما تصعيداً للاقتصاد الصحيح إلى الإرادة الإلهية – حتى في التفاصيل – حتى يدفع الدافع وهو يعلم أنه يؤدي حقاً مقدساً لله، ويأخذ الآخذ وهو يعلم أنه يستوفي حقاً مقدساً لله. وتأطير الاقتصاد الصحيح بقداسة، وارد في النصوص الإسلامية بلا تحفظ، ففي الحديث: (ما من بالله، من بات شبعان وجاره المسلم جائع)(5).

* عبرة من حرب بدر


( وإذ يريكموهم – إذ التقيتم – في أعينكم قليلاً، ويقللكم في أعينهم، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً. وإلى الله ترجع الأمور*).

[ سورة الأنفال: الآية44]


الصراع بين قيادتين، لا ينشب إلا إذا كانت احتمالات الانتصار – لدى كل قيادة – أكثر من احتمالات الانكسار، بأن يكون كل قيادة واثقة من تفوقها، أي: عندما تدل الحسابات على أن الخسائر أقل من الأرباح.

وأما إذا كانت إمكانات القيادة الأخرى، مجهولة بحيث تتحير المعادلات.

وأما إذا كانت إمكانات القيادة الأخرى، متعادلة بحيث تكون نتائج المعركة رهينة الخطط، والارتجالات الوقتية في اللحظات الحاسمة.

وأما إذا كانت إمكانات القيادتين، هائلة بحيث لا تقرر نتائج المعركة إلا بخسائر فادحة لا يمكن احتمالها.

وبصورة عامة: إذا كانت المعركة بحيث لا تنكشف عن غالب ومغلوب، فإن القيادات العاقلة تتحاماها – مهما كانت المنطلقات.

وإنما تدخل القيادات في معركة، تدل حساباتها على أن النتائج شبه مضمونة في جانبها، فلا يراهن أحد على حصان خاسر، إلا في حالات انتحارية. وقرار المعركة لا يتخذ في اللحظات العصبية.

ولذلك،قيل: (الاستعداد للحرب، يمنع الحرب). فإذا بلغ كل قيادة – مرشحة للصراع – قمة التحشيد، تتهيب الصراع بمقدار قوته.

ولذلك: قلل الله كل جانب في أعين الجانب الآخر، ليظن النصر مضموناً في جانبه، فيخوض معركة كان لا بد منها، ليظهر المسلمون قوة على مستوى الصراع,

* الله عاصماً، والمؤمنون قاعدة ملائمة


( يا أيها النبي! حسبك الله، ومن اتبعك من المؤمنين*).

[سورة الأنفال: الآية 64]


( يا أيها النبي) إنك كقائد مؤسس لأمة ودين، قد تفكر في الاستعانة بإنسانيتك الشاملة، للانتشار على البشر جميعاً، من أجل تحشيد كل الطاقات الإنسانية لتحقيق هدفك الكبير، وهو تأسيس أمة ودين.

ولكن: بما أن الطاقات الإنسانية مختلفة النوعية، وكل عنصر – من هذه الطاقات – لا يتبلور إلا عن معدنه الأصل عندما يتحرك في اتجاه الإنجاب، فمهما حاولت تطوير تلك الطاقات، وتنسيقها، فلن تتلاقح لإنجاب هدفك – أنت – ، وإنما تنجب شيئاً تشتبك فيه تيارات تلك الطاقات، ولا يجديك ذلك الشيء الذي يحمل طوابع كل الطاقات الإنسانية العاملة في خدمة الإنسان، فقنوات الأضواء مهما امتزجت، لا تمر بموشور إلا ويستعيد كل قناة نشاطه المستقل، وينطلق من أحد جوانب الموشور محتفظاً بكل خصوصياته. ولا تتركب نبعات الأشجار على ساق، إلا وتقدم كل نبعة ثمرتها الخاصة. وحتى السلالات البشرية إذا تلاقحت، تتخلى عن ذاتياتها .... فيا أيها النبي! لا تحاول تجميع الطاقات الإنسانية المختلفة، فإنها تتعبك ولا تتبعك. فأنت صاحب قضية، وعليك أن تطرح قضيتك على الرأي العام العالمي، ثم تحتاج إلى:

مصدر قوة، يؤمنك دائماً، ويعصمك من التوقعات.

وإلى: قاعدة، تنطلق منها نحو هدفك الكبير. وأنت: لك (الله)، وهو المصدر الأعظم لكل القوى، يؤمنك، ويعصمك. ولك (المؤمنون)، وهم أمنع قاعدة تعينك على الانطلاق، لأنهم جاؤوك سامعين لك مطيعين، وهؤلاء ... هم قاعدتك المطواعة رغم ضعفهم، لأنهم لك، لا أصحاب القدرات المختلفة رغم قوتهم، لأنهم ليسوا لك. وكل شيء لا بد أن يكون منسجما مع قاعدته:

فالرصاصة تستطيع الانطلاق من فوهة البندقية رغم ضيقها، لأنها منسجمة معها، ولا تطيق الانطلاق من رحاب الفضاء رغم سعتها، لأنها ليست منسجمة معها.

والشجرة يمكنها أن تعرق في التراب بالرغم من رخصه، لتمد أغصانها إلى الشمس، ولا يمكنها أن تعرق في الذهب بالرغم من غلائه.

والإنسان يقدر أن يقتات اللحم والنبات، ولا يقدر أن يقتات الأحجار الكريمة .. لأن الانسجام شرط في التعامل الكوني.

فيا أيها النبي! (حسبك الله): مصدر قوة عاصمة، (و) حسبك (من اتبعك من المؤمنين*): قاعدة ملائمة. فاربأ بقاعدتك – مهما كانت أوضاعها، ومهما كانت آمالك –، وهيّئ نفسك للتحرك قبل أن يسبقك الزمان، ولا ننتظر الأسماء والرؤوس الكبيرة، والقدرات الهائلة، فإنها تعيقك ولا تفيدك.

* تعظيم المؤمنين من الصحابة


( يا أيها النبي! حسبك الله، ومن اتبعك من المؤمنين*).

[ سورة الأنفال: الآية 64]


كل النصوص الإسلامية التي تعلّم المسلمين (التوكل على الله)، تلقنهم: (حسبك الله)، (وحسبي الله)، (حسبي الله وكفى) ... فالله هو حسب الجميع، فهو المصدر والمهيمن وإليه المصير.

ثم: هل هنالك من إرادة مستقلة التأثير عن إرادة الله؟!

هل يوجد لله شريك في ملكه، حتى يكون هو مع الله حسب المسلمين ؟!

أو يسوغ لمسلم أن يقول: ( حسبي الله وفلان)؟! فيكف يقول القرآن: (حسبك الله، ومن اتبعك من المؤمنين*)؟! فهل المؤمنون شركاء مع الله في كفاية النبي؟!

ثم: كيف يوجه مثل هذا الخطاب إلى النبي، الذي هو أعظم من خلقه الله، حتى لو كان هنالك من يصح أن ينضم إلى الله بعد كلمة (حسب) لكان هو النبي، باعتباره أقوى الوسائط والشفعاء إلى الله، لأنه واسطة الرزق والرحمة، أي: الفيض المادي والمعنوي:

((ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله، وقالوا: (حسبنا الله، سيؤتينا الله – من فضله – ورسوله. إنا إلى الله راغبون)(6)، (... ولو أنهم – إذ ظلموا أنفسهم – جاؤوك، فاستغفروا الله، واستغفر لهم الرسول، لوجدوا الله تواباً رحيماً *)(7)..... ؟!

والجواب:

1ـ إنه تعظيم للمجاهدين من الصحابة تعظيماً كبيراً، وتجليل لهم بأقصى ما يمكن التجليل. ولذلك: لم يرد في كل النصوص الشرعية نص ما عداه. وكفى بذلك تعظيماً وتجليلاً.

2ـ إن مضمون كلمة (حسبك) خفّف حتى نزل من المستوى الإلهي ووصل إلى المستوى البشري، فلا يحمل من معاني (حسب) إلا بمقدار ما يصح إطلاقه على أي أداة، بذكر (المؤمنين) بعد كلمة (من اتبعك). فـ (من اتبعك) يدل عل أن لهم دور التنفيذ الثانوي المقيّد بالتبعية، وليس لهم دور الإطلاق الذي هو لله دون سواه.

ومع ذلك: فإن إرداف الله بالمؤمنين في شأن النبي (ص)، واستعمال كلمة واحدة: (حسبك) في الله وفي المؤمنين، لهما دلالات عميقة بعيدة، لا يمكن تجاهلها في تكريم الله – تعالى – للمجاهدين من الصحابة. وحسبهم ذلك. مجداً ... وجداً ..

* الصبر .. فالنجاح


( يا أيها النبي! حرض المؤمنين على القتال: إن يكن – منكم – عشرون صابرون، يغلبوا مئتين. وإن يكن – منكم – مئة، يغلبوا ألفاً من الذين كفروا، بأنهم قوم لا يفقهون* الآن .. خفف الله عنكم، وعلم أن - فيكم – ضعفا:

فإن يكن – منكم – مئة صابرة، يغلبوا مئتين.

وإن يكن – منكم – ألف يغلبوا ألفين، بإذن الله. والله مع الصابرين*).

[ سورة الأنفال: الآيتان 65ـ 66]


القرآن يلح على الناس أن يصبروا، لا في مواجهة النكسات والنكبات فحسب، ولا عبر المصائب والمصاعب فقط، وإنما يأمر – في مواجهة الحياة كلها، في السيطرة على السراء والضراء على حد سواء، ولاستقبال النعماء والبأساء، والأفراح والأتراح سواء بسواء – فيقول:

(فاصبر صبراً جميلاً*)(8).

(فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ... )(9)

( يا أيها الذين آمنوا! اصبروا، وصابروا، ورابطوا، واتقوا الله، لعلكم تفلحون*)(10).

بينما الصبر، ظاهرة سلبية لا بد من التخلص منها، تأهباً للسيطرة على الحياة، بتبني الأعمال الإيجابية التي تساعد على التقدم والتوسع والانتشار. فلماذا يلح القرآن هذا الإلحاح على الناس جميعاً، وفي مقدمتهم الرسول (ص) على الصبر، والقرآن هو الكتاب الإيجابي الذي لا تجد إليه السلبية منفساً؟

هذه .. هي الصورة العفوية التي تطبع الأذهان كلما مر عليها الصبر، وهذا ... هو الاستفهام الطبيعي الذي يتبع تلك الصورة.

فيما الصبر، ليس انسحاباً ولا هروباً،وإنما هو ثبات وصمود.

لأن الإنسان، في مسيرته الصاعدة عبر الحياة الدنيا، لا يجد طريقه – في جميع الأحوال – مفروشاً بالأحلام، ولا يستقبل الآمال العذاب أينما اتجه، بل كل فرد يفتح طريقاً خاصة لنفسه، عبر العقبات والكوارث، الملغومة بألوان من الجوارح والمهلكات: فإذا استقبل طريقاً أي طريق.. يتجه إلى هدف أي هدف ... وأراد أن يسير فيه بسرعة معينة على امتداد الطريق، فإنه لا يطوي بعضه إلا وتطويه إحدى المفرقعات، وينتهي دون الوصول إلى هدفه. أما إذا سار بسرعة عندما يجد الطريق مستريحة، وخفف السير إذا تراقصت أمامه الهواجس، ووقف إذا شعر بالخطر، وريثما يتبين حجم الخطر وقوته، ليعرف ما إذا كان يستطيع التغلب عليه أم لا؟: فإذا عرف أن الخطر أقوى منه تنكب، وإذا عرف أنه أقوى من الخطر وأن اجتياحه لا يكلفه إلا أقل مما يكلفه التنكب عن الطريق، غالبه، وبقي سائراً بحكمة وتعقل، فربما يرفق لهدفه، مهما كان بعيداً وعالياً.

تماماً .. كمن يقود آلية في طريق غير مفتوحة، أو في طريق مزدحمة. إنه لا يستطيع أن يواصل السير بمستوى خيالي من السرعة، وإنما عليه: أن يسرع حيناً وأن يبطئ حيناً، وأن يتنكب يميناً وشمالاً أحياناً أخر، وأن يتوقف إذا انفجر في وجهه الضوء الأحمر. وتوقفه – هذا – ليس انسحاباً ولا هروباً، وإنما هو استعداد لقطع الطريق كله.

وهكذا ... الصبر – عندما يطاول الإنسان بما لا قبل له به – صمود وثبات، حتى يمر الخطر أو يزول. فهو عملية إيجابية، تمليه إرادة التقدم. وليس عملية سلبية، يوحي بها الضعف أو الخمول. فكل ما يخدم الوصول إلى الهدف، إيجابي يلزم إتباعه، وإن كان مظهره الساذج أشبه بمظهر الانخذال.

وهذا .. هو الصبر بمعناه الحقيقي، لا التهيّب عن مناورات الحياة.

وبهذا .. يفسر القرآن الصبر، عندما يعتبره مقدمة النجاح، فيقول:

(إن يكن منكم عشرون صابرون، يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة، يغلبوا ألفاً من الذين كفروا ....) . فمن يعرف الصبر، ويطيق الصبر، هو الظافر الذي يتمتع بالإرادة، ويفرض الأشياء العملية. لأن الصبر ضابط الأحداث، الذي يقننها ويخضعها لإرادة التقدم.

وأما الذي لا يستطيع الصبر، فيسير باستمرار .. أينما كان وكيفما واجهته الأحداث.. فإنه لا يتمتع بإرادة، ولا يحرز النصر. لأن الأحداث تعلوه، ويغرقه الطوفان – في يوم من الأيام – مهما كانت طاقاته جبارة عاتية.

* الإيمان والمؤمن


( يا أيها النبي! حرض المؤمنين على القتال: إن يكن – منكم – عشرون صابرون، يغلبوا مئتين. وإن يكن – منكم – مئة، يغلبوا ألفاً من الذين كفروا، بأنهم قوم لا يفقهون* الآن .. خفف الله عنكم، وعلم أن - فيكم – ضعفا:

فإن يكن – منكم – مئة صابرة، يغلبوا مئتين.

وإن يكن – منكم – ألف يغلبوا ألفين، بإذن الله. والله مع الصابرين*).


[ سورة الأنفال: الآيتان 65 ـ 66]


الأشياء المادية الموجودة، وجودها دليل وجودها، أنتجت أو لم تنتج، وعرفت نتيجتها أو لم تعرف، ذلك، بأنها محسوسة تدرك بإحدى الحواس الخمس.

أما الطاقات الكامنة في الماديات: فوجودها ليس دليل وجودها، ذلك: بأنها ليست محسوسة تدرك بإحدى الحواس الخمس، وإنما نتائجها دليل وجودها.

وأما الموجودات غير المادية وغير الطاقات، فليس وجودها دليل وجودها، بأنها لا تلمس بإحدى الحواس الخمس، وليست نتائجها دليل وجودها، بأنها لا تنتج – بالمعنى الحرفي للإنتاج – ، وإنما فعلها دليل وجودها.

والحياة من الموجودات غير المادية وغير الطاقية، ففعلها دليل وجودها. وإذا وجدت أشياء ليس لها فعل، لا يصح ادعاء الحياة لها.

فالجمادات – إذا صح أنها موات – يمكن أن ندعي أنها موات، لأنها لا تفعل فعلاً، فهي لا تنمو ولا تتكاثر ولا تتحرك: فالصخرة التي تقيأها البركان قبل ألوف السنوات، ميتة، لأنها لا تفعل شيئاً. والبناية الحبلى بالعشرات أو المئات من الأطفال والرجال والنساء، ميتة، لأنها لا تنمو. والسيارات المتلمظة، التي تعدو خلف بعضها في أروقة كالأطفال في الأعراس ، موات، لأنها لا تتكاثر ...

ولكن شجرة البرتقال، التي تحمل قفازاتها بأيديها وهي ترقص الباليه للريح، حية، لأنها تجمع عناصر معينة من الكون، وتصوغها حقاً مشحوناً بالهندسة والذوق والعبير.

والجدي الذي ينزو على كل صخرة وفي كل منحدر، ككرة القدم: حي، لأنه يصبح مع السنوات عشرات ومئات....

والإيمان الذي يشع، ويدفئ القلوب المتقلصة من كسل الإلحاد، إيمان حي، وأما الإيمان الذي يغور في متاهات القلوب، كالصقيع الذي يبتلعه الليل في الحفر الموحشة، إيمان ميت لا ينفع صاحبه، وقد يحوّله إلى لعبة رخيصة للشيطان، يوسوس إليه بما يمليه، فيعبد الشيطان وهو يردد اسم الرحمن:

فالنار التي لها دفء ونور، ليست شذرة من نور السماء، وإنما شهقة من سعال جهنم.

والفكرة التي لا تفجر نعيماً من مصادر الطاقة في الإنسان، ليست رحمة من حنان الله، بل مصيدة من نكراء إبليس...

فالإيمان الحي، هو الذي يطفح، وتتوسع دوائره لتضم إليها المغرورين. فإذا تلبد كشحمة العنزة، فهو إيمان ميت، أو زيغ باسم الإيمان.

فالمؤمن الواحد، هو الذي يغلب عشرة من الذين كفروا، كلما نشب صراع بين الكفر والإيمان: سواء نشب الصراع في ميدان القتال، وسواء احتكت الآراء في ساحة حوار، وسواء تشابكت التيارات على صعيد خدمة شعب أو وطن.

وأما من ينقص عن هذا القياس، فيغلب خمسة من الذي كفروا، فهو نصف مؤمن. ومن يحتاج إلى مساعد ليغلب كافراً، فهو 5% من مؤمن. ومن يغلب مئة من الذين كفروا، فهو عشرة مؤمنين ... وبهذا القياس يقاس المؤمنون، وهو قياس عدل ومقياس حق.

* القلب والجسد


(يا أيها النبي! قل لمن في أيديكم من الأسرى: إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أخذ منكم، ويغفر لكم، والله غفور رحيم* وإن يريدوا خيانتك، فقد خانوا لله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم*).

[ سورة الأنفال: الآيتان 70 ـ 71]


1ـ في العديد من آيات القرآن، اعتبر (القلب) مقياس الصلاح والفساد: فالقلب – وحده – مقياس الصلاح:

( ... أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ..)(11).

( ... أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ...)(12)...

والقلب مقياس الفساد:

( ... ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ..)(13).

( .. وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به، ولكن ما تعمدت قلوبكم .....)(14).

( ... ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ...)(15)...

وإذا اختلف القلب والجسد، كان الاعتبار بالقلب وليس بالجسد:

((قالت الأعراب: (آمنا).قل: (لم تؤمنوا، ولكن قولوا: (أسلمنا)، ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ....) ))(16).

( يا أيها الرسول! لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر، من الذين قالوا: (آمنا) بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم .....)(17)...

2ـ القلب – في التعابير الدينية – هو المركز الرئيس للجزء المعنوي من الإنسان . وهذا .. يعني أن مقياس الإنسان هو الجزء المعنوي منه، وليس الجزء المادي.

3ـ الجسد مجموعة من الخلايا العاقلة المكلفة، وكل خلية منها تؤدي واجبها بانتظام. ولكن مجموعها – المركب جسداً – خاضع لعقل وتكليف من نوع آخر، وقد وضع تحت التجربة – في الدنيا – فمنح حرية الاختيار. وعمل الجسد يؤثر على كل خلاياه، ولكن عمل الجسد ليس مقياس الصلاح والفساد، لأنه الجزء الثاني وليس الجزء الأول.

وهذا .. يعني أن للجسد دوراً، وأن الجزء المعنوي من الإنسان لا يلغي دور الجزء المادي منه.

وإذا رجعنا إلى المعادلات الدينية، نجد: أن الإيمان والكفر من عمل الجزء المعنوي، فيما الواجب والحرام من عمل الجزء المادي.

4ـ الإنسان – بتركيبته المعاصرة – لا يستطيع أداء أي عمل إلا إذا اشترك بجزئيه في أدائه:

- فالنوم، الذي يعتبر أبرز الأعمال الجسدية البحتة، لا يتم إلا إذا تحرك الروح في اتجاه آخر.

- والفكر، الذي يعتبر أبرز الأعمال الروحية المجردة، لا يتم إلا إذا تحركت أجهزة الدماغ.

5ـ طالما لا يتم عمل إلا باشتراك الروح والجسد، يكون لكل عمل وجهان: وجه روحي، هو إرادته، وإصدار الأمر إلى الأعضاء بأدائه. ووجه جسدي، هو تحرك الأعضاء لأدائه.

6ـ الوجه الروحي،لأي عمل، هو الوجه الأهم، لأنه يترك أثره على الروح، الذي هو الجزء الأهم. والوجه الجسدي – لذات العمل – ثانوي، لأنه يترك أثره على الجسد، الذي هو الجزء الثانوي.

- من هنا ... نجد القرآن يركز على عمل القلب، في العشرات من آياته.

- ومن هنا ..نجد الحديث يعلن أن (الإرادة) تستأثر بالأفضلية، فيقول: (نية المؤمن خير من عمله)(18)، أي: أن الجزء الروحي من العمل، أفضل من الجزء الجسدي من العمل.

مع حفظ: أن هذا الحديث فسر بمعنى آخر، وهو: أن النية عمل، فنية المؤمن خير، وتسجل في عمله، وإن لم يتبعها عمل.

(1) - سورة الأنفال: رقم 8 الآية 65.

(2) - الوسائل ج 17 ص 376 الباب 1 من موانع الإرث الحديث 11.

(3) - نهج البلاغة – صبحي الصالح – الخطبة(51).

(4) - سورة النجم: رقم 53 الآية 39.

(5) - وسائل الشيعة ج 16 ص 465.

(6) - سورة التوبة: رقم 9 الآية 59.

(7) سورة النساء: رقم 4 الآية 64.

(8) - سورة المعارج: رقم 70 الآية 5.

(9) - سورة الأحقاف: رقم 46 الآية 35.

(10) - سورة آل عمران: رقم 3 الآية 200.

(11) - سورة الحجرات: رقم 49 الآية 3.

(12) - سورة المجادلة: رقم 58 الآية 22.

(13) - سورة البقرة: رقم 2 الآية 225.

(14) - سورة الأحزاب : رقم 33 الآية 5.

(15) - سورة البقرة: رقم 2 الآية 283.

(16) - سورة الحجرات: رقم 49 الآية 14.

(17) - سورة المائدة: رقم 5 الآية 41.

(18) - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ج1 ص 109