الفهرس

التفسير وعلوم القرآن

الصفحة الرئيسية

 

۞ سورة الأعراف ۞

مكية

وهي مئتان وست آيات

* عوامل الهبوط إلى الأرض


(فلما ذاقا الشجرة، بدت – لهما – سوءاتهما...).

[سورة الأعراف: الآية 22]


سؤال:

في بعض الحديث: ( أن معصية آدم (ع) كان أنه اطلع على منزلة أهل البيت (ع)، فتمناها، فعقوب بالطرد من الجنة كلياً)(1).

فهل يعاقب الإنسان على تمنياته؟

جواب:

1ـ إن الأنبياء (ع) بما لهم من معرفة واسعة، وإيمان واضح – يفترض فيهم أن يكونوا ملتزمين بخطهم، لا في أعمالهم فقط، وإنما في آمالهم أيضاً. فتمني ما ليس من حقهم، خروج عن خطهم. كما أنك تعتبر خارجاً عن خطك، إذا تمنيت ما ليس من حقك – في الأمور التي تعرفها بوضوح – .

مثلاً: لو اطلع أخوك على أنك تمنيت زوجته، أو اطلع أبوك على أنك تمنيت أن تمسك بيدك تيار الكهرباء أو تسقط نفسك من شاهق، فإنه سيعاقبك، أو يعاتبك – على الأقل – .

2- إن الجنة، هي مكان الاستقرار الكامل، وليست ميداناً للصراعات البشرية، لا يستحقها الذين لا زالوا يعانون الأزمات النفسية. وتمني ما ليس بحق، نوبة نفسية، تعبر عن هاجس غير صحي. وهذا الهاجس إن لم يقمع بقوة، يمكن أن يتعشعش وينمو، حتى يصبح قوة تدفع صاحبها إلى السطو على ما ليس له. ومجرد السماح بالاعتداء، يكهرب الجو، ويعرضه لشتى الاحتمالات التي تنافي وضع الجنة.

3ـ إن آدم، باعتباره صاحب ولاية في مستوى معين، لو تمنى مكانة أهل البيت وهم أصحاب ولاية في مستوى أعلى، فإن مجرد تمنّيه تلك المكانة تجاوز خطير، يشبه تمني رئيس وزراء مكانة رئيس جمهورية بلاده، فيؤدي إلى مضاعفات كثيرة. إضافة إلى: أن هذا التمني، يساوي عدم استيعاب أو عدم اعتراف بمعادلة الصلاحية بالإمكانية. وإلغاء معادلة الصلاحية بالإمكانية – ولو في مجال التمني – يؤدي: إلى الشعور بالغبن في جهته، وإلى الشعور بالمحاباة في الجهة الأخرى، وإلى عدم الالتزام بمستلزمات صلاحيته...

* الدعاء


(ادعوا ربكم، تضرعاً وخفية، إنه لا يحب المعتدين* ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، وادعوه خوفاً وطمعاً، إن رحمة الله قريب من المحسنين*).

[ سورة الأعراف: الآيتان 55 ـ 56]


(ادعوا) المسلمون! (ربكم)، ولا تدعو غيره. فربكم: أقرب إليكم، وأقدر على تلبية مطاليبكم، من سواه. فلا تتواضعوا بدعائكم إلى البعيد العاجز، وارتفعوا به إلى القريب القادر، الذي تولاكم ورباكم – منذ البدء – دون سواه.

وفي استخدام كلمة: (الرب) للتعبير عن الله هنا، إيحاءٌ بسابق تربيته للإنسان، قبل أن يكون قادراً على الدعاء. فهو الأولى برفع المطالب إليه، بعد أن أصبح قادراً على الدعاء. ولكن:

1ـ لا تدعوه بطرأً بأطراف ألسنتكم، دعاء من يستحب المزيد عن حاجته للغنى والترف، بل ادعوه (تضرعاً) بنداءات أعماقكم، دعاء من تلح به الضرورة القصوى. فإن الله قد لا يصيخ إلى دعاء اللسان، وإنما يلبي دعاء القلب.

2ـ ولا تدعوه جهرة، دعاء من يطلب الناس بما يطلب به الله. فكأنه يرجو الناس ولا يرجو الله، أو يرجو الله ولكنه لا يرجوه وحده، وإنما يرجوه والناس معاً، حتى كأنه لا يطمئن إلى الله وحده لمطالبه.

بل ادعوه (خفية)، دعاء من يسر بمطالبه إلى الذي ليس له سواه. فـ (إنه) يحب المتمحّضين له، و(لا يحب المعتدين*) على جلال ربوبيته، بإشراك الناس معه في الدعاء، أو بتمحيض الناس بدعائه.

ذلك: أن من له مطلب، قد يكون قادراً على تحقيقه، فيسعى إليه بالعمل الذي يحققه: كمن يريد الانتقال من مكان إلى مكان، فيتحرك في اتجاهه، أو يستقل المركب المناسب لقطع المسافة بين المكانين.

أما من له مطلب يعجز عن تحقيقه، فيتوسل – عن طريق الدعاء – بقدرات غيره لتحقيقه، وإذا أخرج الإنسان من قدرته – هو – فالأقوى الأولى هو الله، الذي حقق وجوده، وتولاه في جميع مراحل حياته. فالله، هو الذي يهب بلا استحقاق، وبدون انتظار جزاء. وأما الآخرون، فإنهم تجار، يتبادلون عملاً بعمل أو مالاً بمال، ويترابون فيما يتبادلون. وحتى الآباء والأمهات، الذين قد يبدو أنهم يعطون عطاءً مطلقاً وبلا حدود، فإنهم:

1ـ إنما يعبرون عن عواطفهم، فعطاء الآباء لأبنائهم يشبه عطاء الزوجين لبعضهما، فكل منهما يعطي دفئاً فائضاً ليأخذ دفئاً ناقصاً يشكو من نقصه. فمن يعطي لابنه، إنما يملأ فراغ الأبوة في نفسه، فليس عطاءً مطلقاً. ثم: هو يعطي بمقدار ما يملأ فراغه لا أكثر، ومن ثم نجد أن من يجد أبناء عديدين، لا يعطي لكل واحد بمقدار ما يعطي الأب لوحيده، لأن الأول يملأ فراغه بمجموع أبنائه، فيما الثاني يحاول أن يملأ فراغه بوحيده.

2ـ إنما يعطي بأمل أن يأخذ البدل في المستقبل، فهو يبادل، وإن كان الطرف الآخر – وهو الابن – قد يخون أمل والده، فلا يدفع البدل.

3ـ إنما يعطي للتنفيس عن عقد معينة: كعقدة الخوف من الفناء بموته، فيحاول تمديد نفسه في الحياة عبر ابنه. وكعقدة الوحدة، فيحاول أن يكثر بأولاده. وكعقدة الخوف من غيره، أو من الشيخوخة، فيحاول أن يقوى بأبنائه.

4ـ إنما يعطي بدافع الخوف من الدين، أو العرف والعادة. ولذلك: نجد الآباء في المجتمعات المنحلة، لا يعطون لأبنائهم ما يعطيه الآباء لأبنائهم في المجتمعات الملتزمة. وقد يأتي وقت لا يعطي فيه الآباء لأبنائهم شيئاً. وقد يستأجرون للإنجاب. فلا يتحملون الإنجاب إلا ببدل.

ثم: إذا لم يستجب الله دعاءكم، فليس السبب من قبله، فهو السميع لدعوات عباده، القادر على تلبية مطالبهم. وإنما السبب من قبلكم:

فلعل مطلبكم يضر بكم وأنتم لا تعلمون، أو لعل توقيتكم له غير مناسب، أو لعل دعاءكم شفوي لا يستجاب ... فلا تحاولوا تحقيقه بأية وسيلة كانت، ولا تتجهوا له نحو الانحراف، (ولا تفسدوا في الأرض) وخاصة: (بعد إصلاحها) من قبل غيركم.

فالإفساد في الأرض – بتبرير الوسيلة في سبيل الغاية – كبيرة، حتى ولو درج عليه الناس وتعودوه، ولكن سنه وابتداعه أكبر من الاستمرار فيه.

وعلى أية حال: لا تنتقلوا إلى السلبيات، ولا تنسفوا الإيجابيات التي بناها غيركم، في سبيل كسب إيجابيات جديدة، فالسلب لا يولد الإيجاب، بل استمروا في الخط الإيجابي. ولكن صعّدوا إيجابية المحاولة، فهنالك الكثير من المطالب التي لا تحقق بدرجة معينة من النشاط، لأنه يحتاج إلى المزيد من النشاط.

(وادعوه) دعاء القلب والفكر والعقل، بأقصى الإيجابية (خوفاً) من أني يجرفكم مردود السلبية، (وطمعاً) في أن يثمر الإصرار على الإيجابية.

فـ (إن رحمت الله قريب من المحسنين*)، الذين إن ضاقت بهم طريق لا يتنكبونها، بل يبحثون عن طريق أخرى.

فالإيجابيات هي التي تثمر، وأما السلبيات فإنها ردود فعل تفرغ شحنة الغضب، ولكنها لا تولد طاقة، ولا تفرز عطاءً. فالفشل في الإيجابية، يعالج بالمزيد من الإيجابية. واليأس من الحياة، جهل بأبعادها، فرحابها لا تضيق بأحد، وإنما تضيق به نفسه فيظن الحياة قد انطبقت عليه.

ثم: إن الدعاء، هو التوجه إلى الله بالمطلب الذي قصرت عنه قدرة الإنسان، فله مردودان:

1ـ مدد الله، الذي يفتح عليه الأبواب المرتجة.

2ـ إصرار الداعي على ما عجز عنه، بعد اعترافه بالعجز.

والإصرار بعد العجز، يولد زخماً روحيا جديداً. والزخم الروحي بعد الفشل، يعني تولد إرادة فاعلة، لا تعترف بالهزيمة. وهذا الحافز الداخلي، الذي يتجاوز حدود الطاقة البشرية، هو الذي تتجلى به مواهب الأفراد: علماً، أو قيادة، أو جهاداً في سبيل الحق، أو نبلاً في الخلق والضمير ...

والمشجع الوحيد للحافز الداخلي، هو القلق من الواقع الفاسد الذي يمثله الخوف، أو الواقع الناقص الذي يمثله الطمع. فإذا توفر القلق بشقيه: الخوف والطمع، فإنه يربط صاحبه باللانهاية، ويشده إليها شداً لا تردد فيه ولا تهاون: لينهض به عندما يسكن، ويشجعه عند ما ييأس، ويقويه عندما يضعف.

فكل من انتهج الدعاء خوفاً وطمعاً، سيهتدي إلى ما كمن في الكون من حقائق، وما انتشر في الوجود من تأملات، وانطوى في النفس من أفكار.

* شعيب: يزاول نبوته

(( وإلى (مدين) أخاهم (شعيباً)، قال:

(ياقوم!

اعبدوا (الله)، ما لكم من (إله) غيره، قد جاءتكم بينة من ربكم.

فأوفوا (الكيل)و(الميزان)، ولا تبخسوا الناس أشياءهم.

ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها.

ذلكم: خير لكم، إن كنتم مؤمنين*

ولا تقعدوا – بكل صراط – توعدون، وتصدون عن سبيل الله من آمن به، وتبغونها عوجاً.

واذكروا: إذ كنتم قليلاً فكثركم.

وانظروا: كيف كان عاقبة المفسدين؟!*)).

[ سورة الأعراف: الآيتان 85 ـ 86]

((وإلى مدين أخاهم (شعيباً)، قال: ( يا قوم! اعبدوا (الله)، ما لكم من (إله) غيره)). إنكم قد تتخذون (آلهة) غير الله. ولكن مواقفكم من الله، ومن ما تعبدون سواه، لا تغير شيئاً من الواقع. لأن الواقع قائم بما فيه من عوامل القيام، ومحدود أو ملق بحدود أو إطلاق تلك العوامل.

أما مواقف الناس منه، فلا تغير فيه شيئاً، لأن المواقف الفكرية لا تصل إلى العوامل الكامنة وراء كل واقع، ولا تغير حدود أو إطلاق تلك العوامل:

فالشمس تبقى في حجمها وفاعليتها ومدارها، وسواء اعتبرناها (إلهة) أو (خليقة) أو أنكرنا وجودها.

والمال يبقى في موقعه من الوجود، سواء اتخذناه (هدفاً) أو (وسيلة) أو أهملنا شأنه .. وهكذا ..كل شيء.

فالله هو (إله) المؤمنين والكافرين، ويبقى (إلهاً) لكل شيء ولكل أحد، بدون أن تزيده أو تنقصه المواقف.

فاعبدوا الإله الواحد، وانطلقوا من توحيد الله إلى توحيد المقاييس. فالإله الواحد يوحد المقاييس، والآلهة المتفرقة هي التي تفرق المقاييس، للانسجام الكلي بين المصدر والصادر. وطالما اتجهتم إلى عبادة الله الواحد، (فأوفوا (الكيل) و(الميزان)): فقدروا كل شخص وكل شيء بكيل واحد وميزان واحد، وخذوا الأشخاص والأشياء بنظرة واحدة واعتبار واحد، ولا تقيموا الأمور بالاعتبارات الشخصية، بل زنوها بالميزان الموضوعي.

ذلك: أن أكثر الناس يتعاملون مع الأشخاص والأمور بأنفسهم، فكل شيء – عندهم – له ميزان بمقدار ما لهم منه: فهذا الإنسان التافه، عظيم، لأنه لهم. وذلك العظيم، تافه، لأنه ليس لهم. وهذا العمل، جليل، إذا صدر منهم أو ممن لهم. وذلك العمل نفسه، حقير، إذا صدر ممن ليس لهم .. فهم لا يرون غير أنفسهم، ولا يعتبرون شيئاً غيرهم، وكأنما مبدأ الكون هم ـ وإن لم يقولوا ذلك ـ، فهم يضعون المقاييس والموازين، ولكنهم يكيلون كل شيء بكيل ويزنون كل شخص بميزان. وهم – في الحقيقة – لا يكيلون شيئاً ولا يزنون شخصاً، وإنما يكيلون ويزنون مصالحهم وأنفسهم.

هذه الأنانية المتحيزة، هي التي دعا (شعيب) إلى نبذها، وحاول استبدالها بالموضوعية المتحررة: (ولا تبخسوا الناس أشياءهم).

هكذا .. انطلق (شعيب) بالنظرة العلمية الجذرية، المتجاوبة مع الفطرة الساذجة في النفوس. خاصة: وقد حرك (شعيب) أكثر من وتر حساس، وهو يضع إصبعه على نقاط الضعف في المجتمع المرتبك، الذي يتخم فيه المستغلون على حساب الجائعين:

1ـ تقدير الأشخاص والأشياء بميزانهم هم لا يميز أنها هي، وفي ذلك: نمط لكرامات وحقوق، ودجل لأشباح وأوهام:

(فأوفوا (الكيل) و(الميزان)، ولا تبخسوا الناس أشياءهم).

2ـ التطاول على من يرفض السير في ركابهم والذوبان فيهم، وتوفير المناصب والأموال على من ينقاد لهم ويستسلم لإرادتهم:

(ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها).

3ـ التوسل بالإرهاب لإجبار الناس بهم، حتى لا يفكر أحد – يوماً من الأيام – بالتمرد عليهم، مهما كان أمرهم حقاً أو باطلاً. لأنهم لا يعملون لحق أو باطل، وإنما يعملون لأنفسهم، فالهدف هم. وليس هناك خط معين يسيرون عليه، أو قضية خاصة يدافعون عنها، فلذلك: لا يناقشون، إذ لا يملكون حجة إلا السيف والسوط، والتوعيد بهما، وقطع الطرقات:

(ولا تقعدوا – بكل صراط – توعدون، وتصدون عن سبيل الله من آمن به).

* إيمان وتقوى الزعماء


(ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا، لفتحنا عليهم بركات من ا لسماء والأرض. ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون)

[ سورة الأعراف: الآية 96]


هنا .. قد يرتسم سؤال:

1ـ ما المراد من القرى؟ هل هي جمع القرية، مقابل المدينة؟ أو المراد: المجمعات السكنية التي تشمل القرية والمدينة؟ فإذا كان المراد القرية مقابل المدينة، فيقال: لماذا بين تخصيص أهل القرى من الناس؟ لماذا لم يرد: ولو أن أهل الأرض آمنوا واتقوا؟ ولماذا لم يرد: ولو أن الناس آمنوا واتقوا؟

يمكن أن يقال: أن أهل القرى، هم الأداة المحركة للحياة:

أ ـ لأن القرى هي المخازن التي تحتفظ بالمخزون الاحتياطي من البشر، فالقرية هي المنبع الذي يمد المدينة بالدم الجديد، وليست المدينة إلا مجمعاً لروافد القرى.

ب ـ لأن القرى تنجب الأصحاء، من أصحاب الأجسام السليمة والنفوس السليمة، التي تستطيع تولي عمليات التغيير والتطوير. بينما المدن تنجب الأشقياء، من أصحاب الأجسام السقيمة والنفوس السقيمة، الذين لا يقدرون على تولي المهام الكبار التي تحتاج إلى القفز والإبداع. ولذلك: كثيراً ما نجد العظماء والعباقرة، من أهل القرى دون أهل المدن.

ج ـ لأن أهل القرى هم قاعدة الإنتاج العريضة، فاليد التي تفجر الأرض، وتحرك الآلة – غالباً – هي يد القرية، وليست يد المدينة. وأما أهل المدن، فيشيّدون هرمهم الرفيع على هذه القاعدة. فيد القرية هي اليد المنتجة، ويد المدينة هي اليد المتعاملة.

فأهل القرى، هم وسائل فتح أو غلق بركات السماء والأرض – غالباً – .

2ـ وإذا كان المراد من القرى، هي المجمعات السكنية – بالمفهوم اللغوي للقرى وهي المساكن – سواء أكانت صغيرة بدائية، لا تمدن فيها ولا حضارة – حسب المفهوم المصطلح للقرية – أم كانت كبيرة متقادمة، حافلة بالتمدن والحضارة – حسب المفهوم المصطلح للمدينة – ، فيقال: لماذا تخصيص أهل المساكن من بين الناس؟ فلماذا لم يرد: ولو أن أهل الأرض آمنوا واتقوا، ولماذا لم يرد: ولو أن الناس آمنوا واتقوا؟

يمكن أن يقال:أن أهل المساكن، هم الأداة المحركة للحياة:

أ ـ لأن أهل المساكن – قرويين ومدنيين – هم الذين يستطيعون اتخاذ القرارات، في اجتماعاتهم ولقاءاتهم.

وأما أهل البادية، من الرعاة والفلاحين، فيعيشون فرادى، مع قطعانهم وفي مزارعهم، وليست لهم تجمعات تمكنهم من تبادل الرأي واتخاذ القرار.

ب ـ لأن أهل المساكن – في مجملهم – هم المتفرقون للشؤون العامة، الذين يستطيعون متابعة الأحداث، واستيعاب الحركات، تمهيداً لاتخاذ المواقف والقرارات.

وأما أهل البادية، فغالباً لا خبرة لهم ولا رأي، حتى يتمكنوا من اتخاذ موقف أو قرار، وإنما هم يتبعون اليد العليا، والحنجرة الأقوى.

ومهما يكن المراد من: (القرى)، فالمراد من: (أهل القرى) هم محركات الحياة، من أهل الخبرة والرأي، القادرون على اتخاذ الموقف والقرار. فلو أن هؤلاء (آمنوا)، والإيمان هو الاعتراف والتسليم، بالواقع الكبير، الذي هو واقع الحياة ومصدر الحياة.

فالإيمان لا يكون إلا بأمرين:

الأول: استيعاب فلسفة الحياة ومصدر الحياة، استيعاباً صحيحاً واعياً.

الثاني: الانسجام مع ما استوعب، من فلسفة الحياة ومصدر الحياة.

(واتقوا)، فالتزموا – عملياً – بما استوعبوا، وانسجموا معه فكرياً، فلم يعاكسوا تيار الحياة، ولا حاولوا إيقاف حركة ا لكون أو تحريفها.

فلو أن أهل الخبرة والرأي، استوعبوا فلسفة الحياة، وانسجموا معها فكرياً، وساروا وفقها عملياً، فمن الطبيعي أن تفتح عليهم حصائل السماء والأرض.

وإذا لم يستوعبوا فلسفة الحياة، ولم ينسجموا معها فكرياً ، أو استوعبوها وانسجموا معها ولكن عاكسوها، فمن الطبيعي أن لا تتجاوب معهم حصائل السماء والأرض.

فالذي لا يفهم حركة الطاقات الفاعلة، في الأرض وفي الجو، لا يستطيع الاستفادة منها. والذي يعاكس حركة الطاقات الفاعلة، في الأرض وفي الجو، لا بد أن يؤخذ بعمله، فيسحق، ويزاح عن الساحة، وتستمر تلك الطاقات في مجاريها:

فالذي لا يفهم الجاذبية، أو يعاكسها، ويحاول أن يقفز من سطح بناية إلى سطح بناية مواجهة، كما تفعل الطيور، فإن الجاذبية تغلب عليه، ويسقط متحطماً.

والذي لا يستوعب، أو يعاكس طاقة الكهرباء، فيلمس أسلاكها المجردة، كما يلمس الأبواب والجدران، يأخذه عمله، فيصدمه التيار، ويتركه جثة هامدة للقبر.

والذي لا يعي، أو يغالب المواد المخدرة، فيتناولها كما يتناول الطعام والشراب، لا بد أن ينهزم في الحلبة، فيفقد مشاعره وأعصابه.

إنما ينجح في الحياة، من يستوعبها ويجاريها. وأما الذي يناقضها، فليس الله حارساً عليه، لا يؤاخذه بمخالفته، وإنما تأخذه مناقضته ذاته، فعمله يدينه، وفعله عقابه.

فلو أن أهل الرأي والسلطة، آمنوا بواقع الحياة، وتحاشوا تياراتها، لسخروا طاقات السماء، ودجنوا مواهب الأرض. ولكنهم كذبوا واقع الحياة، فكانت أعمالهم ويلات تصفعهم، وعقوبات لا يجدون عنها مهرباً.

فيكون المستفاد من هذه الآية: لو أن الواعين من الناس، استفادوا من الوحي في فهم الحياة، ولم يناقضوها، لتفتحت عليهم. ولكنهم كذبوا الوحي، فلم يفهموا الحياة، وناقضوها، فسحقتهم.

ويمكن أن نتجاوز كل ذلك، في فهم الآية، إلى ما هو أعمق، وهو:

كما أن للحياة واقعاً، من يناقضه يتحكم به، هكذا .. فوق الحياة واقع أعلى، وهو إرادة الله: فالجيل الذي يتكيف بها، وينسجم مع تيارها، ينجح في الحياة، مهما قصرت به الوسائل. والجيل الذي يناقضها، يتحطم على صخرتها، فالأجيال المؤمنة، في صدر الإسلام، سعدت وتقدمت، حتى قادت العالم، رغم بدائيتها. والأجيال المعاصرة، التي حاولت الاستغناء عن السماء، شقيت وتأخرت عن ركب العالم، حتى أضحت دويلات مستعمرة، رغم حضارتها، وتراثها، وثرواتها، واستراتيجيتها...

إن في تاريخ العرب درساً بليغاً: فالعرب البدو الشتات، عندما طمحوا إلى السماء،خضعت لهم الأرض، وحينما تحضروا، وسادوا، وظنوا أنهم هم القدرة الفاعلة في العالم، وركزوا مطامحهم في الأرض، تقلص من فوقهم ظل السماء، وانسلت الأرض من تحت أقدامهم، حتى تجمع شذاذ الآفاق، من اليهود الأذلاء، فاغتصبوا بلادهم، وتلاعبوا بمقدراتهم، وجعلوا منهم لاجئين في المخيمات: تحت سماء لا ظل لها، وفوق أرض تتقاذفهم...

وهذا .. دليل على أن هنالك إرادة عليا، هي –وحدها – تملك المصير في المطاف الأخير، وأن محاولات البشر، لا تزيد على تجارب مجردة من السلطة والقدرة، فإذا سارت في تيار الإرادة العليا، كان مكتوباً لها النجاح منذ البداية، وإن تمردت على الإرادة العليا، كان محكوماً عليها بالفشل منذ البداية.

وهذا .. أمر يمكن النقاش حوله طويلاً، ولكن النقاش لا يغير شيئاً من الواقع. فلو ناقشنا حول حاجة جسم الإنسان إلى الأوكسجين، أو حول حركة الشمس والنجوم، أو حول تيارات البحر، أو حول النسبية العامة ...، فليس النقاش – في الأساس – إلا محاولة للتفهم والاستيعاب، وليس محاولة لتغيير الواقع.

والجواب الأخير، على كل نقاش رافض، هو التجربة، والتجارب – دائماً – تنكشف عن الواقع. وتجارب التاريخ والأمم، تقف – مجتمعة – إلى جانب هيمنة الإرادة العليا على المصير البشري.

وفي القرآن: تركيز على استعراض تواريخ أمم: آمنت فنهضت من العدم، وتقدمت زميلاتها في مدرسة الوجود. حتى إذا أترفت وبطرت، واتجهت إلى ذاتها، جرفتها إحدى تيارات الإرادة العليا إلى ظلمات العدم.

* فلسفة الحلال والحرام


(الذين يتبعون الرسول: النبي الأمي، الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم. فالذين: آمنوا به، وعزروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، أولئك هم المفلحون*).

[ سورة الأعراف: الآية 157]


إن الله تعالى، بعث النبي (ص) لأشياء كثيرة، عدد في هذه الآية منها:

1ـ أنه يعطي للطيبات صفة الحلال، ويعطي للخبائث صفة الحرام، والطيب هو الذي فيه المنفعة، والخبيث هو الذي فيه المفسدة.

ولو توسع العلم حتى استوعب معرفة حقائق الأشياء، لأفرز ما فيه المنفعة عما فيه المفسدة.

والمصلحون – جميعاً – يحاولون التشجيع على ما فيه المنفعة والتنفير عما فيه المفسدة، ولكن بإتباع أسلوب الترغيب والترهيب بالمنفعة والمفسدة.

والنبي (ص) بصفته مصلحاً، شجع على ما فيه المنفعة ونفّر عما فيه المفسدة، ولكن لم يؤسس الترغيب والترهيب على المنفعة والمفسدة. وإنما أسسهما على الحرمة والحلية. ولعل هذا الفارق في الأسلوب – الذي قد يبدو شكلياً – من أهم الأعمال التي قام بها النبي، حتى استحق أن يقدم هذا العمل في عرض القرآن لأعمال النبي على تحرير النفوس من القيود الذاتية والغيرية، لسببين:

أ ـ سبب تربوي. فالترغيب والترهيب بالمنفعة والمفسدة، توجيه غير مباشر إلى عبادة الذات، فالذي يقول: (افعل هذا ... لأنه ينفعك) و(اترك ذاك .. لأنه يضرك)، إنما يوحي بأنك أنت المقياس العادل في تصنيف الأشياء، فما ينفعك فهو الذي يلزم أن يكون، وما يضرك فهو الذي يلزم أن لا يكون . وهكذا .. يغرس في نفس الإنسان أنه هو الذي يتحكم في الأشياء، وليس هنالك شيء غيره يحكم عليه أو على سائر الأشياء، فهو الحاكم المطلق، ومصلحته هي قدس الأقداس، فعندما يمارس شيئاً نافعاً إنما يعبد ذاته، وحينما يترك شيئاً ضاراً إنما يعبد ذاته.

بينما الترغيب والترهيب بالحلية والحرمة، توجيه غير مباشر إلى الارتفاع عن عبادة الذات، والتعالي إلى عبادة الله تعالى، فالذي يقول: (افعل هذا .. فهو حلال) و(اترك ذاك .. فهو حرام)، إنما يوحي بأنك أنت وكل الأشياء خاضعة لله، وهو الذي قرّر شريعة تصنيف الأشياء، وعليك الالتزام بها، لأنها من عند الله فحسب. وهكذا .. يغرس في نفس الإنسان أن الله هو الحاكم المطلق، وأن شريعته المقياس العادل، فعندما يمارس شيئاً حلالاً إنما يعبد الله، وحينما يترك شيئاً حراماً إنما يعبد الله. وهذا التوجيه غير المباشر إلى عبادة الله، حيث يسري في كل حياة الإنسان، يربي في نفسه الإيمان العملي، الذي لا يمكن أن يربى بالفلسفات والمحاورات.

ب ـ سبب عملي. لأن الإنسان إذا ارتبط في أعماله بالمنفعة والمفسدة، كثيراً ما يتخطاهما. لأبسط الأسباب: فأقل درجات الحزن أو الفرح، يدفع بصاحبه أن يتجاوز التقيد بكثير من المنافع والمفاسد . كما أن أبسط درجات اليأس، يؤدي إلى الاستخفاف بالحياة كلها، ومن هانت عليه الحياةتقل مبالاته بالمنافع والمفاسد . وهذا .. ما يفسر إدمان أكثر الناس الدخان، والخمر، والمنبهات .. رغم علمهم الأكيد بأن فيها مفاسد كثيرة.

كما أنه يفسر إهمال الناس، كل الوصايا الطبية التي تنظم: وجبات الطعام، والنوم، والجنس ... فأكثر الناس ـ وحتى الحكماء منهم – لا يتقيدون بالمنافع والمفاسد، وربما يفضلون: الجاه، والظهور، أو الرفاه، والترف .. حتى على حياتهم.

وقديماً قال الناس – على لسان ابن سينا – : (أنا أفضل عرض الحياة على طولها).

فإذا ارتبط الفعل والترك بالمنفعة والمفسدة، لا يكون عملياً، ولكن إذا ارتبطا بالحلية والحرمة، أي: ارتبطا بإرادة الله – الذي هو مصدر وجود الإنسان، وأقداره، ومقدراته ... – فإنه يكون عملياً، ولو بالنسبة إلى المؤمنين بالله. وهذا .. يعني أن الدخول في الحياة الفردية والاجتماعية، عن طريق الحلال والحرام، أنجح من الدخول فيها عن طريق المنفعة والمفسدة.

2ـ أنه يحرر الناس من القيود التي فرضوها على أنفسهم: (يضع عنهم إصرهم)، بواسطة التصورات النابعة من داخلهم، دون أن تكون واقعية. كما يحررهم من القيود المفروضة عليهم من غيرهم: (الأغلال التي كانت عليهم).

* الإيمان العلمي والعملي


( .... فآمنوا بالله، ورسوله: النبي الأمي، الذي يؤمن بالله وكلماته. واتبعوه، لعلكم تهتدون*).

[ سورة الأعراف: الآية 158]


(ف) يا أيها الناس! (آمنوا بالله) إيمان القلب واللسان والجوارح.

(و) آمنوا بـ: (رسوله). فالإيمان بالله لا يمكن أن ينفصل عن الإيمان بما قال الله، والرسول في مقدمة ما قال الله، باعتباره الوسيط المساوي، والحلقة التي تربط البشر بالله. فالإنسان الذي ليس في مستوى الاتصال بالسماء، لا يستطيع استقبال كلمات الله إلا عبر رسوله.

وهذا الرسول الذي أمر الله بالإيمان به، رسول لا يحتاج الاقتناع برسالته إلى كثير من الجهد والاستدلال، لان واقعه يثبت رسالته، فهو ذلك (النبي الأمي) الذي لم يتتلمذ على بشر، وأنبأ عن السماء بقرآن يعجز عن مثله البشر . ومن عاش أمياً، وأتى بثقافة فوق مستوى البشر، فهو رسول ينهل عن مصدر غير مصادر البشر.

وهذا الرسول، ليست رسالته مناورة سياسية يستخدمها للسيطرة والاستعلاء، ولا لعبة تجارية يطرحها لكسب الشهرة والمال، وإنما هي رسالة واقعية، تفاعل معها الرسول – ذاته – قبل أن يدعو إليها غيره ، فهو (الذي يؤمن بالله وكلماته)، ولا يوجد أصدق دعوة ممن آمن بشيء ثم دعا الآخرين إلى الإيمان به.

وفي هذه اللفتة..، توجيه تربوي إلى أن الداعي لا بد أن يكون مؤمناً بدعوته، حتى يكون صادقاً ومندفعاً. والصدق والاندفاع، صفتان ترفضان التكلف، فلهما أمارات كثيرة يصعب وصفها، ولكن يسهل الإحساس بها. فيبقى الصادق المندفع، أقوى تأثيراً ممن يتكلفهما.

والإيمان بالله ورسوله، ليس كل ما يريده الله من عباده، فالإيمان الكامل هو: (التجاوب مع عقيدة ماورائية، تجاوباً يسربل المؤمن).

والإنسان له جانبان: جانب داخلي، وجانب خارجي. والتجاوب لا يسربل الفرد، إلا إذا احتواه كلياً، وغطى جانبيه معاً.

والإيمان العلمي بالله ورسوله، يشكل قاعدة نفسية صالحة، فيؤمن جانبه الداخلي.

والإيمان العملي، يشكل مسلكية صالحة، فيؤمن جانبه الخارجي. وبهما – معاً – يكمل الإيمان.

وأما الإيمان العلمي، المنطوي في داخل الفرد، من دون أن يطبع مسلكيته، فهو ادعاء يشكك في صدقه. لأن مسلكية الفرد، ليست إلا ظاهرة طبيعية لقناعاته الداخلية: فالإناء يطفح إذا امتلأ، والظاهر عنوان الباطن.

والمسلكية الصالحة، ليست كلمة تقال، ومحاضرة تلقى. وإنما هي سيرة تحتذى، وسنة تتبع.

فالرسول الأكرم (ص) كانت مسلكيته إيماناً عملياً يتطابق مع إيمانه العلمي، فانظروا إليه، (واتبعوه)، في محاولة لانتهاج المسلكية الصالحة. حاولوا أن تكرسوا الرسول في أنفسكم، وأن تتطابقوا معه في إيمانه العلمي وفي إيمانه العملي. وإذا قمتم بهذه المحاولة، فليس من المؤكد أن تنجحوا فيها، فربما نجحتم، وربما فشلتم، ولكنكم – في الحالتين – سائرون على الخط المستقيم.

ولا تلقنوا أنفسكم احتمال الفشل، ولا تقولوا: (إننا لا نملك ذاتية الرسول، فلا نستطيع التطابق معه). ولا تقولوا: (إن روحه خلق من نور الله، ولا نعرف أرواحنا مم خلقت؟) لا تلقوا بينكم وبينه حجاباً من المستحيل، ولا تكوّموا المعوقات أمامكم، ولا تحقنوا أفكاركم بالسلبيات، ولا تكفنوا مواهبكم باليأس. فلا توجد محاولة محتومة النجاح، ولا توجد محاولة محتومة الفشل، إنما الاحتمالان يتأرجحان أمام كل محاول، والإيجابيون هم الذي يتبعون بارقة النجاح، والسلبيون هم الذين يتهربون من غائلة الفشل.

والنجاح لا يعني الوصول إلى قمة القمم، فأنت لست الشخص الأول في الحياة، ولكن حاول أن لا تكون الشخص الآخر فيها. فالنجاح بقدر، وأي قدر منه خير من عدمه:

فأنت حينما تتعرض للشمس، فهل تتوقع أن تذوّب الشمس في شرايينك؟! كلا إنما تتوقع أن تغذي خلايا جسمك بما يصلحها من أشعة الشمس. وعندما تخرج إلى الهواء الطلق، فهل تريد أن تلتهم الفضاء؟! أبداً.. أقصى ما تريد، أن تستنشق من الأوكسجين أكثر مما تستطيع استنشاقه في الأماكن المقفلة. وإذا خرجت إلى السوق للتجارة، فهل تعنى بتجميع أموال الدنيا بين يديك؟! وإذا نزلت إلى معترك السياسية، فهل تهدف إلى استقطاب الناس أجمعين؟! ...

إنك – في أي مجال تجول – لا تستطيع أن تنال إلا بقدرك . وقدر الناس يختلف بمقتضى اختلاف الاستعدادات، والظروف، ونوعية المناهج التي ينتهجونها، وكمية الطاقات التي يوظفونها، وعوامل أخر كثيرة، قد تخدم فرداً وتعاكس آخر. وفي نهاية المطاف: يبقى النجاح – مهما كان محدوداً – خيراً من عدمه. ومفتاح النجاح، هو: المحاولة.

وفي مجال محاولة التطابق مع الرسول الأكرم (ص)، حاول أن تتطابق معه. ولكني أؤكد لك بأنك لن تستطيع التطابق الكلي معه،ولن تستطيع التطابق معه بمقدار أوصيائه. ولكن حاول، فلعلك تستطيع التطابق معه بمقدار بعض أصحابه. فإنه لا يمكنك أن تكون علياً، أو الزهراء، أو الحسن (ع)، أو الحسين (ع). فلعلك تكون مقداداً، أو سلمان، أو أبا ذر، أو عماراً..

فإذا علمت بأنك لن تستطيع التطابق الكبير والكثير: مع الرسول (ص)، فلا يعني ذلك الاستسلام لليأس وإلغاء المحاولة، إنما يعني أن الفاصل بينك وبينه كبير. حاول أن تحلق في مستوى الرسول (ص) ولن تلحق به، حتى ولو ارتفعت أسرع من الضوء. ولكنك إذا قفزت لتحلق في مستواه، فإنك انفصلت عن الأرض وصرت في جملة المحلقين، وهذا .. مكسب كبير.

والذي يقفز بأقصى قوته ليلحق بالرسول، لن يلحق به، ولكنه يصبح فوق الآخرين، وهذا .. مكسب أكبر. ثم مهما ارتفعت، فهو خير. إنما المهم – في هذا المجال – أن تغدو على خط الرسول (ص) فهو الخط الصحيح الذي ليست فيه مطبات، ثم لا يهم ما بقي من فاصل بينك وبينه، ولو قيس بمليارات السنين الضوئية.

فاتبعوا الرسول، وعلّقوا آمالكم على احتمال النجاح – مهما كانت نسبته – ، (لعلكم تهتدون*). كيفما كانت تلك (الهداية)، فهي – في جميع الحالات – (هداية)، والهداية هدف مقدس.

* مباحث


ـ 1 ـ


س: - إن الإيمان هو : (التجاوب مع عقيدة ما ورائية، تجاوباً يسربل المؤمن). والتجاوب مع (عقيدة الألوهية) مظهر واضح لمفهوم الإيمان، ولكن التجاوب مع الرسول أقرب إلى مفهوم التصديق والاتباع من مفهوم الإيمان، فكيف أطلق الإيمان على التجاوب مع الرسول؟

ج: - للرسول (ص) جانبان، يمكن التعامل معه على أساسهما واتخاذ الموقف منه على ضوئهما:

أ ـ جانبه البشري كإنسان متفوق يلزم اتباعه. وإذا تعاملنا معه على هذا الأساس، لا يصح اتخاذ موقف المؤمن تجاهه، وإنما يصح اتخاذ موقف التابع من متبوعه، باعتباره قائداً أو قدوة.

ب ـ جانبه الإلهي كرسول (ص) يتلقى إرادة الله، للتعبير عنها تبليغاً أو تنفيذاً. وإذا تعاملنا معه على هذا الأساس، يلزم اتخاذ موقف المؤمن منه. لأن الرسولية معنى ما ورائي، لا يمكن التجاوب معه إلا من الموقع الإيماني. فالاعتراف بشخص من البشر، رسولاً من قبل الله، من الشؤون الإلهية، التي لا يمكن تناولها إلا من المنطلقات الإيمانية.


ـ 2ـ


س: - إن الاعتراف بالله إلهاً، يختلف كثيراً عن الاعتراف بمحمد بن عبد الله (ص) رسولاً. فكيف عبر القرآن عن هذا الاعتراف.. وذاك .. بكلمة: (الإيمان) في إطلاقة واحدة: (فآمنوا بالله ورسوله)؟ ولو تكررت كلمة الإيمان، فقال مثلاً: (فآمنوا بالله وآمنوا برسوله)، لأمكن القول بأن الإيمانين يختلفان، وكلمة الإيمان مشتركة بين معان عديدة، وتدل على كل واحد منها بقرينة، وهي في الإطلاقة الأولى تعني شيئاً وفي الثانية تعني شيئاً آخر.

ج : - الإيمان هو: (التجاوب مع عقيدة ما ورائية ...)، وهذا المعنى شامل للاعتراف: بالله إلهاً، وبعدد من الأنبياء رسلاً، وبالكتب المقدسة وحياً، وبالملائكة عباداً مكرمين .. لا فرق، لتوفر طبيعة الإيمان في كل هذه الاعترافات على حد سواء. واختلاف متعلق الإيمان – أهمية وجلالاً – لا يعني اختلاف طبيعة الإيمان.


ـ 3 ـ


س: - يستوحى من كلمة: (الإيمان) أنه تجاوب الأدنى مع عقيدة عليا، كما توحي كلمة: (المؤمن) بنوع رفيع من ا لخشوع تجاه ما يؤمن به. فكيف أطلق الإيمان على اعتراف الرسول الأعظم بسائر الرسل والملائكة: (الذي يؤمن بالله وكلماته) مع أنه أعظم من جميع الرسل والملائكة؟

ج: - صحيح أن الإيمان يستوحى منه أنه تجاوب الأدنى مع عقيدة عليا، وصحيح أن الرسول الأكرم (ص) أعظم من جميع الرسل والملائكة، ولكن يمكن النظر إلى الرسل والملائكة من زاويتين:

الأولى: - ذواتهم كرسل وملائكة. ولا شك أن سيدهم – جميعاً – هو النبي محمد بن عبد الله (ص).

الثانية: - ذواتهم في مراتبهم التي رتبهم الله فيها. وهم – بهذه الصفة – يجسدون إرادة الله في خلقه، وإرادة الله بغضّ النظر عما تجسدت فيه – من الشؤون الإلهية، وعلى النبي الأعظم أن يؤمن بكل ما أراد الله:

مثلاً: رئيس الوزراء أكبر من جميع الوزراء والموظفين في حكومته، وقد تكون له صلاحيات تخوله نقل وفصل الموظفين، ولكن لا يحق له عدم الاعتراف بأدنى موظف في وظيفته. لأن الموظف – كموظف – شيء، والموظف في وظيفته شيء آخر، فالثاني يمثل النظام، وإنكاره إنكار للنظام.

مثلاً: الرسول الأكرم – باعتباره خيرة الله – أفضل من جميع خلق الله. ومع هذه الصفة، فهو لا يغمط أدنى خلق الله أقل حق من حقوقه، لا لأن صاحب هذا الحق أفضل من النبي، وإنما لأن الله أراد الحقوق، فغمطها خلاف لما أراده الله.

فالرسل والملائكة – في مراتبهم التي رتبهم الله فيها – من توابع مقام الربوبية، والنبي الأكرم أكمل الخلق إيماناً بمقام الربوبية وبكل توابعه.

* المتنكر للآلاء


( واتل عليهم: نبأ الذي آتيناه آياتنا، فانسلخ منها، فأتبعه الشيطان، فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها، ولكنه: أخلد إلى الأرض، واتبع هواه. فمثله كمثل الكلب: إن تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث. ذلك: مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا. فاقصص القصص لعلهم يتفكرون*).

[ سورة الأعراف: الآيتان 175 ـ 176]


تركيبة جسم الإنسان، تحوجه إلى مجموعة من المواد، منها: البروتين، والسكر، والأوكسجين، والحديد، والفيتامينات .... وسائر المواد التي تبني الجسم أو تنفعه. وحاجته إلى هذه المواد، تفرض عليه تناول الأشياء الغنية بهذه المواد. والإنسان يتناول تلك الأشياء، لا تلبية للحاجة، حتى يكون قد أدى واجباً تجاه جسمه، ومارس حقاً عليه، ليساعد على تصعيده بأداء واجب وممارسة حق، ولكنه يتناولها استجابة للرغبة، التي تنشط فيه كلما نقصت فيه الكمية المناسبة من إحدى تلك المواد. وهو يجد المبرر لتناول تلك الأشياء: فالجوع المبرح إليها، والحاجة إلى مشتقاتها، تبرز إن تناولها بالكميات المناسبة.

وهنالك: أشياء لا يحتاج إليها جسم الإنسان، أو تضر به، وهو يتناولها بشراهة، ويرتاح إليها أكثر من ارتياحه إلى الأشياء التي تبنيه أو تنفعه. كجميع المنبهات والمخدرات.

* الإنسان المنحرف عن طريق الصعود


( أولئك: كالأنعام، بل هم أضل، أولئك هم الغافلون*).

[ سورة الأعراف: الآية 179]


للإنسان – في تقييمه – حسابان:

1ـ حسابه باعتباره شيئاً موجوداً، من جملة الأشياء الموجودة في نطاق هذه الحياة.

الشيء الموجود – أي شيء موجود – في نطاق هذه الحياة الدنيا، ليست له قيمة ذاتية، وإنما تكون له قيمة – أو لا قيمة – عرضية.

لأن التقييم هو التعديل – الذي يعادل شيئاً موجوداً بشيء موجود – . والتعديل لا معنى له في مجال الذات، وإنما يوجد المعنى للتعديل بعد تحرك الشيء الموجود نحو العطاء، فيعادل شيء بشيء أو لا يعادل به، بادعاء تساويهما في العطاء أو عدم تساويهما في العطاء:

فالذهب المختمر بالصخر، والحديد المختمر بالصخر، متساويات في اللاقيمة – بالاعتبار المستقبلي الذي هو اعتبار العطاء المستقبلي – ، إذ لا عطاء لهما. وإذا استخرجا، صح تقييم كل واحد منهما بمعادلة عطائه.

والماس والزجاج، الراقدان في الأرض، متساويان في اللاقيمة، لعدم تحركهما نحو العطاء. فإذا استيقظا، كان تحركاً نحو العطاء، فصح تقييم كل واحد منهما بمعادلة عطائه.

والتراب، والهواء، والماء، وأي شيء موجود .. لا يصح تقييمه، طالما يعيش لنفسه. فإذا تناصرت ظروف خاصة على رفعه إلى مستوى العطاء، فعاش لغيره، صح تقييمه بمقدار عطائه.

وحقيقة التقييم، هي: ادعاء تساوي عطاء شيئين، قد يتفق حجمهما وقد يختلف. فالطن من التراب، ربما يقيم بطن من الماء، وربما يقيم بجرام من الذهب، لأن مقياس الحجم غير وارد في جملة المقاييس التقييمية للحياة.

والإنسان، شيء موجود من جملة الأشياء الموجودة في نطاق هذه الحياة – الدنيا. وهو: الإنسان متفرقاً في عناصره: الماء، والحديد، والفسفور .. لا يصح تقييمه، لأن هذه العناصر في تركيبها الإنساني غير متحركة نحو العطاء. ومجموعة في صيغتها الجملية: الإنسان، لا يصح تقييمه الذاتي، كشيء موجود من جملة الأشياء في نطاق هذه الحياة. وإنما يصح تقييمه باعتباره العرضي، وهو تحركه نحو العطاء، وتكون قيمته بمقدار عطائه.

2ـ حسابه باعتباره شيئاً موجوداً، يتعامل مع سائر الأشياء الموجودة في نطاق هذه الحياة.

والشيء الموجود – أي شيء موجود سوى الله تعالى – يتعامل مع سائر الأشياء الموجودة، يقيّم بمقياسين: مقياس المعادلة بين ما يأخذ وما يعطي، ومقياس المعادلة بين قيمة ما يأخذ وقيمة ما يعطي.

والأشياء الموجودة في نطاق هذه الحياة، تعرض – بصورة تلقائية – لحكومة هذين المقياسين، وتفرز إلى ثلاث مفارز:

- مفرزة الأشياء التي تعطي أكثر مما تأخذ.

- مفرزة الأشياء التي تعطي بمقدار ما تأخذ.

- مفرزة الأشياء التي تعطي أقل مما تأخذ.

وبعد هذا التعديل:

فالمفرزة الأولى: تقيم بقيمة الزائد من عطائها على أخذها.

والمفرزة الثانية: لا تقيم، لعدم وجود زيادة صالحة للتقييم.

والمفرزة الثالثة: تقيم – عكسياً – بقدر الناقص من عطائها عن أخذها.

وحركات التطور الوجودي، في مظاهرها البارزة، تفرز – كتلك – إلى ثلاث مفارز:

- مفرزة النبات.

- مفرزة الحيوان.

- مفرزة الإنسان.

أما حركة الجماد التطورية، فحيث أنها أقل تصاعداً من هذه الحركات، لم نتناولها في هذا العرض.

ومتى عرضنا هذه الحركات على ذلك التقييم، وجدنا ما يلي:

- مفرزة النبات، تعطي بمقدار ما تأخذ من حيث الكم، ولكن من نوع أفضل. فهي تأخذ عناصر الجماد، وتعطي عناصر النبات. فهي تعطي أكثر مما تأخذ من حيث الكيف.

- مفرزة الحيوان، تعطي أقل مما تأخذ من حيث الكم، فهي تستهلك الكثير من الجماد والنبات، وتعطي نسبة أقل من اللحم، ولكن من نوع أفضل. فهي تعطي أكثر مما تأخذ من حيث الكيف.

- مفرزة الإنسان، تعطي أقل مما تأخذ من حيث الكم، فتستهلك الكثير من الجماد والنبات والحيوان، وتعطي نسبة أقل من اللحم. وبما أن إنتاج اللحم، ليس الهدف من الإنسان، وإنما الهدف منه هو: الفكر الصحيح، والعمل الصحيح، يلزم أن يسقط اللحم من حساب عطاء الإنسان، ويأخذ دوره: الفكر الصحيح، والعمل الصحيح، فهو عطاء الإنسان، وهو من نوع أفضل مما يأخذ.

فإذا أعطى الإنسان: الفكر الصحيح، والعمل الصحيح، كان من المفرزة الأولى، التي تعطي أكثر مما تأخذ، فتكون له قيمة بمقدار ما يعطي. وإذا لم يعط: الفكر الصحيح، والعمل الصحيح، كان من المفرزة الثالثة، التي تأخذ أكثر مما تعطي، فيكون تقييمه عكسياً بقدر الناقص من عطائها عن أخذها.

أما إذا أعطى: الفكر الفاسد، والعمل الفاسد، فيكون تقييمه عكسياً بنفس النسبة.

فيكون أقل من الحيوان، لأن الحيوان لا يمكن أن يكون له تقييم عكسي مطلقاً، إذا أخذنا في الاعتبار: أن كل حيوان له فائدة.

فالإنسان المنحرف عن طريق الصعود (أضل) في دروب الحياة من (الأنعام) التي هي المثل الأدنى للحيوان الغبي الضال.

* دعنا نفكر


( أو لم ينظروا في: ملكوت السماوات والأرض، وما خلق الله من شيء؟!....).

[ سورة الأعراف: الآية 185]


الحياة معقدة. ويخطئ من يظن أن الحياة سهلة بسيطة. والإنسان، إما أن يضرب في الحياة بارتجال، وقد لا يخسر شيئاً، ولكنه – في أكثر الفرص – يخسر، لأنه يقابل من فكروا وخططوا، فينتصرون عليه، فلا بد له من التفكير. ولا يغنيه التفكير المنفرد، لأن تيارات الحياة أكثر من أن يستوعبها ويستخلص منها الفرد الواحد النتائج المفضلة، فلا بد له من الاستعانة بغيره والتفكير المشترك معه.

والتفكير المتناسق، يحتاج إلى الاستعانة باللسان أو بالقلم، حتى يكون تفكيراً تشترك فيه أدمغة عديدة.

فلكي ننجح في الحياة، دعنا نفكر، ولنفكر تفكيراً مشتركاً.

(1) - بحار الأنوار ج11 ص 172 ح 19.