|
(4) ۞ سورة النساء ۞ مدنية وهي مئة وست وسبعون آية |
|
أبعاد التقوى {بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها الناس.. رقيبا}. شوه كلمة: (التقوى) إطلاقها على الذين تعودوا ـ لسبب، أو لآخر ـ المبالغة في الابتعاد عن الجنس، والحرام العبادي. أما التقوى: فهي مشتقة من مادة: (القوة)، و(المتقي) هو: الذي يتمتع بالقوة الكاملة، وهي: القوة تجاه الذات، فما أكثر الأقوياء في اتجاه الغير الضعفاء في اتجاه الذات! فالقوي القشري، هو: الذي يعرف السيطرة على غيره من الأفراد أو الأشياء. أما القوي الحق، فهو: الذي يستطيع السيطرة على ذاته. ومن استطاع السيطرة على ذاته، فلم يورطه الضعف في خيانة نفسه أو غيره، يستطيع ـ بكل سهولة ـ السيطرة على غيره ومن أسلمه ضعفه إلى خيانة نفسه أو غيره، حري بضعفه أن يسلمه ـ بدون مقاومة ـ إلى غيره من الأفراد أو الأشياء. ولعل الحديث الشريف، يعبر عن هذا الواقع، وهو يقول: «من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء»(1). فالعاصي، هو: الضعيف الذي لا يملك إرادته، ولا إصدار قراراته، ولا اتخاذ مواقفه... وإنما يورطه ضعفه في الخيانة، والمتقي، هو: القوي الذي يملك إرادته، وإصدار قراراته، واتخاذ مواقفه... فلا يتورط في الخيانة. فالقوي يصدق، لأنه يملك الجرأة على مواجهة الواقع. بينما الضعيف لا يملك الجرأة على مواجهة الواقع، فيتهرب منه بالكذب. والقوي يعتاش من الطرق المشروعة المعلنة، لأنه يقدر على اقتحام الحياة، وكسب معاشه بفكره.. وعضله.. فيما الضعيف الذي يعتاش من الطرق المحرمة الخفية، لأنه لا يقدر على اقتحام الحياة، وكسب معاشه بفكره.. وعضله.. والقوي يلتزم العدل، لأن أعصابه تتحمل التغلب على الصعاب، بدون اللجوء إلى سحق الضعفاء. بينما الضعيف يظلم، لأن أعصابه لا تتحمل التغلب على الصعاب، إلا باللجوء إلى سحق الضعفاء ـ بمقياس القوة المادية ـ. والقوي يؤدي حقوقه، وحقوق غيره.. لأنه يجد من النشاط ما يغطي الحقوق التي عليه. فيما الضعيف عاق، لأنه لا يجد من النشاط ما يغطي الحقوق التي عليه. والقوي أمين، لأنه يستطيع ترتيب أموره بدون اعتداء. بينما الضعيف خائن، لأنه لا يستطيع ترتيب أموره إلا باعتداء. فالقوة: قوة الروح، تساعد على انتهاج الحق. والضعف ضعف الروح، يدفع إلى انتهاج الباطل. والضعيف الذي لم يتزود ـ في المبدأ ـ بالقوة التي تعينه على تسخير الحياة للحق، يستطيع التغلب على ضعفه بالتزام خط التقوى، فهذا الالتزام ينمي ما فيه من قوة حتى تبلغ مداها، وتكون قوة محترمة تساعده على الاستفادة من تجربة الحياة. فيما القوي الذي تزود ـ في المبدأ ـ بالقوة التي تعينه على تسخير الحياة للحق، تتضاءل قوته بإهمال خط التقوى، فهذا الإهمال يربي ما فيه من ضعف حتى يبلغ مداه، ويطبع وجوده، فيتحطم في تجربة الحياة. كما أن الجبان الذي يلتزم النظام العسكري، يكون له مستقبل عسكري محترم، لأن هذا الالتزام يذوب جبنه، وينمي ما فيه من شجاعة، حتى تخلع على حياته طابعها. والشجاع الذي لا يلتزم نظاماً عسكرياً، لا يكون له مستقبل عسكري محترم، لأن هذا الإهمال يذوب شجاعته، وينمي ما فيه من جبن، حتى يخلع على حياته طابعه. وكما أن الفقير الذي يلتزم الخط التجاري يصبح غنياً، والغني الذي لا يلتزم الخط التجاري يصبح فقيراً. وكما أن الجاهل الذي يلتزم الخط العلمي يغدو عالماً، والعالم الذي لا يلتزم الخط العلمي يتراجع جاهلاً. فالممارسة الملتزمة، تظهر المواهب الكامنة. وعدم الممارسة الملتزمة، يقلص المواهب الظاهرة، ويدفعها إلى مجاهل الكمون. وهذه سنة من السنن العامة في الحياة. وكما في الإنسان، كذلك في غير الإنسان: فالحيوانات ـ بالتربية العلمية ـ تؤهل لممارسة أدوار مثيرة والبيضة.. والحبة.. والنواة.. ـ بالتربية ـ تنمو، حتى كأنها خلقت خلقاً جديداً. والحصباء ـ بالتربية ـ تكون أحجاراً كريمة. وحبات الرمل ـ بالتربية التكنولوجية ـ تتكلم، وتنقل الصوت والصورة. وقطع المعدن ـ بالتربية التكنولوجية ـ تفكر، وتصحح ما يخطأ فيه الفكر البشري... وهكذا.. في كل شيء، فكيف بالإنسان الذي هو أكثر استعداداً ـ من غيره ـ للتطور والانفتاح؟! فالتزام خط التقوى: يطور الضعيف حتى كأنه خلق خلقاً جديداً لا يمت إلى أصله بصلة، ويكون الفاصل بينهما كالفاصل بينه وبين النطفة التي تطورت إليه، وكالفاصل بين البذرة والشجرة، أو كالفاصل بين الرمل والمخترعات الحديثة. صحيح: أن النسب تبقى محفوظة، فالتزام خط التقوى يطور القوي بالنسبة ذاتها التي يطور بها الضعيف، حتى يبقى الفاصل بين الضعيف المتقي وبين القوي المتقي كالفاصل بين الضعيف والقوي في التزامهما بخط التقوى. ولكن ذلك: ليس من بواعث يأس الضعيف، وإنما هو من بواعث تصعيد درجة التزامه، ونوعية التزامه، حتى يعوض بهما عن ضعفه المبدئي. كما أن جباناً وشجاعاً، لو التزما بنظام عسكري، بدرجة واحدة، تبقى النسبة بينهما محفوظة. وكما أن فقيراً وغنياً، لو التزما بخط تجاري، بدرجة واحدة، تبقى النسبة بينهما محفوظة. وكما أن جاهلاً وعالماً، لو التزما بخط علمي، بدرجة واحدة، تبقى النسبة بينهما محفوظة... وكل ذلك: من البواعث على تحطيم النسبة بينهما، بدرجة.. ونوعية.. الالتزام. فـ{يا أيها الناس! اتقوا ربكم} لتكونوا أقوياء، تتميزون بصفات تؤهلكم لكل ما هو أفضل.. وأبقى.. ولا تعتذروا ـ أيها الضعفاء! ـ بضعفكم المبدئي، فربكم لم يكن جائراً في توزيع مواهبه عليكم، حتى يوفرها على بعضكم ويقترها على بعضكم بلا سبب، وإنما هو حكيم في معاملة خلقه، والحكيم الذي لا ترقى إليه المؤثرات، وقد اشتقكم ـ جميعاً ـ من مادة واحدة بلا تفاضل، فهو {الذي خلقكم من نفس واحدة}، فكنتم سواسية في الخلق المبدئي، وإنما أنتم الذين تفاضلتم فيما بعد ـ ولو قبل عالم الدنيا ـ: فمنكم من سعى، وواصل مسعاه بلا تذبذب، فبدأ عمله ـ في عالم الدنيا ـ من منتهى رفيع. ومنكم من لم يسع.. أو سعى، ولم يواصل، متذبذباً، خلط الصالح بالسيىء.. أو سعى معاكساً، فبدأ ـ في عالم الدنيا ـ من الصفر، أو من تحت ركام، حمله معه إلى هذا العالم.. أو جاء إلى هذا العالم معقداً بالمعاكسات السابقة، فوجد من الصعب تصحيح مسيرته، فيواصل السعي المعاكس. فمن جاء إلى هذا بكمال، فإنما اكتسبه بجهوده الإيجابية.. ومن جاء بقصور، فإنما اكتسبه بجهوده السلبية.. فربكم لم يتحمل قصوركم، حتى تحملوه نتائجه. ولا تعتذرن ـ أيتها النساء! ـ بضعفكن المبدئي بالقياس إلى الرجال. فأنتن، بالنسبة إلى الوظائف المطلوبة منكن، مؤهلات، تماماً.. كالرجال بالنسبة إلى الوظائف المطلوبة منهم. ثم: أنتن، وهم، سواء في الاشتقاق من المادة الأولى، وكما هم. ولا تعتذرن ـ أيتها النساء! ـ بضعفكن المبدئي بالقياس إلى الرجال، لتحميل الله تقصيركن: 1ـ فأنتن مؤهلات للوظائف المطلوبة منكن، كما أن الرجال مؤهلون للوظائف المطلوبة منهم. وأنتن تتكاملن بالتزامها، كتكاملهم بالتزامها. 2ـ أنتن، وهم، سواء في الاشتقاق من المادة الأولى. فربكن الذين خلق الرجال من نفس واحدة، لم يفرط بكن فيخلقكن من غيرها، {و} إنما {خلق منها} ـ ذاتها ـ {زوجها}. فالمرأة ليست من فصيلة غير فصيلة الرجل،وإنما هما ـ معاً ـ فصيلتان متزاملتان، من منبع واحد، ومصدر اشتقاقهما واحد. 3ـ إن المرأة لم تنفصل عن الرجل في سيرها الخلقي ـ فيما بعد ـ، كما أن الرجل لم ينفصل عن المرأة في سيره الخلقي ـ فيما بعد ـ. فما من مرأة إلا وهي ابنة رجل، وما من رجل إلا وهو ابن امرأة. فالعنصران ـ المرأة، والرجل ـ موجودان في كل امرأة ورجل، ومشاطران إنجاب كل امرأة ورجل. {و} ربكن الذي خلق الرجال من نفس واحدة، لم يكتف بخلق زوجها منها في التسوية بين العنصرين، وإنما أشركهما ـ معاً ـ في تكثيرهما العددي، فـ{بث منهما} ـ معاً ـ {رجالاً كثيراً.. ونساءً..}. فسلبيات المرأة الخلقية: في كمية المواد الكيماوية المتركبة منها، بالقياس إلى كمية المواد الكيماوية المتركب منها الرجل.. وغزارة عواطفها.. وسائر مواصفاتها القصورية.. التي نعبر عن جميعها بـ: (الأنوثة)؛ يمكن إرجاعها إلى المرأة ذاتها. وقد تكون لها أسباب أخرى لا نعلمها.. ولكن الشيء الإجمالي الذي نتأكد منه ـ وهو سيطرة الحكمة العادلة على الكون كله ـ يدعنا متأكدين من أن كل قاصر مسؤول عن قصوره بشكل أو بآخر، كما يدعنا متأكدين من أن كل كامل سعى إلى كماله بشكل أو بآخر. فالمرأة هي المسؤولة عن سلبياتها. والذي يولد مشوها أو قاصراً، أو من أصل متخلف، هو المسؤول عن ولادته بذلك الشكل. كما أن الذي يولد سليماً، أو كاملاً، أو من أصل متقدم، هو الساعي إلى ذلك. ولا يشترط ـ في هذا المجال ـ معرفة كامل التفاصيل، فالذي يكفي ـ في هذا المجال ـ هو: ما نعرفه، بوضوح، عن عدالة الحكمة المسيرة للكون. هذه العدالة التي تتجسد في جميع التصرفات الكونية، التي نبني عليها حياتنا.. وأفكارنا.. ومخترعاتنا.. سواء في تطور وتوالد الجماد، أو النبات، أو الحيوان، أو الإنسان. وهذه العدالة تقضي بعدم إيجاد صنف قاصر وصنف كامل، وعدم إيجاد شخص مشوه وشخص سليم، وعدم إيجاد مجموعة خطاءة ومجموعة غير خطاءة... وتقضي بتسوية الجميع في الخلقة المبدئية، ثم تركهم لأعمالهم، فأعمالهم هي التي تنعكس عليهم نقصاً أو كاملاً. وكل عمل له أثر طبيعي معين يخلعه على عامله، وبتكاثر وتنوع الأعمال تتكاثر وتتنوع الآثار، وتفاعلها يؤدي إلى اختلاف الناس، هذا الاختلاف الكبير الذي لم يترك صنفين.. أو شخصين.. متطابقين في شيءٍ من الأشياء. الزواج الموقت {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النّسَآءِ إِلاّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلّ لَكُمْ مّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنّ فَآتُوهُنّ أُجُورَهُنّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً}. (سورة النساء: الآية 24) في التعبير بـ: (الأجر) ـ لا بـ: (المهر) ـ نوع من الإيماء، الفارق بين الزواج الدائم والزواج الموقت. ففي الزواج الموقت، يكون المال المدفوع أشبه بالأجر، لأن الزواج الموقت نوع من الاستيجار، بينما المهر أشبه بالبدل، الذي لا يؤخذ فيه مفهوم التوقيت. يقال: الأجر، أطلق ـ في القرآن الكريم ـ على المهر، في العديد من الآيات: {يا أيها النبي.. رحيما}(2) ـ بالنسبة إلى زوجات النبي الأكرم، والنبي لم يتزوج متعة. وبالنسبة إلى المهاجرات: {يا أيها الذين آمنوا..حكيم}(3). وقد يقال في الجواب :ـ أما بالنسبة إلى زوجات النبي: فالتعبير بالأجر عن المهر، كان ـ قبل نزول القرآن ـ في الأديان الأخرى. لذلك، نجد قول الله تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيّ الأمِينُ(26) قَالَ إِنّيَ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيّ هَاتَيْنِ عَلَىَ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللّهُ مِنَ الصّالِحِينَ}(4). استأجره، أي: اقطع مهره، إن خير من قطعت مهره.. بدليل: {على أن تأجرني..}. فالنكاح، كان على الأجر. وأما بالنسبة إلى المهاجرات: فكان ـ بعد صلح: (الحديبية) ـ إذا هاجر رجل، وأسلم، رده النبي إلى المشركين. وإذا هاجرت امرأة، امتحنها، فإن كانت هجرتها لله.. ورسوله.. لم يردها. ـ لأسباب لا بد من الحديث عنها في آيات صلح الحديبية ـ. ولكن: أعطي لزوجها، ما يعادل مهرها، وما أنفق عليها. فالأجر ـ هنا ـ يدل على أمرين: المهر، والنفقة. فلم يطلق الأجر على المهر، ولا على بدل المهر وحده. وحول الزواج الموقت = متعة النساء. كلام كثير، إيجاباً وسلباً، واستدلالات كثيرة على: أن النبي (ص) أباح المتعة في الحروب، ثم نسخها... ولكن: كل هذا الكلام أشبه بالتهريج، بعد أن تأكد أن المسلمين كانوا يتمتعون في عهد رسول الله (ص) وفي عهد أبي بكر، وفي شطر من عهد عمر، حتى تمتعت أخته بدون علمه. والذي يسفه الكلام السلبي حول المتعة، قول عمر: «متعتان كانتا على عهد رسول الله (ص)، وأنا أنهى عنهما، وأعاقب عليهما...»(5). بقي: أن نعرف الفوارق بين الزواج الدائم والموقت. وقبل أن نعرف الفوارق بينهما، لا بد أن نعرف تفاصيلهما: 1ـ ينعقد الزواج الدائم بما يلي: أ ـ موافقة الطرفين. ب ـ المهر. ج ـ العقد. وينتهي بأحد أمرين: أ ـ موت أحد الطرفين. ب ـ الطلاق. ثم: يتلو ذلك، أمران: أ ـ إلحاق الأولاد بأبويهم. ب ـ العدة بعد انتهاء الزواج. 2ـ ينعقد الزواج الموقت بما يلي: أ ـ موافقة الطرفين. ب ـ المهر، أو الأجر. ج ـ العقد. د ـ تعيين المدة. وينتهي بأحد أمرين. أ ـ موت أحد الطرفين. ب ـ انتهاء المدة. ثم: يتلو ذلك، أمران: أ ـ إلحاق الأولاد بأبويهم. ب ـ العدة بعد انتهاء الزواج. وهنالك فوارق: أ ـ زيادة تعيين المدة في الموقت، بالإضافة إلى شرائط تحقق الدائم. ب ـ كون انتهاء المدة في الموقت، بدلاً عن الطلاق الدائم. ج ـ كون العدة في الموقت، أقل مدة من العدة في الدائم. وما شابه ذلك.. من الفوارق التي تبدو فوارق أدبية، لا تستدعي مثل هذا الكلام الكثير. ثم: كيف نجرؤ على رد تشريع سنه القرآن، وعمل به الصحابة في عهود: رسول الله، وأبي بكر، وعمر.. حتى منعه الأخير، وهو لم يستند إلا إلى إرادته الخاصة.. ونحن نعلم: أنه ليس من حق أي بشر، أن يحرم ما أحله الله، أو يحلل ما حرمه الله؟! حتى إن رسول الله ـ رغم مكانته الفضلى من الله ـ ليس له ممثل هذا الحق. أوليس القرآن هو الذي يقول: {وَلَوْ تَقَوّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ(44) لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ(45) ثُمّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ(46) فَمَا مِنكُمْ مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}(6)، {وَلَوْلاَ أَن ثَبّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً(74) إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً(75) وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاّ قَلِيلاً}(7)؟! فكيف بصحابة رسول الله، الذين حاول بعضهم إبداء الرأي في بعض الموارد، فمنعهم القرآن بقوله الحازم: {وما كان لمؤمن.. مبينا}(8). الضعيف ـ القوي {يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً}. (سورة النساء: الآية 28) الإنسان خلق ضعيف، 60% منه ماء، والباقي عدة كيلوات من مواد أرضية بخسة. ولكنه ـ في شبابه ـ يتصور نفسه كبيراً.. وكثيراً.. حيث يعيش في ظل أوليائه، وهم يحاولون تربيته على الكمال، فيضعون بعض طاقاتهم تحت تصرفه، لتغطية ضعفه، حتى لا يعقد بمركب النقص وفي هذه الفترة، يسرف في الآمال التي تتجاوز حدوده وظروفه، ويظن أنه يقوى على تحطيم حدوده وظروفه. ولكنه لا يخرج من الظل إلى وهج الحياة، إلا وتلفحه بتيارات من الرياح النكباء، وتمطره بوابل من الويلات، ويعاني قسوة الحياة، ووعورة العيش. فتتبخر آماله مع الهموم التي تتصاعد من رأسه كالدخان، وتنحصر آماله في الحصول على حاجاته من دون مساومة على إنسانيته، فيشعر بأنه ضعيف، وكم هو ضعيف! حتى يمتلكه اليأس الخانع الخانق، الذي يسول له ضعفه، حتى عن تحمل الحياة. ولولا الإيمان بالله القدير، الذي يبرر كل ضعف في الإنسان، بأن من شأنه الضعف، ولكنه عبد لله القدير، الذي يلافي ضعفه بقوته.. ويبرر كل معاناته، بأن الحياة بوتقة، على الإنسان أن يعاني فيها حتى يتبلور، ويؤهل للحياة الأفضل، التي ماخطرت على قلب بشر.. لكان حرياً بكل إنسان ـ مهما بلغ أن ينهزم، ويفضل الموت ـ ملطخاً بعار الهزيمة ـ على الحياة. التوازن بين طاقة الروح وطاقة الجسد {يَوْمَئِذٍ يَوَدّ الّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرّسُولَ لَوْ تُسَوّىَ بِهِمُ الأرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً }. (سورة النساء: الآية 42) الإنسان ـ بطموحه ـ يحاول أن يحقق كل ما يمتد إليه خياله، ولكنه سرعان ما يصطدم يحواجز الواقع، التي توقفه عند حده، وتردعه بعنف، وتصيبه بخيبة من خياله، حيث تثبت هذه الصدمات عجزه عن الاسترسال مع خياله. وهذه نكسة مريرة، تبكيه أحياناً، وتفرقه في الهموم أحياناً أخرى.. وتتركه في القلق من ناحية، وتهيجه بالجزع من ناحية أخرى.. وقد تخلده إلى اليأس، والهروب من الواجب، إذا عاند وأصر على اختراق حواجز الواقع. فالطموح ـ في جذوره ـ ناتج عن عدم التوازن بين طاقة الروح وطاقة الجسد، فتحلق به روحه إلى آماد يخلد عنها جسده. ولكنه يرغب في الانسياق مع تهويمة الروح، ولا يرضى لنفسه الاعتراف بتخليده الجسد، ويظن أن باستطاعته رفض ثقل جسده، وأن روحه قادرة على انتشاله فيجرب مصمماً على النجاح، ولكن الواقع يفرض نفسه، فثقل الجسد لا يقاوم بخفة الروح، فتصدمه تجاربه بالخيبة، فيتألم، ويشكو دون جدوى، وقد يتورط بحيث يعز عليه الخلاص. فعندما تتفتح أصابع الطفل في المهد، يمد يده ليأخذ التفاحة ـ كأبيه ـ، ولكن أصابعه الرخوة تعجز عن مقاومة ثقل التفاحة. وربما يمد يده ليطال المصباح من السقف، والقمر من السماء، ولكن مدى يده القصير، يعجزه عن ذلك. وقد يرى الحمامة تحلق من أعلى بناية إلى أخرى، فيهم بالطيران مثلها، فيقفز ولكن سرعان ما يسقط قريباً من موقعه... وعندما يشب الطفل، يحاول ا، يكون الطالب الأول في المدرسة، فيخذله ذكاؤه. ويحاو ل أن يترنم، كالشهيرين من القراء والخطباء، فيخذله صوته. ويحاول أن ينتصر في المسابقات الجسدية، فتخذله أعصابه... وإذا استوت رجولته، يحاول أن ينجح في الانتخابات على خصومه، فيخذله ماله، أو سمعته العائلية، أو مواهبه في تجميع الجماهير حوله، وإقناعها يهدفه وأسلوبه. ويحاول أن يجمع الثروة، فلا يجد وسائلها. أو يؤلف مسرحية، فلا تنجح... وحواجز الواقع كثيرة، يمكن تلخيصها في أربعة، هي: 1ـ حاجز الطبيعة. 2ـ حاجز الصحة. القيادة الثالثة {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرّسُولَ وَأُوْلِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}. (سورة النساء: الآية 59) 1ـ طاعة الله مطلقة، وطاعة الرسول (ص) مطلقة. فإذا أصدر أمر من الله، أو من الرسول (ص)، سقط الخيار: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلّ ضَلاَلاً مّبِيناً}(9). 2ـ طاعة أولي الأمر ـ كطاعة الرسول (ص) ـ مطلقة، لاقترانهما، في أمر واحد: {يا أيها الذين... منكم}. فمن هم أولو الأمر، الذين فرض الله طاعتهم مطلقة؟ هل هم الحكام الكافرون؟ كلا.. لأن الله قال: {الذين يتربصون بكم... سبيلا}(10). فهل هم الحكام الذين يحكمون بالقوانين الوضعية؟ كلا.. لأن الله قال: {إنا أنزلنا التوراة.. الكافرون}(11)، والكافر لا سبيل له على المؤمن فكيف بالطاعة. فهل الحكام هم الظالمون؟ كلا.. لأن الله قال: {وإذا ابتلى.. الظالمين}(12)، والذي لا ينال عهد الله، لا يمكن أن يفرض الله له طاعة مطلقة. فهل هم الحكام العصاة؟ كلا.. لأن العاصي ظالم، وإن لم يكن ظالماً لغيره فهو ظالم لنفسه، والظالم لنفسه يعامل كالظالم لغيره، لأن الله قال: {إِنّ الّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِيَ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً}(13). فهل هم الحكام العاديون، المعرضون للخطأ؟ كلا.. إذ لا يمكن أن يفرض الله الطاعة المطلقة لمن هو معرض للخطأ، وقد فرض على الأمة تقويم الخاطىء فقال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لّهُمْ مّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}(14). وأخيراً: هل هم الأبوان، اللذان فرض الله طاعتهما؟ كلا.. لأن الله قيد طاعتهما بقوله: {وَوَصّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ إِلَيّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}(15)، فليست طاعتهما مطلقة. فإذن: هم الأولياء المعصومون، الذين أولاهم الله شؤون الناس، وعصمهم الله من الزلل، وآمنهم من الفتن، ثم: أمر الناس بطاعتهم طاعة مطلقة، لأنهم لا يخطئون إرادة الله عز وجل. فبالسبر والتقسيم، يظهر: أن أولي الأمر ـ في هذه الآية ـ هم الأئمة المعصومون الإثنا عشر فقط. علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والمهدي المنتظر ـ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ـ. وقد روى ذلك علماء الشيعة ومفسروهم وعلماء السنة ومفسروهم ـ من شتى المذاهب ـ في كتبهم وتفاسيرهم، وذلك بتفصيل، يمكن بحثها في عشرات المصادر نذكر نماذج منها للمراجعة: 1ـ تفسير البرهان ـ سورة النساء. 2ـ تفسير نور الثقلين ـ سورة النساء. 3ـ تفسير مجمع البيان ـ سورة النساء. 4ـ تقريب القرآن إلى الأذهان ـ سورة النساء. 5ـ البحر المحيط، لأبي حيان المغربي الأندلسي/ ج3/ ص278. 6ـ إحقاق الحق/ ج3/ ص425 عن أبي بكر بن مؤمن الشيرازي في رسالة الاعتقاد. 7ـ ينابيع المودة، للحافظ الحنفي سليمان القندوزي/ ص114 و116. الظلم، والاستغفار {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رّسُولٍ أِلاّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنّهُمْ إِذ ظّلَمُوَاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوّاباً رّحِيماً}. (سورة النساء: الآية 64) يمكن أن نلخص فلسفة: (الحلال، والحرام) في أمرين هامين: 1ـ بلورة روح الانقياد، أو التمرد، في الفرد: فالذي يحمل ـ في روحه ـ مادة الانقياد لله، تتبلور فيه هذه المادة، عبر الالتزام الدائم بنظام: (الحلال، والحرام) وتتأصل، حتى تغدو سجية من سجاياه، التي يكون الخروج عليها تكلفاً يزعجه، وتسمى: (ملكة العدالة). والذي يحمل ـ في روحه ـ مادة التمرد على الله، تتبلور فيه هذه المادة، عبر الخروج الدائم على نظام: (الحلال، والحرام) وتتأصل، حتى تغدو سجية من سجاياه، التي يكون الخروج عليها تكلفاً يزعجه، ويمكن تسميتها: (ملكة الظلم). فالحلال والحرام، يربيان في الفرد ذاتية (الانقياد، أو التمرد)حتى تأخذ مداها، وتكون قوة تحرك صاحبها على الخط المنسجم مع اتجاه الكون، أو على الخط المناقض لاتجاه الكون. وعلى هذا: فليكن في بلورة روح الانقياد أو التمرد ـ في الإنسان ـ ما يكفي مصلحة ومفسدة لنظام الحلال والحرام المعبر عنه في القرآن الكريم بتعبيرات متعددة مثل: {... بل هي فتنة...}(16) و{... لننظر كيف تعملون}(17) وأمثالهما. وإلى هذا الأمر أيضاً يشير القرآن بقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً لّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاّ لِنَعْلَمَ مَن يَتّبِعُ الرّسُولَ مِمّن يَنقَلِبُ عَلَىَ عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنّ اللّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رّحِيمٌ}(18). ففي الانقياد لله، تقدم منسجم مع اتجاه الكون. وفي التمرد على الله، تراجع إلى الوراء، المصطدم مع اتجاه الكون. 2ـ كسب المصلحة، ودفع المفسدة: فما من شيءٍ أحله الله إلا ويساعد على نمو الإنسان، وما من شيءٍ حرمه الله إلا ويساعد على ضمور الإنسان. فكما أن الحلال يقوي ويربي، كذلك الحرام يشل ويعطل. وإلى هذا الأمر ـ يشير القرآن ـ في العديد من آياته ـ: {اتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصّلاَةَ إِنّ الصّلاَةَ تَنْهَىَ عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللّهِ أَكْبَرُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}(19)، {وَمِنَ الْلّيْلِ فَتَهَجّدْ بِهِ نَافِلَةً لّكَ عَسَىَ أَن يَبْعَثَكَ رَبّكَ مَقَاماً مّحْمُوداً}(20)، {إِنّمَا يُرِيدُ الشّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مّنتَهُونَ}(21). والمؤمن يأتي بالحلال لا لمصلحته، وإنما لأن الله أحبه، ويترك الحرام لا لمفسدته، وإنما لأن الله كرهه، انقياداً لله، فيجني المكسب الأول هدفاً، ويجني المكسب الثاني عرضاً. بينما لو أتى بالحلال لمصلحته، وترك الحرام لمفسدته، فإنه يربح المكسب الثاني، ويخسر المكسب الاول، الذي هو أهم، لأنه يؤصل الإيمان في النفس، الذي هو أهم من المصالح التي تنمي الجسد وما يحيط به من الحياة العامة. وذلك: كما يقول الإمام أمير المؤمنين (ع) وهو يناجي ربه: «الهي ما عبدتك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنتك، بل وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك»(22). من كل ذلك يظهر: أن من يرتكبون الحرام، إنما يتحملون خسائر مادية، ويغذون مادة (التمرد) في أرواحهم، حتى يصيبها نوع من الشلل والعطل، فيكونون قد ظلموا أنفسهم. {ولو أنهم ـ إذ ظلموا أنفسهم ـ} بارتكاب المعاصي، فإنهم ـ بارتكابهم المعاصي ـ قد خالفوا الله، وخالفوك ـ أيها النبي! ـ، وأساؤوا إلى المجتمع الذي ارتكبوا فيه الحرام، لأن المجتمع يتأثر بعمل كل فرد من أفراده. فتعلق بهم: حق الله، وحقك، وحق المجتمع. فأصبحوا تحت طائلة الحق الخاص، الذي هو حق انفسهم، وتحت طائلة الحق العام، الذي هو: حق الله، وحقك وحق المجتمع. فإذا استغفروا الله في خلواتهم، يكونون قد أدوا الحق الخاص، وبقي عليهم العام. وبما أنهم لا يبرؤون من الذنب طالما لم يؤدوا الحق، إضافة إلى أن الحق الواحد لا يتجزأ، فإن الله قد لا يغفر لهم. فإذا {جاؤوك} ـ يا رسول! ـ تائبين، {فاستغفروا الله} أمامك، لأداء الحق الخاص، فاعتبر الرسول استغفارهم استغفاراً صادقاً، {واستغفر لهم الرسول} لأداء الحق العام، {لوجدوا الله تواباً رحيما}. واشتراط الاستغفار أمام الملأ شرط الغفران، لأن الذي شجع فكرة: (ارتكاب الحرام) في المجتمع ـ ذاته ـ بالاستغفار أمام الملأ، حتى يكون قد صحح ما أخطأ فيه. واشتراط استغفار الرسول شرط الغفران، لأن حق الرسول لا يسقط إلا بمغفرة الرسول نفسه، وحق الله لا يسقط إلا بشفاعة الرسول، تكريماً للرسول على إيصاله أحكام الله إلى الناس، فمنحه الله هذا الحق: حق الشفاعة للتائبين في الدنيا، كما منحه حق الشفاعة لغير التائبين في الآخرة. ولعل المهم من كل ذلك، اشتراط الاستغفار أمام الملأ: 1ـ ليعرف من يمارس الحرام، أن عليه أن يدفع ماء وجهه ثمناً لتوبته، فلا يتسرع إلى الحرام لأقل نزوة تتحرك فيه. 2ـ لتصحيح ما أفسد من المجتمع بارتكاب الحرام، حتى يعرف الناس أن لارتكاب الحرام ثمناً عليهم أن يدفعوه، فلا يتسرعون إلى اتباع أي مذنب يقترف سيئة. القدر عقدة جهل الإنسان {ألم تر..شهيدا}. (سورة النساء: 77 ـ 79) ما لهؤلاء العقلانيين؟! يعرفون أن عقولهم قاصرة عن الاطلاع على حقائق الحياة. ويعترفون بأنهم أخف ـ في موازين الكون ـ عن الهباء، وأنهم يعيشون رذاذاً مرتجفة في مهب الأقدار. ويعترفون بأن عقولهم قاصرة عن فهم اتجاهات الأقدار، حتى يهربوا منها، أو يستعدوا لاستقبالها إن كان لا يجديهم الهرب، حتى لا تباغتهم باستمرار، فيكون لها وقع مكرر عليهم: وقعها بطبيعتها الساحقة الناتج من شعور الإنسان بأنه خاسر تحت وطأته، ووقعها بطبيعتها المباغتة التي تختطف بلا إنذار وبلا تمهل. ويعترفون ـ أيضاً ـ بأن عقولهم قاصرة عن فهم مصدر القدر: أهو الله؟ أم هو الإنسان؟ أو بعضه من الله وبعضه من الإنسان؟. ويرهقهم الجهل الذي تعلن عنه الاعترافات، فيلجؤون إلى التساؤل عن مصدر القدر، علهم يفتحون ـ عن طريق التساؤل ـ باباً إلى حل مشكلة القدر، أو حل مشكلة مباغتة القدر لهم، على أقل تقدير حتى إذا جاءهم الجواب ـ الذي فتح عليهم، بالفعل، باباً إلى حل مشكلة القدر نهائياً، أو حل مشكلة مباغتة القدر لهم، في أسوأ الفروض(23) ـ تكرر جهلهم، فأضافوا إلى جهلهم بالقدر جهلاً آخر أضر، فلم يأذنوا لعقولهم بالامتداد مع الجواب إلى حيث المحاولة في أدنى الاحتمالات لتعليل القدر: إما للمغالاة في عدم الثقة بعقولهم، حتى أنهم يتلقون القضايا العويصة بالعجز، فلا يغامرون بزج عقولهم في تعليل القدر، لاستبداد القنوط بهم إلى حيث اليأس حتى عن المحاولة، مع توفر الدليل السماوي. وإما للمغالاة في الثقة بعقولهم(24)، فيتساءلون غير مستعدين لمناقشة الجواب، وإنما يوجهون السؤال بروح الاستنكار، وهم يحاولون اللباقة في الاستنكار، فيمهدون له بالسؤال، زاعمين أن تعليل القدر ـ حتى عند الأنبياء ـ لا يعدو تعليلهم، فيوجهون السؤال إلى النبي (ص)، ليعلل القدر كما يعللونه، فيزحفون عليه باستنكار مصمم لا يدع مهرباً، ليتخذوها نقطة ضعف، يشككون بها النبي (ص) في دينه، أو يستحيونه عن دعوتهم إليه، فإذا وجدوا الجواب غير ما يحلمون، تلقوه بروح متطاولة مهزومة، فلا يناقشونه أبداً حتى يهضموه أو لا يهضموه، وإنما استبد بهم الجهل المكرر، فاستبدوا بمركزهم، واتكلوا على عقولهم القاصرة في تعليل القدر بأنه: وحش جبار، ينقض عبثاً وكيفما اتفق وعلى أي شيء، ليحطم ويفني ويبيد، لا لشيء إلا كفراً بالحياة والخير والجمال، ورغبة في التحطيم والإفناء والإبادة. وارتكازاً على هذا التعليل الارتجالي(25)، يزلزلون حياتهم بهزات ليس لها أن تهز حياة الإنسان. ولو تخلوا عن عتوهم أمام النبي (ص)، وتلقوا جوابه بروح التفاهم، لعرفوا: أن القدر شيء طبيعي، لا يرجف الإنسان، وإنما يرفعه من مرحلة دنيا إلى مرحلة أعلى، فهو ليس جاهلاً يرتطم بالإنسان عبثاً، وإنما هو هادف ينفذ رسالة لا يستغني عنها الإنسان: فالذي صمم الحياة، وأتقن كل شيء، لا يطلق القدر يخرط الأحياء بلا هدف. والذي شدد القبضة على الكون، حتى لا تنفلت جزيئة من جزيئات ذرة، عن مكانها الذي وظفت فيه، بإرادة منبثقة من نظام دقيق، متناسق مع نظام الكون، كذلك: شدد القبضة على القدر، حتى لا ينفلت من مكانه الذي وظف فيه، بإرادة منبثقة من نظام متناسق مع نظام الحياة. وسيادة النظام في الكون مفروغ عن ثبوتها، لأنها مدعمة بالإرادة الخالقة المقتدرة التي لا أقوى منها، حتى يتمرد عليها أو يناقضها. ومعنى سيادة النظام في الكون: أن كل شيء فيه يجري وفق نظام: (ترتب المسببات على الأسباب) الذي أجرى الله عليه الأشياء والأمور، حتى كان الكون الرحيب ـ بعوالمه الكثيرة المتداخلة ـ مركباً عضوياً واحداً، لا يفقد شيء من عناصره نسبته إلا ويتلاشى كله فسيادة النظام في الكون كله، تنتهي باختراق نظام: (ترتب المسببات على الأسباب) في شيء واحد، مهما كان صغيراً أو كبيراً. فكل نظام، يختل بخرق أصغر الصغائر له، بمقدار ما يختل بخرق أكبر الكبائر له. واختلال نظام الكون، الذي يحدث بانفلات جزيئة ذرية من مكانها المحدد لها، يعادل أسوأ الفوضى في أضخم المجرات. والقدر الذي يعرض نبتة خائبة لوطأة بهيمة، يتساوى ـ في دلالته ـ مع القدر الذي يعرض ألف منظومة شمسية للاحتراق. فالقدر، مهما كان صغيراً في مفعوله، فهو كبير في دلالته. ثم: ما هو القدر؟ إنه ـ بكل بساطة ـ ترتب المسببات على أسبابها: فسقوط الطائرة الآلية لانتهاء وقودها، قدر.. وموت الإنسان، عند عطل أحد أجهزته الحيوية، قدر.. وسقوط الفاكهة، لدى ثقلها أكثر من تحمل عودتها، قدر.. وتموج البحر، بهبة ريح أقوى من ثقل الماء، قدر.. وتقرح المعدة، بفعل الجوع الكثير، قدر.. وقصر العمر، على أثر قطيعة الرحم، قدر.. وسلامة الإنسان، نتيجة للصدمة، قدر.. وسعة الرزق، لليقظة المبكرة، قدر.. فترتب كل الآثار على المؤثرات، قدر. وحيث أن الناس يعرفون قسماً من الأسباب المادية، ويراقبون سيرها نحو مسبباتها، يتوقعون تلك المسببات، فإذا حدث أحدها، تلقوه بالتوقع، وعللوا حدوثه بسببه. وحيث لا يعرفون أكثر الأسباب الروحية والمعنوية، وكثيراً من الأسباب المادية، لا يمكنهم مراقبة سيرها نحو مسبباتها، وتوقع تلك المسببات، فإذا حدث أحدها، تلقوه بالذعر، وعللوا حدوثه بالقدر، الذي اصطلحوه إسماً غامضاً لكل الأسباب المجهولة. فالقدر ـ في حقيقته ـ هو: الحد الذي جعله الله للأشياء وفق نظام: (ترتب المسببات على الأسباب) الذي جرت عليه عادة الله في عالمنا هذا، المسمى بـ: (عالم الكون والفساد). وحيث أن أي سبب لا ينتهي إلى مسببه إلا بإرادة عامة من الله، فالقدر لا ينفذ إلا بإرادة الله تعالى. إذن: فالقدر ليس شيئاً مخيفاً، وإنما هو أمر عادي. غير أنه كثيراً ما يصدمنا، ونفاجأ به، لا لشيء، إلا لأننا نجهل أكثر الأسباب الروحية والمعنوية، وكثيراً من الأسباب المادية. وأما الذين كانت لهم صفحات الكون مفتوحة، يقرؤون فيها الحقائق كما يقرأ أحدنا صحيفة يومية، فلم يكن القدر يباغتهم أبداً. وإذن: فالقدر جزء من نظام الكون، الذي للإنسان تأثير فيه. لأن الله ـ تعالى ـ جعل كثيراً من تصرفات الإنسان، مؤثرات في قدره: فجعل صلة الرحم، والصدقة، والرحم، والدعاء... أسباباً لمسببات خيرة، هي بعض جزائه المادي الدنيوي. وجعل قطيعة الرحم، ومنع السائل، والظلم، والاستغناء عن الله.. أسباباً لمسببات شرة، هي بعض جزائه الدنيوي. ومع إغفال تأثير عمل الإنسان في ما يجري على نفسه، فالله لا يقدر الشر للإنسان، لأنه خير محض، لا يصدر منه الشر. إذن: القدر الخير من الله، والقدر الشر من الإنسان. فالقدر ـ خيره، وشره ـ من الله بمعنى: أن أي شيء لا ينفذ في الكون إلا بإرادة الله تعالى. والقدر الشر ـ كله من الإنسان، بمعنى: أن الإنسان عمل سببه، فترتب عليه مسببه. وكذلك: قسم من قدر الخير من الإنسان، لأنه عمل سببه. وأما القسم الآخر من قدر الخير، الذي لم يعمل الإنسان سببه، فهو: فضل من الله، المبتدىء بالنعم قبل استحقاقها، وبلا استحقاق في كثير من الأحيان. فالإنسان لا يعيش ـ أبداً ـ تحت رحمة القدر، وإنما يعيش ـ دائماً ـ تحت رحمة الله، وتحت رحمة تصرف نفسه في بعض الأحيان. فالقدر ـ ذاته ـ ليس من صنع الإنسان، ولا للإنسان سلطان عليه، ولا راد له إن أبرم. غير أن بعض مبادئه من صنع الإنسان، وللإنسان سلطان عليه، ويمكنه من رده قبل إبرامه. وهكذا.. يكون القدر من صنع الله، ومن صنع الإنسان، ويرفض الرد، ولا يرفض الرد. وعلى أي حال: فالقدر ـ بعد اكتماله قدراً ـ تيار يجري من فوق الإنسان، وليس له عليه سلطان. وهذا.. من فضل الله، الذي منح للإنسان تأثيراً على قدره، ولم يجعله أداةً بائسة، يهيج به، دون أن يكون له تأثير على قدره. ولو شاء أن يفعل ذلك، لم يكن معقب لمشيئته. والهزات التي تجتاح الإنسان، على ثلاثة أقسام: القسم الأول: الهزات التي تجتاح الأولياء، الذين لم يعملوا شراً يجزون عليه بالشر، وهي لا تقدر لهم إلا لترفيعهم، وبعد موافقتهم كما قدرت الشهادة للإمام الحسين (ع)، لينال درجات لم يكن ينالها إلا بالشهادة، فأخبره جده الرسول الأعظم (ص) بذلك، فرحب بها غير مكره ولا مغرر به. والقسم الثاني: الهزات التي تجتاح الآثمين، الذين عملوا شراً فاستحقوا به شرا. وهي تقدر لهم لإلفاتهم وتطهيرهم ومن دون موافقتهم أو إخبارهم. كالصدمات التي ترجف المؤمنين الآثمين. والقسم الثالث: الهزات التي تجتاح الكفار المجرمين، الذين عملوا الشر حتى ارتكزوا عليه، فلا يقتلعون عنه، ولا يتجهون إلى الخير. فيقدر لهم الشر: تنكيلاً بهم، وتحديداً له، وإشفاقاً عليهم أن يتوغلوا في المزيد من الإجرام فيستحقوا المزيد من العقاب. صالة إنتظار حينونة القيامة { اللّهُ لآ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ لَيَجْمَعَنّكُمْ إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً} (سورة النساء: الآية 87) كثير من المتخصصين في علوم العربية والتفسير، يقولون: (إلى) ـ هنا ـ تعطي مدلول: (في). فـ(ليجمعنكم إلى يوم القيامة) تعني: (ليجمعنكم في يوم القيامة)، فهو يوم الجمع، الذي يجمع الله فيه كل البشر، على صعيد واحد. ولكني أتصور: أن (إلى) ـ في هذه الآية ـ لم ترد بمعنى: (في)، وإنما وردت بمعناها الأصلي، وهو النهاية، فيكون معنى الآية: أن الله يجمعكم تدريجاً ـ في عالم البرزخ ـ إلى يوم القيامة. فكل إنسان يموت، يضم إلى من مات قبله، حتى يكون يوم القيامة، فيكون الجميع فد اجتمعوا عند الله أحكم الحاكمين. فكأن هذا المعنى الذي وسعه الإمام أمير المؤمنين (ع) بقوله: «تخففوا تلحقوا، فإنما ينتظر بأولكم آخركم»(26). فالذي سبق إلى عالم البرزخ ـ من الركب البشري الطويل ـ لا تقام له القيامة الكبرى، وإنما ينتظر به إلى إن يلتحق به كل السائرين في الركب، عبر الحياة الدنيا، حتى آخر فرد منهم. وعندما يأزرون جميعاً من هذه الحياة، ويتكاملون في عالم البرزخ تفتح عليهم أبواب القيامة الكبرى، فيحشرون جميعاً على صعيد واحد. * الهجرة، وأقسامها ( ومن يهاجر في سبيل الله، يجد – في الأرض – مراغماً كثيراً، وسعة. ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى: الله، ورسوله، ثم: يدركه الموت، فقد وقع أجره على الله، وكان الله غفوراً رحيماً). [سورة النساء: الآية 100]. (ومن يخرج من بيته) وبلده، ويدوس على مجمع عواطفه، وملتقى كل تياراته الحياتية، (مهاجراً إلى) إرادة (الله، ورسوله)، وواضعاً كله تحت أوامر الله، ورسوله، (ثم: يدركه الموت) في مهجره، بعيدا عن أهله، وأقربائه، وأصدقائه... فقد ضحى بما يمكن تثمينه بأي شيء مما في الآخرة من: نعيم الجنة، وخلودها. وإنما أجره أكبر من أن يحدد بأي حدٍ، وأكثر مما يوفيه غير الله، فـ(وقع أجره على الله) وحده، الذي يملك غير الجنة ما هو أكبر من الجنة، وأغلى، وأكثر .... وهو: رضوان الله. فالمهاجر إلى الله، إنما يهجر مجاري صباه، وذكرياته، وصداقاته، وصباباته، وقراباته ... ويخرج من كل وجوده – عندما يخرج من أعز موقع لديه في الحياة – وهو يترك بلده خلفه، وخاصة: حينما يخرج إلى حيث ينتظره الموت، فيكون كالشهيد الذي يخرج من كل وجوده متجهاً إلى الله. ومن ترك كل ما في وجوده من: تيار الأرض، وحنين الأرض، ورغبات الأرض، ونوازع الأرض ... فقد استهان بكل نعيمه الجسدي الموجود في سبيل الله، ومن استهان بالنعيم الجسدي الحاضر، تلبية لله، لا يكون جزاؤه بالنعيم الجسدي المستقبل، مهما كبر. ومن ينسلخ من كل جسده لله، يصبح من غير الإنصاف مكافأته بما يروي ظمأه ذلك الجسد الذي انسلخ منه، وإنما تكون مكافأته بما يروي ظمأ الروح التي انسلخ من جسده لإروائها. ولا يمكن إرواؤها إلا بإشعارها بأن الله راضٍ عنها: (وعد الله المؤمنين والمؤمنات: جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ومساكن طيبة في جنات عدن. ورضوان من الله أكبر، ذلك: هو الفوز العظيم)(27). والهجرة على أربعة أقسام: 1- هجرة مباشرة إلى الله ورسوله. كمن يهاجر لأي هدف ديني لطلب العلم الديني كطالب علم ديني .. أو لنشر الوعي الديني كعالم ديني، يعين في غير بلده، ليقود الناس إلى الله .. أو لتطبيق حكم ديني، كحاكم ينصب في غير بلده، قاضياً أو والياً ... وهؤلاء هم المهاجرون مباشرة إلى الله ورسوله. 2- هجرة – بواسطة العلم – إلى الله ورسوله. كمن يهاجر لطلب أي علم من العلوم الحياتية، التي استحبها الإسلام: كعلم الطب، ففي الحديث: (العلم علمان: علم الأديان، وعلم الأبدان)(28).. وعلم الهندسة .. والكيمياء .. والصناعات المختلفة، التي تتوقف عليها الحياة، أو تقدم المجتمع، فقد قال الفقهاء بوجوبها كفاية ... وهذه هجرة إلى الله ورسوله، بواسطة العلم – إذا كانت بغية القربى – لأن الإسلام شجعها، وأراد الله للمسلمين أن يكونوا خير أمة، تسبق غيرها في كل الحلبات، ولا تتخلف عن غيرها في أي شيء مما يساعد على تصعيد مستوى الأمة. 3- هجرة – بواسطة المال – إلى الله ورسوله. كمن يهاجر لطلب المال بالطرق المشروعة. لأن الله – تبارك وتعالى – لم يرد للمؤمن أن يكون يداً تسترزق بالاستعطاف والاستعطاء، وإنما أراده يداً تتورم بالعمل الكريم، والعطاء الشريف: فقد كان داود (ع) يعمل الدرع، وسليمان (ع) يعمل الحصير، والإمام أمير المؤمنين (ع) يمتح الماء من الآبار العميقة بالأجرة، ويعمل في الزرع وهو على مسند الخلافة بالكوفة ... والمال هو الخيط الذي يخرز الطاقات البشرية والكونية، فهو خير، ولكن الشر قد يسيء إدارته، وكفى به خيراً أن الإنسان يستطيع أن يشتري به الجنة: (إن الله اشترى – من المؤمنين – أنفسهم، وأموالهم ، بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله: فيقتلون، ويُقتلون. وعداً – عليه – حقاً في: التوارة، والإنجيل، والقرآن، ومن أوفى – بعهده – من الله؟! فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك: هو الفوز العظيم)(29). وفي بعض الحديث: (أن رجلاً جاء إلى الإمام الصادق (ع) فقال: يا ابن رسول الله! هلكت، فقال الإمام: وبم؟ قال: بحب الدنيا، فقال الإمام: ولماذا تحب الدنيا؟ قال: لأكف يدي، وأعيل أهلي، وأصل رحمي ... فقال الإمام: هذا .. من حب الآخرة، وليس من حب الدنيا)(30). 4- هجرة – بواسطة الكرامة – إلى الله ورسوله. كمن يضطهد في بلده، فيهاجر إلى غيره، ليعيش موفور الكرامة. لأن الله أراد للمؤمن أن يعيش حراً كريماً، لا ترهقه ذلة، ولا يمتصه صغار. وإن الله ليكره للمؤمن أن يستمرئ الهوان، ويعتبر المستضعف – على مقدرة – ظالماً، ولكن لنفسه لا لغيره، وتعنفه الملائكة ساعة قبض روحه: لماذا لم يهاجر إلى أرض الله الواسعة، من بلد يلفه بالضعف؟! يقول القرآن الكريم: (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، قالوا: فيم كنتم؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض، قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها؟! فأولئك: مأواهم جهنم، وساءت مصيرا)(31). فمن هاجر لصيانة كرامته، فقد هاجر لتلبية إرادة الله ورسوله في كرامته. وهذه الهجرات الأربع، تتقمص لونها الديني من النوايا التي تدفع إليها: فمن هاجر – بأي من تلك الهجرات – تلبية لإرادة الله، كانت هجرته إلى الله، وكان مثله الأعلى (رسول الله (ص)) الذي هاجر إلى يثرب لتحرير الإسلام من ضغوط مكة، وهجرة أمير المؤمنين (ع) إلى الكوفة لتعزيز الحق ضد الباطل. ومن هاجر – بأي من تلك الهجرات – تلبية لنوازع الأرض فيه، كانت هجرته إلى نفسه، وكان مثله الأعلى (شهيد الحمار) الذي لم يصل عليه رسول الله (ص)، رغم أنه كان قد قتل بين يديه. فالطريق إلى الآخرة قد يمر عبر الدنيا، كما أن الطريق إلى الدنيا قد يمر عبر الآخرة. وإذا كانت الأعمال تقيم الإنسان لدى الناس، لأنهم غير مطلعين على النوايا، فالنوايا هي التي تقيّم الإنسان – وأعماله- لدى الله، المطلع على النوايا. ففي الحديث: (إن الله ينظر إلى قلوبكم، ولا ينظر إلى أعمالكم)(32)، وقد تصدق الإمام أمير المؤمنين (ع) بخاتم في الركوع، فقيّمه القرآن بقوله: (إنما وليكم: الله، ورسوله، والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة وهم راكعون)(33). وأنفق صحابي آخر سبعين خاتماً في الركوع، فقيّمه القرآن بقوله: (فلا صدق ولا صلى. ولكن: كذب، وتولى. ثم: ذهب إلى أهله يتمطى. أولى لك، فأولى. ثم: أولى لك، فأولى)(34). وفي حديث تقييم الهجرة: (.... فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله. ومن كانت هجرته إلى امرأة ينكحها، أو مال يكتسبه، فهجرته إلى ما هاجر إليه)(35). * خط العدل .. وخطة حراسته.... (يا أيها الذين آمنوا! كونوا: قوامين بالقسط، شهداء لله، ولو على: أنفسكم، و الوالدين، والأقربين. إن يكن غنياً، أو فقيراً، فالله أولى بهما. فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا. وإن تلووا، أو تعرضوا، فإن الله كان بما تعملون خبيرا). [سورة النساء: الآية 135]. هذه الآية من الآيات، تحتوي خططاً جبارة، لتمكين: (حكومة الإسلام). وهذه الخطط، تنقل مسؤولية أساسية من مسؤوليات الحكومة إلى الأمة، لـ: 1ـ التخفيف عن كاهل الحكومة. 2ـ تقريبها من الشعب أكثر. فأكثر.. فأمام كل فرد من الأمة، خط ... وخطة... والخط، هو: العدل = القسط في كل الأمور: ويجب على كل فرد، أن يلتزم به، في كل حياته. لأن العدل هو خط الله – إن صح التعبير – الذي يسعد في الدنيا، وينتهي إلى الجنة في الآخرة: (يا أيها الذين آمنوا! كونوا: قوامين بالقسط). والخطة، هي: الحراسة الواسعة، التي تصون هذا الخط. فمن هم الحراس؟ إنهم كل المسلمين. ومسؤولية كل فرد، ليست حراسة خط العدل من الأبعدين، وإنما: 1ـ حراسة العدل من نفسه، لأن العدل شيء لا يمكن حراسته – حراسة دقيقة – بحارس خارجي مهما كان ذكياً، فخيانة العدل أخفى من أن تلاحقها عيون الناس. فكل إنسان مسؤول – أمام الله – عن حراسة خط العدل من نفسه، قبل حراسته من غيره: (شهداء لله، ولو على: أنفسكم). 2ـ حراسة العدل من الوالدين، فالولد ألصق بوالديه، وأكثر حشراً في حياتهما من غيره، فعليه هو – قبل غيره – أن يكون رقيباً وشاهداً لله عليهما: (أو الوالدين). 3ـ حراسة العدل من الأقربين، فالقرابة تفسح للقريب، كثيراً من الدس في شؤون أقربيه، التي تقفل أمام سمع وبصر غيره. إذن: فهو أفضل إنسان يستطيع أن يستخدم قرابته لرقابة أقرابه، وحراسة خط العدل منهم: (والأقربين). 4ـ حراسة العدل من سائر الناس، بمقدار ما يسمح له، ويستطيع. وغير الأقربين لم يرد في نص الآية، ولكنه يفهم منها بالأولوية القطعية. وهذه خطة عميقة جداً، فـ: 1ـ ترفع عن كاهل الحكومة، تكاليف رقابة الأمة: المادية، والبشرية. 2ـ تدمج كل فرد في الحكومة، وتشعره بأنها قائمة عليه، وتشعر الحكومة بأنها مدعومة به، فيعمق التعاطف بينهما. 3ـ توجد أقوى رقابة ممكنة، فكل فرد رقيب على نفسه، وإذا تساهل مع نفسه، فلا يفلت من أعين: أبنائه، أو آبائه، أو زوجته ... ومهما تساهلت معه العيون، فلا بد أن يظهر بين مجموعة العين التي تراه عين واحدة – على الأقل – لا تتساهل معه. وهو لا يستطيع أن يعرف: أية عين تلك التي تتساهل، وتلك التي لا تتساهل. فيجد نفسه أمام خيارين: الاحتجاب عن كل العيون – وذلك ما لا يكون – ،أو الالتزام بالعدل – وهو الهدف – . * استراتيجية التفريق بين الله ورسله (إن الذين: يكفرون بالله ورسله، ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله، ويقولون: نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ويريدون أن يتخذوا – بين ذلك – سبيلاً. أولئك: هم الكافرون حقاً، وأعتدنا – للكافرين – عذاباً مهينا). [ سورة النساء: 150 ـ 151]. 1ـ الكافر – وهو الذي يستر الحقيقة – على أقسام متدرجة: أ ـ الذي يستر حقيقة: (الحقوق المتبادلة)، ابتداءً من: (الحقوق الزوجية)، (لا يزني الزاني – حين يزني – وهو مؤمن)(36)، (الزاني المحصن، يقتل)(37)، لأنه ألغى الرباط المقدس الذي لا يسمح بتعاطي الجنس إلا من خلاله، وهتك الحقوق التي تترتب على ممارسة الجنس. وارتفاعاً إلى: (الحقوق الاجتماعية) المتبادلة، التي يؤدي التمرد عليها إلى تفجير المجتمع، ولو من خلال عدم الوفاء بالوعد والدين، الذي يؤدي إلى عدم الاعتماد على الوعد، وعدم الدين: (إن الذين كفروا، ويصدون عن: سبيل الله، والمسجد الحرام، الذي جعلناه للناس، سواء العاكف فيه والباد. ومن يرد فيه بإلحاد، بظلم، نذقه من عذاب أليم)(38). وانتهاءً بـ: (سلب الأمن)، كما في الحديث: (من شهر سيفه بالليل، يقتل)(39)، علماً بأنه لا يقتل في الإسلام إلا: من ارتكب الكفر شفهياً، أو اقترف عملاً في حد الكفر. ب ـ الذي يستر ضرورة من ضرورات الدين: كالصلاة، والزكاة، والحج... فقد أجمع العلماء على كفر من أنكر أحدها. ج ـ إنكار الحقيقة الإلهية، أعظم الحقائق، ومصدر الحقائق وهذا أغلظ أنواع الكفر، لأنه أسوأ أنواع الانحراف، ويؤدي إلى الانحلال من جميع القيم والمقاييس التي تحفظ المجتمع والحياة، ويجعل من الفرد عنصراً نشازاً. 2ـ إن الله لا يتصل مباشرة بالناس، وإنما يتصل بهم عبر رسله فالرسل هم الوحيدون الذين يمثلون الله في الأرض، والانقياد لله لا يتم إلا باتباع الرسل، والتمرد على الرسل تمرد على الله، والمؤمن الحق هو: الذي يسلم لله عن طريق الإسلام لرسله. 3ـ الكفر قسمان: أ ـ الكفر البسيط، وهذا .. كفر من يعلن ما في قرارته، بلا مؤاربة ولا التواء. ب ـ الكفر المركب،وهذا .. كفر من يضمر ما في قرارته، ليمرره من خلال مواقف إيجابية الشكل وسلبية المضمون. والكفر المركب: كفر مضاعف. لأنه يستر الحقيقة الإلهية بجحوده، ويستر جحوده، فيتظاهر بالإيمان ويبطن الكفر. 4ـ الكافر: ربما يكون كافراً بنفسه، فينحرف إلى حيث ما تسّول له نفسه. وربما يخطّ نهجاً لكفر، يضلل الكثيرين. والثاني أغلظ. 5ـ والذين يحاولون التمرد على الأنبياء، إنما يحاولون التمرد على الله. ولكن لا يريدون أن يتعرّوا أمام الرأي العام، فيفرّقون بين الله ورسله. ولا يمكنهم التفريق بين الله ورسله صراحة، وإنما يقولون: (إنا نؤمن بالله، ولكن لا نؤمن برسوله، لأن هذا الرسول لا يعبر التعبير الكامل عن الله، وقد وهبنا الله العقل، لنستدل به عليه، وحسبنا العقل. وأما هذا الرسول، فينفِّر الناس – بمنطقه – عن الإيمان، لأنه لا يعرف متطلبات العصر ... ). والقرآن عرّى أصحاب هذا المنطق، عندما أعلن: (أولئك: هم الكافرون حقاً): فكفرهم أغلظ أنواع الكفر، لأنهم كفار، ويكفرون بكفرهم، فيعلنون الإيمان ويبطنون الكفر. ولأنهم لا يكتفون بكفرهم، وإنما يحاولون أن يؤسسوا فلسفة مستمرة للكفر، وهي فلسفة الإيمان بالعقل المجرد، والاستغناء عن الرسل والرسالات،في مجال الإيمان. * عبث الأرض بفكرة الألوهة (يا أهل الكتاب! لا تغلوا في دينكم، ولا تقولوا على الله إلا الحق. إنما (المسيح = عيسى بن مريم): رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه. فآمنوا بالله ورسله، ولا تقولوا: (ثلاثة)، انتهوا خيراً لكم. إنما (الله): إله واحد سبحانه أن يكون له (ولد)، له ما في السماوات وما في الأرض. وكفى بالله وكيلا). [ سورة النساء: الآية 171] فكرة: (الألوهة) مرت بمراحل النضج، عبر الأمم الثلاث الأخيرة: اليهودية، والمسيحية، والإسلامية. فالأنبياء – جميعاً – دعوا أممهم إلى الإله الواحد: الله. ولكن أممهم لم تتجرد من تخلّفها الوثني، في وعي فكرة الألوهة: فالأمة اليهودية قالت بالإله الواحد، ولكنها لم تتجرد من نزعتها القومية، فصوّرت: (الإله القومي) الذي خلق اليهود من عنصر فاضل ليسود، وخلق غيرهم من عنصر مفضول ليساد. والأمة المسيحية تجردت من نزعتها القومية في وعي الإله، ولكنها لم تتجرد من نزعتها المادية، فصوّرت: (الإله المركب) من ثلاثة: الأب، والابن، وروح القدس. والأمة الإسلامية تجردت من النزعتين في وعي الإله، فعبدت: (الإله الواحد) الذي خلق الجميع من آدم، وخلق آدم من تراب، ولم يفضّل أحداً على أحد إلا بالعمل الفكري أو العضلي المعبر عنه بالتقوى. |
|
(1) مرآة العقول ج8 ص33. (2) سورة الأحزاب: آية 50. (3) سورة الممتحنة: آية 10. (4) سورة القصص: آية 26 ـ 27. (5) أجوبة مسائل جار الله، للإمام شرف الدين ـ 15. (6) سورة الحاقة: آية 44 ـ 47. (7) سورة الإسراء: آية 74 ـ 75. (8) سورة الأحزاب: آية 36. (9) سورة الأحزاب: آية 36. (10) سورة النساء: آية 141. (11) سورة المائدة: آية 44. (12) سورة البقرة: آية 124. (13) سورة النساء: آية 97. (14) سورة آل عمران: آية 110. (15) سورة العنكبوت: آية 8. (16) سورة الزمر: آية 49. (17) سورة يونس: آية 14. (18) سورة البقرة: آية 143. (19) سورة العنكبوت: آية 45. (20) سورة بني إسرائيل: آية 79. (21) سورة المائدة: آية 91. (22) العروة الوثقى، للإمام الطباطبائي اليزدي، الجزء الأول/ 614. (23) ذلك: أن الجواب الذي يتلقونه من النبي، يبتدىء بتحديد مصدر القدر، بأنه: (الله) وحده لا الإنسان؛ فالإنسان مصب القدر وليس مصدره. وينتهي إلى فتح باب: (الدعاء) الذي يلغي القدر المعلق، ويؤجل القدر المحتوم. فيحل مشكلة القدر نهائياً. وإن لم ينفتح هذا الباب، لعدم استعداد الفرد لتوفير شرائط استجابة في نفسه، فلا أقل من أن جواب النبي يفسر القدر وأغراضه، بأنه ينزل من قبل الله وفق مصلحة الإنسان: {قل: لن يصيبنا..المؤمنون} ـ سورة التوبة: آية 51، فيستعد له الإنسان، فلا يكون له وقعه الساحق لأعصابه. ويتهيأ له في كل حين، فلا يكون له وقعه المباغت .م. (24) هذا الاحتمال، أقرب إلى مجرى الآية. م . (25) نقصد بـ: (الارتجالي) ـ هنا ـ غير المعرض لتجربة النقاش الموضوعي الحر.م. (26) نهج البلاغة ـ الخطبة(21). (27) - سورة التوبة: آية 72. (28) - بحار الأنوار ج1 ص 220 ح52. (29) - سورة التوبة: آية 111. (30) - مستدرك الوسائل ج2 كتاب التجارة الباب 5 ـ 6. (31) - سورة النساء: آية 97. (32) - كنز العمال ح7258 . (33) - سورة المائدة: آية 55. (34) - سورة القيامة: آية 31 ـ 35. (35) - الترغيب والتهذيب ج1 ص 56 ح15. (36) - أصول الكافي ـ ج 2ـ ص32 سطر(9) وصحيح مسلم ج 1 كتاب الإيمان باب 24 ح100 ص 76. (37) - وسائل الشيعة ـ ج 18 ـ ص(346) أبواب حد الزنا ـ ط دار إحياء التراث العربي. (38) - سورة الحج: آية 25. (39) - تهذيب الأحكام ج 10 ص 134. |