الفهرس

الثقافة الاسلامية

الصفحة الرئيسية

 

تشريفات شهر رمضان

لقد عني المسلمون بشهر رمضان ـ منذ أنْ فرض الصوم ـ فأحاطوه بأنواع التكريم، فلم يكد يعلن عن ثبوت هلال شهر رمضان، إلاّ وتطوّر البلاد الإسلامية كلها، برامجها الحياتية، وتقلص الاتجاهات المادية، للتوفير على الاتجاهات المعنوية، كما شاء الله للصوم، أنْ يطوّر الحياة، وينقذها من الرتابة المملة.

ولم تكن تشريفات رمضان خاصة بالفئات الشعبية المؤمنة، التي لا تستطيع التأثير إلاّ على جوانب محدودة من الحياة العامّة، وإنّما كانت الحكومات والشعوب بأسرها تتعاون في الاحتفاء بشهر الصيام ـ كما ندب إليه الرسول العظيم ـ حتى كأن هذا الشهر فترة منفصلة عن بقية الشهور، وحتى صح فيه قول بعضهم: (رمضان شهر الصيام، والقيام، الطعام). لا شهر الاكتساب والصراع، والمعصية.

إحياء رمضان في مكة

وكان أهلي مكة المكرمة، أكثر النّاس، احتفاء بشهر رمضان، أو ليست إشعاعات البيت العتيق، جديرة بأنْ تدفع النّاس باردة خفية إلى الإكثار من القربات، ولا سيما في هذا الشهر المبارك.

وقد بلغ اهتمام (جيران بيت الله) بهذا الشهر ـ في بعض العصورـ مبلغاً تحدث عنه (القضاعي) فقال: (عجائب الإسلام أربعة، عرض الخيل بمصر، ورمضان مكة، والعيد بطرسوس، والجمعة في بغداد).

وحضر شهر رمضان بمكة المكرمة، الرحّالة (ابن جبير) عام 579هـ فكتب عنه:

(حينما استهل هلال رمضان، وقع الاحتفال في المسجد الحرام، بهذا الشهر المبارك، وقد جُدِدت الحُصر، وكثر الشمع والمشاعيل، وغير ذلك من الآت الإضاءة، حتى تلألأ الحرم نوراً، وسطع ضياء).

(إنّ جماعة من التجار تنافسوا، فجلبوا لإمام الكعبة شمعاً كثيراً، من أكبره شمعتان، نصبتا أمام المحراب، فيها قنطار، وقد حفت بها شمع دونهما، صغاراً وكباراً... فكاد لا يبقى في المسجد زاوية ولا ناحية، إلاّ وفيها قارئ يصلي بجماعة خلفه، فيرتجّ المسجد لأصوات القراء من كل ناحية، فتعاين الأبصار، وتشنف الأسماع، بما تخشع له النفوس خشيةً ورِقةً، ومن الغرباء من اقتصر على الطواف، والصلاة في الحجر).

(والفرقعة (1) تستعمل في هذا الشهر المبارك، وذلك انه يضرب بها ثلاث ضربات، عند الفراغ من أذان المغرب، وعند الفراغ من أذان العشاء الآخرة).

والمؤذن الزمزمي، يتولّى التسحير في الصومعة، التي في ركن الشرقي من المسجد، بسبب قربها من دار الأمير، فيقوم في وقت السحور فيها، داعياً، ومذكراً، ومحرضاً على السحور، ومعه أخوان صغيران، يجاوبانه ويقاولانه، وقد نصبت في أعلى الصومعة خشبة طويلة، في رأسها عود كالذراع، وفي طرفيه بكرتان صغيرتان، يرفع عليها قنديلان من الزجاج كبيران، ولا يزالان يوقدان مدة التسحير، فإذا قرب ميعاد الإمساك، والتنبيه عليه مرة بعد مرة، حط المؤذن القنديلين من أعلى الخشبة، وبدأ بالأذان، وثوب المؤذنون من كل ناحية بالأذان، وفي ديار مكة الدور مرتفعة، فمن لم يسمع نداء التسحير، ممن يبعد مسكنه من المسجد، يبصر القنديلين يوقدان في أعلى الصومعة، فإذا لم يبصرهما، علم أنّ الوقت قد انقطع.

(وكل وتر من الليالي العشر الأواخر، يختم في القرآن، فأولها ليلة إحدى وعشرين، ختم فيها أحد أبناء أهل مكة، وحضر الختمة القاضي، وجماعة من الأشياخ، فلما فرغوا، قام الصبي فيهم خطيباً، ثم استدعاهم أبو الصبي المذكور إلى منزله، إلى طعام وحلوى، قد أعدهما واحتفل فيهما. ثم بعد ذلك، ليلة وثلاث وعشرين، وكان المختتم فيها أحد أبناء المكيين، وذوي اليسار غلاماً لم يبلغ سنهُ الخمسة عشرة سنة، فاحتفل أبوه لهذه الليلة، احتفالاً بديعاً، وذلك أنّه أعد له ثرياً، مصنوعة من الشمع، مغصنّة، قد انتظمت فيها أنواع الفواكه الرطبة واليابسة، وأعدّ لها شمعاً كثيراً، ووضع وسط الحرم شبيه المحراب المربع، أقيم على قوائم أربعة، تدلّت منه قناديل مسرجة، وأحاط دائر المحراب بمسامير مدببة الأطراف، غرز فيها الشمع، وأوقدت الثريا المغصّنة، ذات الفواكه، وأمعن في الاحتفاء هذا الاحتفاء، ووضع بقربة من المحراب، منبر، مجلل بكسوة مجزعة مختلفة الألوان، وحضر الإمام الطفل، فصلى وختم، وقد مُلء المسجد بالرجال والنساء، وهو في محرابه وحوله الشموع، ثم برز من محرابه، رافلاً في أفخر ثيابه، فاستقبله أحد سدنة المسجد، وأوصله إلى ذروة المنبر، فاستوى مُبتسماً، وأشار على الحاضرين مسلِّماً، وجلس بين يديه قرّاء، فابتدروا القراءة على لسان واحد، فلما أكملوا عشراً من القرآن، قام الخطيب فصدع بخطبته، وبين يديه ـ في درجات المنبر ـ نفر يمسكون الشمع بأيديهم، ويرفعون أصواتهم بـ (يا رب.. يا رب) عند كل فصل من فصول الخطبة، يكررون ذلك والقراء يبتدرون القراءة في أثناء ذلك، فيسكت الخطيب إلى أنْ يفرغوا، ثم يعود لخطبته، مشيراً إلى البيت العتيق ـ عند ورود أسمه ـ ثم ختمها بتوديع الشهر المبارك وترديد السلام عليه، والدعاء للخليفة، ولكل من جرت العادة بالدعاء له، ثم نزل وانفض ذلك الجمع، ثم ذكر أنّ المعينين من ذلك الجمع، كالقاضي وسواه، خصّوا بطعام حفيل وحلوى، على عادتهم في مثل هذا المجتمع).

ثم كانت ليلة خمس وعشرين، فكان المختتم، الإمام الحنفي، وقد أعد ابناً له لذلك، سنه نحو من سنِّ الخطيب الأول المذكور، فكان احتفال الإمام الحنفي لابنه في هذه الليلة عظيماً، احضر فيه من ثريات الشمع أربعاً، مختلفات الصنعة، فيها مشجرة مغصنّة مثمرة، بأنواع الفواكه الرطبة واليابسة، ومنها غير مغصنّة، فصفّفت أمام خطيبه، وتوج الحطيم بخشب وألواح، وضعت أعلاه، وجلّل ذلك كلِّه سرجاً، ومشاعيل، وشمعاً، فاستنار الحطيم حتى لاح في الهواء كالتاج العظيم من النور، وأحضر الشمع في الشمعدانات النحاسية، ووضع المحراب العودي فجلل دائرة الأعلى كلّه شمعاً، وأحدق به الشمع في الشمعدانات فاكتنفته هالات من النور، ونصب المنبر قباله، مجللاً أيضاً على الكسوة الملوّنة، فختم الصبي المذكور، ثم برز من محرابه إلى منبره، في أثواب رائعة المنظر، فصعد المنبر، وأشار بالسلام على الحاضرين، وابتدأ خطبتهن وحضر القرّاء بين يديه على الرسم الأول، وانتهت الحفلة بالوليمة، التي يقيمها والده، ثم يقول:

(وأية حالة توازي شهود ختم القرآن، ليلة خمس وعشرين من رمضان، خلف المقام الكريم، وتجاه البيت العظيم؟ وأنها لنعمة تتضاءل لها النعم، تضاءل سائر البقاع للحرم).

ولما كانت ليلة السبع والعشرين، كان الاستعداد للاحتفال بختم القرآن على أتمّه، فقد جرت العادة: أن الاستعداد للاحتفال بهذه الليلة المباركة، يكون قبل ذلك بليلتين، أو ثلاث، وأقيمت إزاء الحطيم، خشب عظام ظاهرة الارتفاع، موصول بين كل ثلاث منها، بأذرع من الأعواد الوثيقة، فأتصل منها صف، كاد يمسك نصف الحرم عرضاً، ووصلت، ثم عرضت بينها ألواح طوال، مدت على الأذرع المذكورة، وعلت طبقة منها طبقة أخرى، حتى استكملت ثلاث طبقات، فكانت الطبقة العليا منها خشباً مستطيلة، مغروزة كلها مسامير محددة الأطراف، لاصقاً، بعضها ببعض، نصب عليها الشمع، والطبقتان، تحتهما ألواح مثقوبة، ثقباً متصلاً، وضعت فيها زجاجات المصابيح، ذوات الأنابيب المنبعثة من أسفلها، وتدلّت من جوانب هذه الألواح والخشب، ومن جميع الأذرع المذكورة، قناديلٌ كبيرةٌ وصغيرةٌ وتخللها أشباه الأطباق المبسوطة من النحاس، معلّقة في السلاسل (ويفهم من باقي وصفها إنها ثريات نحاسية كبيرة). هذا عدى إضاءات أخرى في أنحاء الحرم، ما بين ثريات، وشمعدانات نحاسية، بها الشُمُع، ما بين كبيرة وصغيرة، فأضاءت الحرم، بأضواء ساطعة من الداخل والخارج، حتى الشرفات فلا تقع العين إلاّ على النور، وكان أئمة الحرم في الليلة قبلها، قد انتهوا في القراءة إليها، وتعطل في تلك الساعة، سائر الأئمة من الصلاة، تعظيماً لختمة المقام، وحضروا متبركين بمشاهدتها، فختم القاضي بتسليمتين، وقام خطيباً مستقبل المقام والبيت العتيق، ولما فرغ من خطبته، وانفض الجميع، ونفوسهم قد استطارت خشوعاً، والأنفس قد أشعرت رجاءً، مبشراً بمنِّ الله تعالى بالقبول)

(في الليلة 29، لما اختتم الأئمة الصلاة، أضيئت الأنوار، بالثريات والشمعدانات بالرسم السابق ذكره، احتفالاً، بختام الشهر المبارك).

هذه لقطة عابرة سجلها سائح، ولكنها نافذة تفتح على عالم حافل برمضان).

أحياء رمضان في مصر

وأما في مصر ـ وخاصة في عهود الفاطميين ـ فقد كان لشهر رمضان، جلال عجيب.

لقد كانت تسبقه مقدمات تبشر بمقدمه، الذي كان يبعث على البهجة والانشراح، بما كان فيه من خير ورخاء عميم، فقد كان نظّار الأوقاف، منذ شهر شعبان ـ يأخذون بتنفيذ شروط الواقفين على المساجد، من تجديد الحُصُر، ونظافة المسجد، وطلائها، وما يلزم كزيادة الإضاءة فيها، وإعداد القناديل للمنائر.

وكان سوق الشمّاعين في القرنين الثامن والتاسع الهجريين ـ يحتفل بمقدم هذا الشهر المبارك، فتعلق على واجهات الحوانيت وجوانبها، أنواع الفوانيس المتخذة من الشمع، وأشكال الشموع، ما بين كبيرة وصغيرة، ومنها شموع المواكب الكبيرة ومنها ما يزن عشرة أرطال، ومنها ما يحمل على (العجلة) ويبلغ وزن الواحد منها القنطار، يرسم الخروج إلى المساجد والعودة منها ليلاً، وتستمر حوانيته مفتوحة إلى منتصف الليل، لكثرة ما يشتري، وما يكترى من الشموع الموكبية.

وكان (السمكريّة) ـ منذ شهر شعبان ـ يعملون الفوانيس، بأشكال مختلفة، ويزينون بها واجهات حوانيتهم.

وكانت أنواع جديدة من الحلويات الرخيصة، تصنع كل عام فيتسابق الفقراء إلى اتخاذها، لتوزيعها على الضيوف، والأطفال الذين يتجمعون في كل حارة، فيطوفون على الدور بفوانيسهم، محيين أصحابها برمضان.

كما كانت أسهم المقرئين ترتفع، حيث تكثر الدعوات الموجهة إليهم، فقد كان أغنياء مصر، يتبارون في انتداب مجيدي القراءة، لتلاوة القرآن الكريم في دورهم، طوال ليالي شهر رمضان، فكانت الأحياء تضاء، وتتجاوب فيها أصوات القرآن، فكانت دورهم تبقى مفتحة طوال الليالي كلها، ومن أجل استقبال الوافدين، لسماع القرآن، مع تقديم القهوة أو القرفة شتاءً، والمرطبات صيفاً.

وكانت للشهر حرمة مقدسة لا يخرقها إنسان، إلاّ وتعاقبه السلطات، وتطارده الجماهير، فما كان يعرف إنسان انّه مفطر، إلاّ ويلاحقه الأطفال وهم يستهزئون به وينادون من خلفه (يا فاطر رمضان يا خاسر دينك...)

وكانت الأوامر الحكومية تصدر ـ في منتصف شعبان ـ بوجوب غلق المطاعم والمقاهي، في جميع أيام شهر رمضان، وتعطيل الدواوين الحكومية، عدا ديوان الخارجية، والضبطية، وتأجيل المشاريع الحكومية إلى ما بعد شهر رمضان، حتى ينصرف المشتغلون فيها إلى الصيام والعبادة.

وقد أقام المستشرق الإنكليزي (لين) عام 1333هـ في مصر، فكتب في مذكراته:

(تسمى الليلة ـ التي يرقب فيها هلال رمضان ـ: (ليلة الرؤية) فيذهب نفر من النّاس عصر اليوم السابق، أو قبل ذلك ليقضوا بضع ليال في الصحراء، حيث يصفو، خاصة لرؤية الهلال الجديد، إذ أن الصيام يبدأ في اليوم التالي لرؤية الهلال، فإذا تعذرت رؤيته بسبب السحب، بدأ الصوم عندما يتم شعبان ثلاثين يوماً، وفي مساء ذلك اليوم، يسير موكب (المحتسب) ومشايخ الحرف المتعددة: الطحانين، والخبازين، والجزارين، وباعة الفاكهة، والبدالين، ومعهم بعض أعضاء من هذه الحرف، وفرق من الجنود، من القلعة إلى مجلس القاضي، وينتظرون شهود الرؤية، وتزدحم الشوارع، التي يمرّ فيها هذا الموكب بالمشاهدين على الجانبين، وجرت العادة في هذا الموكب أن تقاد خيول مسرّجة بأجمل السروج).

غير أنّ الموكب الديني والمدني، استبدل أكثره بعرض عسكري، فيتكون موكب (ليلة الرؤية) ـ الآن ـ من مشاة النظام خاصة، ويتقدم حاملوا المشاعل، كل فرقة من الجنود، ويتبعونها لينيروا لهم الطريق، ويتلوهم شيخ حرفة، وآخرون من أتباعه، والشعب حولهم مهلل ومبكر، ويفصل كل فرقتين، أو ثلاث، عدة دقائق، ويختم (المحتسب) وتابعون الموكب).

وعندما يصل خبر رؤية الهلال، يقسم الجنود الآخرون أنفسهم إلى عدة فرق، وتعود إحداها إلى القلعة: ـ مقر الحاكم ـ ويجول الآخرون في الأحياء المختلفة، صائحين: يا أمة خير الأنام، صيام صيام، فإذا لم يظهر الهلال ينادون: غداً من شهر شعبان. فطار. فطار.. ويقضي النّاس شطراً كبيراً من الليل ـ عندما يعلن بدأ الصيام في الغد ـ في الأكل والشرب والتدخين ويبتهجون وتضاء المساجد طوال الشهر، وتعلق المصابيح عند مداخل المساجد، وفوق شرفات المآذن).

لم يعد المرء يشاهد في رمضان ـ المارة ـ يمسكون بشبكهم في الشوارع، كما كان يشاهد في أوقات أخرى، فيراهم بدلاً من ذلك إلى ما قبل الغروب، يحملون عصاً أو مسبحة، ويجاملهم المسيحيون في عدم التدخين علانية، وتبدو الشوارع كئيبة في الصباح، إذ أنَّ كثيراً من الحوانيت تغلق، غير أنّها تفتح ـ جميعاً ـ في العصر، وتزدحم كالمعتاد، وبعض الصائمين ينحرف مزاجه قليلاً في النهار، وفي الليل بعد الإفطار، يمشون ويمرحون، وعادة كبار الأتراك بالقاهرة وكثيرين غيرهم: أنْ يقصدوا مسجد الإمام الحسين عصر كل يوم من رمضان للصلاة، وفي هذا الوقت، يعرض بعض التجار الأتراك، الذين يسمون (تحفجية) على النّاس في (ساحة الميضاة) مجموعة من البضائع ذات ذوق وترف، يلائمان رغبات مواطنيهم وغيرهم).

(ومن الشائع في هذا الشهر، أن تشاهد تجاراً في حوانيتهم، يتلون القرآن أو الأدعية، أو يوزعون الخبر على الفقراء).

(وفي الليل تزدحم، المقاهي بأخلاط النّاس، لتناول القهوة، والتدخين في الشبك).

(وفي رمضان على العموم، يوضع كرسي على صينية الطعام قبيل الغروب، في غرفة الاستقبال، بمنازل الطبقتين العليا والوسطى، ويوضع عليها صحاف عديدة، تحوي أصنافاً مختلفة من المرطبات والمكسرات، والبلح، والتين ويجلسون في انتظار الوافدين عليهم، على انتظار وتجهيز الشبكات أيضاً، فقد جرت العادة: أنْ تزوّد المنازل التي يكثر زوارها بشبكات للتدخين، فإذا ما أذن للمغرب يشرب رب الدار ومن معه كوباً من الشربات، ثم يقيمون الصلاة عادة، ويتناولون شيئاً من المكسرات المقشّرة، ومن البلح والتين، ويدخنون الشبك، وبعد هذا الأكل الخفيف يجلسون لتناول طعام وافر من اللحم وغيره).

(وبعد الفراغ من الطعام وشراب القهوة، وتدخين الشبك، يقيمون صلاة العشاء).

(وتقفل المساجد الصغيرة في أول الليل تقريباً، وتظل الجوامع الكبيرة مفتوحة إلى السحور، أو إلى الإمساك، ويضاء داخلها ومداخلها ما دامت مفتوحة، وتضاء المآذن طوال الليل، ويختلف مدى الوقت الذي يصومون فيه، ما بين 12 إلى 16 ساعة تبعاً لطول الليل أو قصره).

(ويتناول المسلمون ـ على العموم ـ فطورهم بالمنزل في شهر رمضان، وبعد ذلك يمضون أحياناً، ساعة أو ساعتين، في منزل أحد الأصدقاء، ويقصد الكثيرون منهم ـ وخاصة متوسطوا الحال ـ إلى المقاهي مساءً، للاستماع إلى أحد القاصيّن، الذين يسلّون القوم، في عدة مقاهٍ كل ليلة، من هذا الشهر).

(ويشاهد ـ في الشطر الأكبر من الليل ـ كثير من المارة في الشوارع وتظل دكاكين المشروبات والمأكولات مفتوحة، وهكذا ينقلب الليل نهاراً، وبخاصة عند الأغنياء، الذين ينام أكثرهم معظم النهار، وجرت عادة بعض علماء القاهرة، أنْ يقيمون ذكراً في منازلهم كل ليلة من رمضان).

(وفي كل ليلة من ليالي رمضان، يجول المسحرون، ليقولوا أولاً كلمة ثناء أمام كل منزل يستطيع صاحبه أنْ يكافئهم، في ساعة متأخرة، ويجولون ليعلنوا وقت السحور، وكل (خط) أو قسم صغير من القاهرة، مسحر، يبدأ المسحر جولاته بعد الغروب، بساعتين تقريباً، أي بعد صلاة العشاء، ممسكاً بشماله طبلاً صغيراً، يسمى (بازاً) أو (طبلة المسحر) وبيمينه عصاً، ويقف أمام منزل كل مسلم غير فقير، وفي كل مرة يضرب طبلته، ثلاث مرات، ثم ينشد قائلاً: (محمد الهادي رسول الله) ثم يعود إلى طبلته، (وأسعد لياليك يا فلان ـ ويسمي صاحب المنزل) ثم أولاده، دون النساء والبنات، ويضرب طبلته، بعد كل تحية، وهو ينشد أمام منازل العظماء وغيره بعد أنْ يقول: عز من يقول: لا إله إلا الله، ومحمد الهادي رسول الله) أنشودة طويل، في سجع غير موزون، يبدأ فيها باستغفار الله، ويصلى على الرسول، ثم يأخذ في رواية قصة المعراج، وغيره من قصص المعجزات).

(ويتناول المسحر ـ على العموم ـ من منزل المتوسطي الطبقة، قرشين، أو ثلاثة قروش أو أربع، في العيد الصغير (مع الهدايا من الكعك) وفي بعض الليالي يطلبون منه قصصاً قصيرة، ويلقون إليه بالنقود من النافذة، فيروي لهم قصة قصيرة، في سجع غير موزون، مثل قصة الضرتين، وهي قصة مشاجرة بين امرأتين، متزوجتين من رجل واحد).

(ويقام في هذا الشهر، أذانان قبيل الفجر، يلقي أولهما، ويسمى (الأبرار) قبل منتصف الليل، ويتكون من الآيات الكريمة: ((إِنَّ الأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً *عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً * وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً)).

(ويسمى الآذان الثاني (السلام) وهو مجموعة من الصلاة على الرسول، تشبه تلك التي تقرأ قبل صلاة الجمعة، ويلقى على العموم بعد منتصف الليل، بنصف ساعة).

(ويلقى آذان الصباح، أكثر تبكيراً من المعتاد، لتنبيه المسلمين إلى التناول السحور).

(ويتجول المسحر قبل الإمساك بساعة ونصف، ليوقظ من النّاس، من أمروه بالمناداة عليهم، فيقرع الباب، وينادي إلى أنْ يجاب، ويفعل مثله بوّاب الحارة).

(وبعض النّاس يتناول فطوراً خفيفاً، ويجعل السحور، والوجبة الرئيسية، ويفعل آخرون بالعكس، ويمضي الكثير من الصالحين، الأيام العشرة الأخيرة من رمضان، ولياليها، في مسجد الإمام الحسين، أو مسجد السيدة زينب).

(ويحتفلون بليلة القدر، ويعتقدون: أنّ الملائكة تنزل في بدأ تلك الليلة، إلى الفجر، لتحمل النعم إلى المؤمنين، وأنّ الدعاء يجاب بلا ريب، إذ أنّ أبواب السماء تفتح حينئذٍ...)

(ويراعي الأتقياء، الليالي العشرة الأخيرة من رمضان، بخشوع عظيم، لعدم تحققهم من موعد ليلة القدر، لأنَّ المتواتر، إنها ليلة 21 أو 23 أو 25 أو 27 أو 29).

وكان المسلمون في مصر، يحتفون بعيد رمضان، أكثر من احتفائهم بهلاله وكانت الدولة الفاطمية، تبالغ في الاحتفاء بهذا العيد العظيم، حتى سمي ـ في مصر ـ بـ (عيد الحُلل) حيث كان الخلفاء يخلعون الحلل على الخاصة والعامّة، والحلل الفاطمية، ثياب قيّمة، من نسج (دور الطراز) في (تنيس) و (دمياط) و (الإسكندرية) تعد في خزائن الكسوات، لتوزيعها ليلة العيد.

وفي نفس الوقت تكون (دار الفطر) أنجزت الكميات اللازمة، من (الكعك) و (الحلوى) و (كعب الغزال) لتوزيعها، وإعداد (سماط العيد) وهي كميات كبيرة يعدونها، ابتداءً من شهر رجب، حتى ليلة العيد.

وكانت ترصد لهذا الموسم، ميزانية ضخمة، لشراء المواد الأولية في أول شهر رجب، كالدقيق والسكر، واللوز، والجوز، والفستق، والسيرج، والسمسم، والعسل، وماء الورد، والمسك، والكافور.

كل هذا، عدى المناديل، والمفارش الحريرية، لإعداد السمط، والفوط التي يغطى بها (الكعك) حين توزيعه، فإذا كان التاسع والعشرون من شهر رمضان صدرت الأوامر، بمضاعفة ما هو مقرر للمقرئين والمؤذنين، في كل ليلة، برسم السحور، بحكم أنها ليلة ختم الشهر.

وفي سنة 515هـ، كان الخليفة: (الآمر بأحكام الله) ووزيره: (المأمون بن البطائحي) يحتفيان بختام رمضان، احتفاء كبيراً، لتعديل الكثير من تقاليد تلك الاحتفالات، فحظر (المأمون) في آخر النهار إلى القصر، للفطور مع الخليفة، والحضور على الأسمطة، وحضر أخوته، وعمومته، وجميع المدعوين، وحضر المقرئون والمؤذنون، وسلّموا على عادتهم، وجلسوا تحت الروشن، المعد لجلوس الخليفة، وأرسلت سيدات القصور، أواني الماء، ملفوفة في شقق الحرير، وضعت إمام المقرئين، لتشملها بركة ختم القرآن، استفتح المقرئون، من سورة (الحمد) إلى خاتمة القرآن تلاوة وترتيلاً، بأصوات حسنة، ثم وقف بعد ذلك من خطب فأسمع، ودعا فأبلغ، ثم رفع الفراشون أواني الماء، برسم سيدات القصور، ثم كبر المؤذنون وهللوا، وأخذوا في إنشاد أدعية صوفية، إلى أنْ نثر عليهم الخليفة من الروشن، دراهم ودنانير، ووزعت عليهم أطباق القطائف مع الحلوى، ووزعت خلع العيد، على الخطيب وغيره، كما وزعت الأموال على المقرئين والمؤذنين.

وفي نفس الوقت، حملت أنواع الكعك والحلويات، إلى قاعة (الذهب) وجدّد السماط في (قاعة العرش) مع تماثيل الحلوى، ثم حضر الخليفة مع الوزير إلى الإيوان، والمقرئون، يرتلون آيات من القرآن، يختارونها لتك المناسبة، مثل قوله تعالى: ((وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ....))

وجلس الخليفة في الإيوان ثم جلس على يمينه الوزير، ثم جلس بعده الأمراء ـ بعد أداء التحية ـ كل في المكان المخصص له، وتبعهم الرسل الوافدون من جميع الأقاليم، وهم وقوف في آخر الإيوان.

ثم تقدم متولي كل إسطبل من الروّاض، فقبل الأرض، واستعرض الخليفة ومن معه الدواب بفرسانها، مع ملابسهم المهداة لهم، إلى أنْ تم عرض الخيل، فعاد المقرئون إلى القراءة، مختارين آيات مناسبة كقوله تعالى: ((زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ...)) ثم تلوا قوله سبحانه ((قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ)). وبعد استعراض الخليفة الوحوش، باجلة الديباج، والدبيقي، بقباب الذهب، والمناطق، والأهلة، وبعدها استعراض النجب، والنجاتي، وبقية أنواع الحيوانات الموجودة في حديقة الحيوان، بالملابس المزركشة، ثم استعرض السلاح وآلات الموكب جميعهاً.

في حين أنّ الخليفة، كان جالساً، بين (باب الذهب) و (باب البحر) من القصور الفاطمية، وبعد أن حمل إلى الخليفة، فطوره الخاص، المعطر بالمسك، والعود، والكافور، والزعفران، مع أنواع البلح الملوّنة، التي يستخرج نواها، وتُحشى بالطيب، في أطباق الذهب، الملكة بالجوهر، فاستعرض الوزير (سماط العيد) بـ (قاعة الذهب).

وفي نفس الوقت، اعتلى الخليفة سرير ملكه، وقدم إليه فطوره، فجلس عن يمينه الوزير بعد تأدية التحية والسلام ثم أمر بإحضار الأمراء المميّزين والقاضي، والداعي، والضيوف، والرسل، وكشف الغطاء عن فطور الخليفة، فتناول ثمرة، أفطر بها، وناول مثلها للوزير، فأظهر الفطر عليها، وتناول الخليفة من جميع ما قُدِّم له، وناول وزيره منه، وكلما قدم الخليفة للوزير شيئاً، قبله وقبّله، ثم جعله في كمّه، وهكذا صنع مع بقية المدعوين، وكلما قدم الخليفة شيئاً، بيده، قبلوه وجعلوه في أكمامهم [1].

ثم أذن الوزير ـ بناءً على أمر الخليفة ـ بافتتاح السماط، والسماح للحاضرين بالأكل منه، وأخذ ما يشتهون معهم، ولا حرج من ذلك، بل له به الشرف والميزة، وافتتح السماط، ثم أذن للناس بالدخول، وأخذ ما على السماط.

وكذلك أعد الوزير في داره سماطاً مثل هذا السماط، لا ينقصه إلاّ الفطور الخاص بالخليفة، وبعد انصرافه من القصر، أذن بافتتاح السماط للخاصة، ثم أباحته للعامة.

* * * * *

وكانت صلاة العيد، تؤدي في (مصلّى العيد) خارج (باب القصر) وهي مصلى كبيرة، قائمة على ربوة من الأرض، وجميعها مبني بالحجر، ومحاطة بسور، وعلى بابها قلعة، وفي صدرها قبة كبيرة بها محراب، والمنبر إلى جانب القبة وسط المصلى، مكشوفاً تحت السماء، ارتفاعه ثلاثون درجة، وعرضه ثلاثة أذرع، وفي أعلاه مرتفع عليه جلسة الخطيب.

ولما كمل رمضان، وكان أول يوم من شوال، صار صاحب بيت المال إلى المصلى، خارج باب القصر، ففرش السجاد بمحراب المصلى، وعلق سترين يمنه ويسرة، مرقوم في الأيمن، سورة الفاتحة، وسورة سبح اسم ربك الأعلى، ومكتوب في الأيسر سورة الفاتحة، وسورة هل أتاك حديث الغاشية، وركز في جانبي المحراب، لواءان، مشدودان على رمحين، ملبسين بأنابيب الفضة، وهما منشوران مرخيان. ووضع على ذروة المنبر، طراحة من حرير ديبقي، كما فرش درج المنبر، بحرير مثبت فيه.

وسار الوزير من منزله، ومعه كبار الموظفين، وأولاده وإخوته، في ملابسهم الجديدة إلى باب القصر، وركب الخليفة بهيئة المواكب العظيمة ـ مثل موكب رؤيا هلال رمضان، وأول العام ـ غير أنَّ ملابسه كانت في هذا اليوم بيضاء موشحة، وهي أجمل ملابسه، ومظلته بيضاء موشحة، وخرج من (باب العيد) على عادته في ركوب المواكب، إلاّ أنّ العساكر في هذا اليوم، من الأمراء والأجناد والركبان والمشاة كانت أكثر، وانتظم الجند له في صفين، من باب القصر إلى المصلى، فركب الخليفة إلى المصلّى، ودخل من شرقيها، إلى مكان يستريح فيه فترة، ثم خرج محفوفاً بحاشيته، قاصداً المحراب، والوزير والقاضي من ورائه، فصلى صلاة العيد، وقرأ في الركعة الأولى، ما هو مكتوب في الستر على يمينه، وفي الثانية، ما هو مكتوب في الستر الذي على يساره.

ولما انتهت الصلاة، صعد المنبر لخطبة العيد، وقف أسفل المنبر، والوزير، وقاضي القضاة، وكبار الموظفين، والأقارب، ونقيب الأشراف الطالبيين، وعندما ألقى الخليفة خطابه وعاد إلى القصر، كما خرج منه، توافد النّاس إليه، فوزع عليهم الكعك والحلوى.

ثم صدر الأمر بإذاعة سجل (عيد الفطر) ونصه:

(أما بعد، فالحمد لله الذي رفع بأمير المؤمنين عماد الإيمان، وثبت قواعده، وأعز بخلافته معتقده، وأذل بمهابته معانده، وأظهر من نوره ما انبسط في الآفاق، وزال معه الظلام، ونسخ به ما تقدمه من الملل، فقال: (إن الدين عند الله الإسلام) وجعل المعتصم بحبله مفضلاً على من يفاخره ويباهيه، وأوجب دخول الجنّة وخلودها لمن عمل بأوامره وانتهى عن نواهيه، وصلى الله على سيدنا محمد نبيّه الذي أصطفى له الدين، وبعثه إلى الأقربين والأبعدين، وأيده في الإرشاد، حتى صار العاص مطيعاً، ودخل النّاس في التوحيد فراداً وجميعاً، وغدوا بعروته الوثقى متمسكين، وأنزل عليه: ((قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)).

وعلى أخيه وابن عمه، أبينا أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب، إمام الأئمة وكاشف الغم، وأوجه الشفعاء لشيعته يوم العرض، ومن الإخلاص في ولائه، قيام بحق، أداء بفرض.

وعلى الأئمة من ذريتهما، سادة البرية، والعادلين في القضية، والعاملين بالسيرة المرضية، وسلّم وكرّم وشرّف وعظم...)

ثم جرت في ساحة القصر، مباريات، وأعمال بهلوانية، وضروب من الألعاب المختلفة.

إحياء رمضان في سوريا

وكان المسلمون في سورية، يحتفون بشهر رمضان، كاحتفاء إخوانهم في مصر، فكانت تجري مواكب (هلال رمضان) وتكثر ألوان الحلويات، وتبقى المساجد مكتظة في جميع الليالي بالقراء...

وقد وصفهم رحالة في مستهل القرن الحادي الهجري، بأنهم يحيون ليالي رمضان المعظم بإقامة الصلاة، وتلاوة القرآن، أحسن أداء يورث النشاط، وأنَّ المكبرين، يلوّنون في التكبير بالأصوات الحسنة.

وفي أخريات الشهر، يصلون اثنتي عشر ركعة، يزعمون إنّها (صلاة الرغائب).

وفي هذا الشهر، يضاء (باب البريد): أحد أبواب الجامع الأموي، ويزين أجمل زينة.

وفي مدينة (حلب) إذا بلغ الطفل سن المراهقة، صام رمضان، فيعمل له في أول يوم صامه، مائدة حافلة، مملوءة من أنواع الحلوى، يفطر عليها.

وكان يخرج قبل العيدين بيومين، رجل مضحك: (مسخرة) يلبس قلنسوة طويلة، وفي أعلاها ذنب ثعلب، وفي يده دف يدق عليه، وأمامه حمار مزين بالخرز الملوّنة، والودع، معصب الرأس بالمناديل الملوّنة، فيدور على هذه الهيئة، بالأزقة والشوارع مستجدياً، عارضاً ألعابه، ويسمونه: (جحش العيد).

إحياء رمضان في تونس

وشاركت بلاد المغرب، بقية الأقطار الإسلامية، في الحفاوة بهذا الشهر المبارك، كما شاركتها في بعض عوائده وتقاليده، وهم يحتفلون بهذا الشهر غاية الاحتفال، ويتفرغون فيه للعبادة، ويحيونه بالبّر والصدقات.

وفي تونس الخضراء، يختمون في غالب المساجد، القرآن الكريم، كما أنّهم يختمون المسانيد الصحيحة عندهم.

إحياء رمضان في تركيا

وحيث كانت تركيا ـ عدة قرون ـ مقر الخلافة، حتى انهارت على يد الدكتاتور العميل، مصطفى كمال، فكان الاحتفاء برمضان فيها أكثر من كل قطر آخر.

ومن أجلّ العادات ـ في بيت الخلافة وقتئذٍ ـ: قراءة تفسير القرآن الشريف في شهر رمضان، بحضور الخليفة، فيحضر في القصر السلطاني، عشرة من مشاهير المدرسين، ومعهم جملة من الطلبة قبيل العصر، وبعد صلاة العصر، يجلس كل واحد منهم في مجلسه الخاص، ويجلس الجميع على شكل هلال، به أريكة الخليفة، فيشرع الذي عليه الدور في الدرس من هؤلاء العشرة، فيقرأ التفسير، ويسأله الطلبة الحاضرون، عما يعنُّ لهم، من الأسئلة، في الآية التي يفسرها، وهو يجيب.

ثم يتبعه في اليوم التالي، أو الذي بعده، على ما تقتضيه إرادة الخليفة، أستاذ آخر من العشرة، حتى تتم عدة شهر رمضان، في سماع تلك الدروس.

ومن العوائد القديمة في (الأستانة) أن يتخذوا صحن مسجد (با يزيد) في شهر رمضان، سوقاً تعرض فيه البضائع في اختلافها، ويبدؤوا بإعداد هذا السوق منذ منتصف شهر شعبان، فلا يأتي شهر رمضان، إلاّ والصحن معرض عظيم يحرم على النساء ارتياده.

ومن العادات، ترتيب الإضاءة في بعض المساجد، بشكل ألفاظ وعبارات، وكذا بين المنائر، في المساجد المتعددة المنائر، حيث يقرأ: (مرحباً برمضان).

ومن العادات، أنْ ينزل الخليفة ـ في نصف رمضان ـ لزيارة الحزقة المباركة فيحتفل النّاس بزيارة الخليفة.

ومن التقاليد السائدة في الأستانة: أنْ يتناول كبار رجل الدولة، الإفطار على الموائد السلطانية، وكذلك أفراد الجند مع أمرائهم، وتوزيع الهبات عليهم بعد الإفطار.

أما في ليلة القدر، فيحتفلون بها احتفالاً خاصاً، يحضره الخليفة في (المسجد المحمدي) ويصلي فيه، وتضاء المدينة كلها، ويكثر الفرح والابتهاج وفي (جامع أيا صوفيا) يجتمع النّاس في تلك الليلة بصورة هائلة، ويقرؤون القرآن، ويقام بفناء الجامع سوق حافلة.

* * * * *

وأكثر مما سجلنا في مكة ومصر وسوريا وتونس وتركيا، وكانت احتفالات رمضان، في كل بلد من البلاد الإسلامية، وأكثر مما كانت تدور في المستويات الرسمية، كانت تجري في المستويات الشعبية.

ولم يكن الهدف من إيراد هذه النماذج ـ التي قد تبدو باهتة ـ إثباتها كأنها كل ما في أحفال رمضان، فإنَّ مجالس الدعاء، التي تقرأ فيها الأدعية المأثورة عن أهل البيت (عليهم السلام)، أحفل وأعمق من جميع ما ذكرنا وإنّما نهدف من هذه النماذج أمرين:

اشتراك السلطات الحاكمة، في إحياء شهر رمضان مباشرة، والنّاس ـ أبداً ـ على دين ملوكهم، فإذا وجدوا شخص الملك يقيم رمضان، فإنّهم ـ بطبيعة التقليد ـ يقيمون احتفاله بأوسع مقدار ممكن. وهذا واقع ألغاهُ الحكّام في البلاد الإسلامية، فانحسرت مظاهر رمضان، إلاّ من بعض المساجد البائسة.

إنَّ إحياء شهر رمضان، ليس بمجرد الأدعية والتراتيل. لا بإقامة معنوياته فحسب، فإنّ شهر رمضان، شهر يحاول تطوير حياة المسلمين جميعهم، وجميع المسلمين ليسوا في مستوى المعنويات، حتى يتأثروا بها، وإنما هم في مستوى المظاهر، ويكون تأثرهم بموكب الهلال. أكثر من تأثرهم بألف دعاء وتلاوة، فلا بد من إقامة شهر رمضان، بكافة قشوره ولبابه، وشكلياته ومعنوياته، حتى يطوّر حياة الفقيه والسفيه، والشيخ والطفل، على نسق واحد، بالإضافة إلى أنّ اللباب لا يعيش بلا قشور. أو ليس في الحديث: (ذل قوم ليس فيهم سفيه).

[1] كانت الأكمام العربية، واسعة وطويلة، ويحمل فيها الناس أمتعتهم من السوق إلى بيوتهم.