|
وسنختطف فيما يلي، لقطات من بعض جوانب العظمة، في هذا الشهر الكريم: |
|
1- شهر الله الأعظم |
|
الذي خصه الله بنفسه، وحباه بهذا المجد الخالد، واعتبر النّاس فيه ضيوفاً مباركين، على موائد رحمته، فيعتق منهم كثيراً، ويغفر لكثير، ويضاعف الحسنات ويمحي السيئات، ويرفع الدرجات كما فصلها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم) في خطبه السابقات... |
|
مرفأ الضمائر |
|
فاستأثر به الله، ليكون مرفأ الإيمان عبر السنة، الذي تنطلق منه النفوس، زودة بطاقات من الإيمان، يعومون بها في بحر أحد عشر شهراً، حتى إذا نفذت ذخائرهم الروحية، في مقارعة الكفر والنفاق العالميين، والسير قدماً إلى الأمام بصمود غلاّب، يكسر دفقة التيارات المنحرفة، التي تحاول جرف كل تافه خفيف... التقوا برمضان آخر، في الملتقى على السنة الثانية، وأرسلوا عنده مرهقين ليمدهم بمدد كافية، لمدائبة الانطلاق الصاعد أبداً، والاستقامة بقوة صارمة. فشهور رمضان، بمنزلة (محطات تموين واستراحة) ركزت على مفترقات السنين، لتزويد السالكين إلى الله ـ في طريقهم الوعر الشائك البعيد ـ بالخبرة والذخيرة والوقود... أو هي للنفوس البشرية، بمثابة (بوتقات) متتابعة، تصر النفوس التي تستحم فيها، لتخلع منها غشاوة، وتسبغ عليها روعة، وتتكرر العملية بتكرر السنين، حتى تبلغ بالنفوس الدكناء، قمة مبلغها من الكفائة والطهارة، كيما تتأهب للجنّة، واستلام الصلاحيات، التي يخوّلها الله في الآخرة للمتقين... |
|
روافد المعروف |
|
وحيث شاء الله تعالى، أنْ يكون رمضان، شهره الذي تستحم فيه الأرواح، ليطهرهم من السخائم والأدران، ويضفي عليها بلورة منيعة... فجر فيه ينابيع الخير والرحمة، ليستطيع أداء هذه المهمة، فإنّ مجرد تسميته شهر الله، لا تفضله على بقية الشهور، ولا توفر فيه المؤهلات الكافية، لأداء رسالات ومسؤوليات شهر الله... كالبطاح، التي لو شاء الإنسان أنْ يحولها بحيرة منغومة، لا تكون إلاّ إذا فصد فيها شرايين الأرض... والحفائر، التي لو أراد أنْ تكون واحة من الغدران، لا تكون إلاّ جنت الرواعد، ليذرف غربال السحاب... هكذا أوسع الله رمضان بروافد المعروف، وأملى فيه كل خير، حتى يكون أقدر للتوفير على هدفه... |
|
الكتب السماوية |
|
ولكن الإنسان قبل كل شيءٍ أحوج إلى مناهج تصمم إرادته وأقداره،.. فالبالغ الذي استكمل رشده، وفتح عينيه، فرأى القانون يراقبه، والمجاهر تتـناهبه من جميع أطرافه، دون أن يعزب عنها لحظة أو أقل من لحظة، وعيون السماء مشرئبة تحصي أنفاسه في اليقظة والرقاد. وتصوّر كل شيء منه حتى النفحة والنأمة، ورسل الملائكة يسجلون كل ما يلفظ ويعمل ويريد، في كتاب لا يضل ربيّ ولا ينسى... ويجد أمامه خضم الحياة الهائج الرهيب، ويعلم: أنْ سوف تلاقفه الأمواج الهادرة المريعة، ولا تسلم إلاّ الشاطئ إلاّ جثته يوم موته، حيث تخف بها إلى الجنّة، أو تجلد بها قرار الجحيم... هذا الإنسان الواجف الرعديد، الذي إذا شاء أن يفتح حانوتاً، درس ـ باهتمام ـ بالغ موقع دكانه ـ ومركز بضاعته، ومستقبل السوق... وإذا أراد أنْ يركم لبناً على بعضها ـ باسم البيت ـ ليستريح إليها أحيان الفراغ، ويسلم إليها رأسه فرص الرقاد، فحص طبيعة الأرض، ووضع المكان ومناخ المنطقة، والجو والجيران.. وحتى إذا رام أنْ يمشي خطوات يتحسس مواضع أقدامه، ويبحث عن الهدى والنّور. هذا الإنسان الذي ينبت على المزالق، ويعيش بين الجنّة التي لم يحلم بمثلها، والهاوية التي فغرت عن مخابئ السموم، وتكشّرت عن أضراس من نار... هذا الإنسان التائه الجبان، فورما يتفتق وعيه، تستبد به الهواجس، ويلفه القلق والتيه، وتـنبض خواطره برشق من التساؤلات الهائمة الملحة، التي تنقر ذاكرته بلا انقطاع: ـ من أنا؟. ـ من أ ين جئت؟. ـ إلى أين سأمضي؟ ـ لماذا جئت؟. ـ من جاء بي؟. ـ ما هو الذي دفعه إلى أن يخلقني؟. ـ أين الطريق؟. ـ من يقودني؟. ـ من ذا يرافقني؟ ـ بماذا أتقوًّت عبر الطريق؟. ـ ماذا أتزود؟. ـ بأي شيء أدرأ الأهوال؟. ـ كيف أسلم؟. ـ ما هو مصيري؟. وفيما هو نهب الاستجوابات التي تتوارد عليه بعنف بليغ، ويلتمس بصيصاً خافتا من النّور، يعالج جانباً يسيراً من هذه الطلاسم، إذا بكتب السماء، تسطر الأجوبة الواقعة المقنعة، بأسرع من تقافز الأسئلة في الخيال، وترشده إلى الحاجات الأخرى، التي ذهل عنها وهو يرزح تحت وطأة الارتباك وينشر أمامه الخطط والمناهج الكاملة، ويعين القادة الأمناء، ويسير المواكب، ويهيب بهذا الإنسان المتشنج: نهنه عن وجدك واضطرابك، وأخلد إلى الراحة إلى الراحة والهدوء، وطمئن نفساً وجأشاً. وسر مع القافلة، إن كنت تهاب واقعك، وتلتمس السعادة والنّجاة. فتغمره الفرحة الكبرى، التي تتجدد، كلما عثر في الطريق على الهالكين، الذين هشمتهم الهاوية الظروسة، أو مزقتهم الأمواج لتسيغ ولائم الأسماك.. وهذه الكتب السماوية، التي حققت أماني البشرية، وانتصارها على الإرهاب. ومخاطرة الحياة تنزلت في شهر رمضان... فالتوراة، نزلت في السادس من رمضان... والإنجيل، نزل في الثاني عشر من رمضان... والزبور، نزل في الثامن عشر من رمضان... والقرآن، نزل في ليلة القدر.. فحق للبشرية أنْ تحيي رمضان، احتفالات عامة مستمرة، بفرحتها الكبرى، وانتصارها الأكبر... وحق للمسلمين ـ بالخصوص ـ: أن يتخذوا من رمضان، أكبر أعيادهم، فالقرآن الذي هبط فيه لهم، ليس كتاباً سماوياً فحسب، ودستوراً سماوياً فقط، وإنما هو الإسلام كل الإسلام، ومصدر النبوّة، ودستور المسلمين، وملهم ثقافاتٍ وعلوم، ومعجزتهم الخالدة، التي تؤكد صدقهم، وشارة أسبقيتهم التي يديلون بها على العالمين، وأضخم رصيد يمتاحون منه ولا يترفون، والحصن والسلاح، الذي يتذرعون به ويزحفون... وإذا كان الإسلام، الكلمة الأخيرة في قاموس السماء، ومنهاج البشرية ـ جمعاء ـ إلى يوم القيامة، وأوسع الأديان وأكملها، وفوق كل دين ومبدأ، وفوق كل شيءٍ... فما أجدر المسلمين، أنْ يتفوقوا على غيرهم في الاحتفاء بميلاد هذا الشرع العظيم، متمثلاً في نزول القرآن... |
|
الصوم |
|
وبعد أنْ أكمل تصميم الحياة البشرية، بإرسال الكتب المقدسة، التي هي أوفر الجواذب الروحية... وتكريماً لإنجاز تنظيم الإنسان، فرض الصيام على الأمم التي شملتها الأديان، لأنَّ الحفاوة بالبواعث الروحية، لا بد أنْ تكون بالاستجابة الروحية ـ وتلك هي الانتصارات المادية، التي تكون أحفالها بالموائد المادية ـ وتكريم كل شيء بنوعه... والصوم خير وسيلة لتجريد النفوس، وتطيرها من الزوائد المتطفّلة عليها، إعداداً، للتلّقي والتجاوب، مع نداءات السماء... فكان خير تقدير للكتب السماوية، وأكرم العوامل الإعدادية، لتمكين شهر رمضان، من تفريغ رسالته، باعتباره شهر الله... |
|
ليلة القدر |
|
وأعلن (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنَّ إحيائها بالعبادة، تعادل إحياء ألف شهر كامل بالعبادة... لأنَّ النّاس لا يبلغونها إلاّ عندما يبلغون أقصى تأهبهم الروحي للعبادة، والعبادات لا تقاس بأبعادها الظاهرة وإنّما تقدر بمدى الأيمان والتأهب النفسي اللذين تنبعث منهما العبادات، كما أنَّ قيمة الأيام ليست بساعاتها، ولا قدر الليالي بطولها وعددها، وإنّما قيمة الأوقات، بما فيها من خير وقربة، وطاعة مخلصة، فحقت كلمة ربنا ((لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ، سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)).. وبعد أنْ زوّد الله شهر رمضان، بعرقين رئيسيين: (كتب السماوية، والصوم) يجعلان منه شهر الله، جعل فيه ليلة القدر، التي تمثل عقدة القلب في رمضان، وتبلغ فيها المكرمات قمة نبوغها، وأمر عباده: أنْ يحيوها بأكرم أعمالهم، ويبلغوا فيها أبلغ آماد الصفاء والخشوع... ثم رددها في ليالٍ عديدة، كي ينصرف النّاس فيها ـ جميعاً ـ إلى الحسنات، وهم لا يخسرون المعروف إنَّ وفروه في غير ليلة القدر، بل يحتفظون بآثارها في ركائزهم، مهما تقادمت العهود، وربما كانت الأخيرة ليلة القدر، فالسابقات ترهف تأهبهم، واعتيادهم العبادة لليلة القدر... ومن فضل الله سبحانه، أنْ جعل تصريف الأقدار في هذه الليلة المباركة، التي تخلص النّاس فيها لله، وينزعون من صدورهم الأحقاد، والنوايا السوداء، ويحاولون إشاعة المعاني النبيلة في نفوسهم، فيكون أقرب إلى الأقدار الخيرة، عما لو كانت الأقدار توزع وتأخذ مقرراتها ومراكزها، والنّاس منهمكون في اشتباك مستميت حول جيفة الدنيا... |
|
المستحبات |
|
وبعد أنْ كان شهر رمضان، شهر الله الأعظم، الذي يهدف توسيع حملة تطهيرية شاملة، على رواسب السنة... بعد أنْ قررت عناصره الرئيسية، التي تؤهله لهذه الرسالة الكبرى، من الكتاب، والصيام، وليلة القدر... بعد ذينك لوحظ: أنَّ هذه العناصر الثلاثة، عامّة تسع الجميع، التي قدر في تقريرها أدنى الطاقات المتوسطة، فهي في مقدور كل من عدى العجزة المفلوجين، وهنالك طبقات من النّاس، لهم طاقات وكفاءات فوق ذلك، وفيهم استعداد فعلي للقيام بأكثر من ذلك، دون تكلّف وتوان... وهناك العطلة المتقاعدون، تخلّوا عن الحياة، وتقاعسوا عن العمل.... وهناك المنهمكون في الحياة، الذين تتاح لهم فترات شاغرة، لا يمكن استخدامها للفرائض، لأنّها أبدية ترفض الأعذار، وتلك العطلات، أحيانٌ مبثوثة متفرقات... فلا مبرر لإهمال هؤلاء، ما دامت الدنيا دار تكامل، وما دام رمضان، شهر التصفية والتكامل!!. ولذلك أوسع الله شهر الصيام، بالقربات المستحبة، وأكثر منها حتى تستغرق الليل والنهار، وجعل لها مقادير خيالية شديدة الأغراء من الثواب ليأتي كل منها بما يسعه، ولا يهدر فراغاته في الملهيات البخسة الرعناء... الإكثار من القربات ومن أجل تزايد التأهبات بمرور الشهر، تزداد القربات المندوبة، كلمّا مضت أيام من رمضان، فلا تكون في الأيام الأولى منه، بقدر ما هي في الليالي البيض، ثم تبلغ قمتها في ليالي القدر، والعشر الأواخر... وتبعاً لتزايد القربات، وإكثار النّاس منها، تزداد الاطلاقات من النّار، في غضون هذا الشهر العظيم، ففيما يطلق الله تعالى كل يوم وقت الإفطار، ألف ألف رقبة من النّار، يطلق في كل ساعة من ليلة الجمعة ونهارها ألف ألف رقبة من النّار، ويطلق في ليلة الفطر ما أعتق في الشهر كله... لأنّ النّاس يتدرجون في التحرر من النّار، والتأهل للجنّة، بتدرج مفعول القربات، التي يمارسونها في ثنايا هذا الشهر الكريم... |
|
تشكيلة متنوعة |
|
وحيث إنَّ إصابات النّاس، ونقاط ضعفهم تختلف... و الشيطان يتسلل إلى كلٍ من ثغرة، ويصرعه بإغراء... والتركيبات العنصرية والنفسية المتنوعة، أثيرة في تنوع الاستجابة للعاهات... وكل يحتفظ بعرق انحراف خاص... واختلاف الأوباء يسبب اختلاف الأدواء.. ولهذه الحقيقة نجد مستحبات رمضان، تشكيلة كثيرة التنوع والاختلاف، ففيها الصلوات، والأدعية، والأذكار، والمناجات، والصلاة، والصدقات، والأغسال والزيارات، والمواعظ، والقراءات لأجزاء القرآن، والإفطار.. لتحتوي هذه المجموعة، على كل تجربة ودواء، لاستئصال جذور الداء مهما كان، كيما تطّهر من يمارسها من أي مرض يهدُّ فيه.. حتى إذا لم تصب تجربة عرق الداء، تصيبه الأخرى... وهكذا يتكامل شهر الله الأعظم، بملزماته التي تتضافر، لتوّسع الفرد بهزة عامة، تنفض منه التطفلات، ونهضة تطهير تشمل روحه وعقله وجسمه... وتتركه بعد رمضان، غيره قبل رمضان... |
|
2- شهر التبليغ |
|
ورمضان شهر التبليغ!.. فلإنسان ـ بطبيعته ـ خاضع للغرائز، والعواطف، والميول المتدفقة من خلف اللاشعور... ولابد له أنْ يسايرها، ضمن نطاق، تختلف الأديان والمبادىء في تحديده.. ولولا الحوافز المعنوية التي تكبح جماحها، لكان على الإنسان أن يسلس لها القياد، ويعنو لسيطرتها المطلقة بلا نطاق، ويتقمّص سيرة الحيوانات. وحيث إنَّ الموائد المادية الخلاّبة، منبسطة في كل مكان، لترعى الانتباه، وتغري العواطف العاتية، وتخلص لها الإنسان، دون أنْ تترك خاطرة في طواياه، تهمس بنبض مناوئ... والإنسان الذي أطلق سراحه، ليرعى في هذه المناعم الشهية، أحد عشر شهراً، يشعر بتضاؤل القوى المعنوية، أمام بركات المادة... والعبادات اليومية ـ رغم نتاجها الفعّال ـ لا تدع الإنسان يلمس، أنَّ القوى المعنوية مسيطرة على القوى المادية، لأنَّها انطلاقة روحية، تعيش إلى جانب الانطلاقات المادية... فالصلاة لا تصد الفرد عن التشبع من رغبات البطن والجنس ـ اللذين تنطلق منهما قوة المادة، وتمثلان الشراهات المادية في قمتها ـ حتى تكون دليلاً عملياً، على أنَّ الروح فوق المادة، وأنْ الاستجابات الروحية، أقوى من الاستجابات المادية... فالإنسان بطبيعته العرجاء ـ التي لا تزداد سيراً، إلاّ وتزداد انحرافاً، وبعداً عن خطة العقل والدين ـ يحتاج في كل فترة، إلى تجربة عنيفة ترده إلى سواء الصراط، وتقحم في واقعه شعوراً آخر، يُطارد الشعور العملي السابق، بتوحد المادة، الذي كانت الحياة العملية، تؤكده طوال السنين الغاربة، كل يوم ألف مرة... وهذه فلسفة اعترف بها الجميع، غير أنَّ المسيحيين ـ وإنْ هضموا هذه الفكرة ـ لكن أعيادهم العلاج الناجع ـ حيث استقلوا بأنفسهم، واستغنوا عن دينهم الواقعة ـ فوضعوا (أسبوع التبليغ) لينطلقوا فيه بحمالات تثقيفية جماهيرية واسعة النطاق، لترميم ما انهار من العقائد، والقضاء على طغيان المادة وعتوها، وتكبيلها بحدودها العادلة المفروضة، غير أنّهم باءوا بالفشل الذريع في نهاية المطاف، لأمور: 1ـ ظهر أنَّ مجموعة عناصر الشعب، لا تستطيع تأجيل الحياة والمجتمع والتاريخ، لمدة أسبوع، حتى يحضر الكنائس، وصالات التبليغ، لمجرد الإنصات، إلى الخطب المتتابعة الطوال... 2ـ إنّهم كانوا يحاولون مكافحة رواسب السنة، في أسبوع، ولا يمكن إبادة رواسب السنة في أسبوع، لأنَّ تأثرات النفس لا تزال إلاّ بأثرات أقوى، والنفس لا تتأثر بسرعة، ولا تسلخ انطباعاتها السابقة بسهولة... 3ـ إنَّهم استخدموا ـ في أسبوع التبليغ ـ الخطب الرنانة، والمواعظ البليغة ـ المتكررة بطبيعة عجز المواد الروحية لدى المسيحيين ـ فاقتصروا عليها، ولم يلتمسوا الوسائل العلمية، دون أنْ يشعروا بأنَّ المشاكل الواقعية، لا تعالجها سوى الحقائق الواقعية، أما الألفاظ والأصوات، فلا تقاوم غير الألفاظ والأصوات، ولا تعالج عدا الألفاظ والأصوات، ولا تطيق نسف التجربة المحسوسة، التي يعيشها الفرد كل يوم، وتتواتر عليها الشواهد الماثلة في حياته الخاصة... وهكذا شُلَّ (أسبوع التبليغ) عن إنتاج هدفه، وإنّما أسفرت النتيجة عن أنْ لم يشترك في (أسبوع التبليغ) غير الرهبان والمبشرين، وأناس آخرون من العطلة وشُذاذ الآفاق. وأما الإسلام، فإنّه استطاع أنْ يعالج هذه المشكلة المستعصية، على ضوء الحقائق... فقد شرع لمكافحة هذه السيطرة المادية: (شهر التبليغ) الذي يمتاز عن (أسبوع التبليغ) بـ: 1ـ إنّه لا يحاول إلغاء الحياة، وتخليص المجتمع للقضايا الروحية، حتى يكون محاولاً لمناقضة طبائع الأشياء، كي يكون محتم الفشل والانتكاس... 2ـ إنّه قدّر واقع النّاس، فرآهم أبناء المنطق والتجربة معاً، فبينما هم لا يوحدون المنطق، وإلا لنشأت (المدينة الفاضلة) ولآمن من في الأرض كلها جميعاً، لا يوحدون التجربة، وإلا لما آمن إنسان، ولما عاشت القيم الروحية، والمثل العليا، وإنّما هم يشركون هذا وذاك، ففيما هم يؤمنون بالمنطق، لا يغفلون التجربة، وبينما هم يقيمون التجربة، لا يكفرون بالمنطق المجرد... ولهذا الواقع توصل إليهم الإسلام في رمضان ـ عن المنفذين معاً، منفذ المنطق الخالص، والتجربة المحسوسة، فشهر رمضان، زيادة على أنّه موسم الخطب والمحاضرات الإسلامية، والصلوات والأدعية والأذكار، يعتمد أكثر ما يعتمد، على التبليغ الملموس، المتجسد في الصيام ـ الذي يحدد غلواء المادة ويأخذ من عتوها الأهوج، بعمليات بيولوجية وسيكولوجية ـ وبقية العبادات المفروضة والمستحبة في هذا الشهر، كالزكاة، والصلاة، والإحياء... فالإنسان الذي أنفق أقساماً من ماله في غير رغباته، وأحيا عمليات لا يحبها، وسهر طويلاً وهو أتوق إلى النوم، وأضرب عن المطاعم شهراً كاملاً ـ من قبيل الفجر حتى المغرب ـ وحتى عن الحبّة الواحدة من الطعام، والقطرة الصغيرة من الشراب، لأمر واحد من أوامر الإسلام، وهو يعلم أنْ لا رقيب عليه إلا الله! ولو شاء لأمسك عن كل واجب ومستحب، وركب رأسه إلى حيث التحلل والمجون، دون أنْ يعاقبه أحد إلاّ الله تعالى، ثم يبقى مصراً على مجافات رغباته، واستمرار الجشوبة في طاعة الله... تعلمه التجربة: أنَّ القوى المعنوية، هكذا تسيطر على القوى المادية، ويتمركز في كيانه، أنَّ الإنسان خاضع للروح، أكثر مما هو خاضع للجسد... ومن تركز في تفكيره هذا المفهوم، لا بد أنْ يأخذ طابعاً قوياً يتحكم فيه من خلف اللاشعور، وهو: أنّه يجب أنْ يكون مطيعاً لله، لا للمادة والغرائز والنزوات، ويجب أنْ تكون استجابته للمادة، في حدود ما وافق الله، وأباح... وهذه التجربة الماثلة تؤكد له: أنْ الحكم الصادر من الله، فتت عناصر هذه الأفاعي المعبئة في الإنسان ـ باسم النفس اللوّامة الأمارة بالسوء ـ وأخمد تلك النيران الملتهبة ـ باسم الغرائز ـ التي كان الإنسان يجاملها، ويحسب لها ألف حساب، حتى اندحرت دون مقاومة أو جلاد، تجاه زوبعة واحدة من ركائز الإسلام... وكذلك الإنسان يشعر بسيطرته على عوامل الشر، ومباهج الحياة، ويعرف أنّه ليس آلة صماء، لا نبض له ولا إرادة، بيد النفس والغرائز ـ كما كان يتصوّر من قبل، وإنما هو إنسان، له كيانه القاهر... ويقدر نجاحه الباهر، وطابعه الأصيل، الذي يبقى أثره أحدَ عشر شهراً ـ على الأقل ـ: وهكذا يكون رمضان، شهر التبليغ... وهكذا يعالج الإسلام مشكلة الإنسان الكبرى، ويزوده بطاقات تؤكد له النصر، في صراعه مع سيادة النفس، واستبدادها بحكومة الإنسان... ذلك الصراع الدقيق الخطير، الذي اعتبره الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم): (الجهاد الأكبر). |
|
3- شهر التطوّر |
|
ورمضان ـ بعد ذلك ـ شهر التطوّر، فالإنسان ـ بطبيعته ـ يملُّ الاستمرار على عمل معين، والخلود إلى حالة واحدة، وبرنامج رتيبة للعيش والحياة... كما يمل العكوف على لون خاص من الطعام، والدؤوب في وظيفة معينة... وإنّما يريد ـ بعزيزة حب التطوّرـ: أنْ تتطور معيشته، ولا يحدب على منهاج واحد طوال السنين... فعند ذلك يأتي شهر رمضان، ليجدد معيشة الإنسان وحياته، في نمط آخر من السلوك، يختلف كل الاختلاف عن سابقه، بما يحفل به شهر الصيام، من تنظيم يغير حياة الفرد في جميع أبعادها... حتى يستقبلها بعد هذا الشهر، بتلهف وتودد، ويضرب فيها بخطىً راغبات... |
|
فرصة الاستجمام |
|
كما أنَّ تفكير الإنسان يكل، وينبو عن معالجة المشاكل، ومقاساة الآلام، متى استخدم لمواصلة العمل، سنة أو سنين، فيحتاج إلى فرصة للاستراحة والاستجمام، حتى ينفض فلوله وتوتراته، ويرمم انهزاماته، ويستعيد نشاطه ويجدد عزائمه وقواه، لاستئناف الحياة من جديد، والسير في ركب الحياة، بنشاط حيٍ يقظ... وهذه الفرصة العريضة المنشودة، يجدها الإنسان موفورة في شهر رمضان... |
|
فترة النبوغ |
|
وهناك حقيقة يغفلها الكثيرون، وهي أنَّ الفرد لا تتاح له فرصة التفكير، لتخطيط المستقبل في فترات العمل... لأنَّ الإنسان العامل، يفرغ طاقاته النشيطة، وذكاؤه الفكري، لتدبير حياته، وترفيه معيشته اليوميتين، ومكافحة المكاره والمتاعب... ولا يسعه ـ بعد ذلك ـ أنْ يفكِّر ملياً، في تجديد حياته، ورسم الخطوط العريضة لمستقبل أفضل، ولو أنّه استغل الفرص القِصار، لهذا التفكير العظيم، فإنَّ العلاقات التي تربطه بحوادث اليوم، تخضع تفكيره لتأثيرات مفروضة عليه، فتجعله شديد التحيز، لمسبقاته وتأثيراته الحاضرة، ولا ترسله على سجيته المستقيمة، لتعبِّر عن إرادتها، وتنتج نتاجاً مستقيماً... والفكرة التي يستخرجها الإنسان من زحمة الوقائع، ومرتكم المناقضات وهو يتوسط معترك الحياة ـ تكون أشبه بأصداء النسيم ـ التي تتكسر في لجب العواصف والزوابع، فلا تغري ولا تعجب... كالجندي الذي يحاول برمجة خطط الهجوم والدفاع، وهو في اشتباك مع خصمه، ويتخالسان تخالس الفحلين، ويتنازعان الأرواح... لذلك تجد أكثر النّاس، يسيرون على الخطة التي وجدوها أمام أقدامهم، يوم فتحوا أعينهم على النّور، دون أنْ يناقشوا ويفكروا فيها، ولو سألتهم عنها لقالوا: إنا وجدنا آبائنا على أُمّة، وإنّا على آثارها مقتدون... والفرصة الكافية، لتجديد النظر في الحياة، تتاح للإنسان ـ على أوفرها ـ في شهر رمضان... لهذه الرسالات المنشودة من هذا الشهر، نجد الإسلام يحث على أنْ ينسلخ الفرد ـ طوال حياته السابقة، ويتجرد من أواصر المادة، وصلاتها العذبة المغرية ـ مهما استطاع ـ وينصرف بكله إلى عبادة الله، ويتفرغ للتلقي والتجاوب، مع دواعي الدين والضمير، حتى يكون على أهبة واستعداد لتلبية بواعث الإلهام... كل هذه الانسلاخات، لتكون حياة الفرد ـ في هذا الشهر ـ غير حياته في سائر الشهور، فيتذوق تطوّر الحياة... وينال فترة الاستجمام... ويتمتع بفرصة النبوغ، للمناقشة والتفكير، حول وضع مخطط المستقبل... |
|
4- شهر العبادة |
|
وأخيراً، استيقظ الغرب، إلى أنَّ كل حسنة في المجتمع، تحتاج إلى تغذية مستمرة لتعيش، وتحتاج إلى فترة خاصة ـ تختلف باختلاف مدى حاجة المجتمع، إلى تلك الحسنة ـ لتلك التغذية... فطفقت الدول والمنظمات، تخصص الأعياد أو الأسابيع، بأبطالها ومكاسبها، كـ (يوم الطفل) و (يوم الأم) و (عيد الكندي) و (عيد الشجرة) و (أسبوع الإمام علي) و (أسبوع الصحة) و (أسبوع النظافة). ... للتوفير عليها خلال تلك الفترة، وإسباغ المزيد من الرعاية والحيوية عليها، وتنظيفها من النسيان والضمور، وإعادتها إلى الاعتبار اللائق بها في الأذهان... والإسلام ـ بطبيعته الواعية، السبّاقة إلى درك وتقدير كلِّ حقيقة ـ عرف أنَّ العبادات ـ بصفتها الروحية البحتة ـ لا تعتكف على ولائم المادة، ولا يعيشها المفتنون بالمباهج، والارتواء من الجمال... وإنَّما يتركون التوفر على العبادة، لأغنياء الروح والعقل، الذين اختمروا بالزهد والتقشف... وأما هم فينصرفون إلى عبادة المادة... وحيث يعمر أكثر الأرض، بغاة المادة ورواد المتاع، تتقلص العبادات، وتتقمص العزلة والانزواء، التي تتأكد وتتضافر، بالانسحابات المتتابعة من جبهة عباد الله، والانضواء تحت جبهة عباد الحياة... وتبعد الشقة بين الجانبين، بتوغل كل في اتجاهه ونحو هدفه... وينتهي الفرز النكد ـ بعد قرن واحد ـ إلى انطواء زهاد في زوايا المعابد، وانحصار الآخرين، في سياج مقفل، من مراتع الشهوات... والإسلام لم يفرض العبادات، لتكون مهمة بعض ومعصية بعض، فيخصص لها أُناس ويكفر بها أناس، وإنّما فرضها رياضة روحية عامة، يجب على الجميع ممارسة قسم منها، وإبقاء الآخر خير موضوع، فمن شاء استقل منها، ومن شاء استكثر... فلا بد من تشريعها ـ بموازين الاجتماع ـ لتندمج بالمجتمع كلما أريد لها النزوح والانكفاء... ولذلك قدر شهر رمضان، وضاعف فيه الثواب لكل قربة، وأرصد فيه المستحبات، ما لم يرصدها في سواه من الشهور، وفتح أبواب الجنّان، وأرصد أبواب الجحيم، وكبّل الشياطين، وطوّر ـ بالصيام ـ برامج العيش، إلى صيغة تكون أطوع للعبادات، وأبعد عن التوّغل في الحياة... ليكون هذا الشهر، شهر العبادات، وموسم الطاعات، الذي يسحب المسجد من عزلته المقفرة، ويحشر فيه الجميع، ليجددوا عهدهم بالله والإسلام، وينفضوا عزلتهم الروحية، ورقادهم الطويل... كيما تبقى العبادات، حقيقية اجتماعية، لها مراكز واختصاصيون ـ طوال الوقت ـ ورواد موسميّون، يتوفرون عليها شهراً، ويعيشونها بشحٍ بقية العام... |
|
5- شهر التوبة |
|
وحيث إنَّ الصيام، يسكت الجسد ـ مؤقتاً ـ عن متابعة نداءاتها، وحاجاتها الكثار، يتاح التحلل من نفوذه، ويفسح المجال، لجميع ركائز الروح، أن تنطلق وتعبر عن واقعها ـ ولو قليلاً، بالمقدار الذي لا يسنح لها، وهي ترزح تحت كابوسه الشديد ـ. وتبعاً لانطلاقة الروح من كبح الجسد، يتسامى المرء فوق نفسه، ويستطيع أنْ يحاسبها أدق وأقسى حساب. والصفاء الذي يضفيه الصيام، وإحياء الأسحار، والعبادات... يعد الإنسان لعرض نفسه على كتاب الله، الذي يتلوه ويتدبر آياته بإمعان... ويوقظ فيه توجسات أليمة، من البطشة الكبرى، وغضبة السعير، فيهرب من ذنوبه ـ بعفوية صميمه ـ إلى التوبة والاستغفار، خاشعاً منيباً، لا يطفئ أوامه غير الدموع الساخنات، حيث يكون المذنب أقرب إلى قبول توبته. ولذلك ندب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم)، المسلمين إلى الإكثار من التوبة في هذا الشهر، صح عنه: (إنَّ لله سبحانه ملكاً ينادي أهل الأرض، منذ أول ليلة من هذا الشهر حتى آخره: ألا من تائب فيتوب الله عليه، ألا من مذنب فيغفر الله له). |
|
6- شهر الذكر |
|
ورمضان، فتحة واعية للنشاط الروحي، ففيه يكون الإنسان، أقدر على فهم ما يلفظ أو يسمع أو يرى!. ولذلك دُعينا فيه إلى الإكثار من التسبيحات، والعكوف على تلاوة القرآن!. ولذلك كان ثواب كل قربة مضاعفاً، لأنّها تفرغ في هذا الشهر، عن وعي وإذعان أكثر، والثواب ـ أبداً ـ لا يقدر بحجم العبادة وأبعادها الظاهرة، وإنّما يكون تقييمها، بالتجربة التي يعيشها المتعبّد، والنتاج النفسي أو الخارجي الذي تنجزه... وهكذا كانت (ضربة عليٍ يوم الخندق، أفضل من عبادة الثقلين)، كما صرّح الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم) رغم ملايين الضربات والانتصارات، التي تلت ضربة عليٍّ في يوم الخندق، ولكنّها لم تكن ترسم المصير للكفر أو للإيمان، وأما ضربة علي، فقد كانت فيصلة، سجلت الخلود للإسلام، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة بارتباك، وكتبت الفناء الشامل للكفر، وهو في قمة زهوه وخيلائه... |
|
7- شهر الجهاد |
|
قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): (الجهاد باب من أبواب الجنّة، فتحه الله لخاصة أوليائه). وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم): (الخير كل الخير، في السيف وتحت ظلال السيف)، وأضاف قائلاً: (الجنّة تحت ظلال السيوف). وإذا كانت الحروب القديمة، لا تدور إلاّ على السيوف والخيول، فقد خصصها الرسول العظيم بقوله: (الخيل، معقود بنواصيها الخير)، فالسيوف والخيول، هما عصبا الحروب، وأداتا الجهاد، فكان الخير كل الخير، معقوداً بنواصي الخيل، وفي السيف وتحت ظلال السيف. وإذا كان كل الخير، في الخيل والسيف، فلا إيمان بلا جهاد، إذ لا إيمان بلا خير، فكان من الطبيعي أن يقول الله سبحانه: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)). وكان من الطبيعي: أن يهتم الإسلام بأمر الجهاد، اهتماماً كبيراً. فما دام أعداء الحق والإنسان، يتوسلون بالقسوة والسلاح، لنزف الدموع وامتصاص الدماء، فلا بد لأنصار الحق والإنسان، من استخدام الرحمة والسلاح ـ معاً ـ لإبادة الشر، وإسعاد النّاس. ولا بد للقرآن أن يهيب بالمسلمين قائلاً: ((وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ)). أو ليس الإسلام، هو الذي عانى من ألوان التعذيب والتشريد، ما أتى على صبر الجلادين الطغاة ـ الذين كانوا يواجهون بها الإسلام ـ ثم لم يستطع توسعاً إلى قلوب نفر من أهل مكة، فلما احتمى بالسيوف اليثربية، أصبح أمراً واقعاً ذا مناعة لا يمكن تجاهله ولا القضاء عليه، أخذ النّاس يدخلون في دين الله أفواجاً؟.. أو ما سجل التاريخ: إنَّ يتيماً لا مال له ولا رجال ولا سلاح، خرج في الفيافي والقفار الملتهبة، يناجي صخورها السوداء، ويمرح فوق رمالها الزاحفة، فاحدث انقلاباً عظيماً في المعمورة، ووضع يداً على المشرق، ويداً على المغرب؟.. أترى من هو ذلك اليتيم العظيم؟ وما هي قوته، التي زلزل بها الأرض وصعق الملوك ـ أولي الحول والطول، والسطوة والسلطان ـ يوم لم تكون في يده سلاح إلاّ والأقوى منها في أيدي أعدائه؟.. إنّه النبي محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنّها العقيدة العتيدة التي لا تنالها العواصف ولا تميلها القواصف، وهذه القوة، هي روح الجندية التي تهيمن على العظماء الرجال، فتحركهم نحو عظائم الأمور. فروح الجندية، هو الذي يمنح الكون، الحركة والخصب والنماء. ولو لا بسالة الجندي الذي يتعفر على رمال البادية ـ في هوائها النقي وجوها الصافي، من أضرار التوابل والعطور، والفواكه واللحوم والخمور ـ لم يبق إنسان حراً على وجه الأرض. ولو لا روح الجندية، لما اندفع الشاب الحالم، إلى مجال الموت باسم الثغر، ولما جعل نفسه سياجاً، ليحفظ الراقدين على الأسرة الهفّافة. ولو لا روح الجندية لما خرج الرجل من أحضان أسرته لمصارعة القدر، ولما عبر البحار، على متن طائرة تقتحم الزوابع، وهو يعلم أنَّ روحه معلقة بين أنامل القدر، ولا يعلم متى يميل به الجناح، فتهوي به الريح في مكان سحيق، أو تغوص به إلى أعماق البحر. ولو لا روح الجندية، لا بزع في جزيرة العرب، أبطال تفجروا غيرة حماساً، فسبقوا الأعاصير واقتحموا لهوات الأسود، فكانوا أقوى من الصخور وأثبت من ظهر الأرض، كلما اقترب الوعد الحق، ووقعت الواقعة، وعض الظالم على يديه، صارخاً: ((يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ)). فبروح الجندية انبثقت من فم (طريد مكة) ثورة عطلت الحياة الجاهلية برمتها، وظلت على الدهر طرية، تضرب الأمثال، فتناهبها الأسماع، ولا يحلوا إلا بها الحديث، ولا يصح إلا بها واقع الحياة. وبروح الجندية، توسع الإسلام، فتغلغل في تخوم آسيا، وتسللت منه إشعاعات بلغت مضارب أفريقيا، وامتدت إلى كلّ قطر شعبٌ من نور. فكان على الإسلام أنْ ُيحيي روح الجندية، ما دام يحبُّ الحياة، ومن أجل ذلك ورد في الحديث: (إنَّ الله يحبُ الرجل الشجاع، ولو على قتل حية)، وجعل الإسلام خمسين حسنة، لمن قتل الوزغة بضربة واحدة، وعشراً لمن قتلها بضربتين. وما شأن الوزغة في مقاييس الشرع لو لا أنّه يريد أنْ يبعث إلى الشجاعة في مختلف مظاهرها، حتى ولو تمثلت في قتل الوزغة. ولكن، كيف يمكن إنعاش روح الجندية في الإنسان، حتى يكون متأهباً للفداء، والإحسان إلى أمته ولو بالتضحية الغالية؟ إنّ روح الجندية ـ كأية ملكة فاضلة في الإنسان ـ لا تنطلق إلى إلاّ بترويض النفس عليها، فإذا أبعد مستوياتها الممكنة قهر نفسه بالمجاهدة، وأنزلها من عتوِّ المادة البهيمية، إلى ساحة الأعمال الشاقة، للحدود الشرعية، بلغ مستوى التعبير عن مواهبه الدفينة، وإنْ رقد في فراش النعمة، غرق في بحار النقمة، فالنفس كالفرس الجموع، وإنْ أسلست لها تقحمت، وإنْ أشنقت لها تذللت. والصوم، من أعظم أنواع تربية روح الجندية في الإنسان، لما فيه من التمرين، على تحمل الشظف، ومقاومة الطبيعة، والاستقلال بالملكات الشخصية، التي تجعل أصحابها، من المجاهدين، الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس. لأنَّ ممارسة الصبر على الجوع والعطش، خير تجربة للشجاعة، ومن احتمل الجوع والعطش، يمكن أن يتدرج في المراحل القاسية، التي تنتهي بتحمل الفداء، بينما يستحيل على من يبهضه ألم الجوع والعطش يوماً واحداً أنْ يثبت في المعترك الهائل، الذي يموج بالرزايا، إذا رجت الأرض رجاً، وتخلّعت القلوب وزلزلت، بهزيم المدافع ودويّ الطائرات، وهو يرى الأشلاء تتناثر حواليه، ويسمع وجيب القلوب وأنين الجرحى. إنّ طبيعة الانغماس في الشهوات، واجتراح المعاصي والترف الخليع، تبعث على الرطانة والاستخذاء، وتنتهي بالذل والهوان، وطبيعة الصبر والصمود، والترفع عن الملاهي والشهوات، تبعث على الاتزان والشموخ، وتنتهي بالعزة والمجد. وقد عبر (ارسطاطاليس) عن هذه الحقيقة ـ في كتابه الذي وجهه إلى (الاسكندر) ـ عندما قال: (إذا رأيت أمة، أُغدقت عليها النعم، وجانبها النصب والتعب، وأبطرها الرخاء، فتعلم أنَّ ساعتها قد اقتربت، وإنَّ أجلها قد أوشك أن ينتهي، فإما تلك الأمة التي أصابها الجهد بسبب الحرب، ومقارعة الأبطال في الميادين، ومحاربة عدوّها الغادر الفاتك، فإنها تنشط من عقالها وتبني مجدها). وقد قال (الطنطاوي) في تفسير (الجواهر): (ولمّا كان الصوم والاعتكاف، كفاً للنفس عن الشهوات، والقتال وملاقات الأعداء، من أهم أنواع الصبر، ناسب أن يلّزا في قرن، وتنتظم جوهرة الصيام، وفلذة الجهاد، في سمط واحد، فكلاهما صبر، وكلاهما رفع للنفس عن حال البهيمية. فالصوم تعالي النفس عن شهوات الطعام وذلّة الحطام، والجهاد رفع لها عن أن تستخذي للظالمين أو تذلّ للقاهرين). والإنسان في الحياة، في جهادٍ مستمر، لأنّه محاطٌ بالأعداء، الداخليين كالغرائز، والخارجيين، كالحيوانات المؤذية، والأعداء الآدميين، فإذا بدأ بالصراع مع أعدائه الداخليين وانتصر عليهم، فما أحراه بأنْ يقهر أعدائه الخارجيين، وإنْ فشل في تطهير باطنه، فما أجدره بالفشل في خارجه. أو لا يكفي تاريخنا أكبر عبرة وموعظة، فإن المسلمين عندما تركوا الفرائض الإسلامية، خضدت شوكتهم، وذهبت ريحهم، وأصبحوا خُشباً مسنّدة، يختطفهم الأعداء من كل جانب، ويجعلون أسيادهم عبيداً، وعندما لزموا الفرائض الإسلامية، بلغوا القمّة، ومرغوا الطواغيت في التراب، وما واجههم فرعون، إلا وغادروه هشيماً تذروه الرياح، والجيوش التي أشرف عليها صعيداً زلقاً أصبح ماؤهاً غوراً، فلن يستطيع له طلباً. وفي شهر الصيام، يمارس الصائم جهاداً مريراً، فيجتمع له جهاد بالنهار، على الصيام، لكبح نفسه وغمط شهواته، وجهاد بالليل على مواصلة الحسنات، والقيام، تشجيعاً لضميره وإيمانه... ومن تعوّد مباشرة الجلاد شهراً في كل عام، مع النفس ـ التي تمثل الإنسان ـ يألف المشقة، ويصلد للنوائب، ويعتاد التحرر من الهوى والنزوات، ويصبح على تأهب دائب، للمخاطرة والاقتحام... ومن كان على استعداد ساهر، لحماية نفسه من هجمات الشيطان، والتغلب عليه، فالأحرى به أنْ يكون على استعداد متواصل، لحماية دينه ووطنه من هجمات الأعداء، والانتصار، عليهم مهما صعبوا واشتدوا... ولهذا كانت الأمة الإسلامية، أُمّة جهاد وتحرير، وكان رمضان، ميعاد انبثاق ثورات المسلمين، وانتفاضاتهم الضاربة المنتصرة، على المردة الطواغيت... |
|
8- رباط الإسلام |
|
ولئن كان الإسلام، مجموعة عناصر متنوعة الأشكال والأبعاد، ولا تنجب مفعولها الموحد المنشود، إلاّ إذا تمثلت مجموعة متعاونة، يكمل بعضها بعضاً، لتصبح جهازاً حياً يؤدي خدمة كبرى، للجسم والعقل والروح، وللمجتمع بعد ذلك... لزم أنْ يلمها رباط وثيق، يشدها عن التشتت والانفراط... فكان شهر رمضان، رباط الإسلام... لأنّ أركان الإسلام الخمسة، التي ركز عليها، هي: 1ـ الإيمان، لتمديد العقل، وتوجيه العقيدة، نحو الواقع، الذي تقرره الفطرة السلمية ـ في شهادة التوحيد ـ. وتقرير القيادة العامّة، للفرد الموجّه بتوجيه التوحيد ـ في شهادة الرسالة ـ وأخيراً لإعلان فلسفة الحياة، وتنظيم الإسلام... 2ـ الصلاة: لربط العقل والعقيدة بالله، وربط قلوب المؤمنين وأرواحهم ببعضها، ومعاهدتها بالصقل والتطهير يومياً... أخيراً لترويض البدن، وتنشيط العضلات.. 3ـ الزكاة، لترميم الاقتصاد، وسدد الثغرات، التي تسببها الانهزامات السوقية، والطوارئ والأحداث، والفلج والبطالة... ولإشاعة روح التكافل الاجتماعي، بين الطبقات.. وأخيراً لإرهاف الإحساس بالتعاطف الأخوي في المسلمين... 4ـ الصوم: لتحديد زحف المادة، وإسداء عون للروح الرازحة تحت سيطرة الجسم... وأخيراً، لتزكية الجسم من الأمراض. 5ـ الحج: للتأكيد على نداءات الروح، في رحلة روحية مفعمة، تمثل كثيراً من حقائق الإسلام، كالقيامة، والمساواة... وأخيراً لتنشيط العلاقات، والحركة الاقتصادية، بين البلاد الإسلامية. وهذه الأركان الخمسة، تتعاون على صياغة الفرد، في قالب الكمال، وتمنح المجتمع، لبنات سليمة تنهض به، إلى المستوى الجدير به... * * * * * وشهر رمضان، هو الرباط الذي يجتمع هذه الأركان، ويؤكد عليها جميعاً.. فالشهادتان تتكرران، في أيام رمضان أكثر من غيرها ـ في القربات المستحبة في هذا الشهر. والزكاة، تزداد في (زكاة الفطر) و (الكفارات) و (الإفطار) وسائر البر.. والصوم، قد خصص به هذا الشهر، قبل كل شيء... والحج، وإن كان لا يتمثل في رمضان، لكن رمضان تعبئة عامة للحج، كما تتراءى في الأدعية المسنونة كل ليلة... ثم لا ينقضي مدة هذه التعبئة، باستهلاك شوال، إلاّ يتفتح أمام الصائمين، موسم الحركة الجماهيرية الشاملة، نحو مؤتمرهم العالمي السنوي، في عِراص الحرم الأقدس، وعند البيت الحرام.. حيث يجد النّاس أنفسهم، على أعتاب شهر الحج، لتحقيق التعبئة الجماهيرية السابقة، وتظهيرها في واقع الحياة، والتفاعل، ثم الإنتاج. |
|
9- جامعة المسلمين |
|
وهذا الشهر، يمثل جامعة روحية، توحد مشاعر المسلمين، وتجمع قلوبهم، منيبة، مخلصة لله وحده، بالطاعات والحسنات، وتمنعهم ـ جميعاً ـ في أوقات مماثلة، عن رغبات البطن والجنس، منذ بزوغ الفجر حتى المغرب، ثم تسمح باستعادة حياتهم السابقة، والاستجابة لحاجات الجسد... وتشجيعهم على الانطلاق، للتنافس في خير، والتسابق إلى المعروف، والبِّر بالوالدين، وصلة الأرحام، وتفقد الجيران والأخوان، وإعانة الضعيف، والإنفاق على الفقير، وتوفير الحقوق، والتواصل، والتحابب، والتواد... * * * * * هذه نقاط من فلسفة شهر رمضان ذاته، موقفه من الحياة... * * * * * وبعد هذه التوفرات الروحية، كانت ذكريات رمضان... |