الفهرس

المؤلفات

الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

اليقظة الكاملة 

إن العمال في الحقول الإسلامية، لا بد له من ما ل، ومن قوة، ومن رجال، ومن دفاع، ومن مداراة، ومن، ومن، وذلك لا يتأتى إلا باليقظة الدائمة، والحذر المستمر، فإنه ربما فاتت فرصة لا يحصل عليها إلى آخر عمره، كما أنه ربما غفل ساعة، فسقط إلى قيام الساعة، وربما صار مقدار مليمتر من الشريط سبب فضيحة على حجم (ووترغيت) واليقظة الكاملة تحتاج إلى الأجهزة العاملة، وإلى الإستطلاع الدائم، وإلى المشاورة المستمرة، وإلى التعديل والتبديل، وإلى وضع الحلول المسبقة لمختلف الإحتمالات الناجحة في المستقبل، وقديماً قالوا في قصة سقوط بني أمية (ذهبت الدولة ببولة).

وقال الشاعر الفارسي:

أُغفلت زماناً فَطَالَ دربي مائَةُ سَنةُ

إن قطرة من الدواء خطأ قد تسبب العمى خمسين سنة(1).

مؤهلات التقدم 

على كل فردأو جماعة، تريد تقديم الإسلام وتــطبيــقه، أن توفر في نفسه مؤهلات التقدم، وهي كثيرة جداً نذكر جملة منها وهي:

1 ـ اللين المتزايد، فإن الانسان اللين يلتف حوله الناس، وينفذون مشاريعه، ويعادون أعدائه، مما يوجب تقدمه في الحياة.

2 ـ الحزم، وهو معرفة مواضع الامور، ووضع كل شيء موضعه، من رضا أو غضب، أو إعطاء منع، أو فعل، أو ترك، أو هدم، أو بناء، أو غير ذلك.

3 ـ تحمل المكاره والصعوبات فإن الإنسان الباني، يلاقي صعوبة حسد الاصدقاء، وتألب الأعداء، وعدم انصياع الأمور له، فإذا تحمَّل المكاره تمكن من التقدم وتقديم الحياة، وإلا وقع في حلقة مفرغة من المشاكل لا تزيده إلا جموداً وتأخراً، وفي الأثر(واعلموا أنكم لا تنالون ما تحبون إلا بتحملك ما تكرهون).

4 ـ الرؤية الكاملة والإستراتيجية الواضحة والتكتيك المتكامل، وذلك بأن يعرف مبدأ الطريق، والهدف، ومقدار الحاجة في السلوك من القوى والطاقات، ومقدارما يتطلبه السلوك من التضحية، وقدر إمكاناته، وطاقة المعوقات والاعداء، وكيفية إمكان التغلب عليها، مثلاً من يريد تأسيس مدرسة أهلية، يجب أن يعلم قبل الشروع: كيف يشرع في التأسيس، بتحصيل الإجـــازة الحكومية، وإجازة المكان، وتهيئة المعلمين؟ وإن الهدف هو إخراج جيل مثقف متدين، وأن مقدار الحاجة المادية، هي عشرة آلاف دينار مثلاً، للسنة الواحدة، وأنه يحتاج إلى هيـــئة تــؤازره في تحصيل الإجازة وجمع التبرعات وتأثيث المدرسة وما أشبه.

وإن ما يتطلبه من التضحية هو الوقت ومقدار مائة دينار من ماله لأجل الاجتماعات والولائم، وأنه يتمكن من هذين الأمرين.وإن الأعداء لا بد وأن يسعوا في عدم تحصيله الإجازة، والتغلب عليهم يكون بالوسائط القوية، وهكذا في كل صغيرة وكبيرة..وفي الغالب يفشل الناس في أمورهم الشخصية أو الإجتماعية، لأجل عدم توفيرهم المؤهلات.

لكل شيء منظمة 

إذا أردنا عصرنة المسلمين، والوصول بهم إلى ركب الحضارة الآلية، بل تقديمهم أمام العالم، حتى يسودوا ويقبضوا بالزمام لا بد وأن ندخل كل شأن من شؤون الحياة، تحت المنظمات، أخذاً من اكبر الأشياء وانتهاءاً إلى أصغر الأشياء، كل ذلك بشكل لا ينافي الحريات العامة والخاصة، فإن المنظمة توجب(أولاً) جمع القوى والطاقات و(ثانياً) توجيهها، و(ثالثاً) استمرارها، وكل ذلك من أسباب الدفع إلى الأمام، فإنك إذا جمعت عشرة، لهدف جمع المال لبناء مدرسة، ووجهتهم كيف يجمعون وممن يجمعون؟.

واستمروا في الجمع، لأتوا بالنتيجة في مدة قليلةجداً، حتى أنك تندهش من سرعة ذلك، وليس على الإنسان المفكرأن ينتظر نضج المجتمع كله حتى يشرع في تكوين المنظمات، بل عليه أن يشرع من إنسان واحد، يلحقه بثان وثالث، ليجعلهم منظمة..مثلاً منظمة إعانة الفقراء تبتدئ من إنسان ثم يلحقه بثان وثالث ليجعلهم منظمة، وهكذا منظمة تنظيف المساجد، وهلم جرا.

وأني أن جماعة من المفكرين الذين يهتمون بهذا الشأن يتمكنون من إيجاد منظمات كثيرة في مدة غير طويلة، لكن بشرط أن يكونوا حازمين شورويين ـيأخذون برأي الأكثريةـوأن يهيئوا الأجواء الملائمة، خصوصاً إذا جعلوا المنظمات متسلسلة، مثلاً: يكوِّنوا منظمة نشر الكتب والنشرات، ثم يقومون بإحداث الفروع التي ذكرنا بعضها في الفصل السابق، وهكذا بشرط أن تكون المنظمات استشارية تسير بأكثرية الآراء ـ وفق الموازين الإسلاميةـ.

الإستفادة من القوى

من الضروري على المسلمين أن يستفيدوا من القوى المختلفة، حتى القوى الكافرة في سبيل بناء الإسلام كما كان رسول الإسلام يستفيد منهم، في التحالفات، وكذلك كان يستفيد منهم في المؤلفة قلوبهم، ولنضرب لذلك مثلاً إن الإذاعات على استعداد لأن تجيب على الأسئلة الموجهة إليها، فإذا كانت هناك منظمة شأنها السؤال من الإذاعات أسئلة تكون أجوبتها في نفع الإسلام، كان ذلك استفادة بدون أتعاب، مثلاً: تسأل المنظمة عن نظام الإسلام في القرن الثاني، أو أسباب انهيار الدولتين الفارسية والرومية، أمام زحف الإسلام، وما أشبه ذلك.

وهكذا يكون الحال في القوى العسكرية العالمية، والقوى السياسية والقوى الإقتصادية، وغيرها، وأحياناً تكون فوائد منظمة صغيرة موجهة بهذا الشأن في مدة قصيرة، أكثر مما إذا صرف مليون دينار في نفس الشأن.

مراكز القوة

في العالم مراكز القوة، مالاً، وســـياسة، وعلماً، وصناعة، ونحوها، فاللازم على المسلمين التوصل إليها، فإن مراكز القوةهي التي تتمكن من انهاض المسلمين من الانحطاط، ومناصرتهم لايصالهم إلى المقدمة، مثلاً، أميركا، وبريطانيا، وألمانية، وفرنسا، واليابان، وما أشبه، مراكز القوة، فإذا كانت للمسلمين أعداد كبيرة- كخمسين مليون- في مختلف هذه البلاد، وكانوا في مراكز الاشعاع، يمكن اخراج المسلمين من تأخرهم، بل وجعل الاسلام عالمياً له الكلمة الأولى، وهذا الأمر لا يصعب صعوبة كبيرة كما يظن، فإن وجود المسلمين بكثرة في تلك البلاد، اذا أمكن اعدادهم، ثمهجرة الآخرين المستعدين لتحمل مثل هذه المسؤولية، يجعلهم صالحين لأن يكونوا نواةً لمثل ما ذكرناه.

التحديث

هذا مما يلزم أن يتصف به الأفراد والمنظمات، فإن الازم على المسلمين أن يتخذوا أحدث النظريات في مختلف الشؤون الصناعية، والزراعية، والتكنولوجية، والسياسية، والثقافية،

والاجتماعية، والعسكرية، والعلمية وغيرها..

كما يلزم أن يحصلوا على أحدث الوسائل الموصلة إلى الأهداف، فالفرد يجب أن يسموا في أي شيء كان، مثلاً يلزم على الطبيب أن يكون على اتصال دائم بالعالم لاستكشاف النظريات الطبية، وهكذا مهندس الطيران وربان السفينة، وقائد الجيش، وكذلك يلزم تشكيل، منظمات لأجل ذلك، مثلاً تشكل المنظمة، لأجل الارتفاع بمستوى الزراعة إلى المستوى الذي وصل إليه الفكر العالمي حول الزراعة، وهكذا بالنسبةإلى الوسائل، كمايلزم أن تكون هناك منظمة، لأجل ذلك، كل ذلك مع ملاحظة تغيير النظرية إلى ما يلائم الاسلام ان كانت مخالفة للإسلام.

الأنظمة التعاونية

يلزم على المسلمين أن يهتموا بانشاء الجمعيات التعاونية في كل شأن من شؤون الحياة، فقد ورد في الحديث: (إن يد الله مع الجماعة) وقبل ذلك قال سبحانه: (وتعاونوا على البر والتقوى) وشؤون الحياة القابلة للتعاون كثيرة جداً، تبدأ من التعاون في تنظيف البلد، وتنتهي إلى مايشاء الله تعالى، وبالجملة فاللازم أن ينقلب المجتمع الاسلامي إلى منظمات تعاونية، في كل شأن من شؤون الحياة، وما ذكرناه في هذا الكتاب، من مختلف المنظمات تدخل في التعاونيات-كما هو واضح.

اتحاديات المنظمات

حيث أن (الاتحاد قوة) فاللازم على المنظمات التي ذكرناها، أو سنذكرها، أن تتحد المتجانسات منها: تحت اتحاديات، للتعاون والتشاور وتوحيد صفوف العمل، فمثلاً تتجمع منظمات كفاح الفساد، تحت اتحادية، وتتجمع منظمات مكافحة المبادئ الباطلة تحت اتحادية، وتتجمع منظمات التجارتحت اتحادية وهكذا.

وإني أظن أنه لو تم تشكيل مائة ألف منظمة، تحوي تحت أجنحتها عشرين مليون إنسان، في اتحادية واحدة لقفز المسلمون في مدة غير طويلة إلى مقبض الزمام، وهذا ليس ببعيدـ كما قد يظنه من لا خبرة له بالاحوال العالمية الحاضرةـ فالمنظمات الصهيونية التي كونت لأنفسها قوة هائلة، تحتوي على ثلاثة أرباع المليون، والمنظمات الشيوعية الصينية تحتوي على ما يقارب عشرين مليوناً، فهل يبعد عن الإسلام الذي لا يقاس مبدؤه بمبادئها، إن يتمكن من جمع مليون إنسان تحت مختلف منظماته البناءة.

منظمة الدفاع عن المسلمين

المسلمون مضطهدون في كثير من البلدان الإسلامية وغير الإسلامية، كما أن الإسلام مشوه مجهول ومفترى عليه في كثير من البلاد الإسلامية وغير الإسلامية، فمن اللازم تظافر الجهود لاجل تكوين منظمة في إحدى الدول العالمية الكبيرة، مهمة هذه المنظمة، مناصرة الإسلام والمسلمين، تكون بمثابة جامعة الدول العربية، وتبدأ عملها بتخصيص أفراد أكفاء، لكل القارات.

فمثلاً: لقارة آسية خمسة أفراد، ولقارة إفريقيا خمسة أفراد، ولقارة أمريكا خمسة أفراد، وهكذا، يكون شأن هؤلاء الإتصال بتلك القارات، ورفع الاضطهاد عن المسلمين فيها، كما يلزم أن يكون لها لجان، لأجـــل النشر، وجمع المال، وتنظيم المكافحين وما أشبه، وأن يكون لها سبل ووسائل للضغط على المضطهِد، وعلى المفتري، وهكذا.

استدرار عطف العالم

من الضروري على المنظمات والفئات الإسلامية، أن ييستدروا عطف العالم على المسلمين، وذلك بنشر ما لقيه المسلمون في هذا القرن من الاضطهاد على يد المستعمرين سواء اضطهاداتهم المباشرة الواضحة، كاحتلال بلادهم، أواضطهاداتهم غير المباشرة، كضرب المسلمين بأيدي عملاء الكفار، الذين كانوا في لباس الإسلام، ولكنهم كانوا منافقين يظهرون الإسلام ويبطنون نصرة الكافرين، أو اضطهاداتهم الخفية باسم الثقافة والصلاح وما أشبه، فإن نشر الاضطهادات، يوجب:

أولاً: إيقاظ المسلمين وبعث روح العزة والإستعلاء في نفوسهم، فيعملون للخلاص والنجاة.

وثانياً: يوقف الكفار المضطهدين عند حدودهم، فإن مثل المضطهد، بالكسرـمثل السارق، إن وجد يقظة أهل البيت، وقف عند حده.

وثالثاً: يستقطب مثل هذا النشر عطف العالم نحو المسلمين، تلك خطوة كبيرة في سبيل النهضة.

استشراف الخطأ والصواب

من أهم ما يلزم على الذي يريد تقديم الإسلام أن يستشرف مواضع الخطأ والصواب، والنجاح والفشل في المؤسسات والحركات، بأن يطلع على نقاط الضعف في الحركات الفاشلة، فيتجنبها، ونقاط القوة في الحركات الناجحة فيتخذها، فإنه كما تتشاكل قوانين الصوت والإنعكاس والأشعة وما أشبه، في عالم الطبيعيات، كذلك تتشاكل قوانين

الفشل والنجاح والتقدم والتأخر والظهور والسقوط في عالم الأعمال والحركات، مثلاً: إذا أراد إنسان أن يفتح دارللنشر الناجحة منها والفاشلة، ويرى لماذا نجح ما نجح، وفشل ما فشل؟ مثلاً كان سبب النجاح الناجح، إن البلد الذي فتحت الدار فيه، كان أكثرية أهله قراءاً، والشخص الذي كان يدير الدار كان مخلصاً، ورأس ماله كان يتناسب وتطلع المؤسس لها وهكذا.

كما أن سبب فشل ما فشل، أن البلد لم يكن مناسباً، والمدير كان طامعاً، ورأس المال كان غير مناسب فإذا علم ذلك ووفر لمؤسسته أسباب النجاح، نجحت مؤسسته، وإلا فشلت، وأني أظن أن فشل بعض الاحزاب الإسلامية والمؤسسات الدينية في العصر الحاضرهو:

1 ـ عدم المؤهلات، كما ذكرنا في الفصل السابق.

2 ـ عدم الاستشراف لمواقع الخطأ والصواب.

عدم الإنسحاب

اعتاد كثير من المسلمين على الإنسحاب من ميادين الحياة، إما بحجة مخالفة الشرع ـ كما يكثر ذلك في المتدينين ـ وإما بحجة عدم التمكن من البقاء والإستمرارفي العمل، وإما بحجة عدم الإمكانات، أو ما أشبه ذلك، والغالب إن كل هذه المبررات، إنما هي واجهة تختفي ورائها السلبية المتأصلة في النفوس الضعيفة، فمن الضروري تبديل هذه الحالةعند المسلمين، حتى يكونوا مقدامين، غير هيابين، اما جـــهة الشرع، فإن الشريعة الإسلامية لم تحرم إلا عدة أمور قليلة، بالنسبة إلى المباحات والغالب أن الأهميةـإذا دار الأمر بين الأهم المهم ـوالعسر والحرج والضرر والاضطرار، توجب إباحة قسم من المحرمات مما تشخيصه مما يتوجب بيد مرجع التقليد، وأما جهة عدم الإمكان و الإمكانيات والقدرة، فالغالب إنه خلاف الواقع، والدليل على ذلك المقارنة البسيطة بين الأمة المتقدمة والامة المتأخرة، والفرد المتقدم والفرد المتأخر، وقد كشف عن زيف ذلك القرآن الحكيم في قوله حكاية عنهم: ( ان بيوتنا عورة، وما هي بعورة ان يريدون إلا فراراً).

واللازم أن يعرف المنسحبون أن الحياة لا تجمد، وأن الفراغ لا يبقى، وأنه إن انسحب المسلم، ملأ فراغه غير المسلم، وإن تجمَّد المتدين انطلق غيره، فيكون المسلم ــ والعياذ بالله ــ خسر الدنيا والآخرة.

خصال الحركة الاسلامية

يلزم على الفرد أو المنظمة التي تريد ان تعمل للاسلام، أي لون من العمل كان، تتصف بمجموعة خصال، هي في الحقيقة مفتاح النجاح والانجاح، وهي:

1 ـ الاخلاص في العمل.

2 ـ التوكل على الله في كل صغيرة وكبيرة.

3 ـ الشجاعة في الاقدام.

4 ـ ان لا تأخذها العزة بالاثم، فحين ما رأت عدم الصلاح، اعترفت بالخطا وانسحبت الى أمر آخر صالح.

5 ـ حفظ الاصدقاء، حتى في أشد ساعات الحرج.

6 ـ التحفظ على توازن الاعصاب.

7 ـ تحري الحقيقة.

8 ـ تفهم الاهم والمهم من الاعمال وترجيح الاول على الثاني.

9 ـ المرونة.

10 ـ الصدق مع النفس ومع الغير.

11 ـ الصبر فإن الصبر مفتاح الفرج.

12 ـ أنتهاز الفرصة فإنها تمرمر السحاب.

النظر من الزوايا الايجابية

لكل مقصد يريده الانسان زوايا إيجابية وزوايا سلبية، ومن دأب العاملين أن ينظروا إلى الامور من زواياها الايجابية، كما أن من شأن السلبيين أن ينظروا إليها من زواياها السلبية، مثلاً إذا أراد الإنسان الزواج من كريمة زيد، فللزواج زوايا إيجابية، هي الإنجاب، وتكوين العائلة، وتوفير المسكن، وقضايا الجنس، كما ان له زوايا سلبية، هي احتمال الفقر، وعدم الالفة، وإن هذه الفتاة غير دارسة، أو أن عائلتها لا تلائم عائلة الفتى، أو ما أشبه ذلك فالإيجابي يلاحظ الزواج من الزاوية الأولى فيتزوج، والسلبي ينظر من الزاوية الثانية فيترك.

وكذلك الأمر في فتح مدرسة أو تأسيس منظمة، او بناء مسجد، أو تكوين هيئة، أو غير ذلك، إنه ليس المقصود من هذا الفصل عدم التفكر، والتعادل والتراجيح، والأخذ بالأحسن، وإنما المقصود أن لا يكون الإنسان سلبياً، كما هي عادة غالب المسلمين في الحاضر.

ويجب أن يعلم الإنسان، أن ليس كل أعماله موفقة، فالعامل يعمل ولو لنجاح عشرة في المائة، بينما السلبي لا يعمل إلا إذا علم بالنجاح مائة في المائة، ولذا يربح العامل ـ غالباً ـ أكثر من خمسين في المائة، بينما السلبي لا يربح حتى الواحد في المائة، إذ الربح إنما يأتي من العمل لا من السلب والترك.

ثالوث التأخر ومناهضته

(الغرور) و(العنف) و(عدم منطق اليوم) هذه الثلاثة من أبرز ما سبب سقوط بعض الحركات الاسلامية، وقد قرر الإسلام خلاف الثلاثة.

قال سبحانه: ( ولا يغرنكم بالله الغرور)

وقال سبحانه: ( ادخلوا في السلم كافة).

وقال سبحانه: ( ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه).

إن الغرور بقوة الإسلام الذاتية، أو سوابقه المشرقة، أو نهج تطبيقه وسيطرته في العالم القديم، وكذلك العنف في تطبيقه والعنف النفسي في لزوم ابادة كل ما يخالفه، واتهام كل من لا يرى رأيه ــ ولو كانت تلك المخالفة عن بساطة وجهالة ــ وعدم مواكبة منطق اليوم وإنما منطق العالم القديم، كل هذه الثلاثة سبب سقوط بعض الحركات الإسلامية، وأخذ الناس نظرة سيئة عن الإسلام.

إن الغرور بان البلاد لنا.وإن الكفر زاهق لا محالة، وإن الإنحرافات تيارات وعواصف تهب وتخمد.وإن قوة الإسلام كافية في إزالة كل الملابسات، خلاف منطق الإسلام والقرآن وسيرة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال تعالى: (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة) وكان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يهدأ ليل نهار، يخطط، ويتشاورويعمل، نعم صحيح أن البلاد لنا وغيره لكن ذلك لا يبرر عدم العمل، فإن عدم العمل غرور وموجب للتأخر..

والعنف ثاني أسباب التأخر فإن بعض المسلمين حيث يعرفون أن الحق معهم، وأن من يحاددهم معـــاند مغتصب، تأخذه الغضبة على غير المسلم إذا تجاوز الحق، وعلى المسلم المنحرف لانه منحرف، وغضبته المنتهية إلى سوء تصرفه أكبر أداة لهدم بنائه، وخير مساعدة لمن يحاربه وينحرف عن الطريق المستقيم.

واليوم له منطق جديد في مختلف شؤون الحياة وإذا لم يعرف المسلم هذا المنطق، واستعمل المنطق القديم، كان لا بد وأن ينساب الناس إلى من يعرف المنطق الحديث، مثلاً إن الناس سابقاً كانوا يتحرون الحق والحقيقة، وكان ذلك هو المحور لتمايل الناس ولذا كان المسلم يتكلم مع الناس بهذا المنطق فإذا غلب عليهم كان بيده مفتاح النجاح، أما اليوم فالمنطق الذي يميل إليه الناس هو(التقدم والإقتصاد وتأمين السلام والرفاه» وما عليك بعد أن تغلبب عليهم في أن مبدأك يوفر تلك، أن يكون معك الحق أم لا؟

والجبهات المعادية للإسلام مبدؤهم هذا المبدأ، بينما يكذبون، والمسلم ــ كثيراً ما ــ لا يعرف هذا المنطق حتى بمقدار أن يلوح به، أو يبين الخطوط العملية له، ولذا ينفض الناس من حوله.

العامل الكامل

هناك مسلمون سلموا أنفسهم للتيار الهائل من الفساد والالحاد، فانصرفوا عن العمل للاسلام، وهنالك مسلمون عاملون لم يلقوا السلاح بل إنما بقوافي عمل قليل وهم على درجات مختلفة، فمنهم انصاف عامل، ومنهم ارباع عامل إلى أن يصل إلى جزء من مائة جزء من العامل، وهكذا تصاعداًوتنازلاً، والواجب على هؤلاء ــ حيث فيهم جذوة الحركة وإن قلبهم بعد عامر بشىء من الاسلام التطبيقي ــ أن يربوا أنفسهم لاقتحام المراتب العليا، حتى يوصلوا أنفسهم إلى مرتبة(عامل كامل) وحين يتوفر في المسلمين عدد كاف من هكذا عاملين، كان قيام الاسلام منتظرا.

اما هي ميزة(العامل الكامل) فهو الذي يطبق كل آيات القرآن الحكيم التي منها: (جاهدوا بأموالكم وأنفسكم).

ومنها: ( قل إن كان آبائكم وأبنائكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم، وأموال اقترفتموها، وتجارة تخشون كسادها، ومساكن ترضونها، احب إليكم من الله ورسوله، وجهاد في سبيله فتربصوا، حتى يأتي الله بأمره، والله لا يهدي القوم الفاسقين).

التضحية بكل شيء

التضحية معناها أن يستعد الإنسان لأن يعمل للوصول إلى الهدف، سواء كان بذلاً للمال أو تفكيراً في الامر، أو تركاً للمنصب أو عملاًجسدياً، أو بذلاً للنفس، أو غير ذلك وكثيراً ما تكون التضحية بغير بذل النفس، والمسلمون اليوم يحتاجون إلى التضحية بكل شيء.

ثم التضحية تحتاج إلى التخطيط الواسع ذي الجوانب المتعددة، الجانب المالي، والجانب السياسي، والجانب الإعلامي، والجانب الدبلوماسي..

إن كثيراًمن المسلمين اليوم مستعدون لأن يضحوا بأنفسهم، ولكن لا قيمة لذلك، ما دام لا تتوفر سائر الجوانب، وانقاذ الإسلام والمسلمين من الإستعمار العسكري والفكري والإقتصادي إنماا يمكن إذا وجد هناك مفكرون مخططون منفذون لمختلف جوانب التقدم التضحوي.

سعة الصدر

من أهم ما يلزم أن يتصف به القادة الإسلاميون سعة الصدر، فإن القادة يريدون توجيه الناس إلى الإسلام عبر أنفسهم، لأنهم هم الحاملون للإسلام، والناس يجلبهم القائد أكثر مما يجلبهم المبدأ، ويرون المبدأ عبر القائد، فإذا اتسعت صدور القادة لمختلف المشاكل الواردة، راى الناس الإسلام السمح الذي يمكن الإستظلال بظله، وإن كان العكس ينفر الناس من الإسلام وبذلك تسقط حركةالقادة، وينفض الناس من حول الإسلام، بما يتحمل وزره القائد الضيق الصدر، ولا يراد بسعةالصدر، العطاء فقط، كما ربما يفسر بذلك، بل تحمل المشاكل بصدر رحب، والعمل في كل مقام حسب ما تتطلب القيادة، من عفو وإغماض وإصلاح وبذل وتأليف بين الناس وحب وحلم ومرونة وما أشبه ذلك.

ويجب على القائد أن يسكب هذه الصفات في المنظمات التابعة سكباً عملياً أكثر من الواعظ والإرشاد فإن للعمل معنى ليس في التذكير فقط، ولذا ورد في الحديث: (كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم).

الطريق إلى المتنفذين

المتنفذون مالياً وإدارياً وعلمياً ومن أشبههم هم قمة الإجتماعات ومصدر الهام العامة، لذا يجب علىالعاملين في الحقول الإسلامية، أن يجدوا الطريق إلى هؤلاء، ليستميلوهم إ‘لى الإسلام التطبيقي وحينذاك ينقاد العامة تلقائياً للإسلام، كما أن من الضروري الإهتمام بتربية أولاد المتنفذين (تربية إسلامية صالحة) حتى إذا وصل إليهم الدور يكونون أجهزة إسلاميةويُصلحون، وربما يكون التعب لهداية متنفذ أو ولده، يثمر أكثر من ثمار ألف مثل ذلك التعب لإنسان عادي.

ثم إن بعض المتنفذين ــ خصوصاً إذا كانت لهم سلطة رفيعة ــ لا يمكن توجيههم إلا بالإحتواء، والوصول إليهم بطرق من الخدمة كأن يصبح الإنسان المركز، طبيباً لهم أو زارعاً في حديقتهم، أو نديماً مشاوراً، أو ما أشبه ذلك، وقد اتخذ اهل الصلاح هذه الطريقة في كثير من المناسبات، فوصلوا إلى ما تصبوا إليه نفوسهم من الإصلاح، كما أنه ربما يكون الطريق إلى المتنفذ بواسطة أقربائه أو ذويه أو أصحابه، أو بواسطة الازمات التي يمر بها، واللازم على الجهات العاملة إغتنام أمثال هذه الفرص، ولربما ساعدوا عشرة في أزماتهم، فنفعهم أحد أولئك لانه هو الوحيد الظافر الخارج من أزمته بسلام، ومن الطرق إلى المتنفذين إحاطتهم بحيث لم يجدوا ملجأ من الإنصياع إلى الخدمات الإسلامية.

مثلاً: إذا كان كاتب الثري وزميله وشريكه ومهندسه وولده كلهم في اتجاه واحد لا بد وأن ينصاع إلى ذلك الإتجاه، وإن كان كارهاً له في نفسه.

الترغيب بالجنة والترهيب بالنار

الناس لا يعملون إلا ترغيباً وترهيباً، ولذا قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في أول يوم دعى الناس إلىالإسلام(تكونون ملوكاً في دنياكم وتذهبون إلى الجنة في آخرتكم) والجنة والنارــ بعد التبشير بالدنيا المرهفة ــ من أقوى وسائل الحركة، فاللازم على القادة الإسلاميين أن يركزوا على هذه الجهة، حتى يكون العاملون (هم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون وهم والنار كمن رآها فيها معذبون).

والتذكير بالجنة والنار، يكون بالتحريض لقراءة القرآن وتفهمه، كما يكون بالكتب المعنية بهذا لاشأن النشرات والمجالس وغيرها.

تطويق فئات التخريب

هناك في مختلف البلدان الإسلامية، وبعض البلدان غير الإسلامية، فئات نذرت نفسها للتخريب والهدم، أمثال البهائية والصهيونية والصليبية والشيوعية وما أشبه، وهذه بحكم طبعها التخريبي، وعمالتها للقوى الكبرى، تستمر في الهدم وتطويق الحركات الإسلامية لخنقها وبعثرتها، فاللازم علىالمسلمين أن يعاملوهم بالمثل، الهدم والتطويق لهم، وذلك بأن يدخلوا في داخلها للتفريق بينها وبث بذور الشـــقاق بين أعضائها، والإطلاع على نقاط القوة والضعف فيها، ثم تطويقها وتعميق الهوة بينها وبين مراكز إمدادها، وخلق أعداء لها، حتى تتجمد عن الفعالية، وأخيراً تتبعثر وتتلاشى، مثلاً: يغري أناساً من اليهود، ليدخلوا في المنظمات الصهيونية بقصد التخريب، والإطلاع على مراكزهم ونوعية نشاطهم، فإذا اطلعوا أن في حكومة صهيونية لها منظمة سعوا للوقيعة بين تلك الحكومة وبين المنظمة، أو إذا عرفوا أن التاجر الفلاني يمدهم بالمال أو الصحفي الفلاني يمدهم بالمعلومات، عملوا لأجل الفرقة بين الثري والصحفي وبين المنظمة الصهيونية، وكذلك يعملون لأجل تطويقهم وإيقاف نشاطهم التوسعي بتحذير شباب اليهود مــن الدخول في مثل هـــذه المنظمات، وتخويف الحكومات الموالية لهم من مغبّة إيوائهم وإمدادهم، إلى غيرها من الأساليب المعروفة لهدمهم وتطويقهم.

قال تعالى: ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم).

ربط الجهات العاملة

في العالم الإسلامي وغير الإسلامي اليوم جهات عاملة كثيرة، باسم منظمات أو أحزاب أو أفراد عاملة أو باسم الحوازات العلمية أو ما أشبه ذلك، وانقطاع هذه الجهات بعضها عن بعض من اكبر أسباب تأخر العالم الاسلامي، بل تأخرها هي بنفسها فمن الضروري على الواعين، سواء في داخل هذه الجهات أو خارجها، أن يهتموا لربط هذه الجهات بعضها ببعض، في وحدات متناسبة متناسقة، بغية حصول التعاون لتقدم الإسلام، وتوحيد الصفوف لأجل الحيلولة دون تقدم المبادئ والافكار الوافدة، والفساد والإلحاد، والصيغة المشتركة يجب أن تطرح أولاً، ثم يدعى إليها الفرقاء المعنيون، وهكذا ـ وبعد مدة ـ يلمس العاملون، توحيداً في كثير من الجهات، مما يعود على الإسلام والمسلمين بأكبر قدر من الفائدة، ثم يجب أن تعلم الجهات العاملة أن الصبر على التناقضات التي بينها أسهل من الصبر على تناقض الأعداء معها، فإن الجهات العاملة إنما تناقض بعضها البعض في الفروع والجزئيات، أما المناقضة مع الاعداء ففي الأصول والجذور.

التلاحم

التلاحم الفكري والعملي بين أفراد الجبهات العاملة من أهم الأمور الموجبة لتقدم الحركة إلى الأمام، فإن الحركة حالها حال الصخرة الكبيرة الثقيلة، إن تظافرت الأيدي عليها أمكن رفعها، وإلا بقيت على حالها.

والتلاحم يكون بأن يجتمع الكل حول الفكرة، وأن يعمل الكل بنسق واحد لتقديم الحركة، ولا يمكن التلاحم إلا بالإجتماعات المتكررة المستمرة، وسيادة روح الصفاء والأخوة والإندفاع علىالكل، واللازم أن تكون الإجتماعات منهجية، بمعنى أن يبدأ الإجتماع المتأخر، من حيث انتهى الإجتماع المتقدم، لا اجتماعات فوضوية، ويتكلم فيها عن كل شيء، ويفكر في كل شيء، من غير مراعاة الأول والاخر، والمرتبط وغير المرتبط، ثم يقوم الكل ولا يعلم أحدهم ماذا يعمل هو وماذا يعمل صديقه؟

ومن الأمور المهمة التلاحم، أن توزع الأعمال ويقوم كل واحد بقسط عمله، وإلا فالعامل منهم يبرد، ويفكر في نفسه لماذا أعمل أنا وحدي؟

كما أن من الأمور المهمة في التلاحم أن تعالج الأخطاء بروح الإخاء، لا أن تبقى الاخطاء لاحتشام بعضهم عن بعض، فإن ذلك يوجب ابتعاد البعض عن الآخر، وتنفك الجبهة أخيراً.

 

1 ـ يك زمان غافل شدم صد سال راهم دورشد قطره درمان خطا بنجاه سالُ كور شد