الفهرس

فهرس القسم الأول

المؤلفات

الحقوق والقانون

الصفحة الرئيسية

 

المقدم روح القانون بشروطه

مسألة: لو اختلف روح القانون ومغزاه الذي وضع القانون لأجله، مع مادة القانون وجسمه، فأيهما يكون المقدم؟

وذلك كما إذا ترافع اثنان عند الحاكم في زوجة، وكان لأحدهما شاهدان والآخر ليس له شاهد ولا يحلف، ولكن الحاكم علم بطريقةٍ مّا كذب المدعي وإن الشاهدين قد أغفلا، فهل يحكم حسب البينة التي هي جسم القانون وقد قال(ص): (إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان)(1) أو حسب علمه الذي هو روح القانون حيث إن القانون وضع لأجل إرجاع الحق لأهله، وقد قال سبحانه على لسان نبيه: (وأمرت لأعدل بينكم)(2) فإن العدل إرجاع زوجة الناس إليهم؟

احتمالان، كما سبق الالماع إليه في بعض المسائل السابقة:

الأول: من أنه إذا أخذ بروح القانون لم يكن ضابط لذلك، وبطلت الموازين القضائية، لأن طرق تحصيل العلم للناس وخصوصيات القضاة في سرعة العلم وبطئه مختلفة، كما ذكروه في باب القطع.

والثاني: من أن القانون وضع للعدالة فكيف يكون سبباً للظلم؟

هذا ولا يبعد لزوم العمل بروح القانون، لكن اللازم فيه محاولة كشف الحق حتى يوافق جسم القانون مع الواقع، فإذا لم تنتج المحاولة كشفاً، عمل القاضي بالاحتياط أو التصالح أو ما أشبه ذلك، فإن محذور الهرج والفوضى في القضاء كبير جداً، وفي قضاء أمير المؤمنين علي (عليه الصلاة والسلام) شواهد لمحاولة الكشف عن الواقع(3) كما أن القضاة الأذكياء أيضاً كذلك.

من قضاء الفقيه الشفتي (ره):

ان حجة الإسلام الشفتي(ره) كان أحد كبار العلماء في إصفهان وكان الناس يترافعون إليه في خصوماتهم، فجاءت إليه امرأة وقالت: إن جاري غصب حديقتي وهو متنفذ وليس لي أي دليل من بينة أو ورقة أو ما أشبه، فإن تمكنت من الأخذ بحقي وإلا بقي حقي إلى الآخرة.

فقال لها الشفتي (ره) وقد علم صدقها من القرائن: لا بأس.

ثم استدعى طرفها، فأخرج الشخص أوراقاً فيها عدة شهادات من الوجهاء بأن البستان له، ثم اشتغل حجة الإسلام بعدة قضايا أُخر حضر أصحابها في مجلسه، ثم التفت إلى المدعى عليه وسأله مبتدراً: هل ورثت البستان؟

قال: لا.

وبعد مدة سأله هل اشتريته؟

قال: لا.

وبعد ساعة سأله: هل أحدثت البستان بنفسك؟

قال: لا.

وهكذا وفي غفلة منه سأله حجة الإسلام عن كل أسباب الملك، وهو في حال غفلته عن قصد حجة الإسلام كان يجيب بالنفي، وأخيراً قال له حجة الإسلام: فمن أين لك هذا البستان وأنت تعترف بأنه لا سبب لملكك له فتحير المدعى عليه، الذي غصب البستان وأجاب: بأنه سقط لي من السماء، فأبطل حجة الإسلام أوراقه وسلم البستان إلى المرأة مالكته.

ومن راجع قضايا القضاة يرى فيها كثيراً من هذه الأشباه والنظائر، والله العالم المستعان.

الآمر والمأمور إذا اختلفا

مسألة: لو اختلف حكم الآمر مع ما يراه المأمور من الدليل العقلي أو الحكم الشرعي، فما هو الحكم؟

مثلاً: إذا أمر ضابط الجيش ـ فيما لو كان واجب الإطاعة شرعاً لأنه كان مثلاً منصوباً من قبل شورى المرجعية ـ برمي شخص يراه عدواً، بينما رأى المأمور أنه ليس بعدو موضوعاً، أو ليس مهدور الدم حكماً، أتى هنا المحذور السابق الذي ذكرناه في التعارض بين روح القانون وجسم القانون، لأنه من طرف مأمور بإطاعة القائد وإلا لزم الفوضى، ومن جانب آخر يرى أمره مخالفاً للشرع أو العقل، وهو حرام، فكيف يفعل؟

والجواب: انه يجب هنا أيضاً محاولة التوفيق بينهما، فإن لم يتمكن وكان قد علم باشتباه القائد، وجب عليه إطاعة الله أو العقل، فإنه (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)(4) وما حكم به العقل حكم به الشرع أيضاً، فلا يحق له رميه.

ويذكر في قصة روتها العامة: إن بعض رؤساء الجيش ممن جعلهم النبي (ص) آمراً وقائداً، أجج ناراً وأمر أصحابه أن يدخلوها، فلم يدخلوها، فلما سمع النبي (ص) ذلك قال: لو دخلوها بقوا في النار إلى الأبد(5)، فإن صحت القصة، فهي كناية عن أن إطاعة الآمر في معصية الخالق هي نار، ويخلد المأمور الذي أطاعه فيها إلى الأبد.

نعم لو لم يكن المأمور قاطعاً بخطأ الآمر موضوعاً أو حكماً، وإنما كان بينهم اختلاف الاجتهاد كان اللازم على المأمور الاتباع لأنه الأصل ما لم يقطع بخلافه والمفروض أنه لا قطع هنا في الخلاف.

الجزاء على الشرع أو العقل؟

مسألة: من اليقين أن الشرع لم يدع كبيرة ولا صغيرة إلا بين حكمها بالخصوصية أو بالقواعد العامة، لكن ربما لا يصل الحكم إلى الشخص من باب القصور لا التقصير، وفي هذا المورد لو خالف المكلف الحكم العقلي، وتبين بعد ذلك، انه بمخالفته للحكم العقلي كان قد خالف الشرع أيضاً فهل يعاقب أم لا؟

في القوانين العالمية الاعتبار بالقانون الموجود، سواء وصل الشخص أم لم يصله، فلا عقوبة لمن خالف العقل إذا لم يوجد قانون يوافقه يقول بكونه جرماً.

ولعل الشرع كذلك أيضاً فيما لم يوجد قانون، أو وجد ولم يصل إلى المكلف قصوراً، حيث قال سبحانه: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً)(6) ، وإلى غير ذلك من أدلة البراءة العقلية والشرعية.

لكن بعض الدول يأخذون من خالف عقله، ويحاسبونه حساب المجرمين، حتى وان لم يوجد قانون ينصّ على كونه مجرماً، وقد حاكموا رؤساء الحزب النازي الذين لم يخالفوا قانون دولتهم، وانما خالفوا عقلهم في جناياتهم تحت لواء هتلر(7) في الحرب العالمية الثانية(8).

وقد انتقد البعض هذه المحاكمات وقال بأنهم ليسوا مجرمي حرب، بل هم أناس شرفاء حيث أطاعوا أمر القيادة وإنما القائد هو المنحرف والمجرم!

وعلى أي: فالظاهر أن القانون الإسلامي إذا لم يصل لا بتقصير المكلف بل قصوراً لم يكن عقاب، قال سبحانه: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً)(9).

فإنهم إذا خالفوا الأحكام العقلية ثم خالفوا الأوامر الشرعية التي جاءت على وفقها، فقد استحقوا العقاب، وأما صرف مخالفتهم للأحكام العقلية فلم يوجب عقاب الله سبحانه وتعالى، فتأمل.

لا عقاب للجاهل القاصر

مسألة: الجاهل القاصر لا يعاقب بالحدود ونحوها سواء كان قصوره في أحكام المرور أم في غيره، لا في الدنيا ولا في الآخرة بلا إشكال، نعم عليه الأحكام الوضعية، فلو خالف قصوراً أحد قوانين المرور، وأدى إلى كسر يد شخص أو رجله، أو أن شخصاً أجنب بدون علمه بأن الجنابة توجب الغسل، أو أتلف مال الناس كذلك، أو تنجست يده، فإن عليه الدية وأحكام الجنب والضمان والطهارة، وهكذا.

هذا في الجاهل القاصر، أما في الجاهل المقصر من حيث عقوبات الآخرة، فيستحق العقاب فيها لما ورد من قوله (هلا تعلمت؟)(10) كما أن عليه الأحكام الوضعية في الدنيا من ضمان وغيره أيضاً.

وأما من حيث عقوبات الدنيا مثل حد الزنا وشرب الخمر والسرقة وما أشبه ذلك، فهل تثبت في حقه أم لا؟

احتمالان:

الأول: العدم، لأن بعض الآيات والروايات تدل على العدم ـ وإنما عليه التعزير فقط لعدم تعلمه ما وجب عليه شرعاً ـ مثل قوله سبحانه: (وذروا ما بقي من الربا)(11) فإنه لا شيء عليه وإن كان مقصراً في عدم التعلم، ولقوله (عليه السلام) فيمن شرب الخمر: إن قرئت عليه آية الخمر وفسرت له(12)، ولإطلاق دليل الرفع.

الثاني: الإثبات، لأن بعض الأدلة الأخرى يدل على الثبوت، مثل إطلاق : (الزانية والزاني)(13) و(والسارق والسارقة)(14) وسائر الآيات والروايات المثبتة للعقوبات، فإن الخارج منها هو القاصر أما غيره فلا دليل على الخروج.

ويؤيده صحيح الكناسي عن الصادق (ع) في التزويج في العدة(15) وإن كان يقابله قوله (ع) بأي الجهالتين أعذر(16).

ولو فرض الشك لم يجر الحد، إذ الحدود تدرأ بالشبهات، وهذا من شبهة الحاكم في الحكم، فإن هذا الحديث يشمل الشبهة في الحكم وفي الموضوع، للفاعل وللشاهد وللحاكم، نعم القوانين العالمية لا تفرق بين العالم والجاهل، والقاصر والمقصر، مع أن شمولها للجاهل القاصر خلاف العقل، أما للجاهل المقصر فلا يبعد أن العقلاء يرون عدم المنع عن عقوبته.

الميزان في القاصر والمقصر

مسألة: ما هو ميزان القصور والتقصير؟

الظاهر أنه العرف، وذلك على حسب أسلوب تعامل الرسول (ص) والإمام أمير المؤمنين علي (ع) مع الناس، فإنهم كانوا يعاملونهم عرفياً لا دقياً، فإن الناس في زمانهم كانوا مثل الناس في زماننا، يحضرون مجالس الوعظ ويستفيدون الأحكام تدريجياً، فإذا كان الجاهل من هذا القبيل كان قاصراً وإلا كان مقصراً كمن يفر عن تعلم المسائل وحضور المجالس والسؤال عن الأحكام.

ولو شك في أنه قاصر أو مقصر وقلنا بعقوبة المقصر فالحدود تدرأ بالشبهات.

ملاك معرفة القاصر من المقصر

مسألة: ما هو ملاك معرفة القاصر من المقصر؟ ومن أين نعلم أن الجاني الجاهل قاصر أو مقصر في جهله؟

الظاهر أنه إن كانت القرائن تدل على أحدهما فهو، وإلا كان الجاني نفسه هو المرجع، لأنه لا يعرف إلا من قبله، وقد ذكروا أن ما لا يعرف إلا من قبله، فإن قوله حجة فيه، نعم لو توفرت القرائن على أحد الجانبين، فإنه يعمل على طبقها إذا أوجبت الاطمئنان ـ كما هو واضح ـ وإلا فـ(إن الظن لا يغني من الحق شيئاً)(17).

إذا لم يجد القاضي حكم الجريمة

مسألة: إذا لم يجد القاضي حكم الجريمة أو حكم الدعوى مدوناً في الفقه، ولم يقدر على استنباط حكمه من الأدلة الشرعية، أو كان النص مجملاً، أو متعارضاً، أو كان للقاضي محذور في فصل الدعوى من جهة قرابة أو صداقة أو ما أشبه ذلك، فإذا كان هناك قاض آخر حق له أن لا يحكم، إذ كونه جامعاً للشرائط ليس معناه أنه واجب تعييني عليه.

وأما إذا لم يكن قاض آخر وأمكن تأخير الدعوى أو تعليق حكم الجريمة إلى توفر قاض ثان، أو حل مشكلة نفس هذا القاضي الذي ترافعوا إليه، حق له التأخير أيضاً، وأما إذا لم يكن ذلك ولا ذاك فاللازم أن يحاول فهم حكم الدعوى والفصل بين المترافعين، أو فهم حكم الجريمة وتنفيذ القضاء فيها.

وأما إذا لم يتمكن أخيراً من التوصل إلى الحكم فاللازم علاج المشكلة في الدعوى بصلح ونحوه، وفي حكم الجريمة بالاقتصار على القدر المتيقن إن كان، وإلا فلا عقوبة لأن الحدود تدرأ بالشبهات.

وما ذكرناه هو مقتضى الأدلة الشرعية والحكم العقلي.

مثلاً: إذا ادعى اثنان زوجية امرأة وكان لكل شاهدان، أو حلف كل واحد منهما، أو لم يكن لهما لا شاهد ولا حلف، وشك القاضي في أنه هل يكون الحكم بالقرعة، أو جبرهما على الطلاق، أو جبر أحدهما؟ فإنه يعمل كما ذكرناه.

وفي مورد الصلح كما إذا كانت دار مورد النزاع، وأمكن الإصلاح بينهما بالمهاياة لكل واحد مدة، أو بيعها وتقسيم الثمن بينهما، أو جمعهما على الاشتراك في الاستفادة منها ونحوها، فعل ذلك.

ومن ذلك يظهر حكم ما لو اختلف الفقهاء في مسألة، ولم يتمكن القاضي الذي رفعت له الدعوى من البتّ فيها، وذلك كما إذا باعه فرساً من فرسين لا على نحو الاشتراك، مع أن الفرسين كانا مشتركين في الملكية لشخصين، كما لو مات صاحب الفرسين وكان له ولدان فورثا الفرسين، فانهما يشتركان فيهما، لا أن لكل واحد فرساً خاصاً من الفرس الأحمر والأبيض، ورأى القاضي اختلاف الفقهاء في صحة مثل هذا البيع، حيث قال أحدهما بالصحة والآخر بالبطلان، فإنه لا يتمكن من البت في الحكم حتى يقضي بينهما بما يرى، خصوصاً إذا كان المتنازعان مجتهدين أو مقلدين لمختلفي النظر، أحدهما يرى البطلان لأنه من بيع المبهم، والآخر يرى الصحة لأن المبهم لا مانع من بيعه، مما قد ذكرنا تفصيله في كتاب «الفقه: البيع».

استحقاق العقوبة وملاكها

مسألة: لا يشترط في استحقاق العقوبة مطلقاً سواء في جرائم المرور أم في غيره، علم المجرم بوجود العقوبة أو أن عقوبته كذا، بل يكفي علمه بأن الشيء الفلاني محرم، لأن علمه بأنه محرم بيان، فإذا علم بأن قتل البريء حرام ولم يعلم هل له عقوبة أم لا، أو علم أن له عقوبة لكن لم يعلم هل أن عقوبته القصاص أو الدية؟ أو علم أنها الدية، لكن لم يعلم قدر الدية؟ استحق العقوبة لإطلاق الأدلة وعدم وجود محذور شرعي أو عرفي أو عقلي من هذه الجهالات.

فاحتمال أنه لا يثبت الحد إلا إذا علم المجرم كل الخصوصيات غير تام، وإن ذكره بعض المقننين الغربيين مستدلين عليه: بأن المجرم يجب أن يوازن بين منافع الجريمة ومضار العقوبة ثم يقدم على الجريمة، وفي صورة علمه بالخصوصيات يستحق العقوبة، أما إذا لم يكن العقاب واضحاً لديه لم تكن هناك لديه موازنة، فيكون حاله حال الجاهل المطلق الذي لا عقوبة عليه.

وفيه: بالإضافة إلى ما ذكرناه من إطلاق الأدلة، وعدم كون هذا من الشبهة الدارئة للحد، أنه من أين هذا الشرط؟ أي: اشتراط العقوبة بالموازنة في نفس المجرم.

ومما ذكرناه يعرف: أنه لو كان المجرم جاهلاً بالخصوصيات لكنه كان عالماً بأصل التحريم، استحق العقوبة، وأجريت عليه، حتى وإن كان في تصوره ـ مثلاً ـ أن حد الخمر خمسين سوطاً، أو أن عقوبتها غرامة مائة دينار فقط، فإنه يعاقب على شربها، عقوبة كاملة بإجراء الحد عليه، وإن لم يكن عالماً بخصوصية العقوبة ودقائقها.

لو تعددت خصال العقوبة

مسألة: ثم الظاهر أن العقوبة إذا كانت خصالاً متعددة، كان المستحق للعقوبة مخيراً في الشرع بينها، فإذا اختار هو ونحوه أحدها، لم يحق للقاضي تعيين غير مختاره.

مثلاً: إذا كانت دية قتل الخطأ أحد أشياء ستة، واختار القاتل الحُلة في شبه العمد، أو اختارت عاقلته إياها في الخطأ المحض، لم يكن للقاضي جبره بغير ما اختار لوضوح أن الشارع خيّره، فمن أين للقاضي إسقاط تخييره؟

نعم إذا رأى القاضي صلاحاً من باب (الأهم والمهم) وما أشبه حق له، لكن هذا ليس باختيار القاضي، وإنما هو من إجبار الشارع للمجرم بالدليل الثانوي.

ولذا ينقل عن المحقق القمي(ره) أنه أفتى للسلطان فتح علي شاه القاجار بلزوم كفارة صيام ستين يوماً، حيث أنه كان قد أفطر يوماً عمداً في شهر رمضان، ولم يقبل منه المحقق (ره) عتق العبد أو الإطعام، قال المحقق لبعض خواصه: إن الشاه سهل عليه العتق أو الإطعام، فيمكن أن يستهين بالإفطار في شهر رمضان، ولذا أمرته بصيام ستين يوماً حتى لا يقدم على مثل هذا بعد ذلك أبداً.

نعم فيما جعل الشارع اختياره بيد القاضي، فإنه ليس للمجرم تعيين أحدها، وذلك كما إذا خيّره الشارع في التعزير بين سوط وعشرة سياط، واختار القاضي أن يضرب خمسة مثلاً، فإنه ليس للمجرم دفعه واختيار ثلاثة مثلاً.

ثم لو اختلفت العاقلة في دية الشاة أو الإبل مثلاً، فإنه لا يحق لها التبعيض، لأن الشارع جعل للولي أحد الستة، لا المركب من اثنين أو أكثر، وهنا يكون الحكم مع القرعة هل الشاة أو الإبل، أو اتباع الأكثرية من العاقلة، أو يفصل الأمر القاضي؟ ولعل هذا أقرب الثلاثة.

اختلاف القانون باختلاف المصالح

مسألة: يحق لمن بيده صياغة القانون ويملك تأطيره حسب استنباطه من الأدلة الأربعة أن يصوغ القانون مختلفاً، حسب اختلاف المصالح العامة، فلو كانت المصلحة العامة في بغداد ـ مثلاً ـ تقتضي جعل الوقوف في قانون المرور، عند الإشارة الحمراء، وفي البصرة عند الإشارة الخضراء، كان له ذلك، لكن إذا لم يكن هنا اختلاف مصلحة بين بغداد والبصرة، فالظاهر أنه ليس له ذلك لأنه يوجب الاضطراب والفوضى، والضرر والإضرار.

مثلاً: إذا جاء البصري إلى بغداد وكانت إشارة الوقوف فيه مختلفة عن البصرة، أخطأ، وبالعكس إذا ذهب البغدادي إلى البصرة، وربما سبب ذلك تلف النفوس وفساد الأموال.

وعلى هذا: فالاختيار بيده إذا لم يكن الاختلاف موجباً للضرر ونحوه، وقد تقرر في كتب الفقه والأصول أن احتمال الضرر العقلائي ولو واحداً في مائة يجب اجتنابه(18)، ولذا لا يستعد العقلاء لشرب إناء من مائة إناء أحدها مسموم مع أن الاحتمال واحد في المائة، فتأمل.

تفسير القانون

مسألة: تفسير القانون الذي أكثر علماء الحقوق البحث حوله في القوانين الغربية، ليس عندنا منه عين ولا أثر، وذلك لأن الفقيه هو المستنبط للأحكام من الأدلة الأربعة المعتمدة عند الشارع، فإذا فرض إجمال ما ذكره الفقيه من الأحكام، أو تعارض حكم في مكان وحكم في مكان آخر، وشك في أن المصداق الفلاني مصداق لحكمه هذا أو حكمه ذاك، كما إذا لم يعلم أن قوله: الماء المطلق مطهر، بأن الماء الزاجي أو الكبريتي هل هو مصداق للماء المطلق أو للماء المضاف؟ فاللازم مراجعة نفس الفقيه حتى يفسر ما شك فيه، لأن التفسير هنا يرجع إلى الاستنباط الذي لا يحق لغير الفقيه ذلك، إذ هو ليس من مجال تخصص غير الفقيه.

وإذا كان الاختلاف في الموضوع لا في الحكم، فالموضوع على قسمين:

1: مستنبط.

2: وصِرف.

فإذا كان من المواضيع المستنبطة يكون المرجع فيه هو الفقيه، وإذا كان من المواضيع الصرفة يكون المرجع فيه العرف، لأن الموضوع يؤخذ من العرف والحكم من الشرع على ما قرر في الأصول.

من يجري الحد؟

مسألة: لا يحق لأحد أن يجري الحد على أحد، ولا أن ينفّذ العقوبة على غيره مطلقاً، سواء كان في قضايا المرور أم في غيره، إلا القاضي نفسه، أو من يكون بأمر من القاضي، أو من أجاز له الشرع، وإذا فعل ذلك من ليس له اقتص منه.

كما لا يكفي في إجراء الحد أن يحد الإنسان نفسه، كأن يضرب نفسه بالسياط أو يسجن نفسه أو ما أشبه ذلك، لأن الأدلة حاصرة لهذا الحق في القاضي فقط.

نعم في المثال الثاني لو قال له القاضي: اسجن نفسك في غرفة كذا، فسجن نفسه وألقى مفتاحها إلى الخارج، حتى لا يتمكن بعد ذلك من الوصول إليه ـ مثلاً ـ صح، لإطلاق الدليل من دون وجود انصراف.

النسبة بين العقوبة والردع

مسألة: لا يخفى أن ما ذكر في حكمة العقوبة من كونها لردع المجرم عن الجرم ليس على نحو الكلية، إذ بينهما عموم من وجه حيث يفترقان في مادتين، ويجتمعان في مادة واحدة.

مثلاً: إذا اقتص من إنسان وقتل عقوبة، لا يكون القتل هذا رادعاً لنفسه، لانتفاء الموضوع، نعم يكون ردعاً للآخرين.

كما إن من ينفّذ عليه عقوبة غير القتل في السر خفية، لملاحظة أمر ـ إذ في غير ما نص على الإظهار حيث قال سبحانه: (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين)(19) لا يجب الإظهار ـ يكون بخلاف عقوبة القتل رادعاً لنفسه، ولا يكون ردعاً للآخرين.

وربما يجتمعان كعقوبة غير القتل علناً.

جرائم لا عقوبة لها في الدنيا

مسألة: ثم إن هناك بعض الجرائم التي يعاقب الله تعالى مرتكبها في الآخرة، لا عقوبة لها في الدنيا وإن كان بالإمكان وضع العقوبة لها، لكن الشرع وكذلك العقلاء لم يجعلوها، وذلك مثل قتل الإنسان نفسه، فإنه حرام مؤكد قد توعّد الله عليه النار في الآخرة.

قال الله سبحانه: (ولا تقتلوا أنفسكم)(20).

وقال تعالى أيضاً: (ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً)(21).

لكن بعد القتل لا يعاقب المقتول بحرق أو تمثيل أو ما أشبه وإن أمكن، بل بعض المنحرفين من الحكام كان يعاقب القتيل أيضاً بحرقه أو مثلته أو بتركه حتى ينتن أو ما أشبه ذلك(22)، مع أن الإسلام قد نهى عن ذلك بشدة، حيث قال أمير المؤمنين (ع) في وصيته، نقلاً عن رسول الله (ص) كما في نهج البلاغة: «إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور»(23).

من هو المفسر للقانون؟

مسألة: لا يصح للقاضي غير الفقيه ـ الذي يجب عليه أن يقضي وفق فتاوى الفقيه، وإلا فلا يحق له أن يقضي بين الناس ـ تفسير قانون القضاء، سواء كان قانون جزاء أم قانون تجارة أم غيرهما، لا توسعةً، ولا تضييقاً، ولا على نحو العموم من وجه، وسواء بنفع المتهم أم بنفع المدعي أم بضررهما، وذلك لأن الإسلام حدد الأمور تحديداً دقيقاً، فالفقهاء هم الذين يدركون مفاهيم الأدلة الأربعة وانطباقها على الصغريات الخارجية.

نعم إذا كان القاضي مجتهداً فقيهاً وجامعاً للشرائط حق له التفسير حسب استنباطه.

فالاختلاف الذي حدث بين المقننين الغربيين في أن من حق القاضي ذلك، أو عدم حقه، وإذا كان له الحق فهل هو في التوسعة أو التضييق، وإذا كان جرماً فهل يأخذ جانب المتهم أو جانب الاجتماع، لا يتمشى في الأحكام الإسلامية.

 

1 ـ وسائل الشيعة: ج18 ص169 ب2 ح1. 

2 ـ سورة الشورى: 15. 

3 ـ راجع الإرشاد: ج1 ص205 وج1 ص218، والمناقب: ج2 ص380 وص368. 

4 ـ وسائل الشيعة: ج8 ص111 ب59 ح7. 

5 ـ راجع مستدرك الوسائل: ج13 ص141 ب42 ح15017. 

6 ـ سورة الإسراء: 15. 

7 ـ هتلر أدولف (1889-1945م) سياسي ألماني، ولد في النمسا، دخل الحزب العمالي الألماني 1919م، ثم أصبح زعيمه وسماه الحزب الوطني الاشتراكي أي النازي 1921م، حاول القيام بعصيان مسلح في مونيخ 1923م ففشل وسجن، وضع كتابه (كفاحي) في السجن وعرض فيه مذهبه العرقي العنصري الذي اصبح شعار النازية. صار مستشارا 1933 ثم رئيس الدولة 1934، أقام نظاما دكتاتوريا، أدت به سياسته التوسعية الظالمة إلى احتلال بلاد عديدة، أشعل الحرب العالمية الثانية 1932م، هزم وانتحر في برلين 30 نيسان 1945. 

8 ـ نشبت بين قوات المحور ألمانيا وايطاليا واليابان من جهة والحلفاء فرنسا وانكلترا والاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة والصين من جهة ثانية، من أسبابها ارهاق الاقتصاد الألماني بعد الحرب العالمية الأولى، مما أدى إلى ظهور النازية ودكتاتورية هتلر وسياسته العنصرية والعدوانية التوسعية، اشترك في الحرب 92 مليون مجند ومساعد، وكان القتلى ما يقارب أو يتجاوز 49 مليون حسب اختلاف الاحصاءات. 

9 ـ سورة الإسراء: 16. 

10 ـ راجع أمالي الشيخ المفيد: ص228. 

11 ـ سورة البقرة: 278. 

12 ـ راجع الإرشاد: ج1 ص205. 

13 ـ سورة النور: 2. 

14 ـ سورة المائدة: 38. 

15 ـ راجع مستدرك الوسائل: ج14 ص394 ب17 ح17072. 

16 ـ راجع مستدرك الوسائل: ج14 ص394 ب17 ح17072. 

17 ـ سورة يونس: 36. 

18 ـ إذا كان مما يعتني به العرف. 

19 ـ سورة النور: 2. 

20 ـ سورة النساء: 29. 

21 ـ سورة النساء: 30. 

22 ـ راجع كتاب (من قصص المستبدين) و(الصياغة الجديدة) و(تاريخ امبراطوري عثماني) للإمام المؤلف. 

23 ـ راجع مستدرك الوسائل: ج18 ص256 ب51 ح22680.