الفهرس

فهرس القسم الأول

المؤلفات

الحقوق والقانون

الصفحة الرئيسية

 

الجرائم وشكايتها إلى السلطات

مسألة: حيث إن قوانين العقوبات مطلقاً، مروراً وغيره، في بلاد الإسلام وغير الإسلام ـ في يومنا هذا ـ ليست إسلامية، فإذا أجرم المجرم إجراماً من قبيل القتل والسرقة وما أشبه ذلك، جاز بل لزم على المسلم إخبار السلطة بجنايته، حتى وإن لم تطبق تلك السلطة عليه حكم الإسلام بل تطبق عليه حكماً غير إسلامي، لكن بشرط أن يكون الجرم جرماً في نظر الإسلام، لا ما هو جرم في نظر القانون وليس جرماً في نظر الإسلام.

مثلاً: المفطر في شهر رمضان عمداً حكمه الإسلامي التعزير، لكن في بعض بلاد الإسلام حكمه السجن إلى انقضاء شهر رمضان، فإنه من الواجب على من رآه ونصحه فلم يرتدع، أن يخبر السلطة من باب النهي عن المنكر، وذلك لقانون الأهم والمهم، إذ هتك حرمة شهر رمضان وتجرّي الناس على ذلك، أهم في الحرمة من سجن المفطر.

وكذلك في قتل العمد إذا كان الحاكم فيها لا يرى القصاص، بل يسجن القاتل سنوات، فإنه يجب الإخبار، لأنه إن ترك القاتل وشأنه ارتكب قتلاً آخر، وهكذا يتجرأ غيره.

مع الجرائم القانونية:

أما ما لم يكن في نظر الإسلام جرماً بل بنظر القانون فقط، فإنه يحرم إخبار السلطة التي تعاقبه عليه بذلك لأنه من التعاون على الإثم والعدوان، وقد قال الله تعالى: (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)(1).

مثلاً: إذا دخل البلد شخص من سائر المسلمين بدون جواز وتأشيرة دخول، عده القانون جرماً، بينما هو حق طبيعي له للحرية الممنوحة له من قبل الإسلام، فإخبار السلطة بذلك مما ينجر إلى عقوبته، حرام مؤكد.

ولو سبب الإخبار ضرراً مالياً أو بدنياً للمخالف للقانون، ضمن المخبر له، لقانون (لا ضرر)، وقد ذكرنا في الأصول تفصيله وقلنا: بأن هذا القانون كما يرفع الحكم يثبت الحكم أيضاً، فإذا سجن الحاكم، المجرم القانوني بسبب إخبار مخبر عليه شهراً، مما عطل كسبه، وكان يكتسب في كل يوم ديناراً، ضمن المخبر هذا الدينار في كل يوم، فاللازم عليه أن يعطيه ثلاثين ديناراً، وإذا غرمه الحاكم عشرة دنانير ضمنه المخبر، وإذا ضربه ضرباً فيه الدية كانت الدية على المخبر، ولا ينافي ذلك كون الحاكم ضامناً أيضاً، فهو من قبيل تعدد الأيادي على المغصوب.

وهكذا فيما إذا أخبر المخبر السلطة بأن فلاناً المريض عمل كذا مما يخالف القانون، فأخرجته السلطة من المستشفى، مما سبب ضرراً عليه، أو موتاً، فإن المخبر ضامن، كما ذكرناه في الفقه، وقد قال عيسى (عليه السلام): (التارك مداواة الجريح كمن يجرحه)، فهو كمن لم يعط العطشان ماءً، أو المريض دواءً، أو الجائع طعاماً، حتى مات أو فسد عضوه، أو ما أشبه ذلك.

كما أنه يحرم على من يجري العقوبة إن كان يؤمن بالله واليوم الآخر أن يجري العقوبة على الأبرياء شرعاً، وإن كانوا مجرمين قانوناً.

أما على المجرم الحقيقي وبقدر ما قرره الإسلام فإنه يتوقف على إجازة مرجع التقليد.

المجرم ودوافعه الإجرامية

مسألة: المجرم إذا ارتكب جرماً عن علم وعمد، فإنه ينقسم إلى أقسام ثلاثة:

الجرم بلا دافع:

الأول: من أجرم بدون سبب داخلي أو محفز خارجي، وهذا هو أظهر مصاديق من يستحق العقاب.

الجرم بدافع داخلي:

الثاني: من أجرم بسبب محفز داخلي، من اختلال نفسي لا بحد الجنون، أو ضعف السيطرة على الأعصاب، أو نقص في أعضائه سبب له عقدة الحقارة، فاندفع إلى الإجرام للتخلص من تلك العقدة وما أشبه ذلك، وهذا وإن كان عقابه أخف من الأول، إلا أن الجناية حيث وقعت والجناية بنفسها تستحق العقاب كان عقابه كالسابق.

نعم في الموارد التي لم يكن العقاب محدداً في قدر خاص (كمائة جلدة) مما يسمى ذلك بالتعزير، يخفف الحاكم عنه، بينما لا يخفف في الأول، ولذا نرى في الشريعة الإسلامية بل في القوانين الوضعية أيضاً بعض التحديدات مترجرجة بين طرفين: أقل وأكثر، حيث لا أقل من قليله ولا أكثر من كثيره، ويكون ما بينهما باختيار الحاكم، سواء في الغرامة أو السجن أو التعزير أو غيرها.

كما أنه يكون من هذا القبيل ما يوجب التخفيف لأجل المرض ونحوه، ففي الخبر: انه ضرب رسول الله (ص) المريض بالعرجون بدل السياط(2)، كما أنه قد استبدل أيوب (ع) السياط بالضغث في قصته مع زوجته أيضاً(3).

وهنا يأتي سؤال وهو: إن زوجة أيوب (ع) إن كانت مستحقة للسياط، فكيف بدّلها إلى الضغث، وإن لم تكن مستحقة فكيف ضربت الضغث؟ مضافاً إلى أنه كيف يمكن أن ينذر النبي (ع) نذر معصية؟!

والجواب: ان نذره لم يكن نذر معصية بل كان صحيحاً، لأنها كانت مستحقة لذلك، حيث انها لم تعمل بما يليق بشأنها كزوجة نبي، وابنة نبي، والتخفيف إنما كان من جهة خارجية أو داخلية، ككونها بنت نبي ـ مثلاً ـ أو لحنوّها على زوجها النبي، أو ما أشبه ذلك مما ليس هنا محل تفصيله.

الجرم بدافع خارجي:

الثالث: من أجرم بسبب خارجي، كالجو الاقتصادي الضاغط بدون حد الإلجاء والاضطرار، وذلك كما إذا زنا، لأنه لا مال له حتى يتزوج، أو لأن الجو الاجتماعي قد صرفه عن الزواج، أو لأن الثقافة المنحرفة المسيطرة على الاجتماع قد صرفته إليه، أو سوء التعليم، أو سوء التربية، أو سوء العائلة، أو سوء الأصدقاء والجيران، أو لوجود المشوق والمحرض على العصيان، أو ما أشبه ذلك.

ومن المعلوم أن جرم من يزني في عائلة الزناة، أقل من جرم من يزني في عائلة أعفّاء، ولذا كان عقاب الزاني المحصن أسوأ من عقاب غير المحصن وإلى غير ذلك.

المقصود من البحث:

والمقصود من هذا البحث هو: أن الحاكم الشرعي يخفف في الأخيرين بما لا يخفف في الأول، وربما عفى إذا رأى العفو أصلح، كما عفا الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) عن سارق(4) وزان (5) ولائط(6) في أحاديث مذكورة في الوسائل وغيرها، وقبله قد عفى رسول الله (ص) عن الفارين من الزحف(7) وغيرهم ممن استحق العقاب، وذلك لقاعدة (الأهم والمهم) وما أشبه، ولهذه القاعدة وأمثالها أيضاً نرى أنه (ص) قد صلى صورة على «ابن أبُيّ» وقام على قبره(8).

القاضي والمعرفة الكاملة

مسألة: يجب على القاضي الذي يريد الحكم في مطلق المرافعات، مروراً كان أو غير مرور، معرفة الجرم والمجرم وخصوصيات الجريمة، فإذا عرف الجرم دون المجرم كما إذا رؤي قتيل ولم يعرف من قتله، أو المجرم دون الجرم كما إذا علم أن زيداً جنى جناية لكن لا يعلم ما كانت جنايته، هل قتل أو جرح، أو عرفهما ولم يعرف خصوصيات الجريمة بأن لم يعرف أنه قتل عمداً أو خطأ، فحينئذ لم يتمكن من الحكم إلا بقدر ما عرف إذا كان لذلك المقدار الذي عرفه حكم.

مثلاً: إذا عرف أنه رمى زيداً وشك في أنه أعماه فقط أو قتله، فإن نصف الدية عليه إذا كان اليقين بعمى عين واحدة، وكل الدية إذا كان قد أعمى كلتا عينيه كاملاً، إذ في الأول نصف الدية قطعي وإنما لا يعرف النصف الآخر، وفي الثاني كل الدية قطعي لكن لا يعلم هل إنه لعمي العينين أو للقتل العمدي.

وهكذا إذا علم القتل ولم يعلم أنه عمد أو شبه خطأ حيث أن القصاص يرفع لدرء الحدود بالشبهات، لكن الدية ثابتة، وحيث أن دية العمد تدفع خلال سنة، وشبه العمد تدفع خلال سنتين، ولا يعلم الضمان في سنة فإنه يؤخذ منه في سنتين، وهكذا.

ثم إنه إن كان يصح للقاضي الحكم بعلمه وعَلِم حَكَم، وإلا احتاج إلى الطرق الشرعية في الإثبات، وبدون ذلك لا يمكن من الحكم وإن علم أو ظن.

وفي مورد كفاية العلم يجب عليه التمسك بالطرق ـ الكاشفة التي تبين صحة علمه ـ القديمة أو الحديثة، ويؤيده كشف الإمام أمير المؤمنين (ع) عن جملة من القضايا بالطرق الموجبة للعلم، مثل:

قصة المنشار في الأم والمدعية للولد(9).

وقصة ثقبي الحائط في نزاع السيد وعبده(10).

وقصة اللبن في الوالدتين المتنازعتين على الولد بادعائهما له دون البنت(11).

وقصة الماء الحار الذي سبّب انجماد بياض البيض في كشف كذب المرأة المدعية على الشاب البريء انه زنا بها(12).

إلى غيرها، وقد ذكرنا جملة من القصص المذكورة المنسوبة إليه (عليه السلام) في كتاب القضاء(13).

أما الكشوف الحديثة فكثيرة ويجوز الاعتماد على ما يوجب العلم منها، مثل الكشف عن بدن المجني عليه، والتطبيق بين سلاح الجاني وما ثبت في بدن المقتول، وكلاب الشرطة المدربة، وأخذ آثار الأصابع، وتحليل المني الباقي في موضع الذكر الملوط والأنثى المزني بها مع مني الجاني، إلى غير ذلك مما ذكر بكثرة في الكتب الحديثة، لكن اللازم أن لا يخرج في ذلك إلى غير الموازين الشرعية، فلا يكفي الظن والحدس وأخذ الإقرار بالإكراه وما أشبه ذلك.

نعم قد ذكرنا في الفقه: أن الأمر في باب حد الزنا واللواط والسحق بحاجة إلى أربعة عدول يشاهدون الأمر بشروط مذكورة، وإلا فالعلم لا يكفي إلا للتأديب، نعم في باب السرقة وما أشبه يكفي العلم في إرجاع حق الناس فقط دون إجراء الحد.

الجرائم من حيث الجزاء

مسألة: الجريمة التي تستحق العقاب في الشريعة الإسلامية، عبارة عن فعل محرم أو ترك واجب، سواء كان ذلك في مجال العبادة ام في مجال المرور وغيره، وهو حسب القانون الإسلامي أربعة أقسام:

الأول: ما عين له الشرع عقوبة خاصة من حد أو قصاص أو ما أشبه ذلك.

الثاني: ما عين له الشارع التعزير الذي تقديره في الأغلب إلى الحاكم الشرعي.

الثالث: ما عين له الشارع كفارة ونحوها، كالقتل(14) وإفطار شهر رمضان وحنث اليمين والعهد والنذر وما أشبه ذلك.

الرابع: ما لم يعين له الشارع أحد الثلاثة المتقدمة، وإنما بيّن أنه حرام أو أنه واجب.

وعليه: فإذا فعل الشخص الحرام أو ترك الواجب سقط عن العدالة، فلا يكون قبل التوبة ورجوع الملكة، صالحاً للقضاء أو للشهادة أو إمامة الجماعة أو مرجعية التقليد أو ما أشبه ذلك.

والمشهور بين الفقهاء أنه إن كان من الكبائر كان عليه التعزير، لكنا تأملنا في ذلك في الفقه حيث لا دليل على إطلاق مثل كلامهم، ويدل على ما ذكرناه عدم تطبيق النبي والوصي (صلوات الله عليهما) ذلك، اللهم إلا أن يقال: إن عدم التطبيق كان من باب الأهم والمهم فتأمل.

اختلاف الجزاء باختلاف الجرائم

مسألة: مما ذكرنا من الأقسام تبين أن بعض الجرائم لها عقوبة بدنية حداً أو قصاصاً أو تعزيراً، وبعض الجرائم لها عقوبة مالية كمن نكل بعبده حيث يكون عقابه عتقه، وبعض الجرائم لها عقوبة اعتبارية كالفسق الذي يوجب سقوط الفاسق عن العدالة، لكن حيث إن ضمان تطبيق القانون والتزام الناس بالمقررات، بحاجة إلى جعل عقوبات لمن تخلف عنه، جعل الشارع ذلك لحكام الشرع وقد تقدم أنه بيد شورى المراجع في الدولة الإسلامية.

مثلاً: الدولة تحتاج إلى قوانين المرور، وقوانين الشرطة، وقوانين الجيش، وقوانين الموظفين، وقوانين المعاهد العلمية، وقوانين المستشفيات والمستوصفات وما أشبه ذلك، فلشورى المراجع جعل العقوبات المناسبة للمتخلف وذلك لقانون (لا ضرر) أو قانون (الأهم والمهم) وما أشبه ذلك.

ويمكن في موظف الدولة أن يدخل عقابه تحت العقد والشرط كأن تقول الدولة للمعلم: عليك أن تحضر كل يوم من أيام التحصيل في المدرسة من ساعة كذا إلى ساعة كذا، ولك كل شهر مائة دينار، ولكن إذا خالفت يقطع من راتبك كل يوم خمسة دنانير، إلى ما أشبه ذلك.

لكن من الواضح أن العقوبة الموضوعة يجب أن لا تكون مخالفة للشرع، ولا تكون خارجة عن الإنصاف إلى حدّ الإجحاف الذي ورد في الشرع المنع عنه، بالإضافة إلى أنها ليست لها صيغة الدوام وإنما تختلف حسب نظر الفقهاء من جهة اختلاف الزمان والمكان وسائر الخصوصيات.

من شروط استحقاق الجزاء

مسألة: في استحقاق الجزاء البدني أو الحرماني أو ما أشبه ذلك اشترطوا أموراً، بينما لا يشترط في الضمانات جملة من تلك الشروط، وذلك لأن الضمان حكم وضعي والأحكام الوضعية لا يشترط فيها جملة من شروط الأحكام التكليفية، فالمشهور أنه إذا كسر إناء الغير شخص نائم أو سكران أو طفل أو مجنون أو ملجأ أو جاهل يتصور أنه إناء نفسه أو ما أشبه ذلك يكون ضامناً، بينما ليس كذلك الأحكام التكليفية.

والشروط في استحقاق الجزاء والعقوبة التي هي محل البحث أمور:

الأول: البلوغ الشرعي لا البلوغ القانوني، نعم غير البالغ يؤدب أحياناً إذا كان مميزاً، وذلك على ما ذكرناه في الفقه فيما إذا أجرم الطفل جنايات خاصة بعد تمييزه تمييزاً كاملاً كالزنا واللواط والسرقة وما أشبه ذلك.

الثاني: العقل، فالمجنون لا حكم له في هذا الباب إلا التأديب إذا لم يكن جنونه بحد أفقده شعوره إطلاقاً، وإلا فلا تأديب له أيضاً.

الثالث: الاختيار، فلا عقوبة على النائم كما إذا انقلب على طفل فقتله، ولا على السكران، علماً بأن القدر المتيقن منه فيما إذا لم يكن سكره باختياره، كما إذا أوجر في حلقه الخمر فسكر فجنى وقد فقد الشعور، أما إذا كان سكره باختياره ففيه كلام، وخصوصاً إذا كان قد شرب الخمر ليفعل الجناية في حال السكر، وكذلك لا عقوبة على المكره والمضطر.

الرابع: القصد، فلا عقوبة على من لا يقصد خصوصاً إذا كان قاصراً.

الخامس: البيان والبلاغ، لكن هذا هو بالنسبة إلى القوانين الأولية المذكورة في الإسلام، وقد لا يكون مجال لهذا الشرط بالنسبة إلى القوانين الثانوية التي يضعها شورى المراجع من باب (لا ضرر) أو (الأهم والمهم) أو ما أشبه ذلك في الجملة.

مثلاً: إذا جاء الوباء فحكم الحاكم الإسلامي بعدم بيع اللبن الحليب لأحد، لأنه غالباً ما توجد جراثيم الوباء في اللبن، فإنه إذا علم صاحب اللبن بهذا الحكم من الحاكم ثم باع اللبن، حق للحاكم تعزيره، أما إذا لم يعلم البائع بذلك لأنه لم يصل إليه هذا الحكم، أو أنه باع اللبن في يوم الجمعة وحكم الحاكم بعد ذلك في يوم السبت، لم يكن عليه عقاب وان كان يحق المنع عنه في المثال الأول، ومن المعلوم أنه لا تنافي بين الأمرين.

والآيات والروايات والإجماع والدليل العقلي متوفرات حول هذه الشروط الخمسة المزبورة.

قال الله سبحانه: (لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها)(15).

وقال تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)(16).

وقال سبحانه: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً)(17).

وقال تعالى: (إلا ما اضطررتم)(18).

وقال سبحانه: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)(19).

وقال النبي(ص): (رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق)(20).

وقوله(ص): (رفع عن أمتي تسعة أشياء، وعد منها الخطأ والنسيان وما اضطروا إليه وما استكرهوا عليه وما لا يعلمون وما لا يطيقون)(21).

ومن الواضح أن الإلجاء ليس بفعل الشخص حتى يكون موضع الحكم كمن يوجر في حلقه خمر بعد شد يديه ورجليه، أو يزنى بها أو يلاط به كذلك، ومن مسلمات الفقه قبح العقاب بلا بيان، والإجماع على كثير من المذكورات قطعي.

أمور يتوقف الجزاء عليها

مسألة: وعلى ما ذكرناه في المسألة السابقة فاللازم في العقاب أمور:

أولاً: تحقق الجرم خارجاً، أما نيته وقصده والشروع في مقدماته ليس بجرم حتى يعاقب عليها وإن كان بعضها تجرياً.

نعم، قد اختلفوا في التجري بأنه هل يوجب العقاب أم لا؟ فالشيخ المرتضى (ره) وجماعة آخرون على أنه ليس بحرام ولا يوجب العقاب، وإنما فيه قبح فاعلي وموجب لتنزل الدرجات.

والآخوند الخراساني (ره) وآخرون على أنه محرم، وأيضاً موجب للعقاب إذا ضممناه إلى قولهم الآخر: بأن كل حرام يوجب العقاب.

هذا وقد ذكرنا تفصيل الكلام حول ذلك في «الأصول» وإن كان الأقرب إلى ما استظهرناه هو قول الشيخ (ره) ، نعم لا إشكال في قبحه الفاعلي وإيجابه إنحطاط الدرجة، لكن الكلام في قبح الفعل لا في قبح الفاعل، كما قد ألمعنا سابقاً إلى الإشكال في ما قاله المشهور من أن كل حرام يوجب التعزير.

وثانياً: كون الجرم مما له عقاب، فالجرم الذي ليس له عقاب لا عقاب عليه كما ذكره الفقهاء بالنسبة إلى الظهار.

وثالثاً: ما ذكرناه من البيان والبلاغ وسائر الخصوصيات.

ورابعاً: أن يكون المجرم من أهل الدين الذي يلتزم به.

مثلاً: الزواج بالأخت المحرمة في الشريعة الإسلامية عليه عقاب، أما إذا فعله المجوس فلا عقاب عليهم، لأن دينهم الذي يلتزمون به يحلل لهم ذلك، وكذلك في شرب العامة الفقاع، فإنه ليس محرماً في مذهبهم، وقد تقدم الالماع إلى (قاعدة الإلزام) وذكرنا في الفقه أنه شامل لما له ولما عليه.

من مستثنيات قاعدة الإلزام:

نعم، يشرط أن لا يكون الذي التزموا به ضروري الحرمة بالنسبة إلينا، كما لو كانت أخت المسلم مجوسية، فإنه يجوز عندها زواج الأخ بها، لكن حيث لا يجوز ذلك عندنا قطعاً، لا يشمله قانون الإلزام بالنسبة لنا، وإلى غير ذلك من الأمثلة.

أما مثل الزواج بمطلقة العامة، من دون توفّر الشروط التي نشترطها نحن في صحة الطلاق، فإنه يجوز لنا الزواج بها لشمول قانون الإلزام له، وعليه الروايات.

ومن المعلوم أنه يستثنى من قاعدة الإلزام أيضاً: القوانين العامة لبلد الإسلام، فإن فيها يجب على الجميع رعايتها.

مثلاً: القوانين العامة المقررة في المرور، فإذا قرّر الضوء الأحمر علامة لمنع السير، والضوء الأخضر علامة لجواز السير فإنه يجب على الجميع رعايته وإن لم يكن في دين البعض من الأقليات الدينية ذلك.

وكذا في غير المرور، كتقرير وجوب الوفاء بالعهد، مثل ما إذا لم يلتزم غير المسلم بالوفاء بعهده مع المسلم، كما إنه كذلك في دين اليهود، فإنه لا يلزم بما يلتزم به، بل اللازم عليه الالتزام بالعهد وبقوانين البلاد العامة، لانصراف أدلة الإلزام عن مثله فالمحكم فيه هو الأدلة الأولية.

ثبوت الجرم بالطرق الشرعية

مسألة: ثم إنه لا يحق نسبة الجرم لأحد، ولا إطلاق المجرم على أحد إلا بالثبوت الشرعي كالبينة ونحوها، أو العقلي كالعلم القطعي فيما يكفي فيه العلم، دون ما لا يكفي فيه فقد ذكرنا في بعض المباحث: أنه لا يكفي العلم في مثل الزنا واللواط والسحق، إذ الشارع لم يعتبره، وإلا فقد كان يعلم رسول الله (ص) بزنا ماعز، وعلم أيضا بحسب العادة من اعترافاته الثلاثة، ومع ذلك لم يرتب الحكم عليه إلا بعد الاعتراف الرابع، الذي هو أحد الطريقين الشرعيين: من الشهود الأربع والإقرارات الأربعة(22) في ثبوته.

وكذلك كان يعلم الإمام أمير المؤمنين (ع) بزنا المرأة وعلم بحسب العادة بعد اعترافها عنده ثلاث مرات، ومع ذلك لم يرتب عليها الحكم إلا بعد الإقرار الرابع.

وكذا فيما يحتاج إلى الإقرار مرتين لا يرتب الحكم مع الإقرار مرة.

وعلى هذا: فالوسائل العلمية الحديثة لا تثبت الجرم شرعاً فيما جعل الشارع لإثباته طريقاً خاصاً، حتى وان حصل للحاكم العلم منها به، فإذا أظهر الكلب البوليسي الجرم وعيّن المجرم، لكن المجرم لم يعترف، فإنه لابد ـ في حقوق الناس ـ أن يسلك معه طريق الأسئلة المتعددة حتى ينتهي إلى الإقرار بدون الإكراه.

وكذلك إذا حلّل الجهاز العلمي المني في موضع المفعول ومني الفاعل ورآهما من جنس واحد، فإنه لا يتمكن الحاكم من إجراء حد اللواط عليهما ما لم يعترفا به بأنفسهما من دون إكراه أو تعذيب، وإلى غير ذلك.

وعليه: فلا يجوز نسبة الجرم ولا إطلاق المجرم على أحد، ولا توقيفه أو سجنه أو ما أشبه ذلك بما لا يعرفه الإسلام جرماً، إما ابتداءً كالزنا والسرقة(23)، أو بتطبيق حكام الشرع (لا ضرر) ونحوه على المصداق الخارجي(24)، كما سبق من مثال عدم بيع اللبن في أيام الوباء، ومثال قوانين المرور والشرطة والنجدة ونحوها.

كما لا يجوز إلزام أحد بما لم يوجبه الإسلام عليه إما ابتداءً كالإنفاق على الزوجة والأولاد(25)، أو بتطبيق حكام الشرع للقوانين الكلية على المصاديق الخارجية مثل إيجاب أن يحضر الموظف أول الدوام في الدائرة(26).

ثم إن للقاضي أن يتخير فيما إذا كان العقاب مترجرجاً بين حدين: حد أقل، وحد أكثر، كالغرامة من دينار إلى خمسين ديناراً، فإنه يتخير الحاكم بين الحدين، لكن اللازم مراعاة الأولى بحق المجرم زماناً ومكاناً وملاحظة سائر الخصوصيات مما يكون بملاك (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب)(27).

 

1 ـ سورة المائدة: 2. 

2 ـ راجع مستدرك الوسائل: ج18 ص17 ب11 ح81877. 

3 ـ قال تعالى: (وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث) سورة ص: 44. 

4 ـ راجع وسائل الشيعة: ج18 ص331 ب18 ح3. 

5 ـ راجع وسائل الشيعة: ج18 ص331 ب18 ح2. 

6 ـ راجع وسائل الشيعة: ج18 ص331 ب18 ح4. 

7 ـ راجع كتاب (ولأول مرة في تاريخ العالم، ج1-2) للإمام المؤلف. 

8 ـ حيث قال تعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون) سورة التوبة: 84. 

9 ـ راجع الإرشاد: ج1 ص205، وفيه:

إن امرأتين تنازعتا على عهد عمر في طفل ادعته كل واحدة منهما ولداً لها بغير بينة ولم ينازعهما فيه غيرهما، فالتبس الحكم في ذلك على عمر، وفزع فيه إلى أمير المؤمنين (ع) ، فاستدعى (ع) المرأتين ووعظهما وخوفهما، فأقامتا على التنازع والاختلاف، فقال (ع) عند تماديهما في النزاع: ائتوني بمنشار، فقالتا له المرأتان: ما تصنع؟ فقال(ع): أقده نصفين لكل واحدة منكما نصفه، فسكتت إحداهما وقالت الأخرى: الله الله يا أبا الحسن إن كان لابد من ذلك فقد سمحت به لها، فقال(ع): الله أكبر هذا ابنك دونها ولو كان ابنها لرقت عليه وأشفقت، فاعترفت المرأة الأخرى بأن الحق مع صاحبتها دونها والولد لها دونها. 

10 ـ راجع مناقب آل أبي طالب: ج2 ص380، وفيه:

«أنه انفذ رجل غلاماً مع ابنه إلى الكوفة فتخاصما، فضربه الابن فنكل عنه الغلام وسبه حتى ادعى أنه مملوكه فتحاكما إلى أمير المؤمنين (ع) ، فقال لقنبر: اثقب في الحائط ثقبين، ثم قال لكل منهما: ادخل رأسك في هذا الثقب، ثم قال: يا قنبر عليّ بالسيف سيف رسول الله (ص) ، عجل.. أضرب رقبة العبد منهما، قال: فأخرج الغلام رأسه مبادراً ومكث الآخر في الثقب، فأدب الغلام على ما صنع، ثم رده إلى مولاه». 

11 ـ راجع مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب: ج2 ص367، وفيه:

«عن تميم بن حزام الأسدي أنه رفع إلى عمر منازعة جاريتين تنازعتا في ابن وبنت، فقال: أين أبو الحسن مفرج الكرب. فدعي له به، فقص عليه القصة، فدعا (ع) بقارورتين فوزنهما، ثم أمر كل واحدة فحلبت في قارورة، ووزن القارورتين، فرجحت إحداهما على الأخرى، فقال(ع): الابن للتي لبنها أرجح، والبنت للتي لبنها أخف، فقال عمر: من أين جعلت ذلك يا أبا الحسن، فقال(ع): لأن الله تعالى جعل للذكر مثل حظ الأنثيين». 

12 ـ راجع الإرشاد: ج1 ص218 وفيه:

إن امرأة هويت غلاماً فراودته عن نفسه فامتنع الغلام فمضت وأخذت بيضة فألقت بيضها على ثوبها ثم علقت بالغلام ورفعته إلى أمير المؤمنين (ع) وقالت: إن هذا الغلام كابرني على نفسي وقد فضحني ثم أخذت ثيابها فأرت بياض البيض، وقالت: هذا ماؤه على ثوبي، فجعل الغلام يبكي ويبرأ مما ادعته ويحلف، فقال أمير المؤمنين (ع) لقنبر: مر من يغلي ماء حتى تشتد حرارته ثم لتأتني به على حاله، فجيء بالماء، فقال: ألقوه على ثوب المرأة، فألقوه عليه فاجتمع بياض البيض والتأم، فأمر بأخذه ودفعه إلى رجلين من أصحابه فقال: تطعماه والفظاه، فتطعماه فوجداه بيضاً، فأمر بخلية الغلام وجلد المرأة عقوبة على ادعائها الباطل.

13 ـ موسوعة الفقه: ج84-85 كتاب القضاء. 

14 ـ وكفارة القتل تكون مضافاً إلى حق القصاص أو الدية. 

15 ـ سورة الطلاق: 7. 

16 ـ سورة البقرة: 286. 

17 ـ سورة الإسراء: 15. 

18 ـ سورة الأنعام: 119. 

19 ـ سورة النحل: 106. 

20 ـ نهج الحق: ص456، وراجع مستدرك الوسائل: ج1 ص84 ب3 ح39، وفيه: «عن أمير المؤمنين(ع): إن الله عز وجل رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق وعن الصغير حتى يكبر…» الحديث. 

21 ـ راجع مستدرك الوسائل: ج6 ص423 ب26 ح7136. 

22 ـ مستدرك الوسائل: ج18 ص55 ب14 ح22013. 

23 ـ هذا مثال للجرم الابتدائي الأولي. 

24 ـ هذا مثال للجرم الثانوي. 

25 ـ هذا مثال لما أوجبه الإسلام ابتداءً، كما لا يخفى. 

26 ـ هذا مثال لما أوجبه الإسلام بتطبيق القوانين الثانوية. 

27 ـ سورة ص: 39.