الفهرس

فهرس القسم الأول

المؤلفات

الحقوق والقانون

الصفحة الرئيسية

 

بين المحكمة الشرعية والقانونية

مسألة: ليس في الإسلام محكمتان: شرعية وقانونية، بل محكمة واحدة، نعم ذكرنا في الفقه أن غير المسلمين يحق لهم أن تكون لهم محكمة خاصة بهم، وذلك لقانون (الإلزام) ونحوه، فإذا راجعوا الحاكم الإسلامي حق له أن يحكم حسب حكم الإسلام أو حسب حكمهم.

الدولة الإسلامية وأعلى سلطاتها

على الأعمال والخدمات لا شريكة في العمل ولا مباشرة فيه، فيكون كل ما ذكرناه بأيدي الناس وإنما تشرف الدولة عليها لعدم الإضرار والإجحاف.

مسألة: ثم إن أعلى سلطة في الدولة الإسلامية: شورى الفقهاء المراجع، ومنها بمعاونة كبار المستشارين الدينيين والزمنيين والأحزاب الحرة تعين القوة القضائية والقوة الإجرائية وسائر ما يرتبط بالدولة.

ولشورى المرجعية حق العفو عن المجرمين حسب ما أعطاهم الإسلام من الصلاحية مما هو مذكور في الفقه، وإذا جنت القوة الإجرائية تحال إلى المحاكم الشرعية، كما أنه إذا جنت القوة القضائية بأعلى درجاتها فشورى المرجعية تشكل محكمة خاصة لمحاكمتهم، والقضاة هم الذين يعينون صلاحية المرجع لحل الأمر الذي اختلف فيه.

الأعمال والخدمات بيد الناس

مسألة: ثم إن جميع الأعمال والخدمات في الدولة الإسلامية بيد الناس، أما الدولة فهي المشرفة عليها فقط، فالقطارات والمطارات، والموانئ والمحطات، والطرق والجسور، والمستشفيات والمستوصفات، والزراعة والتجارات، والتصدير والاستيراد، والماء والكهرباء، وغيرها كلها بأيدي الناس، وهم أحرار في أن يفعلوا أو يتركوا ما يشاءون باستثناء المحرم، والمحرم شيء قليل ومعدود جداً، كما ذكرنا تفصيله في كتاب (الفقه: الحرية)(1).

الموظفون في الدولة الإسلامية

مسألة: الموظفون في الدولة الإسلامية قليلون جداً، كما ذكرناه في الفقه وغيره، وحيث أن الموظفين قليلون تتوفر الحريات للناس، وينتعش عليهم فيئهم واقتصادهم.

فإن الموظف عادة يستهلك فقط ولا ينتج، ويحد من حريات الناس، وذلك يعدّ مخالفات ثلاث للعقل والشرع:

الأولى: مخالفة الحد والتقلص من حرية الناس الممنوحة لهم من قبل الله سبحانه وتعالى.

والثانية: مخالفة إيجاد العطل وهدر للطاقات بالنسبة إلى الموظفين الزائدين عن قدر الحاجة.

والثالثة: مخالفة هدر أموال الأمة وأوقاتهم، إذ كل موظف يأخذ مال الأمة مباشرة أو بالواسطة وإلاّ فكيف يعيش؟ إضافة إلى أنه يضيّع عليهم أوقاتهم التي يصرفونها في مراجعتهم له وما أشبه.

وعلى هذا فاللازم على الدولة الإسلامية الاكتفاء بالحد الأقل من الموظفين، وبمقدار الضرورة فقط، وهذا لا يتم إلا بأن تكون الدولة مشرفة على الأعمال والخدمات لا شريكة في العمل ولا مباشرة فيه، فيكون كل ما ذكرناه بأيدي الناس وإنما تشرف الدولة عليها لعدم الإضرار والإجحاف.

بالإضافة إلى لزوم أن تكون الدولة سبباً لتقدم الأمة إلى الأمام لا حاجزاً عن تقدمها، وكثرة الموظفين، ومشاركة الناس في الأعمال والخدمات، من أهم الحواجز في طريق تقدم الأمة وازدهارها.

الناس أحرار في دنياهم

مسألة: في الدولة الإسلامية للكل الحرية الكاملة في أمور دنياهم ومعيشتهم وما أشبه، فلكل منهم الحق في الكسب الحلال، أو استخراج المعدن، أو فتح طريق، أو الاستفادة من النهر والبحر والغابة والأجمة وسائر المياه الأرضية والسيول وغيرها.

كما أن لكل إنسان صيد البر والبحر والجو والاستفادة من الأراضي، كل ذلك في إطار (لكم)(2) على ما فصلناه في كتب الفقه وغيرها، فله أن يأخذ من الأرض بقدر حاجته لمسكنه أو لمعمله أو لمصنعه، أو لإنشاء البستان والمزرعة، أو ما أشبه ذلك مما لا يضر الآخرين.

هذا ولا حق للدولة في منع أحد من شيء من ذلك، أو أخذ المال في قبال الأرض، نعم للدولة أخذ الأجرة في قبال الأرض المفتوحة عنوة على ما ذكروه في الفقه.

ثم إنه إذا وفّرت الدولة هذه الحريات للناس، فلا يكون حينئذ أزمة المسكن إطلاقاً، أو البطالة إطلاقاً، أو العزوبة والعنس إطلاقاً، أو ما أشبه ذلك من الأمراض الموجبة لتحطيم الحريات وخنق الكفاءات التي توجد اليوم في بلاد الإسلام وغير الإسلام من جهة ابتعاد الناس عن مناهج الأنبياء (ع) حيث انهم ابتلوا على أثر تركهم لها بضيق المعيشة، كما قال سبحانه: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً)(3).

مهمة القوة القضائية

مسألة: القوة القضائية وضعت لحل المشكلات، وفض النزاعات، وتنفيذ أمور (الحسبة) وإحقاق الحقوق، والنظارة لحسن إجراء القوانين وكشف الجرم والمجرمين وعقوبتهم وتأديبهم وردعهم، وتزكية نفوس الناس حتى لا يقعوا في الجريمة، ولا يتحقق خارجاً وقوع الجرم في المجتمع.

ويلزم أن يكون الترافع إلى القضاء وتقديم الشكوى إلى المحكمة، بلا رسوم، ولا إبطال طوابع، ولا أخذ أجور.

كما أنه يلزم أن تكون المحاكمات علنية، وبمحضر من شاء الحضور من الناس، وبدون تعويق أو مطل، أو جور، أو لف ودوران.

نعم يمكن إخفاء المحاكمة إذا كانت العلنية تنافي المصلحة العامة أو النظم العام، أو أن أطراف النزاع هم طلبوا عدم العلنية، ولكن انتقال المحاكمة من العلنية إلى السرية لا يكون إلا بموافقة شورى المرجعية.

كما أنه يحق للمتهم أن يأخذ وكيلاً أو عدة وكلاء للدفاع عنه.

والقاضي لا يحكم إلا عن تثبت ودقة، وبحسب الأدلة الأربعة، نعم القاضي من العامة يحق له القضاء حسب هذه الأدلة بالإضافة إلى ما يصح في معتقدهم من القياس والاستحسان والمصالح المرسلة على ما سبق الإلماع إليه.

ويصح تعدد القضاة في قضية واحدة، ويكون الحكم حسب أكثرية آرائهم لو اختلفوا، ولو اختلفوا بالتساوي فالمرجع بينهما قاض آخر.

ولا فرق فيما ذكرناه بين الجرائم السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو الثقافية أو العسكرية أو ما يرتبط بالمرور أو غيرها.

ولو اشتبه القاضي فإن كان تقصيراً كانت الخسارة في ماله الشخصي، وإن كان قصوراً فالخسارة على بيت المال.

والمتهم الذي أدين بغير حق يلزم إعادة شخصيته.

ثم اللازم على القاضي النظر في النزاع ولو بقدر درهم أو أقل، أما في بعض القوانين العالمية التي سار عليها بعض البلاد الإسلامية، من التقدير بقدر خاص، فإنه ليس مقبولاً من قبل الإسلام.

المصطلحات والمفاهيم الشرعية

مسألة: يلزم في الدولة الإسلامية السعي الحثيث لإرجاع المفاهيم الإسلامية ومصطلحاتها إلى الحياة العامة، ولدى جميع الناس.

ففي المساحات يعاد (الذراع ) و(الميل) و(الفرسخ) وما أشبه.

وفي النقود يعاد (الدرهم) و(الدينار).

وفي الأوزان والمكاييل يعاد (المثقال) و(الرطل) و(المد) و(الصاع) و(المن) و(الكر) و(الوسق) و(القفيز) ونحوها.

وفي التاريخ يعاد التاريخ الهجري القمري في غالب الأمور، والهجري الشمسي في مثل الغلات والأنعام.

ويجب أن تكون الأشهر عربية هلالية من المحرم إلى ذي الحجة.

وفي الأعياد يعاد الأعياد الإسلامية فقط، لا ما يعبر عنه بالأعياد الوطنية، التي أسست لتقوية القوميات وتفكيك المسلمين كما حدث بالفعل في بلادنا، إلى غير ذلك مما لا يخفى(4).

المسلمون وغيرهم في البلد الإسلامي

مسألة: قد ذكرنا في «الفقه» أن غير المسلمين يحترم مالهم وعرضهم ونفسهم وحيثيتهم، سواء كانوا أهل كتاب أو لا، بشرطين:

الأول: أن لا يخلّوا بالنظام الإسلامي العام.

الثاني: أن يلتزموا بالمواطنة الصالحة.

أما المسلمون في بلد الإسلام فكلهم سواء في كل ما يخص المسلمين، فليس هناك مواطن وأجنبي، بل كلهم أخوة كما قرره القرآن الحكيم والسنة المطهرة، ولا اعتبار بالحدود الجغرافية وما أشبه، نعم كل واحد من الشيعة والسنة لهم أحكامهم الخاصة بهم على مقتضى قانون (الإلزام).

قوانين البلاد غير الإسلامية

مسألة: في كل دولة غير الدولة الإسلامية الصحيحة، لا ملزم لقوانينها بما هي قوانين الدولة، إذ لا طاعة لها على الناس، وإنما الواجب على الناس أن يطيعوا الأوامر الشرعية.

مثلاً: في باب المرور إذا حددت الدولة غير الصحيحة حدوداً له، لم يجب على السائق إطاعتها وإنما اللازم عليه أن يواظب أن لا يضر الناس، لوجود قانون (لا ضرر) في الإسلام، فإنه نافذ المفعول سواء في الدولة الصحيحة أو غير الصحيحة.

وكذلك إذا حددت الدولة غير الصحيحة صيد الأسماك بمائة رطل في كل يوم ـ مثلاً ـ كان للصائد أن يصيد ألف رطل، لكن بشرط أن لا ينافي حق الآخرين في إطار ما ذكرناه من قوله سبحانه وتعالى: (لكم)(5) ، وإلى غير ذلك.

وإن كان قانون الدولة الإسلامية الصحيحة وغيرها واحداً، فيلزم إطاعة الصحيحة دون غيرها إلاّ فيما سبق.

مثلاً: إذا كانت في الكوفة زمن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قوانين المرور، لزم إطاعة التي وضعها علي (عليه السلام)، فإذا كان في زمان الحجاج ووضع نفس القوانين لا تجب إطاعته على ما ذكرناه.

ثم إن شرائط وخصوصيات العقود التي تشترطها الدولة الإسلامية الصحيحة للموظفين عموماً، سواء موظفي المرور أم غيرهم ، فإنه يجب عليهم التقيد بها.

وأما بالنسبة إلى الدولة غير الصحيحة، فلا شيء ملزم على الموظف فيها إلا بالقدر الذي ألزمه الإسلام: من قوانين الأموال والأنفس والأراضي وحيازة المباحات، ولا ضرر ولا حرج، والأهم والمهم، وغير ذلك، نعم بالنسبة إلى الأموال المجهولة يحتاج الشخص إلى إذن الحاكم الشرعي، من غير فرق بين أن تكون الدولة صحيحة أو غير صحيحة.

الإسلام يرفض الجمارك والمكوس

مسألة: ثم إن الجمارك المتعارفة في بلاد الإسلام وغير الإسلام في الحال الحاضر، وكذلك المكوس، لم يكن لها عين ولا أثر في الإسلام، بل الإسلام حرّمها وحرّم التوظيف والعمل فيها أشد التحريم، فلكل أحد الحق في إدخال البضاعة وإخراجها، وإدخال النقد وإخراجه، وإدخال الذهب والفضة والمجوهرات وإخراجها، وغيرها مما أجازه الإسلام وبما منحه من حرية الانتقال للأموال، والبيع والشراء، والتصدير والاستيراد.

نعم ذكرنا في بعض الكتب الاقتصادية: أنه يلزم أن لا يكون استيراد الأموال والأمتعة أو تصديرها مضراً بالمسلمين وباقتصادهم ليمنعه قانون (لا ضرر)، وقلنا: بأن هناك فرقاً بين (الجمرك) وبين قانون (لا ضرر) فإذا جاء الإسلام إلى الحكم ألغى الجمرك، نعم يضع ما يقتضي رفع الضرر.

هذا والبلد الذي تدخل فيه البضاعة أو تخرج منه من بلاد الإسلام أو غير بلاد الإسلام بينهما تفاوت ذكرناه في الفقه.

لا لهذه الكثرة من القوانين

مسألة: اعتادت الحكومات التي تحكم بلاد الإسلام طيلة هذا القرن على وضع القوانين، ولذا تضاف القوانين الكابتة الجديدة إلى سابقتها على طول الخط، وهذا بالإضافة إلى أنه غير مشروع، فيه الأضرار التالية:

الأول: كبت حريات الناس التي منحها الإسلام لهم، وهذا مما يسبب قيام الناس ضد الدولة.

الثاني: عدم بقاء احترام للدولة ولقوانينها، ولذا تكثر المخالفة، وفي المثل: (إذا أردت أن لا تطاع فأمر بما لا يستطاع) .

الثالث: تكثير العاطلين والمشتغلين بالأشغال الكاذبة من الموظفين الذين ينفذون تلك القوانين.

الرابع: تفشي الرشوة حيث أن الناس يصلون إلى مقاصدهم المخالفة للقوانين الموضوعة عن طريق الرشوة.

الخامس: إشاعة الفساد الإداري واللعب بالأوراق والملفات، والتحايل على القانون.

السادس: ترويج الازدواجية والالتواء في الناس واللف والدوران وتقوية حالة النفاق فيهم.

السابع: رفع نسبة البطالة، وازدياد العاطلين عن العمل بسبب القوانين الكابتة.

وإلى غير ذلك من الأضرار.

الحكم إذا اختلفت فيه المحاكم

مسألة: لو اختلفت المحاكم في حكم قضية من القضايا المشكلة، فإذا كان الاختلاف في النطاق المخول إلى القضاة لم يكن بذلك بأس.

وأما إذا كان بحسب اجتهاداتهم المختلفة المستنبطة من الأدلة الأربعة، كما إذا قفز طفل أمام السيارة فسحقته السيارة ومات بدون ذنب السائق، فحكم أحدهم بأنه هدر، وحكم الآخر بأنه من قتل الخطأ وأن على العاقلة الدية، فإنه يلزم في هذه الصورة مراجعة شورى الفقهاء المراجع في توحيد الحكم.

كما أن لأقرباء السائق المحكومين بإعطاء الدية من باب تحمل العاقلة أن يستأنفوا الحكم، وكذلك لذوي المقتول الحق عند الحكم بالهدر وبعد الاستئناف أن يرفعوا الحكم إلى محاكم التمييز كما تقدم.

بين قوانين الإسلام وقوانين الغرب

مسألة: من يلاحظ قوانين الإسلام وقوانين الغرب الموضوعة، والتي اتبعها حكام المسلمين في بلاد الإسلام، في مختلف أبواب الفقه من المعاملات إلى الإيقاعات، إلى الجنايات، إلى غيرها، يرى الفرق الشاسع بينهما من حيث أن قوانين الغرب فيها من التفريع غير المفيد واللف والدوران والروتين ما ليس في قوانين الإسلام إطلاقاً.

وملاحظة كتاب (الجواهر) في الفقه، وكتاب (السنهوري) في القانون، تعطي بوضوح هذا الفرق.

وللمثال نقول: إن الإسلام يرى أن خيانة الأمانة، وسلب مال الناس، والتزوير لأجل الاستيلاء على مالهم، كلها محرم، وعلى فاعله العقاب، بالإضافة إلى لزوم رد المال إلى صاحبه، والعقاب هنا هو التعزير بنظر الحاكم الشرعي الجامع للشرائط.

قوانين الغرب والمأخذ عليها

بينما في القوانين الغربية الحديثة المتبعة حتى في بعض بلاد الإسلام ترى أنه قد صنّفت هذه الموارد الثلاثة إلى ثلاثة أقسام ولكل منها حكم، مع انه بغض النظر عن الشرع بل بالنظر العقلي لا يختلف الأمر فيها، إلا أنهم جعلوا عناصر ثلاثة في الإجرام: العنصر المادي، والعنصر المعنوي، والعنصر الأخلاقي، وأطالوا الكلام في ذلك.

ومثل هذا التفريع منقوض ومحلول معاً بما يلي:

أما النقض: فهو انه لو كان الملاك الخصوصيات غير المرتبطة بسير القانون والجزاء، فلماذا لا تفرّع فيها سائر الأمور، مع أن التفريع في كثير من الأمور أولى من هذا التفريع؟

مثلاً: هل السارق رجل أو امرأة، غني أو فقير، كبير السن أو صغيره؟

وهل هو ابن عشرين سنة أو ستين سنة أو أقل أو أكثر؟

وهل فعل السرقة في محل آمن أو في محل مضطرب؟

إلى غيرها من التفريعات الكثيرة، التي يمكن تبريرها: بأن عقوبة الرجل يجب أن تكون أكثر لأنه عقلاني، بخلاف المرأة العاطفية، وعقوبة الغني أكثر لعدم احتياجه، بخلاف الفقير فيما لم يصل إلى حد الاضطرار وإلا فلا عقوبة للفقير، وعقوبة كبير السن أكثر لأنه أعرف بالحياة من صغير السن، وعقوبة من يكدر صفو الاجتماع السالم اكثر من غيره، وإلى غير ذلك.

وأما الحل: فإن مثل هذه التفريعات يضر الاجتماع مضرات بالغة كالتالي:

أولاً: إشغال واضع القوانين بالتوافه دون اللباب.

ثانياً: تكثير الموظفين، مما يثقل كاهل الدولة.

ثالثاً: تصعيب دراسة القانون على الناشئين.

رابعاً: تصعيب التطبيق على القضاة والحاكمين.

خامساً: جعل اللف والدوران في سير الحكم والمحاكم مما يوجب تكثير الباطل، لأن كل لف يمكن أن يختبئ فيه الباطل فيظهر عند الدوران.

سادساً: صرف وقت المترافعين بما هو غير لازم وتضييعه عليهم.

سابعاً: هدر أموالهم بما لا ينبغي، وهو اعتداء على حقوق الناس وكرامتهم.

إلى غير ذلك مما هو مشاهد في المحاكم الحديثة، بينما المحاكم الإسلامية ليس فيها أي شيء من هذه الأمور.

وعلى هذا فاللازم على الدولة الإسلامية الاهتمام لإرجاع أمر الحكم والقضاء، والعقوبات والجزاء، إلى حالتها الإسلامية الصحيحة.

لماذا هذا الجفاء؟

ولا يخفى أن إقبال حكام بلاد الإسلام على قوانين الغرب، وجفائهم في قبال قوانين الإسلام إنما هو للأسباب التالية:

أولاً: ضغط الغرب عليهم حتى يطبق نظرياته التوسعية فيهم.

وثانياً: جهل حكام المسلمين بقوانين الإسلام الحكيمة، ومن المعلوم أن من جهل شيئاً عاداه.

وثالثاً: انبهارهم بنظام الغرب وتطور صناعته المادية الظاهرية، فزعموا أن الغرب كما تقدم في الصناعة وغيرها فهو متقدم في كل شيء، ولذا يجب أن يؤخذ القانون منهم جملةً وتفصيلاً.

هذا هو أقل ما يمكن أن يقال عند حسن الظن ببعض حكام البلاد الإسلامية، أما العملاء منهم فالأمر واضح.

بينما كان سبب التفاف الناس حول الإسلام سابقاً وانفضاضهم عنه حالياً عوامل متعددة، من جملتها البساطة الإسلامية سابقاً وتعقده بما عقدوه ـ كما ذكرنا ـ حالياً، وهذا هو من أهم عوامل الاستعمار، حتى في بلد قد ملئ فيه الفضاء بشعارات ضد الاستعمار.

هذا ولكن الذي أراه: هو أن عقلاء الغرب لو عرفوا مزايا القضاء الإسلامي وقوانينه، لتركوا قوانينهم وقضاءهم وجاءوا إلى قوانين الإسلام وقضائه، لأن الإنسان العاقل طالب للأفضل على كل حال.

أقسام القوانين

مسألة: القوانين مطلقاً سواء قوانين المرور أم غيرها، على ثلاثة أقسام:

القسم الأول:

الأول: القوانين المرتبطة بالمسلمين بما هم مسلمون، من غير فرق بين مسلم ومسلم، ولو كانا من قطرين أو بلغتين أو مذهبين أو ما أشبه ذلك، لأنه من الواضح أن لا حدود جغرافية بين بلاد المسلمين، وهم أخوة في جميع الخصوصيات.

فكما أن على جميعهم الصيام والصلاة والحج والزكاة وأحكام العقود والإيقاعات وغيرها، فكذلك على جميعهم قوانين الحدود والديات والقصاص والإرث والقضاء وغيرها.

أما ما نراه اليوم من أن هذا مسلم مواطن وهذا مسلم أجنبي، وهذا مسلم أبيض وهذا مسلم أسود، وهذا مسلم عربي، وهذا مسلم فارسي، فهو خلاف صريح للقرآن والسنة والإجماع والعقل في موارد الاتفاق، فإن كل المسلمين متفقون على القرآن والسنة وإن اختلفوا اجتهاداً في بعض الجزئيات والخصوصيات، وهذا هو من أسباب تخلف المسلمين عن الحياة، ولا يمكن إرجاعهم إلى الحياة إلا بإعادة ما أمر به الإسلام.

قال سبحانه: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)(6).

وقال تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم)(7).

وقال سبحانه: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)(8) وإلى غير ذلك.

نعم اختلف المسلمون في بعض الأحكام من جهة الاجتهاد سواء بين السنة والشيعة، أو بين مجتهدي كل طائفة، وهذا لا يرتبط بالوحدة الإسلامية، كعدم ارتباط اختلافهم في خصوصيات الصلاة والصيام، لوجوبهما على الجميع.

القسم الثاني:

الثاني: القوانين المرتبطة بغير المسلمين الذين يعيشون في ظل المسلمين وبلادهم، وهذا يجري فيه قانون الإلزام بالنسبة إلى غير المسلمين، وقد بين الفقهاء في الكتب الفقهية هذا القانون.

قال سبحانه: (وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه)(9).

وقال تعالى: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربّانيون والاحبار)(10).

إلى غيرها من الآيات والروايات، وقد ذكرنا جملة من أحكامه في مختلف أبواب الفقه(11).

القسم الثالث:

الثالث: القوانين المرتبطة بالدول بعضها مع بعض، من حيث العلاقات السياسية والاقتصادية، والتجارة والزراعة والصناعة، وعمل كل طائفة في بلد الآخر، والحقوق الجنائية، واستبدال المجرمين، وما أشبه ذلك.

وفي هذا الصدد يجوز للبلد الإسلامي قبول أمثال هذه القوانين العامة، التي وضعتها الأمم المتحدة، على شرط أن لا تنافي الأحكام الإسلامية الخاصة أو العامة، مثل قانون (لا ضرر) وقانون (الأهم والمهم) وقانون (العسر والحرج) وما أشبه ذلك.

والبحث حول ذلك يحتاج إلى ملاحظة كل واحد واحد من تلك القوانين، ودراسة نظر الإسلام فيها، سواء في دولة تقوم ضد دولة، أو فاتح يقوم بفتح دولة ـ ولا يتعدى على أموال وأعراض ونفوس غير المحاربين، أما المحاربون فلهم القوانين المذكورة في كتاب الجهاد ـ أو شخص يقوم بالإجرام والإرهاب بمثل اختطاف الطائرات أو السفن أو السيارات أو اختطاف الناس، وإلى غير ذلك.

 

1 ـ راجع موسوعة الفقه: كتاب الحريات، يقع في 328 صفحة من الحجم الكبير، وطبع في لبنان، مؤسسة الفكر الإسلامي عام 1414هـ . 

2 ـ سورة البقرة: 29. 

3 ـ سورة طه: 124. 

4 ـ للتفصيل راجع (القوميات في خمسين سنة) و(إلى نهضة ثقافية إسلامية)، للإمام المؤلف. 

5 ـ سورة البقرة: 29. 

6 ـ سورة الأنفال: 46. 

7 ـ سورة الأنبياء: 92. 

8 ـ سورة آل عمران: 103. 

9 ـ سورة المائدة: 47. 

10 ـ سورة المائدة: 44. 

11 ـ كما أشار إلى بعض تفصيله الإمام المؤلف في كتابه (القواعد الفقهية).