الفهرس

فهرس القسم الأول

المؤلفات

الحقوق والقانون

الصفحة الرئيسية

 

الحقوق وأقسامها

مسألة: الحقوق، ونقصد بها الأعم من الأحكام الاصطلاحية، الفردية والاجتماعية، في المرور وغيره، تنقسم إلى ما يلي:

حق فرد على فرد أو على الاجتماع.

أو حق الاجتماع على الفرد أو على اجتماع آخر، مما يسمى بما بين الأمم.

إذ قد يكون الحق مربوطاً بفرد على فرد، كحق زيد على عمرو، أو بفرد على أمة مثل حق زيد على الجميع، أو عكسه: كحق الجميع على زيد، حيث يلزم عليه أن لا يعمل شيئاً يسبّب إخلال النظم والنظام وما أشبه ذلك، وحق أمة على أمة مما يوجب العمل على مستوى ما بين الأمم.

ومثله: حقوق الدول بعضها على بعض، أو حق الدولة على الشعب وعكسه، ولهذه الغاية الأخيرة انعقدت: الجامعة العربية، والجامعة الإفريقية، والجامعة الإسلامية (بالاسم طبعاً)، والأمم المتحدة (كذلك)، لكن من المعلوم أن الثلاثة الأول أصغر من الرابع، سوى ما كان هناك من نواقص ظاهرة في الأمم المتحدة.

الأمم المتحدة ونواقصها

نعم، إن في الأمم المتحدة نواقص، منها: إنهم يدافعون ـ ولو بنسبة ـ عن الأمة المظلومة إذا تعدّت عليها أمة ظالمة أخرى، كدولة تعتدي على أخرى، لكنهم لا يدافعون عن الفرد المظلوم إذا تعدت عليه دولته بحجة أنها قضية داخلية، بينما أي فرق بين أن يتعدى زيد على جاره، أو على عائلته؟

اذن: فمن الضروري أن يشكل هناك في منظمة الأمم فرع لأجل الدفاع عن حق المظلوم في الأمة، ومجرد قول أن هذا شأن داخلي لا يرفع المسؤولية العقلية والشرعية عن المنظمة.

مثلاً: إذا اشتكى فرد عراقي على حكومته لدى الأمم المتحدة، لزم عليها إرسال محامين لأجل تعقيب شكايته وكشف الحق والدفاع عن المظلوم، وكذلك إذا زوّرت الحكومة في الانتخابات، واشتكى الناس إلى الأمم المتحدة لزم إرسال مندوبين لكشف الواقع.

كما أنه يلزم أن يكون هناك مدعي العموم، سواء كان نفس القاضي أو غيره، لأجل إنقاذ حق الذين لا يتمكنون بأنفسهم من تقديم الشكوى، والمدافعة عن حقوقهم.

وعلى كل هذه الأمور أدلة شرعية من: الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو العقل، مما لا نريد تفصيل الكلام حولها، وذلك من غير فرق بين الأمور المرتبطة بالإدارة أو الجيش أو المواطنين أو غيرهم أو غيرها، والمسألة تشمل فروع المرور وما يرتبط به أيضاً.

بين الحكم والحق

مسألة: ذكرنا في بعض كتب الفقه: الفرق بين الحكم والحق، فالحكم لا يقبل الإسقاط ولا المبادلة ولا البيع ولا الإرث ولا الهبة ولا ما أشبه ذلك، بينما الحق بعكس كل ذلك.

مثلاً: حرمة القتل حكم، فلا يصح لإنسان أن يأذن لأحد أن يقتله، وإذا أذن له لفظاً لا يحق للمأذون ذلك، فإذا قتل والحال هذه كان عليه الجزاء المعهود في الشريعة.

وكذلك لا يصح لإنسان أن يقول لآخر: اقتلني وابني يقتل عدوك، أو أهبك نفسي بألف دينار فإذا قتلتني أعط ألف دينار لورثتي، أو أعطني الآن ألف دينار في قبال أن تقتلني.

كما لا يصح أن يقول إنسان لشخص آخر: إذا مت أنا فكن أنت الذي ترث زوجتي بدون نكاح بشرائطه الشرعية، وإلى غير ذلك.

بينما الحق ليس كذلك، فمضاجعة الزوج مع الزوجة ـ مثلاً ـ حق، فيصح أن تقول الزوجة لزوجها: إني أسقطت هذا الحق عنك، أو تقول لزوجة ثانية: إني أبادلك حقي في المضاجعة الليلة، في قبال أن ليلتك لي، أو أبيعك هذا الحق بدينار، نعم لا إرث في ذلك لأنها إذا ماتت فلا حق لها حتى تورثه لزوجة أخرى.

هذا ولا يخفى أن الفرق بين الحق والحكم إجماعي، وإنما الكلام في بعض الصغريات من المرور وغيره حيث يشك في أنه هل هو حق أو حكم؟ فاللازم مراجعة الأدلة الأربعة للكشف في عالم الإثبات، فإذا لم يعرف من الدليل في المورد ذاته أنه من أيهما؟ فالأصل أن يعامل معاملة الحكم، وقد ذكرنا وجهه في فقه البيع وغيره.

روح القانون وجسمه

مسألة: هناك أمران في القانون، مروراً كان أو غيره، لابد من التأمل فيهما، والتعرف عليهما، فإنهما مما يساعد القاضي ونحوه في مهمته، وهما:

الأول: روح القانون ومغزاه.

والثاني: جسم القانون ومادته.

فإذا اتحدا فلا إشكال، أما إذا اختلفا فهل يقدم القاضي الروح لأنه هو الذي وضع لأجله الجسم، أو الجسم لأنه القالب؟ وإذا قيل بتقديم الروح لم يكن هناك إيقاف لمن يريد أن يتحايل على القانون باسم روح القانون.

وهذا الخلاف له مصاديق في فقه الإسلام، كما أنه له مصاديق في غيره، ولذا يوجد بين علماء الحقوق اختلاف شديد فيه في القوانين الوضعية الحاضرة، ولكل جانب أنصار وأدلة.

والواقع: أنه إذا لوحظ الحق لزم تقديم الروح، وإذا لوحظ إمكان التحايل وهو ممكن وواقع وكان ذلك أهم لزم تقديم الجسم، ويختلف الأمر باختلاف القضاة والأمم في درجة وعيهم وما أشبه ذلك، وإلا فالأصل الروح الذي يوضع لأجله الجسم.

الخروج أو التحايل على القانون

مسألة: هناك في القانون ـ مروراً كان أو غيره ـ أمران آخران يجدر الإشارة إليهما، وهما:

الأول: التحايل على القانون.

الثاني: الخروج عن قانون إلى قانون آخر.

ولا يخفى أنه قد يوجد في الشرع ـ كما في القانون الوضعي ـ نوعان من القانون في الموضوع الواحد إجمالاً: أسهل، وأصعب.

فالأصعب بملاحظة الواقع، والأسهل بملاحظة عدم تحمل الناس.

وفي مثل هذا يصح الخروج عن الأصعب إلى الأسهل، مثل الخروج عن عقد الدوام إلى المتعة، أو عن الحضر في باب الصيام إلى السفر، ومثل الخروج عن الزكاة بتبديل بعض النصاب، وعن الخمس بصرف المال الزائد في مسجد أو مدرسة أو حسينية أو ما أشبه، وكذلك الخروج من قيود المعاملات كالبيع ونحوه إلى الصلح، فإن الصلح يغتفر فيه ما لا يغتفر في البيع ونحوه، وهكذا.

وهذا يعني: الخروج من الأصعب إلى الأسهل في موارده ـ كما عرفت ـ جائز وصحيح، وقد لاحظ الشرع الواقع من ناحية، وضعف الإنسان عن التطبيق في كثير من الموارد من ناحية ثانية.

أما التحايل على القانون، فهو إلباس الباطل بلباس الحق، وهذا ما يدركه العرف ويحس به الإنسان من باطنه، وهو لا يجوز، مثل اصطياد اليهود السمك في يوم السبت في الأحواض، فإنه كان تحايلاً على القانون، لا خروجاً عن قانون إلى قانون.

والتمييز بين الأمرين موكول إلى ذكاء القضاة ونزاهتهم، بالإضافة إلى عرف المتشرعة.

وعليه: فالخروج جائز ويجب أن يحكم له أو عليه حسب القانون الآخر، والتحايل ممنوع فيجب ردعه ومنعه وتأديبه حسب المقرر شرعاً، وهذه المسألة تجري في المرور وغيره كما لا يخفى.

القانون بين المراد والمستفاد

مسألة: وهناك أمر ثالث في القانون، سواء المرور وغيره، يلزم ملاحظته وهو: وجود الفرق بين (المراد) و(المستفاد) من القانون، إذ قد يكون مراد المقنّن شيئاً، وقد لا يكون مراده شيئاً وإنما يستفاد من كلامه، وفي الثاني لا يصح لأن يقال: أنه مراده.

مثلاً قال الله سبحانه: (لا تقربا هذه الشجرة)(1) فإن المستفاد من الآية مستثنى ومستثنى منه: إن المحللات أكثر من المحرمات، لكن هل يمكن أن يقال رغم عدم غفلة الشرع عنه: إن مراد القرآن الكريم بهذه الآية إفادة ذلك؟

وعليه: فاللازم لشراح القانون التمييز بين الأمرين وله آثار علمية وآثار عملية كما لا يخفى.

الدستور وشورى الفقهاء

مسألة: ذكرنا في بعض كتبنا الفقهية وغيرها: أن في الدولة الإسلامية يلزم شورى الفقهاء المراجع، ويحكمون عند الاختلاف بأكثرية الآراء، مضافاً إلى الأحزاب الحرة الإسلامية أو الوطنية التي تريد عمارة البلاد وإسعاد العباد.

وهذان يتعاونان في تعيين الدولة وتقويتها، وإرساء دعائم العدل والتقدم، فلا دستور وقانون أساسي في الإسلام، بل الدستور والقانون الأساسي موجب للفوضى، وذلك لأنه هل المرجع في استنباط الأحكام المحتاج إليها، والحوادث الواقعة والمبتلى بها، هو: الأدلة الأربعة والفقهاء المراجع، أو الدستور والقانون الأساسي؟ فمع وجود الأول لا حاجة إلى الثاني، فإنه إما باطل أو لغو.

لا يقال: يستفاد من الأول الثاني.

لأنه يقال: يلزم الاستفادة من الفقهاء المراجع الأحياء، والرجوع إليهم لا غيرهم، فهم نواب الأئمة (ع) في كل عصر ومصر، وهم المرجع الأعلى في الحوادث الواقعة، لا ما استفاده السابقون، حتى وإن كان القانون الأساسي وضع على رأي السابقين من المراجع، وإلا كان من تقليد الميت الابتدائي، وفي عالم اليوم بعض الحكومات التي ليس لها دستور وقانون أساسي مع أنها تعدّ نفسها من الحكومات التقدمية.

القوى الثلاث في الدولة الإسلامية

وعلى أي: فالفقهاء المراجع هم قوة التشريع إن صح التعبير، وإلا فهي في الحقيقة قوة التطبيق، وهم قوة القضاء، وقوة التنفيذ، مما يسمى في الاصطلاح بالقوى الثلاث في الدولة الإسلامية.

والقضاء الذي نحن بصدده إنما يكون لأجل فصل الخصومات، وحسم النزاعات ـ سواء كانت في مسائل المرور أم في غيرها ـ ولبسط العدل في الناس، والإشراف على حسن إجراء القوانين، وكشف الجرائم، وإجراء العقوبات على المجرمين، والحيلولة دون وقوع الجرائم، كل ذلك حسب الإطار الإسلامي، وعلى ما طبقه الرسول وأمير المؤمنين علي (صلوات الله عليهما).

وبذلك يظهر أن ما يجري الآن بالنسبة إلى الدستور والقانون الأساسي وغيره في بلاد الإسلام إما خارج مطلقاً عن القانون الإسلامي، وإما مزيج من الإسلام وقوانين الغرب والشرق والأهواء.

هذا بالنسبة إلى أصل القانون، وأما التطبيق في بلاد الإسلام فهو أسوأ وأسوأ بكثير، لأنهم يقولون ما لا يفعلون كما يشاهد ذلك في كل بلاد الإسلام.

شورى الفقهاء والعناوين الثانوية

مسألة: إن الحكم في مطلق الأمور سواء المرور وغيره لا يتغير إلا بالموازين الشرعية، أمثال: العسر والحرج والضرر وقانون الأهم والمهم، وقانون الإلزام والاضطرار وما أشبه ذلك، وتشخيص هذه الأمور حدوداً وتطبيقاً بيد الفقيه بالنسبة إلى مقلديه، وبيد شورى الفقهاء المراجع، بالنسبة إلى الدولة الإسلامية.

وقد ذكرنا في الكتب الفقهية والأصولية: أن العسر بدني كتحمل الإنسان شدة الحر.

والحرج نفسي كضيق الإنسان ضيقاً شديداً من جهة الخجل والحياء.

والضرر يشمل البدن والمال والعرض.

وقانون الأهم والمهم وإن لم يذكر بهذا اللفظ في الشريعة إلا أن له موارد كثيرة من الصغريات مما يستكشف منها كبرى كلية.

منها: مثل ما ورد في حرمة الخمر حيث تقول الآية الكريمة: (وإثمهما أكبر من نفعهما)(2).

ومثل القتال في الشهر الحرام حيث إن غيره أهم منه، وقد قال سبحانه: (وإخراج أهله منه أكبر)(3).

ومثل فداء المرأة لطلاق الخلع، حيث قال سبحانه: (فلا جناح عليهما فيما افتدت به)(4).

ومثل قوله تعالى: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)(5).

ومثل قول الرسول(ص): «لولا أن الناس يقولون».

ومثل قوله (ص) : «لولا أن قومك حديثو عهد بالإسلام»(6).

ومثل قول علي (ع) : «أما حقي فقد تركته مخافة أن يرتد الناس».

ومثل قول علي (ع) : «أما السب فسبوني»(7) مع وضوح أنه كان من الحكم، وإن كان الحق يطلق عليه، كما أن العكس صحيح أيضاً، حيث انهما من قبيل الجار والمجرور والظرف.

ومثل رفع أمير المؤمنين علي (ع) الحدّ عن امرأة زنت اضطراراً لشرب الماء، وإلى غير ذلك من الأمثلة المتوفرة في الروايات.

وقانون الإلزام فيه نص وفتوى كما ذكروه في باب الطلاق والإرث والنكاح وغيرها(8).

وقال علي(ع): «لو ثنيت لي الوسادة..»(9).

والاضطرار يسقط الأحكام أيضاً لدليل الرفع(10) وغيره.

العناوين الثانوية بين الإثبات والإسقاط

مسألة: ثم إنا لم نستبعد في الكتب الفقهية أن للحاكم الشرعي الجامع للشرائط، أو شورى الفقهاء المراجع بالنسبة إلى الدولة الإسلامية، إذا رأوا المصلحة في الحكم الثانوي بعد دراسة الموضوع دراسة تامة، الفتوى بحكمٍ إسقاطاً أو إثباتاً، كما وضع أمير المؤمنين (ع) الزكاة على الفرس(11)، وأخذ بعض الأئمة (عليهم الصلاة والسلام) خمسين مكان خمس واحد، وعفا أمير المؤمنين (ع) عن السارق لحفظه سورة البقرة، وإلى غير ذلك مما ذكرناه في كتاب (فقه الدولة)(12) وغيره.

وهذه المستثنيات هي التي يصطلح عليها بالعنوان الثانوي، لكن يشترط فيها أمران:

أولاً: أن تشخيصها بيد الفقيه بالنسبة إلى مقلديه، وشورى الفقهاء المراجع بالنسبة إلى الدولة الإسلامية.

ثانياً: أنه ليس لها صبغة القانون الدائم، وإنما لها صبغة التوقيت والاستثناء، ولذا قال (ع) في أخذه خمسين (عامي هذا).

ولا يخفى أن هذه القواعد الاستثنائية كل واحد منها بحاجة إلى رسالة حول تفصيلها، كما كتبوا رسائل حول (لا ضرر) ونحوه، وذلك لكثرة فروعها وتشعبها والاختلاف في بعضها مفهوماً أو مصداقاً.

مثلاً: قانون الإلزام المرتبط بغير المسلمين وغير الموالين ما هي حدوده؟

فإنه لا إشكال في جواز بعضه، مثل الزواج من المطلقة عند العامة طلاقاً باطلاً عندنا.

كما لا إشكال في عدم جواز بعضه، مثل الزنا بامرأة كافرة لا ترى الحرمة في ذلك.

وفي بعضه إشكال وخلاف، مثل ما إذا طلقت الكتابية بما يخالف دينها ويوافق قانونها، كما هي الحال الآن في الغرب، فهل يلاحظ الدين حيث يبطل الطلاق فتكون زوجة للزوج السابق، أو يصح باعتبار أن القانون المتعارف في بلادهم يجوزه؟ أو مثلاً: هل يجوز أن نتزوج براهبة بينما دينها يحرم ذلك وإنما القانون عندهم يجوزه، أو إذا فرض العكس في بعض الفروع بأن منعه قانونهم وجوزه دينهم، وإلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة التي هي بحاجة إلى التنقيح المفهومي، والتطبيق المصداقي(13).

حق العفو والمصالحة

مسألة: المجني عليه مطلقاً، سواء في قضايا المرور وغيره، له حق العفو أو الصلح أو ما أشبه إذا كان من الحقوق المصطلحة في الفقه كما تقدم، أما إذا كان من الأحكام فلا حق له في العفو، بمعنى أن عفوه لا ينفع في إسقاط الحكم الشرعي، فإذا زنى ـ مثلاً ـ بامرأة فعفت عنه لم ينفع في رفع الحد عن الزاني، أما إذا أتلف مالاً أو عضواً أو قوةً فعفى المجني عليه عن الجاني سقط حقه ولا شيء على الجاني، إلا إذا رأى الحاكم الشرعي الصلاح في معاقبته بالحكم الثانوي.

ويؤيده ما روي عن أمير المؤمنين علي (ع) من أنه صفع صافع إنساناً عمداً بعد أن قال المجني عليه عفوت عنه، حيث قال(ع): أين حق السلطان؟ والحديث ضعيف السند إلا أن الاستثناء على القاعدة.

ولا يبعد أن يكون القتل كذلك إذا عفى المقتول عن القاتل، كما إذا ضربه ضربة قاتلة فقال قبل موته: عفوت عنك، ويدل عليه وحدة السياق في: (النفس بالنفس والعين بالعين)(14) وما أشبه ذلك من الآيات والروايات، بالإضافة إلى صحة براءة الطبيب مما دل عليه النص والشهرة.

وكذلك فيما إذا كان القتل من باب الأهم والمهم، مثل ما لو كان الجنين بوضعه الطبيعي يؤدي إلى قتل الأم، فللأم الحق في الدفاع عن نفسها بإسقاطه، إذ لا يشترط في الدفاع أن يكون المهاجم عامداً أو غير عامد، عاقلاً أو غير عاقل، كبيراً أو صغيراً، أو ما أشبه ذلك، فللإنسان حق الدفاع عن نفسه وإن لم يكن المهاجم عاقلاً أو كبيراً أو ما أشبه ذلك.

من أقسام الحق

مسألة: الحق في مطلق القضايا من مرور وغيره، قد يكون لمتعدد على واحد، أو عكسه، وقد يكون لواحد على واحد، أو للمتعدد كذلك، فالأقسام أربعة حاصلة من ضرب المتعدد في الواحد أو المتعدد، وضرب الواحد في الواحد أو المتعدد.

وفي المتحد إما يكون بالتساوي أو بالاختلاف، كأن يكون لكل من زيد وعمرو مال على بكر أحدهما دينار والآخر ديناران.

وفي المتعدد قد يكون قابل التطبيق كالأموال والشجاج، وقد لا يكون قابل التطبيق مثل القصاص في النفس، كما إذا قتل زيد نفرين حيث لا يمكن لوليهما القصاص من القاتل، بل لأحدهما القصاص وللآخر الدية، وإذا اشتركا في القصاص فلكل ولي نصف الدية.

ثم انه قد يكون الحق واضحاً، وقد يكون مختلفاً فيه بين الفقهاء، وحينئذٍ فإن عيّن شورى الفقهاء المراجع في الدولة الإسلامية أحد الطرفين بأكثرية الآراء فهو، وإن اختلفا متساويين فاللازم الصلح أو القرعة.

مثلاً: اختلف الفقهاء في تقسيم الإرث إذا كان للميت ولدان محققاً، وولد ثالث مختلف فيه، فنفى أحد الولدين الثالث المختلف فيه، وأثبته الآخر، فالنافي يأخذ النصف، لكن الكلام في المثبت: هل انه يأخذ الثلث أو الأقل؟

فإذا كان الإرث ـ مثلاً ـ ثلاثة دنانير فللنافي دينار ونصف، أما المثبت فهل له دينار، والنصف الزائد يعطيه للثالث، إذ نصف الدينار الآخر الذي هو حق هذا الثالث في الواقع إن كان ولداً للميت، قد أخذه أخوه النافي فلا ربط له بالأخ المثبت، أو يلزم على المثبت أن يعطي لهذا الثالث ثلاثة أرباع الدينار، باعتبار أن الأخ النافي يكون كالغاصب بالنتيجة، فالأخوان الآخران يكونان كأنهما قد حصلا على إرث قدره دينار ونصف فقط؟ ومعه فاللازم عليهما التقسيم بالتساوي إذ المال الباقي مشترك بينهما، فلا حق لأحدهما أن يأخذ ديناراً ويعطي للآخر نصف الدينار، والمفروض أنهما مشتركان في الإرث، إذ هذا ليس أولى من العكس بأن يأخذ الأخ الثالث ديناراً ويأخذ الأخ المثبت نصف الدينار.

ومثل هذا الكلام يأتي فيما إذا غصب الغاصب من الأخوة الثلاثة ديناراً ونصفاً فإن كل واحد منهم يأخذ نصف دينار إذ الباقي للكل بالتساوي كما إن الذاهب من الثلاثة بالتساوي أيضاً.

حكمة جزاء الجرائم

مسألة: حكمة الجزاء على الجرائم، سواء تعلق بالمرور أم بغيره، وفرض العقوبة على المجرمين، سواء في مجال المرور أم غيره، تظهر عند انضمام العقل الذي هو حجة باطنة إلى الشرع الذي هو حجة ظاهرة في أمور تالية:

الأول: أن يذوق المجرم وبال أمره، فإن الأعمال كالأفكار والأقوال بذور تنبت وتثمر، وتخضّر وتولد المثل.

قال سبحانه: (ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمةً طيبةً كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء)(15).

وقال تعالى: (ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض)(16).

وقال سبحانه: (إنما تجزون ما كنتم تعملون)(17).

ولا فرق في هذا بين أن يكون الجزاء بدون اختيار أحد، مثل جزاء غير المبالي بأكله حيث يصيبه المرض ـ مثلاً ـ، أو باختياره كعدم احترام الاجتماع لمن لا يحترمهم، والجزاء العقابي من قبيل الثاني عادةً.

الثاني: أن يتوب المجرم ويصلح في المستقبل ولا يعود إلى ما كان عليه، والإصلاح منتف في قتل المجرم.

الثالث: أن يكون عبرة لغيره، فلا يقدم أحد على مثل ما أقدم عليه.

الرابع: أن يحفظ المجتمع من المفاسد وآثارها، كالخوف واللاأمن وما أشبه ذلك، وهذا أيضاً قد ينتفي فيما إذا نُفي المجرم عن الاجتماع وعُلم أنه لا مجرم آخر إطلاقاً حتى يكون عقاب المجرم الأول رادعاً لهذا المجرم الثاني فرضاً، أو هاجر المجتمع عن القرية مثلاً إلى مكان آخر حيث بقي المجرم وحده فيها ولا يتمكن من الالتحاق بهم، فإن عقوبته لا يترتب عليه حفظ المجتمع.

وهذه من حِكم قوانين الجزاء، وهناك حِكم أخرى مذكورة في أبوابها(18).

أقسام المجرمين

مسألة: المجرمون على الإطلاق سواء في المرور أم في غيره على أقسام، حسب ما يظهر من العقل والشرع:

الأول: من كانت فطرته تساعد على إجرامه بنحو المقتضى لا العلة التامة، فإن إجرامه ليس ناشئاً عن إرادة محضة بل هي جزء العلة، كما ورد في ولد الزنا من أنه يحن إلى الحرام، ولا يخفى أن هذا لا يكون جبراً، ولذا يصح العقاب عليه.

الثاني: المجرم اتفاقاً، أي: أن ضعف نفسه أوجب إجرامه لظرف زماني أو مكاني خاص، لا إنه تعمد عمداً كاملاً أو أنه شرير مثلاً، وهذا أيضاً كالأول ليس جرمه ناشئاً عن إرادة محضة.

الثالث: المجرم بسبب عامل مهيج بدون تخطيط مسبق، وهذا أهون ممن خطط للجرم.

الرابع: الذي اعتاد الجرم ويخطط له، كالسارق بالعادة، والزاني كذلك، وإلى غيرهما.

الخامس: المجرم اضطراراً، كالمرأة التي سلمت نفسها للزنا لأجل تحصيل الماء، حيث إن من كان عنده الماء لم يسقها إلا في مقابل الزنا بها، وخافت على نفسها أن تموت عطشاً إذا لم تشرب الماء.

السادس: المجرم الذي هو كالسفيه والمعتوه والصغير ومن أشبه.

السابع: المجرم الذي يعاقب بعقاب أقل من جهة الضعف الاجتماعي الذي أصابه، كالإماء والعبيد، ولذا قرر الشرع قلة عقابهما.

قال الله تعالى: (فعليهنّ نصف ما على المحصنات من العذاب)(19).

وفي حديث أن أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) بيّن ستة أقسام من المجرمين، وذلك في قضية خاصة حسب ما قرره الشرع من الأحكام.

وقد تكون هناك أقسام أخرى للمجرم، حيث أن مثل هذا التصنيف الذي ذكرناه بحاجة إلى علماء النفس، وعلماء الاجتماع، مضافاً إلى علماء الشريعة، ثم استقصاء سوابق كل مجرم ثم الحكم بالعقوبة نفياً أو إثباتاً، شدة أو ضعفاً، فإن أمكن توفير كل ذلك فهو، وإلا فاللازم أن تكون شدة العقاب وخفته مضافاً إلى أصله حسب قانون (الحدود تدرأ بالشبهات)(20) وغيره، فإنه أعم من أصل الحد أو شدته، والمتبع الشرع على ما ذكره الفقهاء.

وإنما قسمنا هذا التقسيم إلماعاً إلى اختلاف المجرمين بالمعنى الواقعي، ولعله في الآخرة يكون ذلك مورد الأخذ والعطاء في درجات العقاب، لأن الله سبحانه وتعالى يطبق العدل الكامل في الآخرة كما ورد في الأحاديث وألمعنا إليه في (فقه الدولة) وغيره.

العقوبات واختلاف الأجواء والظروف

مسألة: اللازم في تنفيذ العقوبات مطلقاً سواء كان مرتبطاً بالمرور أم بغيره، ملاحظة الجو السياسي والاجتماعي والاقتصادي وما أشبه ذلك لوضوح أن الجو إذا لم يكن صالحاً تكثر الجرائم.

مثلاً: الشاب الذي لا يتمكن من الزواج لسوء قوانين الدولة، ولأجل ضعف الاقتصاد الساري في بلده، وللقيود الكثيرة من جهة المراسيم الاجتماعية الكابتة، فإنه أقرب إلى الانحراف من الشاب الذي ليس له شيء من هذه العوامل.

ومن الواضح أن يكون جرم الثاني أقوى من جرم الأول وإن كان كلاهما ارتكب عملاً شائناً، ولذا قرر الإسلام عدم الحد على السرقة في المخمصة، ولعل قوله سبحانه: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها)(21) يلمع إلى مثل ذلك، وهناك شواهد أخر مذكورة في (كتاب الحدود) وغيره.

كما أن للثقافة الصحيحة تأثيراً واضحاً على قلة الجريمة، فإن الإيمان بالله واليوم الآخر من أقوى روادع الجريمة، وكذلك العلم والجهل لهما مدخلية في قلة الجريمة وكثرتها، ولذا رفع أمير المؤمنين علي (عليه الصلاة والسلام) العقاب عن شارب خمر لم يكن يعلم بأنها حرام(22).

العقاب الأخف والأقل

مسألة: ثم انه من اللازم فيما إذا كان للقاضي توسعة في العقاب والحدود كمّاً وكيفاً، وكان مخيّراً بين الأقل والأكثر، أن يلاحظ الأقل فالأقل إيلاماً وخشونةً، فالسجن والتبعيد والغرامات المالية والحرمان عن بعض الحقوق وما أشبه ذلك أولى من غيرها، والدرجات الأقل والأخف أولى من الأكثر والأشد.

مثلاً: السجن القليل أولى من الكثير، والتبعيد لمدة شهر أولى من التبعيد لمدة شهرين، وغرامة دينار أولى من غرامة دينارين، والحرمان عن الانتخاب منتخَباً ومنتخِباً لمدة سنة أولى من الحرمان عشر سنوات، وهكذا.

وقد كان بعض المصلحين يخرج الطفل من الصف إذا أذنب، وكان هذا إهانة اجتماعية له، فلا يضربه لأن الضرب أكثر خشونة من الإخراج عن الصف.

كما أن بعض الحكومات كانت تعاقب من خالف قانون المرور بأخذ سيارته وإلقائها في مكان مجهول، حتى يتعب صاحبها في الفحص عنها، أو يمنع صاحبها عن سياقتها مدة زمنية قصيرة أو طويلة، وإلى غير ذلك.

هذا وليس المقصود هنا اتباعهم في هذه الأمور في الدولة الإسلامية، بل المراد الإلماع إلى أنه إذا صح مثل ذلك في رأي شورى الفقهاء المراجع لأدلة عامة مثل قوانين: (لا ضرر) و(الأهم والمهم) أو ما أشبه ذلك، فإنه يمكن اتباعها، بل اتباع الأخف والأقل والأيسر منها، قال تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)(23).

 

1 ـ سورة البقرة: 35. 

2 ـ سورة البقرة: 219. 

3 ـ سورة البقرة: 217. 

4 ـ سورة البقرة: 229. 

5 ـ سورة النحل: 106. 

6 ـ راجع العمدة ص 317 ح532 حديث حريق الكعبة. وفيه: (حديثو عهد بالشرك). 

7 ـ بحار الأنوار: ج39 ص325 ب88 ح27. 

8 ـ راجع موسوعة الفقه كتاب القواعد الفقهية، مبحث قانون الإلزام. 

9 ـ راجع بحار الأنوار: ج10 ص118 ب8 ح1. 

10 ـ راجع الكافي: ج2 ص463 ح2، والكافي: ج2 ص462 ح1. 

11 ـ قال في الشرائع، كتاب الزكاة: (الخيل إذا كانت إناثاً سائمة وحال عليها الحول، ففي العتاق عن كل فرس ديناران، وفي البراذين عن كل فرس دينار، استحبابا. شرائع الإسلام، ج1 ص124-125 مع تعليقات آية الله السيد صادق الشيرازي. 

12 ـ موسوعة الفقه: ج101- 102. 

13 ـ لقد تطرق الإمام الشيرازي إلى كثير من مباحث هذه القواعد وفروعها في كتابه القيم (القواعد الفقهية). 

14 ـ إشارة إلى قوله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص). سورة المائدة: 45. 

15 ـ سورة إبراهيم: 24. 

16 ـ سورة إبراهيم: 26. 

17 ـ سورة التحريم: 7. 

18 ـ راجع موسوعة الفقه: ج87-88 كتاب (الحدود والتعزيرات) وج89 كتاب (القصاص) وج90-91 كتاب (الديات). 

19 ـ سورة النساء: 25. 

20 ـ مستدرك الوسائل: ج18 ص26 ب21 ح21911. 

21 ـ سورة الأعراف: 56. 

22 ـ راجع وسائل الشيعة: ج18 ص324 ب14 ح4. 

23 ـ سورة البقرة: 185.